"أجنحة تغير مسارها".. لا ملاذ لطيور روسيا وسيبيريا في العراق

مرتضى الحدود

28 نوفمبر 2022

لآلاف السنين، كانت أهوار العراق واحدة من بلدان هجرة الطيور المعروفة، لكنها ليست كذلك بعد الآن.. فنحو نصف الطيور الروسيّة والسيبيرية الزاهية لم تعد تجد في هذه البلاد ملاذاً.. تعرف على قصة "الطيور القمامة" والبجع والصقور..

لآلاف السنين، كان العراق بلد هجرة موسميّة للطيور الروسيّة والسيبيرية الزاهية، لكن الحال تغيّرت الآن. 

فأهوار ذي قار، التي كانت تستقبل في شتاءاتها طيوراً ملوّنة، ستفقد نصف عدد الطيور التي اعتادت على استقبالها. 

هذه الحيوانات التي تقطع آلاف الكيلومترات بحثاً عن الدفء والمياه غيّرت مسارها. فالأراضي التي كانت تشقّها الأنهار، وتمخر مياهها القوارب الصغيرة، وتنمو على جوانبها الأحراش والقصب، صارت متشقّقة من الجفاف. 

الأهوار، المسطحات المائية العملاقة، تعد واحدة من أندر الأنظمة البيئية على مستوى العالم لما تمتلكه من تنوع أحيائي واسع ممتد لآلاف السنين. 

أدرجتها منظمة اليونسكو ضمن لائحة التراث العالمي عام 2016، ووصفتها بأنها فريدة من نوعها. 

لكنها اليوم ليست على ما يرام. 

أرض متشققة 

تصل المياه إلى الأهوار من نهري دجلة والفرات عبر قنوات مائية طبيعية، ومع انخفاض مناسيب هذين النهرين بسبب قلة الأمطار وتقليص الإطلاقات من تركيا حيث ينبعان، بدأت تجف شيئا فشيئا. 

نسبة الإغمار فيها حاليا لا تتجاوز 3 بالمئة. 

اقرأ أيضاً

“طعام وعدو”.. الرصاص والأغاني الصاخبة لخنازير كردستان 

قال جاسم الأسدي، رئيس منظمة “طبيعة العراق”، إن “وزارة الموارد المائية خططت بعد عام 2003 لإغمار 5560كيلومتراً مربعاً من مساحة الأهوار، والمساحة الجافة حاليا تبلغ 5400 كيلومتر مربع”. 

“أعلى نسبة إغمار كانت عام 2019 حيث بلغت 98 بالمئة” أضاف الأسدي. 

لم يبق من الأهوار في الوقت الراهن سوى جداول وأنهر ضيقة ومساحات بسيطة مغمورة بالمياه، أما المساحة الأعظم منها فهي أرض يابسة متشققة. 

هذا الواقع الذي أدى إلى هجرة الآلاف السكّان، لم يعد يجذب الطيور المهاجرة أيضاً. 

تغيير المسار 

كانت الأهوار تستقطب نحو 40 ألف طائر سنوياً، وكانت ذي قار صاحبة النصيب الأكبر منها، لأن أهوارها تشكل نحو 60 بالمئة من مجمل أهوار الجنوب. 

تشهد المدة المحصورة بين تشرين الثاني وآذار من السنة موسم استقرار الطيور المهاجرة نحو هذه البقعة المائية بعد انجماد بلدانها الباردة.

تنطلق الطيور المهاجرة من روسيا وجنوب سيبيريا، كشمال القوقاز وكازاخستان والسهوب السيبيرية وشرق أوروبا وشمال شرق إيران، متخذة من المناطق اليابسة طريقا للتنقل، متفادية عبور البحار، فهي لا تقوى على التحليق مدة طويلة في الهواء. 

تتخذ هذه الطيور خطين معروفين في الهجرة هما الآسيوي والسيبيري بعد أن تزداد برودة تلك المناطق وتبدأ مرحلة الجليد.

