الطريق إلى الحب صار أكثر طائفية: تأملات شخصية في تعديل قانون الأحوال الشخصية 

شمس علي

17 شباط 2026

لم يعد الطريق إلى الحب في العراق مسألة شخصية خالصة، بل صار محاطاً بقوانين وهويات وانقسامات تتسلّل إلى أكثر العلاقات حميمية.. نصّ شخصي عن الطائفية والزواج والمدونة الجعفرية..

قبل الجدل الدائر حول “المدونة الجعفرية”، قضيتُ سنوات أتجنب الوقوع في حبّ شخص من مذهب آخر، رغم أنني لا أؤمن بهذه التصنيفات. كنتُ أتجنب دوامة صراع قد تهدد حياتي وحياة من أحب.  

رأيتُ كيف تفرّق عائلتي بين قطي الذي ينتمي إلى فصيلة منتشرة في شوارع المدينة، وبين قطّنا الآخر من النوع الشيرازي المليء بالفرو. قطي نُبذ لأن شكله وأصله -اللذين لم يخترهما- يجعلان منه، بنظرهم، حيواناً يستحق الشارع، شأنه شأن “أبناء هريرته”. حاولوا مراراً رميه أثناء غيابي، بل حتى طردي معه. هذه التفرقة منحتني تصوراً واضحاً عما يمكن أن يحدث لو أن الرجل الذي سأحبّه يكون من منطقة أو انتماء ديني مختلف: أي “عار” سأجلبه! 

كانت عادتي الدائمة هي تجنّب أي علاقة عاطفية مع شخص ذي انتماء مختلف. لكن الحبّ لا يستأذن، بل يدخل في أكثر لحظاتنا انشغالاً ورفضاً، كأن الحياة تريد أن ترينا الجمال الذي كنا سنحرم أنفسنا منه. 

أتذكر اليوم الذي تعرفتُ فيه عليه، جذبتني ملامحه البشوشة وضحكاته الدائمة في كل صورة. وكعادتي حاولتُ معرفة مذهبه، لكنه لم يترك دليلاً واحداً، وتوجيه سؤال كهذا من امرأة علمانية كان سيبدو فظّاً وطائفياً. تشجعتُ، وقررتُ أن أتعرف عليه كصديق فقط… وأغامر.  

تحدثنا بأحاديث طويلة، عميقة، أمسك بيدي وخضنا معاً عبر التاريخ وأحداث السياسة في سنوات مضت. حتى جاء اليوم الذي عرفتُ فيه مذهبه، ورغم أنه لا يعرّف نفسه كفرد “منتمٍ”، تبقى تلك خلفيته المذهبية. 

أن تولد في بيئة طائفية/طبقية/مناطقية يعني أن تدخل هذه الانتماءات التي وُلدتَ عليها ولم تخترها في كل تفاصيل حياتك. وحتى إن لم تعترف بأهميتها، سيجبرك السياق الاجتماعي على أخذها بعين الاعتبار. 

منعتُ قلبي من الخفقان أمام ذكائه ولباقته، وأمام كل الصفات التي حلمتُ دائماً بوجودها في الرجل الذي سأحب. لكنه كان صريحاً، وأعلن رغبته في علاقة جدية تجمعنا، ونعبر عنها بجملتنا “حتى يجف دم القلب ولا يجف الحب”. 

شعرتُ بالخوف، ليس من رفض عائلتي المحتمل فقط، بل من “المدونة الجعفرية” التي كانت تجري مناقشتها. فحتى لو كان زوجي من المذهب الحنفي، يمكنه -دون علمي- تغيير العقد الذي وقعناه بحبّ، ليتحول إلى شراكة هشة أمام قانون لا يحترمني.  

كيف أقنع عائلتي وأنا نفسي غير مقتنعة بالزواج وفق قانون المدونة الذي يحرمني من أطفالي بعد سنّ السابعة؟ أنا التي قاومتُ التخلي عن قطّي، كيف أتقبل أن أفقد أطفالي؟ وكيف أتحمل فكرة أن البيت الذي سأبنيه بنصف عمري قد أخرج منه بلا قشة واحدة؟ إلى جانب ما تحتويه المدونة من مواد مهينة للمرأة كـ”اللعان”، أي إنكار نسب الطفل، وحتى تعريفها للزواج باعتباره “علاقة بين طرفين”، أي أنها تختزل الشراكة الزوجية في العلاقة الجنسية ورضا الرجل، ولو على حساب شريكته. 

