الانتخابات المُبكرة.. إعادة مشهد الصراع للمرة الثانية

رضا الشمري

01 أكتوبر 2022

سيُعاد صراع السيناريو بين التيار الصدري والإطار التنسيقي بشكل ممل للمرة الثانية، ولن يخوضا حرباً، بينما سيخسر المدنيون الكثير لأنهم لم يتحضروا جيداً لاستغلال هذه الفرصة..

مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري، يدفع بقوة لإجراء انتخابات مبكّرة، لكن الانتخابات ليست نهاية الرحلة بالنسبة له، وإنما السلطة المُطلقة، والهيمنة الكاملة على الدولة ومفاصلها، وأموالها وجيشها وناسها.

الانتخابات بالنسبة للصدر ليست الحل، بل رئيس وزراء يختاره، ويستولي من خلاله على العراق بالكامل وبشكل رسمي. بالمقابل، فإن الإطار يريد “حلاً” مماثلاً لكن نتيجته ستكون استخدام قوة الدولة وإضافتها لقوة الفصائل المسلحة لمعادلة قوة الصدر، لأن الإطار، عملياً، لا يستطيع السيطرة على كل شيء.

فوز مقتدى الصدر بما يريد يعني نهاية وشيكة للإطار التنسيقي، وفوز الإطار بما يريد يعني مزيداً من التأجيل لحلم السيد “الولي الفقيه” الذي خامر مقتدى الصدر منذ تشكيله “حكومة ظل” عام 2004.

لكن لا هذا سيرضى ولا ذاك.

الانتخابات المبكرة تبدو أكثر الحلول منطقية لفضّ النزاع القائم بين الطرفين، لكنها في الحقيقة ستجلب مزيداً من الصراع.

سانت ليغو والدوائر المفتوحة

لفهم ما سيحصل في الانتخابات المُبكرة التي يصرُّ الصدر على إجرائها، تدعمه في ذلك القوى السياسية الكرديّة والسنيّة، لا بد من العودة إلى فهم ما جرى في الانتخابات السابقة التي جرت في تشرين الأول عام 2021.

دخلت قوى الإطار التنسيقي في الانتخابات السابقة المعترك بِعدّة (سانت ليغو)[1] لحساب أصوات الناخبين، وأكلت أصوات بعضها بعضاً من خلال الإكثار بزجّ المرشحين في الدوائر الانتخابية، الأمر الذي أفقدهم عشرات المقاعد لصالح الصدر. وكان الأخير قد شارك في كتابة قانون انتخابات مجلس النواب العراقي لعام 2020 الذي طالبت به تظاهرات تشرين، والذي أقر أن تكون الدوائر الانتخابية متعددة على أساس المدن والأقضية. من هنا دخل الصدر الانتخابات بخطة دقيقة للغاية أدت إلى عدم ضياع سوى أقل النسب من الأصوات الموجهة إلى مرشحيه.

في الشكل، يظهر بوضوح كيف استفاد الصدريون وغيرهم من نظام الدوائر المفتوحة، وكيف خسر تحالف الفتح وقوى الدولة مقاعد عدة.

لكن تجربة الانتخابات السابقة لن تتكرر. لم يعد الصدر وحده من يعرف حساب الأصوات والتعامل مع قانون الانتخابات الجديد. سيوظف الإطار التنسيقي وغيره الأخطاء التي تعلموها، وسيقرأون قانون الانتخابات بعناية، مستعينين بالخبراء والمبرمجين، ولن يقبلوا بضياع أي صوت. وبالمقابل، فإن قوة التيار الصدري الانتخابية ستواجه صعوبات عديدة. فالتيار لا يمتلك أيّ احتياطي أصوات غير تلك التي حازها مرشحوه. وإذا ما جرت الانتخابات وفق القانون الحالي، وهو ما يستقتل الصدر لأجله، فلن يحصل التيار الصدري على أكثر من 50 مقعداً، في مقابل نحو 80 مقعداً لكتل الإطار التنسيقي المختلفة.

هذا يعني أنها ستكون مصيبة بالنسبة للصدر لو حصل على 50 مقعداً فقط بعد أن زن طوال أشهر لإعادة الانتخابات، وهل سيسلّم بالنتيجة ويبارك للإطار فوزه؟ طبعاً إذا لم تجر الانتخابات من دون اغتيالات مرشحين، ولا عبوات ناسفة أمام الأبواب، ولا اختطاف أو ابتزاز أو غيرها.. وكل هذا مرشح جداً أن يحصل.

