فيدرالية العراق المشوّهة... عن "الإقليم السُني"  

فراس إلياس

25 نيسان 2024

برز مشروع إنشاء إقليم سُني، كوسيلة ضغط من القوى السياسية السنية على الحكومات في بغداد، بسبب السياسات التي مورست ضد المجتمع والزعامات، لكنّ المشروع تحوّل ورقة مساومة.. عن "الإقليم السُني" وفيدرالية العراق المشوّهة

لم تكن كأيّ رحلة، تلك التي زار خلالها محافظ الأنبار محمد نوري الكربولي ورئيس مجلس محافظتها عمر مشعان الدبوس، الجديدان، بغدادَ في 17 شباط الماضي؛ عادا منها محمّلَيْن بموقف غير مسبوق من قبل رئيس مجلس القضاء الأعلى في العراق القاضي فائق زيدان، حيث رفض، خلال استقبالهما “فكرة أقاليم أخرى في العراق” عدا إقليم كردستان، معتبراً إنها “تهدد وحدة العراق وأمنه”. 

أثارت تصريحات زيدان هذه، جدلاً قانونياً؛ لتناقضها مع الدستور الذي يجيز النظام الفيدرالي في العراق، ورغم إن دستور العراق لعام 2005 أشار بصورة واضحة في المادة 119 منه لفكرة الفيدرالية، إلاّ إن تصريحات زيدان هيّجت العديد من علامات الاستفهام، حول إقحام القضاء في صراعات سياسية. 

وبالحديث عن الأنبار، التي حملت لواء الإقليم السُني، فيبدو أن الخلاف حول قضية “الحكم الذاتي” سيبقى من القضايا التي يصارع بها رئيس مجلس النواب المقصيّ محمد الحلبوسي خصومه فيتهمونه بـ”نزعة إنفصالية”، ورغم تذكير الحلبوسي، في بيان، منتصف شهر شباط الماضي، برفض مواطني الأنبار الدستور الدائم الذي أقرَّ مبدأ الفيدرالية، فإنه لم يؤكد أو يستبعد إمكانية إقامة “إقليم الأنبار”. 

بمقابل ذلك، تلوّح قوى الإطار التنسيقي للحلبوسي بتهمة “السعي لتقسيم البلاد”، في سبيل تشتيت فكرة الإقليم التي يقرّها الدستور، خلافاً لفكرة التقسيم التي يرفضها القانون والدستور، خصوصاً وإن بغداد سبق ورفضت محاولة لمحافظة صلاح الدين شمال بغداد في عام 2013، لإنشاء إقليم فيدرالي طبقاً للدستور. 

تحاول أغلب تصريحات القادة السُنة في الوقت الراهن، وتحديداً تحالف تقدم، حشرَ الأقلمة في خانة الدستور العراقي، ونزع الصفة السياسية منها، بمقابل رفض يعتبره أنصار الأقلمة تجسيداً لخشية القوى الشعية وبعض السُنية، من الصعود السياسي لتحالف تقدم في الانتخابات المحلية الأخيرة، وتحديداً في الأنبار، التي يُضمر الحلبوسي طموحاً لجعلها الأساس الذي يقوم عليه مشروع الإقليم السُني في مرحلة مقبلة. 

اغتراب ومساومة 

ظهرت يافطات الإقليم السني، كردّ فعل تصعيدي على ما سُمّيَ بتهميش السُنة ودفعهم خارج دوائر صنع القرار، بالإضافة للاستخدام الإنتقائي للدستوري، وتحديداً بعد إقصاء محمد الحلبوسي من رئاسة مجلس النواب بقرار من المحكمة الاتحادية، ولكنّ الأهم هو أن الواقع السُني بعد نهاية الحرب على تنظيم “داعش”، لا زال يعاني من المشكلات ذاتها، التي واجهها بعد احتلال العراق عام 2003، وإخفاقات كبيرة للقوى السياسية السنية. 

يوفّر استمرار اغتراب المجتمع السُنّي عن الدولة، قوةً دافعة لمشروع الإقليم السُني، خصوصاً مع فيدرالية غير متكافئة، وفّرت للكرد وحدهم الحكم الذاتي بصلاحيات واسعة، بما في ذلك حصة كبيرة من الميزانية وسيطرة محدودة للحكومة الإتحادية على الموارد الطبيعية والمنافذ الحدودية في الإقليم. في مقابل ذلك، كان للشيعة مواقف متنوعة ومتباينة بمسألة الفيدرالية، ففي عام 2019، دعا أعضاء مجلس محافظة البصرة، إلى تحويل محافظتهم إقليماً، للحصول على حصة أكبر من النفط العراقي، إذ تعكس المظاهرات التي تندلع بشكل متكرر في المحافظة الأغنى بالنفط، الإستياءَ المحليّ من الفساد ونقص الخدمات الكافية، والشعور بما كان يُنظر إليه على أنه معاملة غير عادلة بالمقارنة مع حكومة إقليم كردستان، في وضعها المستقل وسيطرتها على مواردها، ومع ذلك، فإن الشيعة خارج البصرة، بما في ذلك بغداد ومدينتي كربلاء والنجف، رفضوا الفيدرالية الشيعية. 

قبل الدعوات التي انبثقت من ضفّة الحلبوسي، ظهرت دعوات قادها السياسي السُني الشيخ  ثائر البياتي، الأمين العام لمجلس العشائر العربية ومؤسس جبهة الإنقاذ العراقية، إذ إقترح البياتي هذه الخطة في البداية عام 2018، بحجة أن حل القضايا الإقتصادية والسياسية للمحافظات السُنية، يستلزم إنشاء منطقة فيدرالية شبيهة بإقليم كردستان الذي يتمتع بحكم شبه ذاتي، ستشمل المنطقة السُنية المتصورة محافظات شمال وغربي بغداد، بما في ذلك الأنبار وديالى ونينوى وصلاح الدين، بالإضافة إلى “حزام بغداد” جنوب العاصمة، ويؤكد البياتي أن إقتراحه يعكس رغبة واسعة النطاق في الحكم الذاتي عن بغداد بين سُنة العراق، ويتضمن هذا الهدف طرد الفصائل المسلحة الموالية لإيران من المناطق ذات الأغلبية السُنية، وفي حين يفتقر البياتي إلى دعم شعبي كبير، فإن دعوته لإقامة منطقة سُنية تلقى صدى لدى الكثيرين.1 

برز مشروع إنشاء إقليم سُني، كوسيلة ضغط على الحكومات في بغداد، بسبب السياسات التي مورست ضد المجتمع السُني، لكنّ المشروع تحوّل ورقة مساومة بيد بعض الشخصيات السُنية للحصول على مزايا سياسية. 

يثير إحتمال قيام إتحاد سُني، خارج السلطة المركزية في بغداد، مخاوف صُناع القرار الشيعة، الذين يخشون فقدان نفوذهم في تلك المناطق وتحوّلها لمصلحة النفوذ العربي في البلاد، فتصدّى القادة السياسيون الشيعة، لأي مشروع يهدف إلى إقامة هذا الإقليم، بكل الأدوات، حتى التشكيك في الولاء الوطني للدُعاة.2 وهو رفض أكّده المالكي في لقاء متلفز في 20 آذار المنقضي، عندما أكد على “إن قدر العراق أن يكون دولة واحدة، إن الحكومة سترفض أيّة دعوات سياسية للفدرلة والأقلمة، مهما كانت طبيعتها أو الأسباب التي تقف خلفها”. 

تحولات المجتمع السُني بعد 2003 

بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، شهدت البلاد فراغاً أمنياً كبيراً، بسبب السياسات التي اعتمدتها سلطة الإئتلاف المؤقتة برئاسة الحاكم المدني للعراق بول بريمر، مثل حلّ الأجهزة والمؤسسات الأمنية، ما انعكس سلباً على حالة الإستقرار السياسي، الأمر الذي ساهم بخلق بيئة مناسبة لولادة العديد من الجماعات المسلحة في العراق، كأذرع مسلحة تستغل غياب الدولة، وتحتمي خلفها تكتلات طائفية ومذهبية، ما أدى بدوره لتصاعد الإحتقانات الطائفية التي غذّت الشعور بالبحث عن خيارات بديلة لخيار الدولة في العراق. 