قال عمر الشيخلي، المدير الفني لمنظمة “المناخ الأخضر” العراقية إن “طيور تلك المناطق تنطلق نحو الأهوار لتتوقف فيها من أجل الاستراحة، حيث تستقر فيها أياما وتارة أسابيع، وأحيانا تبقى فصلا متكاملا تتكاثر خلاله قبل أن تعود إلى مواطنها مع بداية موسم الصيف، فيما يكمل قسم آخر مسيره نحو المناطق الأفريقية”. 

الجفاف يضرب ما تبقى من الأهوار

وأبرز هذه الطيور البجع الأبيض، والعقاب الإمبراطوري الشرقي، وعقاب البادية، والبط ذو الرأس الأبيض، والوز ذو الصدر الأحمر، والبط القطني، وطيور أخرى مهددة بالانقراض. 

تقول دراسة أعدتها جامعة واسط إن الأهوار تعد ملاذاً لأكثر من 270 صنفاً من الطيور المهددة بالانقراض مثل الخضيري الحذاف وطائر الفلامنكو والشاهين والبرهان والقطقاط والرفراف وأبو زلة والشهرمان. 

تتغذى هذه الطيور على الأحياء التي تعيش في الأهوار كالضفادع، والأسماك، والحشرات، والزواحف. 

غاب غذاؤها في ظل الجفاف. 

منذ العام الماضي لوحظ انخفاض عدد الطيور الوافدة. 

يدفع الجفاف أسراب الطيور المهاجرة إلى التوجه نحو أقرب المناطق المتمتعة بوفرة مائية. 

إنها تذهب إلى أهوار إيران القريبة من الحدود العراقية. 

قسم منها يتجه نحو الكويت أو الإمارات، والبعض يهبط عند بحيرتي دوكان ودربندخان في السليمانية شمالي العراق. 

قال عارف شمخي، مسؤول وحدة التنوع الأحيائي في مديرية بيئة ذي قار، إن “أهوار جنوب العراق تستقبل 30 إلى 40 ألف طائر سنويا، 70 بالمئة منها تدخل أهوار ذي قار”. 

لكن حديث شمخي يخص الظروف الطبيعية. 

ثمة سبب آخر يدفع الطيور المهاجرة إلى العزوف عن ارتياد أهوار العراق. 

إنه الصيد الجائر. 

تشير مديرية بيئة ذي قار إلى أن أسراب الطيور المهاجرة انخفضت إلى النصف أو أقل، فالأعداد الوافدة باتت لا تتجاوز 12 ألف طائر سنويا بسبب الجفاف والصيد الجائر. 

غياب مؤثر 

توافد الطيور لا يشكل ضربا من ضروب ترف الطبيعة فحسب، بل أنه يساهم بدرجة كبيرة في منع تحول النظام البيئي إلى مصدر خطر على السكان. 

قال ليث العبيدي، الخبير في التنوع الأحيائي، إن “قلة أعداد الطيور المهاجرة تخل بالبيئة الحيوانية وتتسبب بظهور كائنات لم تكن تجرؤ على الظهور سابقا”. 

بحسب العبيدي، توجد حيوانات نافقة لا يمكن الوصول إليها أو التخلص منها إلا من خلال بعض أنواع الطيور التي يطلق عليها اسم “الطيور القمّامة”. 

بعض مناطق الأهوار التي تحتفظ بالمياه

تتغذى الطيور القمّامة على جيف الحيوانات النافقة، وبالتالي تساهم في تنظيف البيئة والحفاظ عليها. 

بعض أصناف الطيور تتغذى على الحشرات واليرقات والزواحف. 

“أي اختلال في هذه السلسلة يعني تلاعبا ببيئة الحيوان، وهو ما يؤدي في النهاية إلى نزوح الحيوانات نحو أماكن قد يسكنها البشر، لذا نشاهد بين حين وآخر هجوم حيوانات مفترسة أو زواحف على الأهالي في المناطق القريبة من الأهوار” قال العبيدي. 

تنصب كل أحاديث المتخصصين على أن حل مشكلة الجفاف ومشكلات البيئة الناجمة عنه، يكمن في التفاوض الفاعل مع دول المنبع للحصول على كميات أكبر من المياه. 