في الحوارات التي خضتها مع صديقاتي -اللواتي يتزوجن دون إدراك المدونة، لأنهن من مذهب يعتقدن أنه محمي- اعتقدن أن المدونة ستُطبَّق على فئة معينة فقط، أو “وثقن” بالرجل الذي يحببن. الثقة؟ هل سأعلّق حياتي ومستقبل أطفالي على “الثقة”؟ ليس لأني امرأة قلقة بطبعي، بل لأن الحب وحده لا يكفي لبناء مستقبلي، وإن وثقتُ بالرجل فكيف أثق بما ستفعله الحياة؟ 

في محيطي رأيت نساء يُعنَّفن من الأهل والزوج، ورأيتهن باقيات مكانهن، ليس بسبب القانون، بل لأن العائلة والمجتمع لا يسمحان لهن بالتفكير في المغادرة. وعلى المرأة “الأصيلة” بنت “الأصول” أن تتحمل عنفاً اقتصادياً ونفسياً وجسدياً، وحرماناً من حق الاختيار في أبسط تفاصيل الحياة، كوضع “المكياج” وتشذيب الحاجب، وحتى الرجل الذي ستتزوج أو العمل الذي ستعمل. ولفترة طويلة كنت أنا منهن، والمفارقة أننا نخاف من المغادرة حتى مع وجود قانون يحفظ فتات حقوقنا، فأصوات الخوف والترهيب تبقى في عقلنا حتى بعد زوال المخاطر. 

وأفكر في القانون وأصر على أهميته، فإحدى قريباتي تزوجت في سن الـ12 وعانت من مضاعفات جسدية بسبب حملها وهي في الـ13 من عمرها، ما أثر في حياتها وصحتها حتى اليوم، واستطاعت بعد 23 عاماً النجاة من دائرة العنف والخيانة. احتاجت خمس سنوات لتفهم حقها ولتتشجع وتقول قرارها لأهلها الذين يعيشون على بُعد قارتين عنها، وهي تعتقد حتى اللحظة أنها تمردت على عائلتها بمساعدة قانون أجنبي، وبالكدمات على جسدها، وبراتبها الذي يُسلب كل شهر، وبالمعونات الحكومة التي تعيش عليها، وبالخيانة التي لا يخجل زوجها السابق من استعراضها، وبالكدمات النفسية التي سبّبها حرمانها من التعليم وتزويجها قسراً، وعندما عارض أفراد عائلتها قرارها ترددت، وانتظرت كلمة القبول منهم كأنها الطفلة ذاتها التي زُوّجت قاصراً.  

تعترف قريبتي في إحدى الجلسات النسائية أنها لولا جارتها الأجنبية التي سمعت صوت صراخها واتصلت بالشرطة لما نجت من العنف، وما تطلقت أبداً، ولتعرضت لفقدان الوعي مرات لا تحصى. 

القصص حولي كثيرة، لم تنجُ النساء بوجود القانون، فكيف بغيابه؟ 

كان من المفترض أن يوجد القانون ليعزز ثقتي بشريكي، ويحفظ حقي المستقبلي وحقه. لكنه اليوم يجعلني أكثر طائفية، أدقق أكثر على مذهب شريكي وإيمانه وعائلته، أصبحت أكثر خوفاً وقلقاً، حتى لو طمأنني الرجل الذي أحب، ووعدني بأن يكون عقدنا بأي صيغة تطمئن عقلي القلق، كالعقد المدني في بلد آخر، كما فعلت بعض النساء اللبنانيات، فماذا لو لم تنجح طرقنا؟ 

كيف أسيطر على هواجسي؟ وماذا عن الشركاء الذين لن يستطيعوا تحمل تكاليف السفر والزواج المدني؟ أو حتى النساء اللواتي يخفن أن يفقدن الرجال الذين يحببن بعد طلب عصمة مشتركة وعقد مدني؟ من وجهة نظري، الرجل السوي لن يجعل شريكته تعاني وسيسعى لإثبات حقها، لكن ماذا عن اللواتي لا يستطعن اختيار نوع العقد أصلاً ولا يملكن حق الاختيار؟ 

  • تندرج هذه المادة ضمن ملف عن المدونة الجعفرية ننشره بعد عام على إقرارها، لفحص الأثر الذي تركته على النساء وحقوقهن في المجتمع، والإرباك الذي أحدثته في القانون والشريعة، وقد نُشر من الملف حتى الآن:  
  1. المدونة الجعفرية بين قبضة الفقيه ومحنة العبور إلى المدنية 
  1. لا قانون يحميني”… خوف شخصي وقلق على نساء تهددهن المدونة الجعفرية 
  1. مُرضعات فقط“.. الأم العراقية في مواجهة القوانين والأعراف والأبوّة 
  1. الحرب على النساء في العراق 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media

اقرأ ايضاً

قبل الجدل الدائر حول “المدونة الجعفرية”، قضيتُ سنوات أتجنب الوقوع في حبّ شخص من مذهب آخر، رغم أنني لا أؤمن بهذه التصنيفات. كنتُ أتجنب دوامة صراع قد تهدد حياتي وحياة من أحب.  