لم يكن المجتمع السُني ببعيد عن هذا الواقع، إذ برزت فيه العديد من التنظيمات المسلحة، إسلامية وقومية، تحت شعار مقاومة الإحتلال الأمريكي، وتصحيح معادلة الإقصاء والتهميش التي مورست ضد المجتمع السُني، بدءاً من عزل السُنة عن المنظومة السياسية والأمنية عبر إجراءات “هيئة إجتثاث البعث”، ولاحقاً عبر محاولة تجاوز ما تم اعتباره مظالم سُنية بالعديد من القرارات الحكومية والسياسات التمييزية التي مارستها حكومة المالكي. 

مثََّلَ رفضُ المجتمع السُني للاستفتاء الدستوري الذي تم تنظيمه في عام 2005، على الدستور العراقي الجديد، أبرزَ الردود السُنية على الواقع الجديد بعد الاحتلال، لأسباب عديدة منها عدم ممارستهم دوراً فاعلاً في كتابة الدستور الجديد، إذ شهدت عملية كتابة الدستور التي هيمن عليها الشيعة والكرد، انسحابات متكررة من قبل السُنة، والذين كان يمثلهم في ذلك الوقت تياران سياسيان، إسلامي متمثل بالحزب الإسلامي العراقي، وعلماني قومي متمثل بجبهة الحوار الوطني، ولم يعكس رفض السُنة للدستور، خيبةَ أملهم نتيجة مشاركتهم الشكلية في كتابته، بل كان رفضاً لما جاء فيه أيضاً، وتحديداً المواد الدستورية الداعمة لفكرة الفيدرالية في العراق، وهو ما اعتبره السُنة مقدمة عملية لتقسيم العراق في مراحل لاحقة. 

واجه السُنة واقعاً سياسياً صعباً، إذ كان أغلب السُنة قبل عام 2003، منخرطين ضمن المنظومة السياسية لحزب البعث، كما إن فكرة أنهم رأس السلطة في ذلك الوقت، جعلت من الصعب عليهم تقبل فكرة المشاركة بالحكم من موقع أدنى بعد الاحتلال، لكن سَرَتْ، بالمجتمع السني، جدليةٌ، بين ضرورتين: الانخراط بالعملية السياسية والانخراط بالعمل المسلّح، والتي انتهت بصِدام مباشر، عبر الصراعات التي نتجت بين هذين التيارين، وصلت حدّ تصفية العديد من الشخصيات السياسية السُنية التي شاركت بالعملية السياسية، على يد جماعات سُنية مسلحة، أبرزها تنظيم القاعدة، الذي كان ينتشر في العديد من المدن السُنية آنذاك ويبتلع الفصائل الأخرى. 

مثلت مشاركة السُنة في انتخابات 2006، عبر جبهة التوافق العراقية التي شكّلها الحزب الإسلامي العراقي، أولى المحاولات السياسية لتصحيح واقع معقّد، إلاّ إن هذه المشاركة لم تخدم سوى الجمهور السياسي لجبهة التوافق، ولم تنجح بتغيير الواقع السُني الذي تردّى أكثر بحرب طائفية للفترة (2006 – 2008)، فظهرت تحديات أخرى مثل عمليات التهجير والتغيير الديمغرافي والعنف الطائفي. 

ظهرت محاولة رئيس مجلس الحكم العراقي السابق ورئيس إئتلاف العراقية أياد علاوي، وهو ليبرالي شيعي، بتشكيل تحالف إنتخابي عابر للطوائف، للمشاركة في إنتخابات 2010، عبر تحالف “القائمة العراقية”، ظهرت كفرصة للمجتمع السُني لإعادة دمج نفسه بالعملية السياسية، على نحو أقل طائفية، مما كانت عليه انتخابات 2006، ورغم نجاح القائمة العراقية والفوز بالمركز الأول في الإنتخابات، والحصول على 91 مقعداً من أصل 325 مقعداً، إلاّ إنها لم تشكل الحكومة، بسبب التفسير الدستوري الذي أصدرته المحكمة الإتحادية العليا برئاسة القاضي مدحت المحمود آنذاك، حول الكتلة الفائزة التي يحق لها تشكيل الحكومة، وكذلك تخوف القوى الشيعية من ضياع المكتسبات الشيعية بعد عام 2003، ما دفع الزعيم الشيعي مقتدى الصدر، وأحزاباً شيعية أخرى، لمنح المالكي ولاية ثانية، رغم الخلافات التي كانت موجودة بينهم. 

لم تحقق القائمة العراقية التغيير المنشود داخل المجتمع السُني، فرغم خطابها الداعي لإنهاء حالة الإقصاء والتهميش، ومواجهة النفوذ الإيراني المتصاعد في البلاد، إلاّ إن السياسات التي إعتمدها المالكي بعد نجاحه بتشكيل الحكومة، ساهمت بتفكيك القائمة العراقية، سواء بالترغيب عبر القبول بمناصب رمزية، أو الترهيب عبر تهم الإرهاب التي لاحقت العديد من القيادات السُنية، وأبرزهم نائب الرئيس العراقي آنذاك طارق الهاشمي، أو وزير المالية الأسبق رافع العيساوي. 

مثّلت ظروف ما بعد انسحاب القوات الأمريكية من العراق في عام 2011، فرصة للمالكي بتصفية مصادر التهديد السُني لحكمه، بمزيد من الإستهدافات السياسية للزعماء السُنة، أو بحملة الإعتقالات العشوائية من المجتمع السُني، تحت ذريعة الإرهاب، كما قام المالكي بحل “الصحوات العشائرية” وهي تنظيمات سنية مسلحة ساعدته على التخلص من التنظيمات السُنية المتطرفة، كالقاعدة وغيرها، هذه السياسات وفّرت بيئة داعمة لعودة خطاب المواجهة مرة أخرى داخل المجتمع السُني، خصوصاً بعد الإخفاقات السياسية المتكررة، فضلاً عن تأثر المجتمع السُني بأجواء الربيع العربي، ووصول رياح التغيير للساحة السورية. 

وفي خضم هذا التصعيد، جرت انتخابات 2013، حاول من خلالها رئيس مجلس النواب السابق أسامة النجيفي، تجاوز الإخفاقات السياسية التي مرت بها القائمة العراقية، وشكل تحالفاً إنتخابياً جديداً باسم “متحدون”، ليكون الضدّ النوعي لإئتلاف دولة القانون الذي يتزعمه المالكي، بمنظور جديد لقيادة المشروع السُني على نحو أكثر مركزية، إلاّ إنه وعلى الرغم من فوزه في أغلب المدن السُنية، فشل في المضي قدماً، بسبب الطموحات السياسية للقيادات السُنية، والتي دخلت في صراع داخلي للحصول على مزيد من المناصب والمنافع على حساب مساعي تصحيح أوضاعها ضمن المعادلة السياسية في العراق. 

تزامن ظهور تحالف “متحدون” مع صعود موجة التغيير في العالم العربي، إذ إستلهم الشارع السُني، وتحديداً في الأنبار، الشعارات التي كان يرفعها السوريون ضد نظام بشار الأسد، وبحكم القرب الجغرافي للأنبار من سوريا، بدأت الفواعل العشائرية بتنظيم تظاهرات موسعة للتنديد بالسياسات الحكومية التي مارسها المالكي ضد المجتمع السُني، وتأثرت بهذه الأجواء مدن أخرى كصلاح الدين ونينوى، ومع ذلك فإن الإنقسامات السياسية داخل المجمتع السُني، بين داعم للحركة الإحتجاجية ورافض لهم، أضاع فرصة تصحيح وضع السُنة داخل العملية السياسية. 