حتى حلول زمن التفاوض ونجاحه، ستفارق الأهوار آلاف الطيور القادمة من الشمال، بعد أن فارقت الخضرة والمياه. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويب؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media

اقرأ ايضاً

لآلاف السنين، كان العراق بلد هجرة موسميّة للطيور الروسيّة والسيبيرية الزاهية، لكن الحال تغيّرت الآن. 

فأهوار ذي قار، التي كانت تستقبل في شتاءاتها طيوراً ملوّنة، ستفقد نصف عدد الطيور التي اعتادت على استقبالها. 

هذه الحيوانات التي تقطع آلاف الكيلومترات بحثاً عن الدفء والمياه غيّرت مسارها. فالأراضي التي كانت تشقّها الأنهار، وتمخر مياهها القوارب الصغيرة، وتنمو على جوانبها الأحراش والقصب، صارت متشقّقة من الجفاف. 

الأهوار، المسطحات المائية العملاقة، تعد واحدة من أندر الأنظمة البيئية على مستوى العالم لما تمتلكه من تنوع أحيائي واسع ممتد لآلاف السنين. 

أدرجتها منظمة اليونسكو ضمن لائحة التراث العالمي عام 2016، ووصفتها بأنها فريدة من نوعها. 

لكنها اليوم ليست على ما يرام. 

أرض متشققة 

تصل المياه إلى الأهوار من نهري دجلة والفرات عبر قنوات مائية طبيعية، ومع انخفاض مناسيب هذين النهرين بسبب قلة الأمطار وتقليص الإطلاقات من تركيا حيث ينبعان، بدأت تجف شيئا فشيئا. 

نسبة الإغمار فيها حاليا لا تتجاوز 3 بالمئة. 

اقرأ أيضاً

“طعام وعدو”.. الرصاص والأغاني الصاخبة لخنازير كردستان 

قال جاسم الأسدي، رئيس منظمة “طبيعة العراق”، إن “وزارة الموارد المائية خططت بعد عام 2003 لإغمار 5560كيلومتراً مربعاً من مساحة الأهوار، والمساحة الجافة حاليا تبلغ 5400 كيلومتر مربع”. 

“أعلى نسبة إغمار كانت عام 2019 حيث بلغت 98 بالمئة” أضاف الأسدي. 

لم يبق من الأهوار في الوقت الراهن سوى جداول وأنهر ضيقة ومساحات بسيطة مغمورة بالمياه، أما المساحة الأعظم منها فهي أرض يابسة متشققة. 

هذا الواقع الذي أدى إلى هجرة الآلاف السكّان، لم يعد يجذب الطيور المهاجرة أيضاً. 

تغيير المسار 

كانت الأهوار تستقطب نحو 40 ألف طائر سنوياً، وكانت ذي قار صاحبة النصيب الأكبر منها، لأن أهوارها تشكل نحو 60 بالمئة من مجمل أهوار الجنوب. 

تشهد المدة المحصورة بين تشرين الثاني وآذار من السنة موسم استقرار الطيور المهاجرة نحو هذه البقعة المائية بعد انجماد بلدانها الباردة.

تنطلق الطيور المهاجرة من روسيا وجنوب سيبيريا، كشمال القوقاز وكازاخستان والسهوب السيبيرية وشرق أوروبا وشمال شرق إيران، متخذة من المناطق اليابسة طريقا للتنقل، متفادية عبور البحار، فهي لا تقوى على التحليق مدة طويلة في الهواء. 

تتخذ هذه الطيور خطين معروفين في الهجرة هما الآسيوي والسيبيري بعد أن تزداد برودة تلك المناطق وتبدأ مرحلة الجليد.

قال عمر الشيخلي، المدير الفني لمنظمة “المناخ الأخضر” العراقية إن “طيور تلك المناطق تنطلق نحو الأهوار لتتوقف فيها من أجل الاستراحة، حيث تستقر فيها أياما وتارة أسابيع، وأحيانا تبقى فصلا متكاملا تتكاثر خلاله قبل أن تعود إلى مواطنها مع بداية موسم الصيف، فيما يكمل قسم آخر مسيره نحو المناطق الأفريقية”. 