ثم ماذا بعد الانتخابات؟ لو فاز الصدر فلن يسمح الإطار بتشكيل حكومة، ولو خسر فسيكمل أنصاره اللطم في البرلمان. إذن فالصراع هو النتيجة شبه الحتمية.. لكن أيّ صراع ننتظر؟

صراع قديم.. صراع جديد

بعد الانتخابات المبكرة في تشرين الأول، حذّر “محللون” من خراب كبير مقبل، وقالوا إن استقالة الصدر تشكل تمهيداً لعصيان مسلح ينتهي بحسب بعض السيناريوهات بمقتل كل أفراد الميليشيات أو تحييدهم، واستيلاء الصدر على الدولة بقوة السلاح.

ذكرت سيناريوهات أخرى أن الميليشيات المدعومة من إيران ستنتصر، ويتحول البلد كله -بشكل رسمي هذه المرة – لمزرعة من مزارع “الولي الفقيه” الممتدة من سوريا إلى جنوب لبنان إلى اليمن وغزة.

لكن “المحللين” ينسون ربما أن الصدر لا يزال يسيطر على أهم مفاصل الدولة العراقية من خلال دولته العميقة التي استبدل بها دولة حزب الدعوة العميقة. لا يزال حميد الغزي رجل الصدر، وعبر تعيينه بمنصب الأمين العام لمجلس الوزراء، رئيساً فعلياً للوزراء، يمنح العقود والمشاريع والتعيينات والدرجات ويحاسب ويكافئ، ولا يزال هناك مئات من المدراء العامين والدرجات الخاصة يمولون اقتصاديات الصدر بأموال “شرعية” تصل إلى مليارات الدنانير شهرياً من نشاطات الدولة في كل القطاعات. كما أن الميليشيات أمَّنت أموالها “غير الشرعية” التي تأتي من تجارة المخدرات والبشر ونشاطات إدارة القمار والملاهي والسرقات المستمرة لمقالع السكراب والحصى في الموصل، علاوة على تهريب النفط من العراق عبر معابر ديالى والأنبار والموصل باتجاه سوريا وتركيا وإيران، إضافة إلى المشاريع التي يتركها رجال الصدر خلفهم من عقود مؤسسات الدولة. عليه فلا يمكن للصراع بين الطرفين التحوّل إلى صراع مسلّح شامل تنخرط فيه كلّ القوى خارج الدولة، وذلك لأسباب عديدة، منها أن الصدر لا يستطيع إدامة حرب شوارع لمدة طويلة. لقد استمرت كل المعارك الكبيرة التي خاضها الصدر ضد الدولة وضد القوات الأجنبية في العراق أشهراً معدودة فقط. صحيح أن العمليات العسكرية استمرت لسنوات، لكنه إذا خاض معارك مفتوحة سيكون محكوماً بقواعد تلك المعارك، التي تكون فيها الغلبة لمن يستطيع الحفاظ على تدفق العتاد والجنود والمستلزمات اللوجستية والتدريب والقيادة والاستخبارات، وليس لمن يملك جنوداً أكثر. والصدر لا يمتلك التمويل والحلفاء الكافيين لشن حرب واسعة ضد قوات من عشرات الآلاف من الميليشيات المدربة المركزية، المدعومة من إيران واستخباراتها وقواتها المسلحة. كما أن الميليشيات لا تريد ذلك أيضاً، إذ أنها وداعميها غير مهتمين كثيراً بالمال الذي يتم جنيه من العقود والمشاريع بقدر اهتمامهم بأموال “الكريستال” مثلاً، السريعة والمتزايدة بشكل كبير ومطرد.

الحكومة التي يريدها الصدر والإطار

وإذا لم تكن حرباً محتملة، فالاتفاق على تشكيل حكومة بعد إجراء الانتخابات المبكرة الوشيكة أمر صعب.