فسح رفض المالكي التجاوبَ مع المطالب التي رفعتها ساحات التظاهر آنذاك، ومراهنته على الحلول العسكرية، إلى جانب حالة الإنقسام التي عاشها المجتمع السُني، المجالَ للتنظيمات المتطرفة مثل القاعدة ومن ثم “داعش”، لركوب موجة الإحتجاجات، وإظهار نفسها على إنها الطرف الأكثر موثوقية لإنهاء المظالم السُنية، وتصحيح وضعهم السياسي، ما أدخل البلاد في موجة صراع مسلح جديد، كلّفت المجتمع السُني ثمناً كبيراً من جديد، عبر تدمير المدن وتصاعد معدلات النزوح واللجوء، وإعتقال المئات بتهمة الإنتماء لتنظيم “داعش”، والأهم من كل ذلك أصبح على المجتمع السُني التعايش مع واقع ما بعد “داعش”، وهو سيطرة الفصائل المسلحة الموالية لإيران على مدنهم وقراهم. 

كان لسقوط المدن السُنية بيد تنظيم “داعش”، وتداعيات ما بعد تحرير هذه المدن، أثر كبير في صياغة توجهات المجتمع السُني، والعودة لخيار الدولة المركزية رغم إخفاقاتها، خصوصاً في عهد رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي (2014-2018)، الذي حصل على دعم سُني واسع من خلال سياسات رفضت الطائفية، وسعيٍ إلى دمج السُنة في الدولة، إلاّ إن ذلك لم ينجح بإبعاد خيار الإقليم عن المخيلة السُنية، حتى جاءت إقالة الحلبوسي بمباركة ودفع الإطار التنسيقي، ونفخت روحاً بالفكرة البعيدة، وظهرت معها صورة أخرى للانقسامات السُنية ومثّلت عقدة في طريق هذا المطلب، إذ نظرت قوى سنية مثل تحالفات عزم وحسم والسيادة، إلى محاولة تحالف تقدم الذي يقوده الحلبوسي بإستخدام شعارات الأقلمة، على أنها مغازلة للشارع السُني، واظهار تجريد رئيس مجلس النواب من منصبه، على إنه إستهداف لرمزية المكون السُني داخل العملية السياسية، فبقيت هذه المطالب محصورة بإطارها السياسي، دون التحول لمطلب شعبي، ما يشي بفقدان الشارع السُني الثقة بقواهُ السياسية، التي اعتادت توظيف مثل هذه المطالب في وقت الأزمات السياسية التي تمر بها. 

تحديات داخلية معقدة 

يواجه مشروع الإقليم السُني تحديات داخلية عديدة، تقف بوجه أيّ طموح سياسي لتحقيق مثل هذا المشروع، ويمكن الإشارة إلى أهم هذه التحديات على النحو الآتي: 

الإنقسام السياسي السُني: يمثل هذا المتغير أحد أبرز التحديات التي تواجه مشروع الإقليم السُني في العراق، فرغم الاتفاق السياسي السُني العام، على وجود حالة من الإقصاء والتهميش تعيشه الحالة السُنية في العراق، إلاّ إنه بالمقابل لا يوجد هناك توافق على فكرة الإقليم السُني، ففي مقابل القوى السُنية التي تدعم المشروع، هناك قوى سنية أخرى رافضة له، ومثل هذا الإنقسام سينعكس سلباً على محاولات خلق غطاء سياسي عام لهذا المشروع، خصوصاً مع هشاشة المواقف السياسية للقوى والأحزاب السنية وسهولة اختراقها والتأثير عليها وتغييرها من قبل الشيعة أو الكرد بدرجة أقل. 

المناطق المتنازع عليها: تمثل المناطق المتنازع عليها، موطنَ تعقيد في الجغرافيا السُنية، وتحديداً المدن السُنية المجاورة لإقليم كردستان، مثل نينوى وكركوك وصلاح الدين، إذ لا تزال هذه المناطق تمثل ملفاً معقداً على المستوى السياسي والأمني، ورغم تضمين هذه المناطق ضمن المادة 140 من الدستور، إلاّ إنه لم يتم تطبيق هذه المادة حتى الآن، بسبب الخلافات السياسية والإجتماعية والإقتصادية التي تثيرها هذه المناطق، وتعقد العلاقة بين أربيل وبغداد، ومن دون حسم هذا الملف، يواجه الإقليم السُني تحدياً حقيقياً في تحديد ملامحه الجغرافية أو حتى حدوده الإدارية. 

سيطرة الفصائل المسلحة: ورثت هذه الفصائل تنظيم “داعش”، بما كان يمتلكه من ميزات وثروات، إذ إضطلعت هذه الفصائل في مرحلة ما بعد تحرير المدن السُنية من سيطرة التنظيم، بممارسة أدوار سياسية وإقتصادية وثقافية وأمنية، كما إنها فرضت سلطتها على الحكم والإدارة وتوزيع الوظائف والثروات والمشاريع والخدمات والبنى التحتية…إلخ، معطيات تضع هذه الفصائل موضع المتحكّم، وتعطيها أفضلية في إجهاض مشروع الإقليم السُني. 

محدودية الموارد الإقتصادية: رغم التقديرات الدولية التي تتحدث عن كم الموارد الإقتصادية التي تنتشر في الجغرافيا السُنية، وتحديداً على مستوى الطاقة والزراعة والصناعة، فإنها بكل الأحوال لا ترقى لمستوى الموارد الإقتصادية المتاحة في الجغرافيا الشيعية، وحتى الكردية بدرجة معينة، إذ تفتقر الجغرافيا السُنية للموارد الطموحة التي يمكن البناء عليها في تأسيس إقليم قابل للحياة والازدهار، كما إن المنافذ الحدودية التي تربطها بتركيا وسوريا والأردن، وحتى السعودية، هي خارج تأثير إداراتها المحلية، ما يعني زيادة فرص فشل مشروع الإقليم السُني. 

قوى سياسية شيعية وازنة: إن نتائج الإنتخابات المحلية الأخيرة التي عقدت في كانون الأول الماضي، أدت إلى تعزيز موقع قوى الإطار التنسيقي الرافضة لمشروع الإقليم السُني في السياسة العراقية، فبعد نجاحها في إمتلاك أغلبية برلمانية وتشكيل حكومة السوداني، نجحت بتعزيز سيطرتها وتأثيرها على عملية تشكيل أغلب المجالس المحلية على مستوى المحافظات، وتحديداً في محافظات مهمة مثل نينوى وديالى وصلاح الدين، وبالشكل الذي جعلها تمتلك وحدة قرارية وتنفيذية لبناء نفوذ سياسي فيها، وموازنة قوى سياسية سُنية أخرى، خصوصاً مع حاجة مشروع الإقليم السُني لإجراءات دستورية يجب القيام بها عبر المجالس المحلية، فإنه مع وجود قوى سياسية شيعية وازنة داخل المحافظات السُنية، يصبح من الصعب تمرير مثل هذا المشروع عبر المجالس المحلية. 

التنوع الهوياتي والثقافي: تشهد الجغرافيا السُنية تنوعاً هوياتياً وثقافياً معقداً، فإلى جانب المكون السُني، هناك المكون الشيعي والمسيحي والكردي، إلى جانب أقليات اثنية أخرى أبرزها الشبك والإيزيديون والكاكائيون والتركمان، ومثل هذا التنوع سيمثل تحدياً حقيقياً أمام إمكانية الذوبان ضمن الهوية السُنية التي يضعها مشروع الإقليم عنواناً لنفسه، إذ من المتوقع أن تبحث هذه التنوعات عن هويتها الخاصة، خصوصاً وإن البعض منها لا زال يربط بين المجتمع السني وصعود تنظيم “داعش” في العراق، ما يفرض بدوره مزيداً من التحديات. 

تداخل أمني معقد: تشهد الجغرافيا السُنية تداخلاً أمنياً معقداً، فإلى جانب الوجود العسكري الأمريكي وسيطرة الفصائل المسلحة الموالية لإيران، ما يزال تنظيم “داعش” يحتفظ بجيوب أمنية توفر له هامش الحركة والإنتقال عبر الحدود العراقية السورية، وإلى جانب ذلك يحتفظ حزب العمال الكردستاني والفصائل الإيزيدية المتحالفة معه بإنتشار واسع في مناطق سنجار وربيعة حتى الحدود السورية، فضلاً عن تواجد عسكري تركي في شرق محافظة نينوى، ومثل هذا التعقيد الأمني سيفرض نفسه على واقع الإقليم السُني فيما لو تحقق، وسيجعل منه منطقة صراع مستمر بين العديد من القوى المحلية والإقليمية المتواجدة فيه. 

