المحاولات الأولى للدراما العراقية.. عن دخول الأستوديو والخروج منه (1-3) 

Reem Abd

21 آذار 2024

قضى العراق عقدين من التجريب والمحاولات في صناعة أعمال شعبية وريفية ومدنية في الستينيات والسبعينيات، إلا أن الحصيلة بمجملها، كانت أعمالاً فقدناها.. قصة الدراما من "حجي راضي" إلى "فتاة في العشرين"..

أَعجَبَ التلفزيون الملك فيصل صدفة، فصارت للعراق محطّة تلفزيونية ترفيهية في أيار 1957، لكنها سرعان ما تحوّلت إلى وسيلة تعبئة سياسية لصالح السلطة، ومكان لإعلان الانقلابات العسكرية.  

كان التلفزيون، في البداية، يبث لساعات محدودة، وكانت برامجه قليلة، فبعد 6 أيام من بدء البث، تضمّن منهاج العرض تقديم برنامج للأطفال، وفيلماً بعنوان الوردة الحمراء، ومن ثم نشرة أخبار، ومقطوعات موسيقية، ثم برنامجاً عن الصحة في العراق، فأخبار الاسبوع، وأخيراً حفلتين، إحداهما لعزيمة توفيق، وأخرى عرض باليه من قاعة الملك فيصل الثاني، ويختم التلفزيون بثّه بالأخبار والختام. 

واعتاد الناس ترقب منهاج البرامج اليومي، والاستعداد لمشاهدة المحتوى الذي يحبونه، لكن السلطات المتعددة، بدأت تدريجياً، بتسييس الشاشة، فقد بث نظام عبد الكريم قاسم جلسات محكمة الشعب لمحاكمة الوزراء والمسؤولين في النظام الملكي، ثم انقلب رفاق قاسم عليه، وقتل وعرضت جثته على التلفزيون، ومذاك، أكمل القوميون والبعثيون ومن لحقهم التسييس. ومع ذلك، كان التلفزيون في معظم الحالات تجربة خاصة وحميمية للمجتمع، نظراً لأنه كان وسيلة الترفيه الأساسية لهم منذ النصف الأول من القرن العشرين. 

منهج عرض برامج تلفزيون بغداد بعد 6 أيام على افتتاحه. 

المسلسلات تصنع طريقها 

وسط البث السياسي وبالإمكانيات المتوفرة، بدأ التلفزيون بعرض “تحت موس الحلاق”، وهو أول مسلسل عراقي كوميدي، بث على الهواء مباشرة. كان المسلسل متنوع المواضيع وثابت الشخصيات، يعرض جملة مواقف يومية يواجهها ويعيشها الفرد البغدادي البسيط في محلته، مُستنبِط الفعل والمواضيع من المجتمع، لطرحها بأسلوب كوميدي طغى عليه الطابع الشعبي. 

عُرض العمل كتمثيلية بمقاييس العمل المسرحي وتكوّن من ثلاثة مشاهد في استوديو داخلي على طريقة مسلسلات “السيت كوم” الحديثة؛ وكانت براعة الممثلين أحد أكثر العوامل الرئيسية في نجاح العمل، إذ كان على الممثل أن يتجاوز خطأه، بسرعة وبديهية على الهواء، لإكمال الحلقة التي لا تتجاوز مدتها 35 دقيقة. 

أنتج التلفزيون بين 70-80 حلقة من “تحت موس الحلاق”، وعرضت مباشرة على الهواء، إلا أننا خسرناها جميعها لأنها لم تُسجل، فقد عُرضت قبل استيراد الفيديوتيب وأجهزة التقطيع الالكتروني (المونتاج). 

وبعد وصول “الفيديوتيب” video tape recorder عام 1964 ودخوله إلى الخدمة عندما استحدث قسم التسجيل الصوري المغناطيسي في الإذاعة والتلفزيون، القسم الذي كان مسؤولاً عن المعدات الملحقة وتسجيل وخزن وبث وعرض البرامج والتمثيليات، فأعيدت، حينها، كتابة وتصوير المسلسل، وأُضيفت إليه مشاهد وشخصيات جديدة، وعرضت حلقات متفرقة منه بمدة ساعة كاملة حتى عام 1969. 