فالميليشيات لا تريد رئيس وزراء من صلبها، بل تريده ضعيفاً مثل عادل عبد المهدي، رئيس الوزراء الأسبق؛ ضعيفاً للدرجة التي يستمر معها تمييع الجيش والقوات الأمنية العراقية واختراقهما، وللدرجة التي تبقي أعيناً رقيبة على توسع الصدر داخل الدولة، وللدرجة التي تسمح للميليشيات باستخدام جميع مؤسسات الدولة وكأنها محال بقالة، وأخيراً للدرجة التي تتيح استخدام الوضع الرسمي للحفاظ على مصالح إيران في العراق ونفوذها وعدم تهديدها بأي طريقة.

والسبب الوحيد الذي لا تريد فيه الميليشيات رئيس وزراء صدرياً، هو ذاته الذي يريد فيه مقتدى الصدر رئيس وزراء من تياره: الخوف من رئيس وزراء مدعوم من مقتدى الصدر يقوم باستخدام الجيش ضد الميليشيات ونشاطاتها، وهو الخيار المفضل للصدر، لأنه لن يخسر فلساً أو جندياً في هذا الصراع، بينما ستخسر الميليشيات حتماً أمام الجيش المدعوم من الدولة والمجتمع الدولي.

وفي هذا الصراع كلّه، فإن المستفيد الحقيقي الوحيد هو مصطفى الكاظمي، رئيس الحكومة الحالي. فأينما تسير الغيمة الحالية سيصله خراجها، فإن اقتتل التيار والإطار الآن بقي في منصبه حتى يصطلحوا، وإن أعادوا الانتخابات بقي حتى يُكمل الانتخابات الجديدة ثم ينتظر ليقتتل الجماعة بعدها ويصطلحوا، إن اصطلحوا.

في أفضل الأحوال، لا أعتقد أبداً أن الصدر سيحصل على أكثر من 60 مقعداً في البرلمان المقبل، فيما ستزيد مقاعد الإطار بشكل كبير، ويظهر كسر العظم الذي أبداه الصدريون الآن. من هنا فمن المتوقع أن أي انتخابات مقبلة ستشهد عنفاً، على الأغلب سيستهدف مرشحي الفريقين في المناطق “المتنازع عليها”، وهي كذلك مناطق النفوذ المشترك، وخاصة من ذوي الحظوظ بالفوز.

أما المدنيون والتشرينيون والعلمانيون وغيرهم، فسيتمكنون من “إصلاح الأوضاع بشكل جذري” وتطوير الاقتصاد والأمن والسياسة الخارجية، على فيسبوك فحسب، أما في الواقع فلا أعتقد أن أي شيء قريب من مكاسبهم في هذا البرلمان، سيتحقق في البرلمان المقبل.

حلّ هذا الخراب كما توقعناه الآن، والذي كنا نتمنى أن يكون المحتجون جاهزين لحصاد نتائجه الشعبية. كانت النصيحة التي كنا نقدمها وقتها لحركات مثل “امتداد” وغيرها، هي تقوية الجبهة الداخلية للحركة حتى تتحمل الضغط الهائل الذي سيسلط عليها، دراسة القوانين الانتخابية وإعداد استراتيجية للترشيح بحيث تتم الإفادة من كل صوت. والأهم، الظهور في الوقت المناسب، وقت الخراب الذي يسببه الصدريون والميليشيات لجلب التأييد الشعبي والدخول إلى الانتخابات التي ستجرى بعد هذه بقوة كبيرة ومدروسة وجبهة داخلية قادرة على مواجهة التحدي.

بدلا من أن ينثلموا بركام البرلمان الذي سينهار.

وحصل بالضبط ما توقعناه.

فقد الشارع الثقة بشكل كبير بالقوى التي أفرزتها الاحتجاجات وأصبحت حالها حال غيرها، مشاركة في الخراب، جبهتها الداخلية ممزقة، والانشقاقات بينها فضائحية، ما تسبب بإضعاف صورتها أمام الناس.. وتجلى بشكل واضح فقرها السياسي والقانوني.

فلا استطاعت الإصلاح من الداخل كما كان قادتها يريدون – الصدر لم يستطع بـ73 نائبا أن يصنع شيئاً– ولا هي حافظت على “بياض وجوهها” أمام الناس، بل وخربت جزءاً كبيراً من تأثير تشرين الأخلاقي ومثلها التي كانت السبب بصعودهم.

سيكون المدنيون محظوظين إذا حصلوا على المقاعد نفسها بعد سقوط هذا البرلمان.