أقاليم أخرى: يمثل مشروع الأقاليم طموحاً لدى العديد من المحافظات في العراق، وتحديداً البصرة التي لوحت في أكثر من مناسبة، برغبتها في التحول إلى إقليم على شاكلة إقليم كردستان، ومن ثم فإن تحقُّق مشروع الإقليم السُني، سيدفعها، ومحافظات أخرى، للدخول على خط تشكيل الأقاليم، ولعل رفض قوى الإطار التنسيقي لمشروع الإقليم السُني، يعكس، في جانب منه، تخوفاً سياسياً من تفكيك سيطرتها المركزية على محافظات وسط وجنوب العراق، فيما لو ذهبت هي الأخرى نحو مشاريع أقاليم. 

الموقف الإقليمي والدولي 

من زاوية أخرى، يمكن النظر لقاعدة التوازن التي يقوم عليها النظام السياسي في العراق بعد عام 2003، كحصيلة توازن إقليمي ودولي، إذ ينظر كلّ طرف لهذا الملف وفق حسابات الربح والخسارة، ما يضفي مزيداً من التعقيد، ومن ثم فإن الإرتدادات السلبية الناجمة عن تحقق مشروع الإقليم السُني أو السعي إليه، ستفرض نفسها على هذه التوازنات، وبالشكل الذي يجعل كفّة هذا التوازن تميل لصالح طرف على حساب آخر. 

يلعب الأمريكيون في العراق دورا أساسياً، ولم يغفل موضوعَ الأقاليم في العراق، خصوصاً وإن الولايات المتحدة سبق وأن طرحت مشروع الأقاليم الثلاثة في العراق “السنية والشيعية والكردية” في أيار 2007، من قبل جو بايدن، الذي كان عضواً في مجلس النواب الأمريكي عن الحزب الديمقراطي آنذاك، تتمتع كلّ منها بحكم ذاتي وسيادة كاملة، وكان هذا الإقتراح يشكل جزءاً من استراتيجيات بايدن لمعالجة المعضلة العراقية، وسحب القوات الأمريكية من العراق، ووقف استنزاف الموارد البشرية والمادية الأمريكية التي أنفقتها منذ الاحتلال عام 2003. 

إن العلاقة غير المستقرة بين بغداد وواشنطن بالوقت الحاضر، خصوصاً في موضوع مطالبات بغداد بإنهاء تواجد القوات الأمريكية في العراق، إلى جانب حضور المتغير الإيراني في هذه العلاقات، قد تدفع الولايات المتحدة للبحث عن مسارات جديدة لتعديل شروط التفاوض مع بغداد بخصوص بقاء القوات، أو تخفيف العلاقة مع طهران، وقد يكون الموقف الأمريكي من موضوع الإقليم السُني، ورقة مهمة، من الممكن أن تلوّح بها واشنطن بوجه بغداد، من أجل دفع حكومة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني للتراجع خطوة للوراء في ملفات اشتباك وخلاف أخرى. 

أما الدول العربية، فيبدو إنها الأكثر دعماً وتردّداً، لما له من أهمية كبيرة في خلق هامش نفوذ كبير لها في الداخل العراق، بموازة نفوذ قوى إقليمية أخرى، كتركيا وإيران، بمقابل خشية جديدة على المكاسب التي تؤمنها العلاقة الجيدة مع الحكومات التي يشكلها الشيعية والأحزاب والفصائل التي تقف خلفها،  فحسب قيادي سُني بارز رفض ذكر إسمه، أشار إلى أنه في عام 2020، عقد إجتماع في أبو ظبي بالإمارات العربية المتحدة لبحث إنشاء مثل هذا الإقليم، وأكد أن الإجتماع ضم رجال أعمال وشخصيات سياسية سُنية من العراق، وأشار إلى إجتماعات أخرى عُقدت في عمان، لدفع هذا الموضوع إلى الأمام، إلاّ أنه لم يتحقق شيء حتى الآن. 

أما تركيا فهي الأخرى تنظر بإهتمام بالغ لمثل هذا الموضوع، خصوصاً وإنها لعبت دوراً مهماً في الفترة الأخيرة، لتقريب وجهات النظر بين القوى السُنية، وتحديداً خميس الخنجر ومحمد الحلبوسي، كما إن التحديات الأمنية التي تواجهها في الجغرافيا السُنية، وتحديداً في محافظة نينوى، سواءً على مستوى صعود الدور الإيراني أو تواجد حزب العمال الكردستاني، قد يدفعها لدعم مشروع الإقليم، لما يوفره مثل هذا الدعم من فرصة لخلق حاجز جغرافي يبعد تأثيرات إيران عن حدودها الجنوبية، كما يعطيها فرصة كبيرة لإنهاء تهديدات حزب العمال الكردستاني، دون البحث عن حلول معقدة مع بغداد. 

يمكن القول بأن التحدي الأبرز الذي يفرضه مشروع الإقليم السُني، يتعلق بتداعياته على النفوذ الإيراني في العراق، إذ لعبت إيران دوراً مهماً في إجهاض تجربة إستفتاء إستقلال إقليم كردستان في عام 2017، كما إن إعلانها المستمر بدعم وحدة العراق، الهدف منه إبقاء الجغرافيا العراقية موحدة ضمن النفوذ الإيراني، فمشروع الإقليم السُني في جانب منه يمثل تحدياً حقيقياً للممر البري الآمن الذي يربط إيران بالبحر الأبيض المتوسط، خصوصاً وإن هذا الممر يمر بكامل الجغرافيا السُنية، وإن إنشاء مثل هذا الإقليم من شأنه أن يمثل فرصة ثمينة لإحتواء إيران وحلفائها في الشرق الأوسط، وقطع الترابط الجغرافي بين أطراف “محور المقاومة”. 

الباب المغلق..الباب المفتوح 

على الرغم من تأكيد الدستور العراقي على فكرة الفيدرالية، إلاّ إن الخلافات لا زالت تمنع الوصول لشكل ونمط هذه الفيدرالية، وهو خلاف إنعكس بشكل أو آخر على الرغبات السياسية التي تُعلن بين الحين وحين لتشكيل أقاليم جديدة في العراق، فلا تعدو حيّز ورقة للمناورة السياسية أمام الخصوم. 

وفي ظل الواقع العراقي، فإن هناك العديد من المخاوف التي تواجه الدعوات الرامية لتشكيل أقاليم على أسس طائفية ومذهبية، ومهما كانت المبررات التي تقف خلفها، فإن هناك بدائل سياسية ودستورية يمكن المراهنة عليها، في تصحيح واقع المجتمعات الطامحة لتحقيق فكرة الإقليم، ومنها المجتمع السُني الذي لا زال يواجه تحديا حقيقيا في تأكيد مكانته داخل المعادلة السياسية العراقية، عبر إعادة تشكيل أدوار قواهُ السياسية داخل هذه المعادلة، بإعتبارها المعبّر الحقيقي عن طموحات ورغبات هذا المجتمع. 

بسبب التنوع الطائفي والهوياتي الذي يتسم به المجمتع العراقي، من الصعب الإجماع على هوية وطنية واحدة، مع إنه ليس مستحيلاً. هذا الواقع يفرض على مشروع الإقليم السُني تحديات كبيرة، تتزامن مع تحديات أمنية وإقتصادية، فضلاً عن رغبات إقليمية ودولية متضاربة، وهو ما يجعل من هدف تحقيق هذا المشروع صعب المنال، رغم المحفزات السياسية بين الحين والآخر. 

إن عدم إعلان القوى السياسية السُنية صراحة تبنيَها “الإقليم” كمشروع سياسي أو برنامج حزبي، فضلاً عن عدم تبني المجتمع السُني للفكرة، رغم تراكم المشاعر السلبية حيال السياسات الحكومية المتعاقبة بعد عام 2003، يجعل من مشروع الإقليم السُني مجردَ طرح سياقي إعلامي يفتقد لأساس حقيقي على أرض الواقع، بمقابل إمكانية كبيرة لتعزيز الشعور، الوطني بالحفاظ على وحدة العراق، وبناء نموذج سياسي جامع للمكونات العراقية المختلفة.  