رأيتُ كيف تفرّق عائلتي بين قطي الذي ينتمي إلى فصيلة منتشرة في شوارع المدينة، وبين قطّنا الآخر من النوع الشيرازي المليء بالفرو. قطي نُبذ لأن شكله وأصله -اللذين لم يخترهما- يجعلان منه، بنظرهم، حيواناً يستحق الشارع، شأنه شأن “أبناء هريرته”. حاولوا مراراً رميه أثناء غيابي، بل حتى طردي معه. هذه التفرقة منحتني تصوراً واضحاً عما يمكن أن يحدث لو أن الرجل الذي سأحبّه يكون من منطقة أو انتماء ديني مختلف: أي “عار” سأجلبه! 

كانت عادتي الدائمة هي تجنّب أي علاقة عاطفية مع شخص ذي انتماء مختلف. لكن الحبّ لا يستأذن، بل يدخل في أكثر لحظاتنا انشغالاً ورفضاً، كأن الحياة تريد أن ترينا الجمال الذي كنا سنحرم أنفسنا منه. 

أتذكر اليوم الذي تعرفتُ فيه عليه، جذبتني ملامحه البشوشة وضحكاته الدائمة في كل صورة. وكعادتي حاولتُ معرفة مذهبه، لكنه لم يترك دليلاً واحداً، وتوجيه سؤال كهذا من امرأة علمانية كان سيبدو فظّاً وطائفياً. تشجعتُ، وقررتُ أن أتعرف عليه كصديق فقط… وأغامر.  

تحدثنا بأحاديث طويلة، عميقة، أمسك بيدي وخضنا معاً عبر التاريخ وأحداث السياسة في سنوات مضت. حتى جاء اليوم الذي عرفتُ فيه مذهبه، ورغم أنه لا يعرّف نفسه كفرد “منتمٍ”، تبقى تلك خلفيته المذهبية. 

أن تولد في بيئة طائفية/طبقية/مناطقية يعني أن تدخل هذه الانتماءات التي وُلدتَ عليها ولم تخترها في كل تفاصيل حياتك. وحتى إن لم تعترف بأهميتها، سيجبرك السياق الاجتماعي على أخذها بعين الاعتبار. 

منعتُ قلبي من الخفقان أمام ذكائه ولباقته، وأمام كل الصفات التي حلمتُ دائماً بوجودها في الرجل الذي سأحب. لكنه كان صريحاً، وأعلن رغبته في علاقة جدية تجمعنا، ونعبر عنها بجملتنا “حتى يجف دم القلب ولا يجف الحب”. 

شعرتُ بالخوف، ليس من رفض عائلتي المحتمل فقط، بل من “المدونة الجعفرية” التي كانت تجري مناقشتها. فحتى لو كان زوجي من المذهب الحنفي، يمكنه -دون علمي- تغيير العقد الذي وقعناه بحبّ، ليتحول إلى شراكة هشة أمام قانون لا يحترمني.  

كيف أقنع عائلتي وأنا نفسي غير مقتنعة بالزواج وفق قانون المدونة الذي يحرمني من أطفالي بعد سنّ السابعة؟ أنا التي قاومتُ التخلي عن قطّي، كيف أتقبل أن أفقد أطفالي؟ وكيف أتحمل فكرة أن البيت الذي سأبنيه بنصف عمري قد أخرج منه بلا قشة واحدة؟ إلى جانب ما تحتويه المدونة من مواد مهينة للمرأة كـ”اللعان”، أي إنكار نسب الطفل، وحتى تعريفها للزواج باعتباره “علاقة بين طرفين”، أي أنها تختزل الشراكة الزوجية في العلاقة الجنسية ورضا الرجل، ولو على حساب شريكته. 