وفي المحصلة، سنبقى في الدائرة نفسها: صراع بين التيار الصدري والإطار التنسيقي على ما تبقّى من الدولة، وجبهات مدنيّة تزداد ضعفاً وتضيّع الفرصّة بعد الأخرى.

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويب؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media

اقرأ ايضاً

مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري، يدفع بقوة لإجراء انتخابات مبكّرة، لكن الانتخابات ليست نهاية الرحلة بالنسبة له، وإنما السلطة المُطلقة، والهيمنة الكاملة على الدولة ومفاصلها، وأموالها وجيشها وناسها.

الانتخابات بالنسبة للصدر ليست الحل، بل رئيس وزراء يختاره، ويستولي من خلاله على العراق بالكامل وبشكل رسمي. بالمقابل، فإن الإطار يريد “حلاً” مماثلاً لكن نتيجته ستكون استخدام قوة الدولة وإضافتها لقوة الفصائل المسلحة لمعادلة قوة الصدر، لأن الإطار، عملياً، لا يستطيع السيطرة على كل شيء.

فوز مقتدى الصدر بما يريد يعني نهاية وشيكة للإطار التنسيقي، وفوز الإطار بما يريد يعني مزيداً من التأجيل لحلم السيد “الولي الفقيه” الذي خامر مقتدى الصدر منذ تشكيله “حكومة ظل” عام 2004.

لكن لا هذا سيرضى ولا ذاك.

الانتخابات المبكرة تبدو أكثر الحلول منطقية لفضّ النزاع القائم بين الطرفين، لكنها في الحقيقة ستجلب مزيداً من الصراع.

سانت ليغو والدوائر المفتوحة

لفهم ما سيحصل في الانتخابات المُبكرة التي يصرُّ الصدر على إجرائها، تدعمه في ذلك القوى السياسية الكرديّة والسنيّة، لا بد من العودة إلى فهم ما جرى في الانتخابات السابقة التي جرت في تشرين الأول عام 2021.

دخلت قوى الإطار التنسيقي في الانتخابات السابقة المعترك بِعدّة (سانت ليغو)[1] لحساب أصوات الناخبين، وأكلت أصوات بعضها بعضاً من خلال الإكثار بزجّ المرشحين في الدوائر الانتخابية، الأمر الذي أفقدهم عشرات المقاعد لصالح الصدر. وكان الأخير قد شارك في كتابة قانون انتخابات مجلس النواب العراقي لعام 2020 الذي طالبت به تظاهرات تشرين، والذي أقر أن تكون الدوائر الانتخابية متعددة على أساس المدن والأقضية. من هنا دخل الصدر الانتخابات بخطة دقيقة للغاية أدت إلى عدم ضياع سوى أقل النسب من الأصوات الموجهة إلى مرشحيه.

في الشكل، يظهر بوضوح كيف استفاد الصدريون وغيرهم من نظام الدوائر المفتوحة، وكيف خسر تحالف الفتح وقوى الدولة مقاعد عدة.

لكن تجربة الانتخابات السابقة لن تتكرر. لم يعد الصدر وحده من يعرف حساب الأصوات والتعامل مع قانون الانتخابات الجديد. سيوظف الإطار التنسيقي وغيره الأخطاء التي تعلموها، وسيقرأون قانون الانتخابات بعناية، مستعينين بالخبراء والمبرمجين، ولن يقبلوا بضياع أي صوت. وبالمقابل، فإن قوة التيار الصدري الانتخابية ستواجه صعوبات عديدة. فالتيار لا يمتلك أيّ احتياطي أصوات غير تلك التي حازها مرشحوه. وإذا ما جرت الانتخابات وفق القانون الحالي، وهو ما يستقتل الصدر لأجله، فلن يحصل التيار الصدري على أكثر من 50 مقعداً، في مقابل نحو 80 مقعداً لكتل الإطار التنسيقي المختلفة.

هذا يعني أنها ستكون مصيبة بالنسبة للصدر لو حصل على 50 مقعداً فقط بعد أن زن طوال أشهر لإعادة الانتخابات، وهل سيسلّم بالنتيجة ويبارك للإطار فوزه؟ طبعاً إذا لم تجر الانتخابات من دون اغتيالات مرشحين، ولا عبوات ناسفة أمام الأبواب، ولا اختطاف أو ابتزاز أو غيرها.. وكل هذا مرشح جداً أن يحصل.