* تنشر هذه المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية ”نيريج”     

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media

اقرأ ايضاً

لم تكن كأيّ رحلة، تلك التي زار خلالها محافظ الأنبار محمد نوري الكربولي ورئيس مجلس محافظتها عمر مشعان الدبوس، الجديدان، بغدادَ في 17 شباط الماضي؛ عادا منها محمّلَيْن بموقف غير مسبوق من قبل رئيس مجلس القضاء الأعلى في العراق القاضي فائق زيدان، حيث رفض، خلال استقبالهما “فكرة أقاليم أخرى في العراق” عدا إقليم كردستان، معتبراً إنها “تهدد وحدة العراق وأمنه”. 

أثارت تصريحات زيدان هذه، جدلاً قانونياً؛ لتناقضها مع الدستور الذي يجيز النظام الفيدرالي في العراق، ورغم إن دستور العراق لعام 2005 أشار بصورة واضحة في المادة 119 منه لفكرة الفيدرالية، إلاّ إن تصريحات زيدان هيّجت العديد من علامات الاستفهام، حول إقحام القضاء في صراعات سياسية. 

وبالحديث عن الأنبار، التي حملت لواء الإقليم السُني، فيبدو أن الخلاف حول قضية “الحكم الذاتي” سيبقى من القضايا التي يصارع بها رئيس مجلس النواب المقصيّ محمد الحلبوسي خصومه فيتهمونه بـ”نزعة إنفصالية”، ورغم تذكير الحلبوسي، في بيان، منتصف شهر شباط الماضي، برفض مواطني الأنبار الدستور الدائم الذي أقرَّ مبدأ الفيدرالية، فإنه لم يؤكد أو يستبعد إمكانية إقامة “إقليم الأنبار”. 

بمقابل ذلك، تلوّح قوى الإطار التنسيقي للحلبوسي بتهمة “السعي لتقسيم البلاد”، في سبيل تشتيت فكرة الإقليم التي يقرّها الدستور، خلافاً لفكرة التقسيم التي يرفضها القانون والدستور، خصوصاً وإن بغداد سبق ورفضت محاولة لمحافظة صلاح الدين شمال بغداد في عام 2013، لإنشاء إقليم فيدرالي طبقاً للدستور. 

تحاول أغلب تصريحات القادة السُنة في الوقت الراهن، وتحديداً تحالف تقدم، حشرَ الأقلمة في خانة الدستور العراقي، ونزع الصفة السياسية منها، بمقابل رفض يعتبره أنصار الأقلمة تجسيداً لخشية القوى الشعية وبعض السُنية، من الصعود السياسي لتحالف تقدم في الانتخابات المحلية الأخيرة، وتحديداً في الأنبار، التي يُضمر الحلبوسي طموحاً لجعلها الأساس الذي يقوم عليه مشروع الإقليم السُني في مرحلة مقبلة. 

اغتراب ومساومة 

ظهرت يافطات الإقليم السني، كردّ فعل تصعيدي على ما سُمّيَ بتهميش السُنة ودفعهم خارج دوائر صنع القرار، بالإضافة للاستخدام الإنتقائي للدستوري، وتحديداً بعد إقصاء محمد الحلبوسي من رئاسة مجلس النواب بقرار من المحكمة الاتحادية، ولكنّ الأهم هو أن الواقع السُني بعد نهاية الحرب على تنظيم “داعش”، لا زال يعاني من المشكلات ذاتها، التي واجهها بعد احتلال العراق عام 2003، وإخفاقات كبيرة للقوى السياسية السنية. 

يوفّر استمرار اغتراب المجتمع السُنّي عن الدولة، قوةً دافعة لمشروع الإقليم السُني، خصوصاً مع فيدرالية غير متكافئة، وفّرت للكرد وحدهم الحكم الذاتي بصلاحيات واسعة، بما في ذلك حصة كبيرة من الميزانية وسيطرة محدودة للحكومة الإتحادية على الموارد الطبيعية والمنافذ الحدودية في الإقليم. في مقابل ذلك، كان للشيعة مواقف متنوعة ومتباينة بمسألة الفيدرالية، ففي عام 2019، دعا أعضاء مجلس محافظة البصرة، إلى تحويل محافظتهم إقليماً، للحصول على حصة أكبر من النفط العراقي، إذ تعكس المظاهرات التي تندلع بشكل متكرر في المحافظة الأغنى بالنفط، الإستياءَ المحليّ من الفساد ونقص الخدمات الكافية، والشعور بما كان يُنظر إليه على أنه معاملة غير عادلة بالمقارنة مع حكومة إقليم كردستان، في وضعها المستقل وسيطرتها على مواردها، ومع ذلك، فإن الشيعة خارج البصرة، بما في ذلك بغداد ومدينتي كربلاء والنجف، رفضوا الفيدرالية الشيعية. 

قبل الدعوات التي انبثقت من ضفّة الحلبوسي، ظهرت دعوات قادها السياسي السُني الشيخ  ثائر البياتي، الأمين العام لمجلس العشائر العربية ومؤسس جبهة الإنقاذ العراقية، إذ إقترح البياتي هذه الخطة في البداية عام 2018، بحجة أن حل القضايا الإقتصادية والسياسية للمحافظات السُنية، يستلزم إنشاء منطقة فيدرالية شبيهة بإقليم كردستان الذي يتمتع بحكم شبه ذاتي، ستشمل المنطقة السُنية المتصورة محافظات شمال وغربي بغداد، بما في ذلك الأنبار وديالى ونينوى وصلاح الدين، بالإضافة إلى “حزام بغداد” جنوب العاصمة، ويؤكد البياتي أن إقتراحه يعكس رغبة واسعة النطاق في الحكم الذاتي عن بغداد بين سُنة العراق، ويتضمن هذا الهدف طرد الفصائل المسلحة الموالية لإيران من المناطق ذات الأغلبية السُنية، وفي حين يفتقر البياتي إلى دعم شعبي كبير، فإن دعوته لإقامة منطقة سُنية تلقى صدى لدى الكثيرين.1 

برز مشروع إنشاء إقليم سُني، كوسيلة ضغط على الحكومات في بغداد، بسبب السياسات التي مورست ضد المجتمع السُني، لكنّ المشروع تحوّل ورقة مساومة بيد بعض الشخصيات السُنية للحصول على مزايا سياسية. 

يثير إحتمال قيام إتحاد سُني، خارج السلطة المركزية في بغداد، مخاوف صُناع القرار الشيعة، الذين يخشون فقدان نفوذهم في تلك المناطق وتحوّلها لمصلحة النفوذ العربي في البلاد، فتصدّى القادة السياسيون الشيعة، لأي مشروع يهدف إلى إقامة هذا الإقليم، بكل الأدوات، حتى التشكيك في الولاء الوطني للدُعاة.2 وهو رفض أكّده المالكي في لقاء متلفز في 20 آذار المنقضي، عندما أكد على “إن قدر العراق أن يكون دولة واحدة، إن الحكومة سترفض أيّة دعوات سياسية للفدرلة والأقلمة، مهما كانت طبيعتها أو الأسباب التي تقف خلفها”. 

تحولات المجتمع السُني بعد 2003 

بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، شهدت البلاد فراغاً أمنياً كبيراً، بسبب السياسات التي اعتمدتها سلطة الإئتلاف المؤقتة برئاسة الحاكم المدني للعراق بول بريمر، مثل حلّ الأجهزة والمؤسسات الأمنية، ما انعكس سلباً على حالة الإستقرار السياسي، الأمر الذي ساهم بخلق بيئة مناسبة لولادة العديد من الجماعات المسلحة في العراق، كأذرع مسلحة تستغل غياب الدولة، وتحتمي خلفها تكتلات طائفية ومذهبية، ما أدى بدوره لتصاعد الإحتقانات الطائفية التي غذّت الشعور بالبحث عن خيارات بديلة لخيار الدولة في العراق. 