كان العمل من تأليف الفنان سليم البصري وبطولته بدور حجي راضي، وبطولة الفنان حمودي الحارثي في دور عبوسي، فضلاً عن ممثلين سيكون لهم شأن كبير في التلفزيون وأهمية عند المتفرج العراقي مثل راسم الجميلي، خليل الرفاعي، سهام السبتي، وآخرين. 

تناوب على إخراج العمل تسعة مخرجين، سيحقق الغالبية منهم نجاحاً، لكن أكثرهم نجاحاً هو المخرج خليل شوقي، الذي أجاد تحريك الممثل والكاميرا. ووفق حمودي الحارثي فإنَّ شوقي تخلى عن إخراج المسلسل “لأنه كان متكبراً عليه كونه كان مخرجاً لفرقة المسرح الحديث”. بالمقابل، بدا إيمانويل رسام آخر مخرج للعمل -مخرج منفذ-، الأضعف من بين المخرجين، وهو الذي صور الحلقات وسجلها للعرض التلفزيوني لأن عمله كان أقرب لعمل مدير تصوير منه إلى مخرج. الحال هذه، كانت قيمة العمل وجودة التمثيل مرتبطة بالمخرجين الثمانية الذين سبقوه عندما كان يُعرض مباشرة. 

بوستر “تحت موس الحلاق” وكادر العمل مع المخرج إيمانويل رسام، المصدر: من الإنترنت. 

يمكن عدّ “تحت موس الحلاق” تأسيس ذوق المتفرج العراقي للدراما. فلأجيال مختلفة، حظي العمل بمكانة كبيرة، لا سيما في غياب منافسة مسلسلات أخرى وحداثة التلفاز والانبهار به. وكانت أكثر الحلقات عالقة في ذاكرة الناس وأكثرها شهرة هما “تلميذ مسائي” و”الحجي سكران” والمشهد الخالد منذ الستينيات، الذي مثل المفارقة بين المتعلم وغير المتعلم حينما قرأ حجي راضي رسالة ولد أم غانم المرسلة من الهند اليها: “آه ديكي آزكي نحباني”. 

فشلت تجربة عرض نسخة جديدة من المسلسل على المشاهدين عندما أعيد إنتاج العمل وعرضه بالألوان خلال الثمانينيات، رغم وجود الطاقم الفني نفسه. 

ولم يحظ المسلسل باهتمام كما حظي في السابق، نظراً لتطور ذائقة المشاهد لما كان يصله من أعمال عربية، وإنتاج أعمال عراقية حديثة، خصوصاً وأن فترة الثمانينيات عرضت فيها أعمال كوميدية عديدة من مسلسلات وتمثيليات ومسرحيات. 

المسلسلات الريفية 

عام 1972 دخل جهاز التقطيع الإلكتروني (المونتاج) إلى الإذاعة والتلفزيون، فصار المونتاج على شريط الفديوتيوب يسمح أكثر بتعدد المناظر في المشهد الواحد وتعدد أكبر في الأحداث والأزمان والانتقالات، ما منح مرونة أكثر للتعامل مع الزمن، وصار تصوير وتسجيل المقاطع واللقطات ومن ثم تقطيعها وتغييرها وتبديلها وترتيبها أكثر سلاسة، وأدى هذا الجهاز، بطبيعة الحال، إلى تطوير الأعمال التلفزيونية والتمثيليات والمسلسلات.  

آنذاك، اختارت دائرة الإذاعة والتلفزيون إنتاج جرف الملح“، المسلسل الريفي الذي يتماشى مع توجهات الدولة التي كانت تعمل على تمدين المدينة والريف وفرض سلطتها وقوانين مؤسساتها على العشائر وإلغاء أسمائها من الهويات.  

حقق العمل، الذي كتبه صباح عطوان، المولود في الناصرية، شعبية كبيرة بعد أن عُرض عام 1974 في ثلاث عشرة حلقة، أخرجها المصري إبراهيم عبد الجليل، الذي كان قد أخرج مجموعة من السهرات (التمثيليات)، أبرزها “عبود يغني” و”عبود لا يغني” عام 1973، واللتان كتبهما عبد الوهاب الدايني اقتباساً عن قصص قصيرة لنجيب محفوظ. 

صورتان من كواليس تصوير مسلسل “جرف الملح”، المصدر: السينما كوم. 