الجفاف يضرب ما تبقى من الأهوار

وأبرز هذه الطيور البجع الأبيض، والعقاب الإمبراطوري الشرقي، وعقاب البادية، والبط ذو الرأس الأبيض، والوز ذو الصدر الأحمر، والبط القطني، وطيور أخرى مهددة بالانقراض. 

تقول دراسة أعدتها جامعة واسط إن الأهوار تعد ملاذاً لأكثر من 270 صنفاً من الطيور المهددة بالانقراض مثل الخضيري الحذاف وطائر الفلامنكو والشاهين والبرهان والقطقاط والرفراف وأبو زلة والشهرمان. 

تتغذى هذه الطيور على الأحياء التي تعيش في الأهوار كالضفادع، والأسماك، والحشرات، والزواحف. 

غاب غذاؤها في ظل الجفاف. 

منذ العام الماضي لوحظ انخفاض عدد الطيور الوافدة. 

يدفع الجفاف أسراب الطيور المهاجرة إلى التوجه نحو أقرب المناطق المتمتعة بوفرة مائية. 

إنها تذهب إلى أهوار إيران القريبة من الحدود العراقية. 

قسم منها يتجه نحو الكويت أو الإمارات، والبعض يهبط عند بحيرتي دوكان ودربندخان في السليمانية شمالي العراق. 

قال عارف شمخي، مسؤول وحدة التنوع الأحيائي في مديرية بيئة ذي قار، إن “أهوار جنوب العراق تستقبل 30 إلى 40 ألف طائر سنويا، 70 بالمئة منها تدخل أهوار ذي قار”. 

لكن حديث شمخي يخص الظروف الطبيعية. 

ثمة سبب آخر يدفع الطيور المهاجرة إلى العزوف عن ارتياد أهوار العراق. 

إنه الصيد الجائر. 

تشير مديرية بيئة ذي قار إلى أن أسراب الطيور المهاجرة انخفضت إلى النصف أو أقل، فالأعداد الوافدة باتت لا تتجاوز 12 ألف طائر سنويا بسبب الجفاف والصيد الجائر. 

غياب مؤثر 

توافد الطيور لا يشكل ضربا من ضروب ترف الطبيعة فحسب، بل أنه يساهم بدرجة كبيرة في منع تحول النظام البيئي إلى مصدر خطر على السكان. 

قال ليث العبيدي، الخبير في التنوع الأحيائي، إن “قلة أعداد الطيور المهاجرة تخل بالبيئة الحيوانية وتتسبب بظهور كائنات لم تكن تجرؤ على الظهور سابقا”. 

بحسب العبيدي، توجد حيوانات نافقة لا يمكن الوصول إليها أو التخلص منها إلا من خلال بعض أنواع الطيور التي يطلق عليها اسم “الطيور القمّامة”. 

بعض مناطق الأهوار التي تحتفظ بالمياه

تتغذى الطيور القمّامة على جيف الحيوانات النافقة، وبالتالي تساهم في تنظيف البيئة والحفاظ عليها. 

بعض أصناف الطيور تتغذى على الحشرات واليرقات والزواحف. 

“أي اختلال في هذه السلسلة يعني تلاعبا ببيئة الحيوان، وهو ما يؤدي في النهاية إلى نزوح الحيوانات نحو أماكن قد يسكنها البشر، لذا نشاهد بين حين وآخر هجوم حيوانات مفترسة أو زواحف على الأهالي في المناطق القريبة من الأهوار” قال العبيدي. 

تنصب كل أحاديث المتخصصين على أن حل مشكلة الجفاف ومشكلات البيئة الناجمة عنه، يكمن في التفاوض الفاعل مع دول المنبع للحصول على كميات أكبر من المياه. 

حتى حلول زمن التفاوض ونجاحه، ستفارق الأهوار آلاف الطيور القادمة من الشمال، بعد أن فارقت الخضرة والمياه.