لم يكن المجتمع السُني ببعيد عن هذا الواقع، إذ برزت فيه العديد من التنظيمات المسلحة، إسلامية وقومية، تحت شعار مقاومة الإحتلال الأمريكي، وتصحيح معادلة الإقصاء والتهميش التي مورست ضد المجتمع السُني، بدءاً من عزل السُنة عن المنظومة السياسية والأمنية عبر إجراءات “هيئة إجتثاث البعث”، ولاحقاً عبر محاولة تجاوز ما تم اعتباره مظالم سُنية بالعديد من القرارات الحكومية والسياسات التمييزية التي مارستها حكومة المالكي. 

مثََّلَ رفضُ المجتمع السُني للاستفتاء الدستوري الذي تم تنظيمه في عام 2005، على الدستور العراقي الجديد، أبرزَ الردود السُنية على الواقع الجديد بعد الاحتلال، لأسباب عديدة منها عدم ممارستهم دوراً فاعلاً في كتابة الدستور الجديد، إذ شهدت عملية كتابة الدستور التي هيمن عليها الشيعة والكرد، انسحابات متكررة من قبل السُنة، والذين كان يمثلهم في ذلك الوقت تياران سياسيان، إسلامي متمثل بالحزب الإسلامي العراقي، وعلماني قومي متمثل بجبهة الحوار الوطني، ولم يعكس رفض السُنة للدستور، خيبةَ أملهم نتيجة مشاركتهم الشكلية في كتابته، بل كان رفضاً لما جاء فيه أيضاً، وتحديداً المواد الدستورية الداعمة لفكرة الفيدرالية في العراق، وهو ما اعتبره السُنة مقدمة عملية لتقسيم العراق في مراحل لاحقة. 

واجه السُنة واقعاً سياسياً صعباً، إذ كان أغلب السُنة قبل عام 2003، منخرطين ضمن المنظومة السياسية لحزب البعث، كما إن فكرة أنهم رأس السلطة في ذلك الوقت، جعلت من الصعب عليهم تقبل فكرة المشاركة بالحكم من موقع أدنى بعد الاحتلال، لكن سَرَتْ، بالمجتمع السني، جدليةٌ، بين ضرورتين: الانخراط بالعملية السياسية والانخراط بالعمل المسلّح، والتي انتهت بصِدام مباشر، عبر الصراعات التي نتجت بين هذين التيارين، وصلت حدّ تصفية العديد من الشخصيات السياسية السُنية التي شاركت بالعملية السياسية، على يد جماعات سُنية مسلحة، أبرزها تنظيم القاعدة، الذي كان ينتشر في العديد من المدن السُنية آنذاك ويبتلع الفصائل الأخرى. 

مثلت مشاركة السُنة في انتخابات 2006، عبر جبهة التوافق العراقية التي شكّلها الحزب الإسلامي العراقي، أولى المحاولات السياسية لتصحيح واقع معقّد، إلاّ إن هذه المشاركة لم تخدم سوى الجمهور السياسي لجبهة التوافق، ولم تنجح بتغيير الواقع السُني الذي تردّى أكثر بحرب طائفية للفترة (2006 – 2008)، فظهرت تحديات أخرى مثل عمليات التهجير والتغيير الديمغرافي والعنف الطائفي. 

ظهرت محاولة رئيس مجلس الحكم العراقي السابق ورئيس إئتلاف العراقية أياد علاوي، وهو ليبرالي شيعي، بتشكيل تحالف إنتخابي عابر للطوائف، للمشاركة في إنتخابات 2010، عبر تحالف “القائمة العراقية”، ظهرت كفرصة للمجتمع السُني لإعادة دمج نفسه بالعملية السياسية، على نحو أقل طائفية، مما كانت عليه انتخابات 2006، ورغم نجاح القائمة العراقية والفوز بالمركز الأول في الإنتخابات، والحصول على 91 مقعداً من أصل 325 مقعداً، إلاّ إنها لم تشكل الحكومة، بسبب التفسير الدستوري الذي أصدرته المحكمة الإتحادية العليا برئاسة القاضي مدحت المحمود آنذاك، حول الكتلة الفائزة التي يحق لها تشكيل الحكومة، وكذلك تخوف القوى الشيعية من ضياع المكتسبات الشيعية بعد عام 2003، ما دفع الزعيم الشيعي مقتدى الصدر، وأحزاباً شيعية أخرى، لمنح المالكي ولاية ثانية، رغم الخلافات التي كانت موجودة بينهم. 

لم تحقق القائمة العراقية التغيير المنشود داخل المجتمع السُني، فرغم خطابها الداعي لإنهاء حالة الإقصاء والتهميش، ومواجهة النفوذ الإيراني المتصاعد في البلاد، إلاّ إن السياسات التي إعتمدها المالكي بعد نجاحه بتشكيل الحكومة، ساهمت بتفكيك القائمة العراقية، سواء بالترغيب عبر القبول بمناصب رمزية، أو الترهيب عبر تهم الإرهاب التي لاحقت العديد من القيادات السُنية، وأبرزهم نائب الرئيس العراقي آنذاك طارق الهاشمي، أو وزير المالية الأسبق رافع العيساوي. 

مثّلت ظروف ما بعد انسحاب القوات الأمريكية من العراق في عام 2011، فرصة للمالكي بتصفية مصادر التهديد السُني لحكمه، بمزيد من الإستهدافات السياسية للزعماء السُنة، أو بحملة الإعتقالات العشوائية من المجتمع السُني، تحت ذريعة الإرهاب، كما قام المالكي بحل “الصحوات العشائرية” وهي تنظيمات سنية مسلحة ساعدته على التخلص من التنظيمات السُنية المتطرفة، كالقاعدة وغيرها، هذه السياسات وفّرت بيئة داعمة لعودة خطاب المواجهة مرة أخرى داخل المجتمع السُني، خصوصاً بعد الإخفاقات السياسية المتكررة، فضلاً عن تأثر المجتمع السُني بأجواء الربيع العربي، ووصول رياح التغيير للساحة السورية. 

وفي خضم هذا التصعيد، جرت انتخابات 2013، حاول من خلالها رئيس مجلس النواب السابق أسامة النجيفي، تجاوز الإخفاقات السياسية التي مرت بها القائمة العراقية، وشكل تحالفاً إنتخابياً جديداً باسم “متحدون”، ليكون الضدّ النوعي لإئتلاف دولة القانون الذي يتزعمه المالكي، بمنظور جديد لقيادة المشروع السُني على نحو أكثر مركزية، إلاّ إنه وعلى الرغم من فوزه في أغلب المدن السُنية، فشل في المضي قدماً، بسبب الطموحات السياسية للقيادات السُنية، والتي دخلت في صراع داخلي للحصول على مزيد من المناصب والمنافع على حساب مساعي تصحيح أوضاعها ضمن المعادلة السياسية في العراق. 

تزامن ظهور تحالف “متحدون” مع صعود موجة التغيير في العالم العربي، إذ إستلهم الشارع السُني، وتحديداً في الأنبار، الشعارات التي كان يرفعها السوريون ضد نظام بشار الأسد، وبحكم القرب الجغرافي للأنبار من سوريا، بدأت الفواعل العشائرية بتنظيم تظاهرات موسعة للتنديد بالسياسات الحكومية التي مارسها المالكي ضد المجتمع السُني، وتأثرت بهذه الأجواء مدن أخرى كصلاح الدين ونينوى، ومع ذلك فإن الإنقسامات السياسية داخل المجمتع السُني، بين داعم للحركة الإحتجاجية ورافض لهم، أضاع فرصة تصحيح وضع السُنة داخل العملية السياسية. 

فسح رفض المالكي التجاوبَ مع المطالب التي رفعتها ساحات التظاهر آنذاك، ومراهنته على الحلول العسكرية، إلى جانب حالة الإنقسام التي عاشها المجتمع السُني، المجالَ للتنظيمات المتطرفة مثل القاعدة ومن ثم “داعش”، لركوب موجة الإحتجاجات، وإظهار نفسها على إنها الطرف الأكثر موثوقية لإنهاء المظالم السُنية، وتصحيح وضعهم السياسي، ما أدخل البلاد في موجة صراع مسلح جديد، كلّفت المجتمع السُني ثمناً كبيراً من جديد، عبر تدمير المدن وتصاعد معدلات النزوح واللجوء، وإعتقال المئات بتهمة الإنتماء لتنظيم “داعش”، والأهم من كل ذلك أصبح على المجتمع السُني التعايش مع واقع ما بعد “داعش”، وهو سيطرة الفصائل المسلحة الموالية لإيران على مدنهم وقراهم. 