ورغم أن التلفزيون في وقتها لم يكن متاحاً للجميع لغلاء ثمنه، ولكن الناس كانوا يتجمعون في منازل معارفهم ممن يمتلكون تلفزيوناً لمشاهدة حلقات المسلسل. 

تناول جرف الملح الصراع العشائري والحياة الفلاحية والريفية في العراق، مثل الفصل، النهوة، والثأر، وخلافات الفلاحين مع الدولة وسيطرة الشيوخ؛ وقد ترك العمل الكثير من الجمل في أذهان المتفرجين الذين كانوا يعيدون ترديدها في حياتهم، مثل “غافل وفزع تطاككو” و”هذي الكاع اللي احنا عايشين عليها بيها كنز.. كنز”. 

وتحت تأثير المسلسل، صارت الكثير من القرى والقصبات تتسابق على تغيير أسمائها إلى اسم “جرف الملح”. 

استثمرت الدولة نجاح “جرف الملح”، فصارت تبعث رسائل لتحد من هجرة الريف إلى المدينة لما فيها من ضرر اقتصادي كبير، وذلك عبر مسلسل “الدواسر” الذي عُرض عام 1975 للكاتب والمخرج نفسه وبمقاييس مشابهة للعمل الأول. فورد على لسان إحدى الشخصيات: “الحجارة بمكانها ثكيلة، واحنا هنا طفحنا ببغداد، بغداد حلوة لاهلها، وقريتنا حلوة إلنا”. 

ومرةً أخرى، باستثمار نجاح “جرف الملح”، قرر الكاتب والمخرج إعداد جزء ثانٍ للعمل تحت اسم “المتمردون” عام 1977، واستعان المخرج بكادر تصوير مصري بقيادة مدير التصوير سعيد نشمي الذي صور المسلسل على شريط سينما الألوان السبعة (سيلولويد)، حيث تنتج المادة بطريقة التحميض والطباعة ليكون كل مشهد مقطع إلى 24 فريمة. لم يكن من الممكن التصوير باستخدام كاميرا التلفزيون حتى الثمانينات، لأنها كانت كبيرة الحجم ولم تكن مزودة بلوازم الصوت مثل اللاقط المناسب للتصوير في الخارج. ولم يحقق العمل النجاح المرجو، على الرغم من استخدام التقنيات الحديثة في تصويره.  

صورتان من كواليس تصوير مسلسل “الدواسر”، المصدر: السينما كوم. 

لم يُعَد عرض المسلسلات الثلاثة أعلاه في السنوات اللاحقة التي مضت بعد تولي صدام حسين الحكم عام 1979، فعلى الأغلب وبشكل متعمد قد أتلفت. وهناك احتمالان لذلك، إما لأنها كانت مسلسلات ريفية ولا مصلحة لصدام بإعادة عرضها في ذلك الوقت لانتفاء الحاجة لها خصوصاً وأن البعث قد بدأ بإعادة الصلاحيات للعشائر خلال الثمانينيات بعد أن كانت الدولة تحاول تقويضها، حيث احتاج صدام الى شيوخ العشائر من أجل التعبئة والسيطرة على “الافرارية” خلال الحرب العراقية -الايرانية أو لأن أحد أبطال هذه الاعمال كان معارضاً لنظام صدام وهو الفنان عبد المطلب السنيد. ويبدو الاحتمال الأول أكثر صحة لأن التلفزيون أعاد عرض مسلسل “فتاة في العشرين” في التسعينات والذي كان السنيد مشاركاً فيه.  

الشاشة الصغيرة تتلون 

بعد مسلسل “الدواسر”، عرض التلفزيون العراقي برامجه بالألوان وفق نظام SECAM الفرنسي، وأنتج عام 1976، “أعماق الرغبة” أوّل مسلسل عراقي ملّون؛ ألفه صباح عطوان وأخرجه محمد يوسف الجنابي. عرض المسلسل الحياة العائلية والعلاقات العاطفية وطبقة المتعلمين والموظفين والعلاقات والتفاعلات الاجتماعية التي تحمل رقياً وتحضراً من ناحية اللهجة والتخاطب وأناقة الملابس وأشكال الممثلات والممثلين الجميلة والهادئة والأخلاقيات العالية التي تجلت جميعها في المسلسل لتعكس التمدن والثقافة.   