في الحوارات التي خضتها مع صديقاتي -اللواتي يتزوجن دون إدراك المدونة، لأنهن من مذهب يعتقدن أنه محمي- اعتقدن أن المدونة ستُطبَّق على فئة معينة فقط، أو “وثقن” بالرجل الذي يحببن. الثقة؟ هل سأعلّق حياتي ومستقبل أطفالي على “الثقة”؟ ليس لأني امرأة قلقة بطبعي، بل لأن الحب وحده لا يكفي لبناء مستقبلي، وإن وثقتُ بالرجل فكيف أثق بما ستفعله الحياة؟ 

في محيطي رأيت نساء يُعنَّفن من الأهل والزوج، ورأيتهن باقيات مكانهن، ليس بسبب القانون، بل لأن العائلة والمجتمع لا يسمحان لهن بالتفكير في المغادرة. وعلى المرأة “الأصيلة” بنت “الأصول” أن تتحمل عنفاً اقتصادياً ونفسياً وجسدياً، وحرماناً من حق الاختيار في أبسط تفاصيل الحياة، كوضع “المكياج” وتشذيب الحاجب، وحتى الرجل الذي ستتزوج أو العمل الذي ستعمل. ولفترة طويلة كنت أنا منهن، والمفارقة أننا نخاف من المغادرة حتى مع وجود قانون يحفظ فتات حقوقنا، فأصوات الخوف والترهيب تبقى في عقلنا حتى بعد زوال المخاطر. 

وأفكر في القانون وأصر على أهميته، فإحدى قريباتي تزوجت في سن الـ12 وعانت من مضاعفات جسدية بسبب حملها وهي في الـ13 من عمرها، ما أثر في حياتها وصحتها حتى اليوم، واستطاعت بعد 23 عاماً النجاة من دائرة العنف والخيانة. احتاجت خمس سنوات لتفهم حقها ولتتشجع وتقول قرارها لأهلها الذين يعيشون على بُعد قارتين عنها، وهي تعتقد حتى اللحظة أنها تمردت على عائلتها بمساعدة قانون أجنبي، وبالكدمات على جسدها، وبراتبها الذي يُسلب كل شهر، وبالمعونات الحكومة التي تعيش عليها، وبالخيانة التي لا يخجل زوجها السابق من استعراضها، وبالكدمات النفسية التي سبّبها حرمانها من التعليم وتزويجها قسراً، وعندما عارض أفراد عائلتها قرارها ترددت، وانتظرت كلمة القبول منهم كأنها الطفلة ذاتها التي زُوّجت قاصراً.  

تعترف قريبتي في إحدى الجلسات النسائية أنها لولا جارتها الأجنبية التي سمعت صوت صراخها واتصلت بالشرطة لما نجت من العنف، وما تطلقت أبداً، ولتعرضت لفقدان الوعي مرات لا تحصى. 

القصص حولي كثيرة، لم تنجُ النساء بوجود القانون، فكيف بغيابه؟ 

كان من المفترض أن يوجد القانون ليعزز ثقتي بشريكي، ويحفظ حقي المستقبلي وحقه. لكنه اليوم يجعلني أكثر طائفية، أدقق أكثر على مذهب شريكي وإيمانه وعائلته، أصبحت أكثر خوفاً وقلقاً، حتى لو طمأنني الرجل الذي أحب، ووعدني بأن يكون عقدنا بأي صيغة تطمئن عقلي القلق، كالعقد المدني في بلد آخر، كما فعلت بعض النساء اللبنانيات، فماذا لو لم تنجح طرقنا؟ 

كيف أسيطر على هواجسي؟ وماذا عن الشركاء الذين لن يستطيعوا تحمل تكاليف السفر والزواج المدني؟ أو حتى النساء اللواتي يخفن أن يفقدن الرجال الذين يحببن بعد طلب عصمة مشتركة وعقد مدني؟ من وجهة نظري، الرجل السوي لن يجعل شريكته تعاني وسيسعى لإثبات حقها، لكن ماذا عن اللواتي لا يستطعن اختيار نوع العقد أصلاً ولا يملكن حق الاختيار؟ 

  • تندرج هذه المادة ضمن ملف عن المدونة الجعفرية ننشره بعد عام على إقرارها، لفحص الأثر الذي تركته على النساء وحقوقهن في المجتمع، والإرباك الذي أحدثته في القانون والشريعة، وقد نُشر من الملف حتى الآن:  
  1. المدونة الجعفرية بين قبضة الفقيه ومحنة العبور إلى المدنية 
  1. لا قانون يحميني”… خوف شخصي وقلق على نساء تهددهن المدونة الجعفرية 
  1. مُرضعات فقط“.. الأم العراقية في مواجهة القوانين والأعراف والأبوّة 
  1. الحرب على النساء في العراق