كان لسقوط المدن السُنية بيد تنظيم “داعش”، وتداعيات ما بعد تحرير هذه المدن، أثر كبير في صياغة توجهات المجتمع السُني، والعودة لخيار الدولة المركزية رغم إخفاقاتها، خصوصاً في عهد رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي (2014-2018)، الذي حصل على دعم سُني واسع من خلال سياسات رفضت الطائفية، وسعيٍ إلى دمج السُنة في الدولة، إلاّ إن ذلك لم ينجح بإبعاد خيار الإقليم عن المخيلة السُنية، حتى جاءت إقالة الحلبوسي بمباركة ودفع الإطار التنسيقي، ونفخت روحاً بالفكرة البعيدة، وظهرت معها صورة أخرى للانقسامات السُنية ومثّلت عقدة في طريق هذا المطلب، إذ نظرت قوى سنية مثل تحالفات عزم وحسم والسيادة، إلى محاولة تحالف تقدم الذي يقوده الحلبوسي بإستخدام شعارات الأقلمة، على أنها مغازلة للشارع السُني، واظهار تجريد رئيس مجلس النواب من منصبه، على إنه إستهداف لرمزية المكون السُني داخل العملية السياسية، فبقيت هذه المطالب محصورة بإطارها السياسي، دون التحول لمطلب شعبي، ما يشي بفقدان الشارع السُني الثقة بقواهُ السياسية، التي اعتادت توظيف مثل هذه المطالب في وقت الأزمات السياسية التي تمر بها. 

تحديات داخلية معقدة 

يواجه مشروع الإقليم السُني تحديات داخلية عديدة، تقف بوجه أيّ طموح سياسي لتحقيق مثل هذا المشروع، ويمكن الإشارة إلى أهم هذه التحديات على النحو الآتي: 

الإنقسام السياسي السُني: يمثل هذا المتغير أحد أبرز التحديات التي تواجه مشروع الإقليم السُني في العراق، فرغم الاتفاق السياسي السُني العام، على وجود حالة من الإقصاء والتهميش تعيشه الحالة السُنية في العراق، إلاّ إنه بالمقابل لا يوجد هناك توافق على فكرة الإقليم السُني، ففي مقابل القوى السُنية التي تدعم المشروع، هناك قوى سنية أخرى رافضة له، ومثل هذا الإنقسام سينعكس سلباً على محاولات خلق غطاء سياسي عام لهذا المشروع، خصوصاً مع هشاشة المواقف السياسية للقوى والأحزاب السنية وسهولة اختراقها والتأثير عليها وتغييرها من قبل الشيعة أو الكرد بدرجة أقل. 

المناطق المتنازع عليها: تمثل المناطق المتنازع عليها، موطنَ تعقيد في الجغرافيا السُنية، وتحديداً المدن السُنية المجاورة لإقليم كردستان، مثل نينوى وكركوك وصلاح الدين، إذ لا تزال هذه المناطق تمثل ملفاً معقداً على المستوى السياسي والأمني، ورغم تضمين هذه المناطق ضمن المادة 140 من الدستور، إلاّ إنه لم يتم تطبيق هذه المادة حتى الآن، بسبب الخلافات السياسية والإجتماعية والإقتصادية التي تثيرها هذه المناطق، وتعقد العلاقة بين أربيل وبغداد، ومن دون حسم هذا الملف، يواجه الإقليم السُني تحدياً حقيقياً في تحديد ملامحه الجغرافية أو حتى حدوده الإدارية. 

سيطرة الفصائل المسلحة: ورثت هذه الفصائل تنظيم “داعش”، بما كان يمتلكه من ميزات وثروات، إذ إضطلعت هذه الفصائل في مرحلة ما بعد تحرير المدن السُنية من سيطرة التنظيم، بممارسة أدوار سياسية وإقتصادية وثقافية وأمنية، كما إنها فرضت سلطتها على الحكم والإدارة وتوزيع الوظائف والثروات والمشاريع والخدمات والبنى التحتية…إلخ، معطيات تضع هذه الفصائل موضع المتحكّم، وتعطيها أفضلية في إجهاض مشروع الإقليم السُني. 

محدودية الموارد الإقتصادية: رغم التقديرات الدولية التي تتحدث عن كم الموارد الإقتصادية التي تنتشر في الجغرافيا السُنية، وتحديداً على مستوى الطاقة والزراعة والصناعة، فإنها بكل الأحوال لا ترقى لمستوى الموارد الإقتصادية المتاحة في الجغرافيا الشيعية، وحتى الكردية بدرجة معينة، إذ تفتقر الجغرافيا السُنية للموارد الطموحة التي يمكن البناء عليها في تأسيس إقليم قابل للحياة والازدهار، كما إن المنافذ الحدودية التي تربطها بتركيا وسوريا والأردن، وحتى السعودية، هي خارج تأثير إداراتها المحلية، ما يعني زيادة فرص فشل مشروع الإقليم السُني. 

قوى سياسية شيعية وازنة: إن نتائج الإنتخابات المحلية الأخيرة التي عقدت في كانون الأول الماضي، أدت إلى تعزيز موقع قوى الإطار التنسيقي الرافضة لمشروع الإقليم السُني في السياسة العراقية، فبعد نجاحها في إمتلاك أغلبية برلمانية وتشكيل حكومة السوداني، نجحت بتعزيز سيطرتها وتأثيرها على عملية تشكيل أغلب المجالس المحلية على مستوى المحافظات، وتحديداً في محافظات مهمة مثل نينوى وديالى وصلاح الدين، وبالشكل الذي جعلها تمتلك وحدة قرارية وتنفيذية لبناء نفوذ سياسي فيها، وموازنة قوى سياسية سُنية أخرى، خصوصاً مع حاجة مشروع الإقليم السُني لإجراءات دستورية يجب القيام بها عبر المجالس المحلية، فإنه مع وجود قوى سياسية شيعية وازنة داخل المحافظات السُنية، يصبح من الصعب تمرير مثل هذا المشروع عبر المجالس المحلية. 

التنوع الهوياتي والثقافي: تشهد الجغرافيا السُنية تنوعاً هوياتياً وثقافياً معقداً، فإلى جانب المكون السُني، هناك المكون الشيعي والمسيحي والكردي، إلى جانب أقليات اثنية أخرى أبرزها الشبك والإيزيديون والكاكائيون والتركمان، ومثل هذا التنوع سيمثل تحدياً حقيقياً أمام إمكانية الذوبان ضمن الهوية السُنية التي يضعها مشروع الإقليم عنواناً لنفسه، إذ من المتوقع أن تبحث هذه التنوعات عن هويتها الخاصة، خصوصاً وإن البعض منها لا زال يربط بين المجتمع السني وصعود تنظيم “داعش” في العراق، ما يفرض بدوره مزيداً من التحديات. 

تداخل أمني معقد: تشهد الجغرافيا السُنية تداخلاً أمنياً معقداً، فإلى جانب الوجود العسكري الأمريكي وسيطرة الفصائل المسلحة الموالية لإيران، ما يزال تنظيم “داعش” يحتفظ بجيوب أمنية توفر له هامش الحركة والإنتقال عبر الحدود العراقية السورية، وإلى جانب ذلك يحتفظ حزب العمال الكردستاني والفصائل الإيزيدية المتحالفة معه بإنتشار واسع في مناطق سنجار وربيعة حتى الحدود السورية، فضلاً عن تواجد عسكري تركي في شرق محافظة نينوى، ومثل هذا التعقيد الأمني سيفرض نفسه على واقع الإقليم السُني فيما لو تحقق، وسيجعل منه منطقة صراع مستمر بين العديد من القوى المحلية والإقليمية المتواجدة فيه. 