عرض المسلسل أيضاً في السعودية في السنة اللاحقة. وقد أثار حينها حفيظة مفتي المملكة الشيخ بن باز، وطالب بمنع عرضه مع مسلسلات أخرى بسبب ظهور النساء فيها، ولم يكن ذلك موقفاً جديداً من المتشدد السعودي، إذ سبق له أن أعلن احتجاجه على السماح للمرأة بقراءة نشرة الأخبار عبر الإذاعة. 

أخبر  محمد عبده اليماني، وزير الثقافة السعودي آنذاك، ابن باز والمشايخ الآخرين عدم وجود مسلسلات ترفيهية تخلو من النساء، وأن ليس هناك إمكانية لإنتاج مسلسلات بالمواصفات التي يرغبون فيها. وفي النهاية، طالب المشايخ بإخراج اليماني من منصبه بذريعة أن مسلسل “أعماق الرغبة” يروِّج لحزب البعث، حيث تضمنت عدة مشاهد، لافتات ولوحات مكتوب عليها: “البعث حياتنا”، “البعث إنقاذ الأمة”، “البعث الطريق الصحيح”.   

في الحقيقة، كانت هذه اللوحات والشعارات تعلق في جميع مؤسسات العراق وقتها، وهذا ما أخبرهم به الوزير حينها ليدافع عن نفسه، لكن هذه اللوحات لم تظهر في مسلسلات كما ظهرت في “أعماق الرغبة”، التي أخرجها محمد يوسف الجنابي، البعثي الذي كان نادراً ما يشاهد بغير الزي الزيتوني العسكري. 

صورة لمكتب في دائرة حكومية، والمخرج الجنابي يرتدي الزي العسكري أثناء تصوير مسلسل.  

بعد نجاح “أعماق الرغبة”، عرض التلفزيون مسلسلين مدنيين آخرين تدور قصتاهما حول “الشابة العراقية” والتحديات التي تواجهها من المجتمع والعائلة، لكن لم يتم التطرق في المسلسلين لعمق وتعقيد القضايا التي تواجهها المرأة في المجتمع. بل كانت القصة والمعالجة الفنية الدرامية في المسلسلين بسيطة وبدائية جداً. أحد هذين المسلسلين هو “جنوح العاطفة” للمؤلف والمخرج نفسيهما عرض عام 1978. تدور القصة حول فتاة طموحة ورقيقة تسعى لتحقيق أحلامها في الحياة والعمل وتكافح من أجل أهدافها وتعترضها العديد من العقبات. أدت دور الفتاة الفنانة سناء عبد الرحمن. تلا هذا المسلسل عام 1979 مسلسل “فتاة في العشرين” من إخراج إيمانويل رسام وتأليف صباح عطوان، الذي أصبح رائداً بعد نجاح أعماله السابقة. 

من تتر مسلسل “جنوح العاطفة”، ومشهد تظهر فيه الممثلة سناء عبد الرحمن، المصدر: السينما كوم. 

كان “فتاة في العشرين” مسلسلاً يتناول قصة فتاة عشرينية تعاني من صراعات مع أفكار الماضي التي تفرض عليها وتسيطر على بنية المجتمع. حيث تسعى البطلة الذي أدت شخصيتها الفنانة شذى سالم إلى رفض الزواج من ابن عمها الفنان عبد المطلب السنيد.  

صورت بعض مشاهد المسلسل في أماكن خارجية، وكانت هذه التجربة تشكل تحدياً صعباً. فاعتمد الكادر على تسجيل الصوت بتقنية الدوبلاج، حيث صُوِّر المشهد خارجياً وسُجِّل الصوت في الاستوديو، ثم تم دمج الصوت مع المشهد للحصول على جودة صوتية جيدة وخالية من التشويش.  

بوستر مسلسل “فتاة في العشرين”، ومشهد تظهر فيه الفنانة شذى سالم. المصدر: من الانترنت. 

وبمسلسل “فتاة في العشرين” الذي عرض وقتها في دول الخليج، قضى العراق عقدين من التجريب والمحاولات في صناعة أعمال شعبية وريفية ومدنية، إلا أن الحصيلة بمجملها، كانت أعمالاً فقدناها، وأعمالاً قليلة بعددها، أفضلها يعد على أصابع اليد.  