ثم ماذا بعد الانتخابات؟ لو فاز الصدر فلن يسمح الإطار بتشكيل حكومة، ولو خسر فسيكمل أنصاره اللطم في البرلمان. إذن فالصراع هو النتيجة شبه الحتمية.. لكن أيّ صراع ننتظر؟

صراع قديم.. صراع جديد

بعد الانتخابات المبكرة في تشرين الأول، حذّر “محللون” من خراب كبير مقبل، وقالوا إن استقالة الصدر تشكل تمهيداً لعصيان مسلح ينتهي بحسب بعض السيناريوهات بمقتل كل أفراد الميليشيات أو تحييدهم، واستيلاء الصدر على الدولة بقوة السلاح.

ذكرت سيناريوهات أخرى أن الميليشيات المدعومة من إيران ستنتصر، ويتحول البلد كله -بشكل رسمي هذه المرة – لمزرعة من مزارع “الولي الفقيه” الممتدة من سوريا إلى جنوب لبنان إلى اليمن وغزة.

لكن “المحللين” ينسون ربما أن الصدر لا يزال يسيطر على أهم مفاصل الدولة العراقية من خلال دولته العميقة التي استبدل بها دولة حزب الدعوة العميقة. لا يزال حميد الغزي رجل الصدر، وعبر تعيينه بمنصب الأمين العام لمجلس الوزراء، رئيساً فعلياً للوزراء، يمنح العقود والمشاريع والتعيينات والدرجات ويحاسب ويكافئ، ولا يزال هناك مئات من المدراء العامين والدرجات الخاصة يمولون اقتصاديات الصدر بأموال “شرعية” تصل إلى مليارات الدنانير شهرياً من نشاطات الدولة في كل القطاعات. كما أن الميليشيات أمَّنت أموالها “غير الشرعية” التي تأتي من تجارة المخدرات والبشر ونشاطات إدارة القمار والملاهي والسرقات المستمرة لمقالع السكراب والحصى في الموصل، علاوة على تهريب النفط من العراق عبر معابر ديالى والأنبار والموصل باتجاه سوريا وتركيا وإيران، إضافة إلى المشاريع التي يتركها رجال الصدر خلفهم من عقود مؤسسات الدولة. عليه فلا يمكن للصراع بين الطرفين التحوّل إلى صراع مسلّح شامل تنخرط فيه كلّ القوى خارج الدولة، وذلك لأسباب عديدة، منها أن الصدر لا يستطيع إدامة حرب شوارع لمدة طويلة. لقد استمرت كل المعارك الكبيرة التي خاضها الصدر ضد الدولة وضد القوات الأجنبية في العراق أشهراً معدودة فقط. صحيح أن العمليات العسكرية استمرت لسنوات، لكنه إذا خاض معارك مفتوحة سيكون محكوماً بقواعد تلك المعارك، التي تكون فيها الغلبة لمن يستطيع الحفاظ على تدفق العتاد والجنود والمستلزمات اللوجستية والتدريب والقيادة والاستخبارات، وليس لمن يملك جنوداً أكثر. والصدر لا يمتلك التمويل والحلفاء الكافيين لشن حرب واسعة ضد قوات من عشرات الآلاف من الميليشيات المدربة المركزية، المدعومة من إيران واستخباراتها وقواتها المسلحة. كما أن الميليشيات لا تريد ذلك أيضاً، إذ أنها وداعميها غير مهتمين كثيراً بالمال الذي يتم جنيه من العقود والمشاريع بقدر اهتمامهم بأموال “الكريستال” مثلاً، السريعة والمتزايدة بشكل كبير ومطرد.

الحكومة التي يريدها الصدر والإطار

وإذا لم تكن حرباً محتملة، فالاتفاق على تشكيل حكومة بعد إجراء الانتخابات المبكرة الوشيكة أمر صعب.

فالميليشيات لا تريد رئيس وزراء من صلبها، بل تريده ضعيفاً مثل عادل عبد المهدي، رئيس الوزراء الأسبق؛ ضعيفاً للدرجة التي يستمر معها تمييع الجيش والقوات الأمنية العراقية واختراقهما، وللدرجة التي تبقي أعيناً رقيبة على توسع الصدر داخل الدولة، وللدرجة التي تسمح للميليشيات باستخدام جميع مؤسسات الدولة وكأنها محال بقالة، وأخيراً للدرجة التي تتيح استخدام الوضع الرسمي للحفاظ على مصالح إيران في العراق ونفوذها وعدم تهديدها بأي طريقة.