أقاليم أخرى: يمثل مشروع الأقاليم طموحاً لدى العديد من المحافظات في العراق، وتحديداً البصرة التي لوحت في أكثر من مناسبة، برغبتها في التحول إلى إقليم على شاكلة إقليم كردستان، ومن ثم فإن تحقُّق مشروع الإقليم السُني، سيدفعها، ومحافظات أخرى، للدخول على خط تشكيل الأقاليم، ولعل رفض قوى الإطار التنسيقي لمشروع الإقليم السُني، يعكس، في جانب منه، تخوفاً سياسياً من تفكيك سيطرتها المركزية على محافظات وسط وجنوب العراق، فيما لو ذهبت هي الأخرى نحو مشاريع أقاليم. 

الموقف الإقليمي والدولي 

من زاوية أخرى، يمكن النظر لقاعدة التوازن التي يقوم عليها النظام السياسي في العراق بعد عام 2003، كحصيلة توازن إقليمي ودولي، إذ ينظر كلّ طرف لهذا الملف وفق حسابات الربح والخسارة، ما يضفي مزيداً من التعقيد، ومن ثم فإن الإرتدادات السلبية الناجمة عن تحقق مشروع الإقليم السُني أو السعي إليه، ستفرض نفسها على هذه التوازنات، وبالشكل الذي يجعل كفّة هذا التوازن تميل لصالح طرف على حساب آخر. 

يلعب الأمريكيون في العراق دورا أساسياً، ولم يغفل موضوعَ الأقاليم في العراق، خصوصاً وإن الولايات المتحدة سبق وأن طرحت مشروع الأقاليم الثلاثة في العراق “السنية والشيعية والكردية” في أيار 2007، من قبل جو بايدن، الذي كان عضواً في مجلس النواب الأمريكي عن الحزب الديمقراطي آنذاك، تتمتع كلّ منها بحكم ذاتي وسيادة كاملة، وكان هذا الإقتراح يشكل جزءاً من استراتيجيات بايدن لمعالجة المعضلة العراقية، وسحب القوات الأمريكية من العراق، ووقف استنزاف الموارد البشرية والمادية الأمريكية التي أنفقتها منذ الاحتلال عام 2003. 

إن العلاقة غير المستقرة بين بغداد وواشنطن بالوقت الحاضر، خصوصاً في موضوع مطالبات بغداد بإنهاء تواجد القوات الأمريكية في العراق، إلى جانب حضور المتغير الإيراني في هذه العلاقات، قد تدفع الولايات المتحدة للبحث عن مسارات جديدة لتعديل شروط التفاوض مع بغداد بخصوص بقاء القوات، أو تخفيف العلاقة مع طهران، وقد يكون الموقف الأمريكي من موضوع الإقليم السُني، ورقة مهمة، من الممكن أن تلوّح بها واشنطن بوجه بغداد، من أجل دفع حكومة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني للتراجع خطوة للوراء في ملفات اشتباك وخلاف أخرى. 

أما الدول العربية، فيبدو إنها الأكثر دعماً وتردّداً، لما له من أهمية كبيرة في خلق هامش نفوذ كبير لها في الداخل العراق، بموازة نفوذ قوى إقليمية أخرى، كتركيا وإيران، بمقابل خشية جديدة على المكاسب التي تؤمنها العلاقة الجيدة مع الحكومات التي يشكلها الشيعية والأحزاب والفصائل التي تقف خلفها،  فحسب قيادي سُني بارز رفض ذكر إسمه، أشار إلى أنه في عام 2020، عقد إجتماع في أبو ظبي بالإمارات العربية المتحدة لبحث إنشاء مثل هذا الإقليم، وأكد أن الإجتماع ضم رجال أعمال وشخصيات سياسية سُنية من العراق، وأشار إلى إجتماعات أخرى عُقدت في عمان، لدفع هذا الموضوع إلى الأمام، إلاّ أنه لم يتحقق شيء حتى الآن. 

أما تركيا فهي الأخرى تنظر بإهتمام بالغ لمثل هذا الموضوع، خصوصاً وإنها لعبت دوراً مهماً في الفترة الأخيرة، لتقريب وجهات النظر بين القوى السُنية، وتحديداً خميس الخنجر ومحمد الحلبوسي، كما إن التحديات الأمنية التي تواجهها في الجغرافيا السُنية، وتحديداً في محافظة نينوى، سواءً على مستوى صعود الدور الإيراني أو تواجد حزب العمال الكردستاني، قد يدفعها لدعم مشروع الإقليم، لما يوفره مثل هذا الدعم من فرصة لخلق حاجز جغرافي يبعد تأثيرات إيران عن حدودها الجنوبية، كما يعطيها فرصة كبيرة لإنهاء تهديدات حزب العمال الكردستاني، دون البحث عن حلول معقدة مع بغداد. 

يمكن القول بأن التحدي الأبرز الذي يفرضه مشروع الإقليم السُني، يتعلق بتداعياته على النفوذ الإيراني في العراق، إذ لعبت إيران دوراً مهماً في إجهاض تجربة إستفتاء إستقلال إقليم كردستان في عام 2017، كما إن إعلانها المستمر بدعم وحدة العراق، الهدف منه إبقاء الجغرافيا العراقية موحدة ضمن النفوذ الإيراني، فمشروع الإقليم السُني في جانب منه يمثل تحدياً حقيقياً للممر البري الآمن الذي يربط إيران بالبحر الأبيض المتوسط، خصوصاً وإن هذا الممر يمر بكامل الجغرافيا السُنية، وإن إنشاء مثل هذا الإقليم من شأنه أن يمثل فرصة ثمينة لإحتواء إيران وحلفائها في الشرق الأوسط، وقطع الترابط الجغرافي بين أطراف “محور المقاومة”. 

الباب المغلق..الباب المفتوح 

على الرغم من تأكيد الدستور العراقي على فكرة الفيدرالية، إلاّ إن الخلافات لا زالت تمنع الوصول لشكل ونمط هذه الفيدرالية، وهو خلاف إنعكس بشكل أو آخر على الرغبات السياسية التي تُعلن بين الحين وحين لتشكيل أقاليم جديدة في العراق، فلا تعدو حيّز ورقة للمناورة السياسية أمام الخصوم. 

وفي ظل الواقع العراقي، فإن هناك العديد من المخاوف التي تواجه الدعوات الرامية لتشكيل أقاليم على أسس طائفية ومذهبية، ومهما كانت المبررات التي تقف خلفها، فإن هناك بدائل سياسية ودستورية يمكن المراهنة عليها، في تصحيح واقع المجتمعات الطامحة لتحقيق فكرة الإقليم، ومنها المجتمع السُني الذي لا زال يواجه تحديا حقيقيا في تأكيد مكانته داخل المعادلة السياسية العراقية، عبر إعادة تشكيل أدوار قواهُ السياسية داخل هذه المعادلة، بإعتبارها المعبّر الحقيقي عن طموحات ورغبات هذا المجتمع. 

بسبب التنوع الطائفي والهوياتي الذي يتسم به المجمتع العراقي، من الصعب الإجماع على هوية وطنية واحدة، مع إنه ليس مستحيلاً. هذا الواقع يفرض على مشروع الإقليم السُني تحديات كبيرة، تتزامن مع تحديات أمنية وإقتصادية، فضلاً عن رغبات إقليمية ودولية متضاربة، وهو ما يجعل من هدف تحقيق هذا المشروع صعب المنال، رغم المحفزات السياسية بين الحين والآخر. 

إن عدم إعلان القوى السياسية السُنية صراحة تبنيَها “الإقليم” كمشروع سياسي أو برنامج حزبي، فضلاً عن عدم تبني المجتمع السُني للفكرة، رغم تراكم المشاعر السلبية حيال السياسات الحكومية المتعاقبة بعد عام 2003، يجعل من مشروع الإقليم السُني مجردَ طرح سياقي إعلامي يفتقد لأساس حقيقي على أرض الواقع، بمقابل إمكانية كبيرة لتعزيز الشعور، الوطني بالحفاظ على وحدة العراق، وبناء نموذج سياسي جامع للمكونات العراقية المختلفة.  

* تنشر هذه المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية ”نيريج”