يتبع (1-3) 

 
اعتمد هذا المقال على بحث: “الدراما العراقية في عقود أربع” لـكاروان جبار. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media

اقرأ ايضاً

أَعجَبَ التلفزيون الملك فيصل صدفة، فصارت للعراق محطّة تلفزيونية ترفيهية في أيار 1957، لكنها سرعان ما تحوّلت إلى وسيلة تعبئة سياسية لصالح السلطة، ومكان لإعلان الانقلابات العسكرية.  

كان التلفزيون، في البداية، يبث لساعات محدودة، وكانت برامجه قليلة، فبعد 6 أيام من بدء البث، تضمّن منهاج العرض تقديم برنامج للأطفال، وفيلماً بعنوان الوردة الحمراء، ومن ثم نشرة أخبار، ومقطوعات موسيقية، ثم برنامجاً عن الصحة في العراق، فأخبار الاسبوع، وأخيراً حفلتين، إحداهما لعزيمة توفيق، وأخرى عرض باليه من قاعة الملك فيصل الثاني، ويختم التلفزيون بثّه بالأخبار والختام. 

واعتاد الناس ترقب منهاج البرامج اليومي، والاستعداد لمشاهدة المحتوى الذي يحبونه، لكن السلطات المتعددة، بدأت تدريجياً، بتسييس الشاشة، فقد بث نظام عبد الكريم قاسم جلسات محكمة الشعب لمحاكمة الوزراء والمسؤولين في النظام الملكي، ثم انقلب رفاق قاسم عليه، وقتل وعرضت جثته على التلفزيون، ومذاك، أكمل القوميون والبعثيون ومن لحقهم التسييس. ومع ذلك، كان التلفزيون في معظم الحالات تجربة خاصة وحميمية للمجتمع، نظراً لأنه كان وسيلة الترفيه الأساسية لهم منذ النصف الأول من القرن العشرين. 

منهج عرض برامج تلفزيون بغداد بعد 6 أيام على افتتاحه. 

المسلسلات تصنع طريقها 

وسط البث السياسي وبالإمكانيات المتوفرة، بدأ التلفزيون بعرض “تحت موس الحلاق”، وهو أول مسلسل عراقي كوميدي، بث على الهواء مباشرة. كان المسلسل متنوع المواضيع وثابت الشخصيات، يعرض جملة مواقف يومية يواجهها ويعيشها الفرد البغدادي البسيط في محلته، مُستنبِط الفعل والمواضيع من المجتمع، لطرحها بأسلوب كوميدي طغى عليه الطابع الشعبي. 

عُرض العمل كتمثيلية بمقاييس العمل المسرحي وتكوّن من ثلاثة مشاهد في استوديو داخلي على طريقة مسلسلات “السيت كوم” الحديثة؛ وكانت براعة الممثلين أحد أكثر العوامل الرئيسية في نجاح العمل، إذ كان على الممثل أن يتجاوز خطأه، بسرعة وبديهية على الهواء، لإكمال الحلقة التي لا تتجاوز مدتها 35 دقيقة. 

أنتج التلفزيون بين 70-80 حلقة من “تحت موس الحلاق”، وعرضت مباشرة على الهواء، إلا أننا خسرناها جميعها لأنها لم تُسجل، فقد عُرضت قبل استيراد الفيديوتيب وأجهزة التقطيع الالكتروني (المونتاج). 

وبعد وصول “الفيديوتيب” video tape recorder عام 1964 ودخوله إلى الخدمة عندما استحدث قسم التسجيل الصوري المغناطيسي في الإذاعة والتلفزيون، القسم الذي كان مسؤولاً عن المعدات الملحقة وتسجيل وخزن وبث وعرض البرامج والتمثيليات، فأعيدت، حينها، كتابة وتصوير المسلسل، وأُضيفت إليه مشاهد وشخصيات جديدة، وعرضت حلقات متفرقة منه بمدة ساعة كاملة حتى عام 1969. 

كان العمل من تأليف الفنان سليم البصري وبطولته بدور حجي راضي، وبطولة الفنان حمودي الحارثي في دور عبوسي، فضلاً عن ممثلين سيكون لهم شأن كبير في التلفزيون وأهمية عند المتفرج العراقي مثل راسم الجميلي، خليل الرفاعي، سهام السبتي، وآخرين. 