والسبب الوحيد الذي لا تريد فيه الميليشيات رئيس وزراء صدرياً، هو ذاته الذي يريد فيه مقتدى الصدر رئيس وزراء من تياره: الخوف من رئيس وزراء مدعوم من مقتدى الصدر يقوم باستخدام الجيش ضد الميليشيات ونشاطاتها، وهو الخيار المفضل للصدر، لأنه لن يخسر فلساً أو جندياً في هذا الصراع، بينما ستخسر الميليشيات حتماً أمام الجيش المدعوم من الدولة والمجتمع الدولي.

وفي هذا الصراع كلّه، فإن المستفيد الحقيقي الوحيد هو مصطفى الكاظمي، رئيس الحكومة الحالي. فأينما تسير الغيمة الحالية سيصله خراجها، فإن اقتتل التيار والإطار الآن بقي في منصبه حتى يصطلحوا، وإن أعادوا الانتخابات بقي حتى يُكمل الانتخابات الجديدة ثم ينتظر ليقتتل الجماعة بعدها ويصطلحوا، إن اصطلحوا.

في أفضل الأحوال، لا أعتقد أبداً أن الصدر سيحصل على أكثر من 60 مقعداً في البرلمان المقبل، فيما ستزيد مقاعد الإطار بشكل كبير، ويظهر كسر العظم الذي أبداه الصدريون الآن. من هنا فمن المتوقع أن أي انتخابات مقبلة ستشهد عنفاً، على الأغلب سيستهدف مرشحي الفريقين في المناطق “المتنازع عليها”، وهي كذلك مناطق النفوذ المشترك، وخاصة من ذوي الحظوظ بالفوز.

أما المدنيون والتشرينيون والعلمانيون وغيرهم، فسيتمكنون من “إصلاح الأوضاع بشكل جذري” وتطوير الاقتصاد والأمن والسياسة الخارجية، على فيسبوك فحسب، أما في الواقع فلا أعتقد أن أي شيء قريب من مكاسبهم في هذا البرلمان، سيتحقق في البرلمان المقبل.

حلّ هذا الخراب كما توقعناه الآن، والذي كنا نتمنى أن يكون المحتجون جاهزين لحصاد نتائجه الشعبية. كانت النصيحة التي كنا نقدمها وقتها لحركات مثل “امتداد” وغيرها، هي تقوية الجبهة الداخلية للحركة حتى تتحمل الضغط الهائل الذي سيسلط عليها، دراسة القوانين الانتخابية وإعداد استراتيجية للترشيح بحيث تتم الإفادة من كل صوت. والأهم، الظهور في الوقت المناسب، وقت الخراب الذي يسببه الصدريون والميليشيات لجلب التأييد الشعبي والدخول إلى الانتخابات التي ستجرى بعد هذه بقوة كبيرة ومدروسة وجبهة داخلية قادرة على مواجهة التحدي.

بدلا من أن ينثلموا بركام البرلمان الذي سينهار.

وحصل بالضبط ما توقعناه.

فقد الشارع الثقة بشكل كبير بالقوى التي أفرزتها الاحتجاجات وأصبحت حالها حال غيرها، مشاركة في الخراب، جبهتها الداخلية ممزقة، والانشقاقات بينها فضائحية، ما تسبب بإضعاف صورتها أمام الناس.. وتجلى بشكل واضح فقرها السياسي والقانوني.

فلا استطاعت الإصلاح من الداخل كما كان قادتها يريدون – الصدر لم يستطع بـ73 نائبا أن يصنع شيئاً– ولا هي حافظت على “بياض وجوهها” أمام الناس، بل وخربت جزءاً كبيراً من تأثير تشرين الأخلاقي ومثلها التي كانت السبب بصعودهم.

سيكون المدنيون محظوظين إذا حصلوا على المقاعد نفسها بعد سقوط هذا البرلمان.

وفي المحصلة، سنبقى في الدائرة نفسها: صراع بين التيار الصدري والإطار التنسيقي على ما تبقّى من الدولة، وجبهات مدنيّة تزداد ضعفاً وتضيّع الفرصّة بعد الأخرى.