تناوب على إخراج العمل تسعة مخرجين، سيحقق الغالبية منهم نجاحاً، لكن أكثرهم نجاحاً هو المخرج خليل شوقي، الذي أجاد تحريك الممثل والكاميرا. ووفق حمودي الحارثي فإنَّ شوقي تخلى عن إخراج المسلسل “لأنه كان متكبراً عليه كونه كان مخرجاً لفرقة المسرح الحديث”. بالمقابل، بدا إيمانويل رسام آخر مخرج للعمل -مخرج منفذ-، الأضعف من بين المخرجين، وهو الذي صور الحلقات وسجلها للعرض التلفزيوني لأن عمله كان أقرب لعمل مدير تصوير منه إلى مخرج. الحال هذه، كانت قيمة العمل وجودة التمثيل مرتبطة بالمخرجين الثمانية الذين سبقوه عندما كان يُعرض مباشرة. 

بوستر “تحت موس الحلاق” وكادر العمل مع المخرج إيمانويل رسام، المصدر: من الإنترنت. 

يمكن عدّ “تحت موس الحلاق” تأسيس ذوق المتفرج العراقي للدراما. فلأجيال مختلفة، حظي العمل بمكانة كبيرة، لا سيما في غياب منافسة مسلسلات أخرى وحداثة التلفاز والانبهار به. وكانت أكثر الحلقات عالقة في ذاكرة الناس وأكثرها شهرة هما “تلميذ مسائي” و”الحجي سكران” والمشهد الخالد منذ الستينيات، الذي مثل المفارقة بين المتعلم وغير المتعلم حينما قرأ حجي راضي رسالة ولد أم غانم المرسلة من الهند اليها: “آه ديكي آزكي نحباني”. 

فشلت تجربة عرض نسخة جديدة من المسلسل على المشاهدين عندما أعيد إنتاج العمل وعرضه بالألوان خلال الثمانينيات، رغم وجود الطاقم الفني نفسه. 

ولم يحظ المسلسل باهتمام كما حظي في السابق، نظراً لتطور ذائقة المشاهد لما كان يصله من أعمال عربية، وإنتاج أعمال عراقية حديثة، خصوصاً وأن فترة الثمانينيات عرضت فيها أعمال كوميدية عديدة من مسلسلات وتمثيليات ومسرحيات. 

المسلسلات الريفية 

عام 1972 دخل جهاز التقطيع الإلكتروني (المونتاج) إلى الإذاعة والتلفزيون، فصار المونتاج على شريط الفديوتيوب يسمح أكثر بتعدد المناظر في المشهد الواحد وتعدد أكبر في الأحداث والأزمان والانتقالات، ما منح مرونة أكثر للتعامل مع الزمن، وصار تصوير وتسجيل المقاطع واللقطات ومن ثم تقطيعها وتغييرها وتبديلها وترتيبها أكثر سلاسة، وأدى هذا الجهاز، بطبيعة الحال، إلى تطوير الأعمال التلفزيونية والتمثيليات والمسلسلات.  

آنذاك، اختارت دائرة الإذاعة والتلفزيون إنتاج جرف الملح“، المسلسل الريفي الذي يتماشى مع توجهات الدولة التي كانت تعمل على تمدين المدينة والريف وفرض سلطتها وقوانين مؤسساتها على العشائر وإلغاء أسمائها من الهويات.  

حقق العمل، الذي كتبه صباح عطوان، المولود في الناصرية، شعبية كبيرة بعد أن عُرض عام 1974 في ثلاث عشرة حلقة، أخرجها المصري إبراهيم عبد الجليل، الذي كان قد أخرج مجموعة من السهرات (التمثيليات)، أبرزها “عبود يغني” و”عبود لا يغني” عام 1973، واللتان كتبهما عبد الوهاب الدايني اقتباساً عن قصص قصيرة لنجيب محفوظ. 

صورتان من كواليس تصوير مسلسل “جرف الملح”، المصدر: السينما كوم. 

ورغم أن التلفزيون في وقتها لم يكن متاحاً للجميع لغلاء ثمنه، ولكن الناس كانوا يتجمعون في منازل معارفهم ممن يمتلكون تلفزيوناً لمشاهدة حلقات المسلسل. 

تناول جرف الملح الصراع العشائري والحياة الفلاحية والريفية في العراق، مثل الفصل، النهوة، والثأر، وخلافات الفلاحين مع الدولة وسيطرة الشيوخ؛ وقد ترك العمل الكثير من الجمل في أذهان المتفرجين الذين كانوا يعيدون ترديدها في حياتهم، مثل “غافل وفزع تطاككو” و”هذي الكاع اللي احنا عايشين عليها بيها كنز.. كنز”. 

وتحت تأثير المسلسل، صارت الكثير من القرى والقصبات تتسابق على تغيير أسمائها إلى اسم “جرف الملح”. 

استثمرت الدولة نجاح “جرف الملح”، فصارت تبعث رسائل لتحد من هجرة الريف إلى المدينة لما فيها من ضرر اقتصادي كبير، وذلك عبر مسلسل “الدواسر” الذي عُرض عام 1975 للكاتب والمخرج نفسه وبمقاييس مشابهة للعمل الأول. فورد على لسان إحدى الشخصيات: “الحجارة بمكانها ثكيلة، واحنا هنا طفحنا ببغداد، بغداد حلوة لاهلها، وقريتنا حلوة إلنا”. 

ومرةً أخرى، باستثمار نجاح “جرف الملح”، قرر الكاتب والمخرج إعداد جزء ثانٍ للعمل تحت اسم “المتمردون” عام 1977، واستعان المخرج بكادر تصوير مصري بقيادة مدير التصوير سعيد نشمي الذي صور المسلسل على شريط سينما الألوان السبعة (سيلولويد)، حيث تنتج المادة بطريقة التحميض والطباعة ليكون كل مشهد مقطع إلى 24 فريمة. لم يكن من الممكن التصوير باستخدام كاميرا التلفزيون حتى الثمانينات، لأنها كانت كبيرة الحجم ولم تكن مزودة بلوازم الصوت مثل اللاقط المناسب للتصوير في الخارج. ولم يحقق العمل النجاح المرجو، على الرغم من استخدام التقنيات الحديثة في تصويره.  

صورتان من كواليس تصوير مسلسل “الدواسر”، المصدر: السينما كوم. 

لم يُعَد عرض المسلسلات الثلاثة أعلاه في السنوات اللاحقة التي مضت بعد تولي صدام حسين الحكم عام 1979، فعلى الأغلب وبشكل متعمد قد أتلفت. وهناك احتمالان لذلك، إما لأنها كانت مسلسلات ريفية ولا مصلحة لصدام بإعادة عرضها في ذلك الوقت لانتفاء الحاجة لها خصوصاً وأن البعث قد بدأ بإعادة الصلاحيات للعشائر خلال الثمانينيات بعد أن كانت الدولة تحاول تقويضها، حيث احتاج صدام الى شيوخ العشائر من أجل التعبئة والسيطرة على “الافرارية” خلال الحرب العراقية -الايرانية أو لأن أحد أبطال هذه الاعمال كان معارضاً لنظام صدام وهو الفنان عبد المطلب السنيد. ويبدو الاحتمال الأول أكثر صحة لأن التلفزيون أعاد عرض مسلسل “فتاة في العشرين” في التسعينات والذي كان السنيد مشاركاً فيه.  

الشاشة الصغيرة تتلون 

بعد مسلسل “الدواسر”، عرض التلفزيون العراقي برامجه بالألوان وفق نظام SECAM الفرنسي، وأنتج عام 1976، “أعماق الرغبة” أوّل مسلسل عراقي ملّون؛ ألفه صباح عطوان وأخرجه محمد يوسف الجنابي. عرض المسلسل الحياة العائلية والعلاقات العاطفية وطبقة المتعلمين والموظفين والعلاقات والتفاعلات الاجتماعية التي تحمل رقياً وتحضراً من ناحية اللهجة والتخاطب وأناقة الملابس وأشكال الممثلات والممثلين الجميلة والهادئة والأخلاقيات العالية التي تجلت جميعها في المسلسل لتعكس التمدن والثقافة.   

عرض المسلسل أيضاً في السعودية في السنة اللاحقة. وقد أثار حينها حفيظة مفتي المملكة الشيخ بن باز، وطالب بمنع عرضه مع مسلسلات أخرى بسبب ظهور النساء فيها، ولم يكن ذلك موقفاً جديداً من المتشدد السعودي، إذ سبق له أن أعلن احتجاجه على السماح للمرأة بقراءة نشرة الأخبار عبر الإذاعة. 

أخبر  محمد عبده اليماني، وزير الثقافة السعودي آنذاك، ابن باز والمشايخ الآخرين عدم وجود مسلسلات ترفيهية تخلو من النساء، وأن ليس هناك إمكانية لإنتاج مسلسلات بالمواصفات التي يرغبون فيها. وفي النهاية، طالب المشايخ بإخراج اليماني من منصبه بذريعة أن مسلسل “أعماق الرغبة” يروِّج لحزب البعث، حيث تضمنت عدة مشاهد، لافتات ولوحات مكتوب عليها: “البعث حياتنا”، “البعث إنقاذ الأمة”، “البعث الطريق الصحيح”.   

في الحقيقة، كانت هذه اللوحات والشعارات تعلق في جميع مؤسسات العراق وقتها، وهذا ما أخبرهم به الوزير حينها ليدافع عن نفسه، لكن هذه اللوحات لم تظهر في مسلسلات كما ظهرت في “أعماق الرغبة”، التي أخرجها محمد يوسف الجنابي، البعثي الذي كان نادراً ما يشاهد بغير الزي الزيتوني العسكري. 

صورة لمكتب في دائرة حكومية، والمخرج الجنابي يرتدي الزي العسكري أثناء تصوير مسلسل.  

بعد نجاح “أعماق الرغبة”، عرض التلفزيون مسلسلين مدنيين آخرين تدور قصتاهما حول “الشابة العراقية” والتحديات التي تواجهها من المجتمع والعائلة، لكن لم يتم التطرق في المسلسلين لعمق وتعقيد القضايا التي تواجهها المرأة في المجتمع. بل كانت القصة والمعالجة الفنية الدرامية في المسلسلين بسيطة وبدائية جداً. أحد هذين المسلسلين هو “جنوح العاطفة” للمؤلف والمخرج نفسيهما عرض عام 1978. تدور القصة حول فتاة طموحة ورقيقة تسعى لتحقيق أحلامها في الحياة والعمل وتكافح من أجل أهدافها وتعترضها العديد من العقبات. أدت دور الفتاة الفنانة سناء عبد الرحمن. تلا هذا المسلسل عام 1979 مسلسل “فتاة في العشرين” من إخراج إيمانويل رسام وتأليف صباح عطوان، الذي أصبح رائداً بعد نجاح أعماله السابقة. 

من تتر مسلسل “جنوح العاطفة”، ومشهد تظهر فيه الممثلة سناء عبد الرحمن، المصدر: السينما كوم. 

كان “فتاة في العشرين” مسلسلاً يتناول قصة فتاة عشرينية تعاني من صراعات مع أفكار الماضي التي تفرض عليها وتسيطر على بنية المجتمع. حيث تسعى البطلة الذي أدت شخصيتها الفنانة شذى سالم إلى رفض الزواج من ابن عمها الفنان عبد المطلب السنيد.  

صورت بعض مشاهد المسلسل في أماكن خارجية، وكانت هذه التجربة تشكل تحدياً صعباً. فاعتمد الكادر على تسجيل الصوت بتقنية الدوبلاج، حيث صُوِّر المشهد خارجياً وسُجِّل الصوت في الاستوديو، ثم تم دمج الصوت مع المشهد للحصول على جودة صوتية جيدة وخالية من التشويش.  

بوستر مسلسل “فتاة في العشرين”، ومشهد تظهر فيه الفنانة شذى سالم. المصدر: من الانترنت. 

وبمسلسل “فتاة في العشرين” الذي عرض وقتها في دول الخليج، قضى العراق عقدين من التجريب والمحاولات في صناعة أعمال شعبية وريفية ومدنية، إلا أن الحصيلة بمجملها، كانت أعمالاً فقدناها، وأعمالاً قليلة بعددها، أفضلها يعد على أصابع اليد.  

يتبع (1-3) 

 
اعتمد هذا المقال على بحث: “الدراما العراقية في عقود أربع” لـكاروان جبار.