المدونة الجعفرية بين قبضة الفقيه ومحنة العبور إلى المدنية
20 كانون الثاني 2026
في قلب سجال يتجاوز فقه النصوص، تتكشف أزمة المدونة الجعفرية كاختبار خفي لعقل ديني يقف عند حافة التحوّل.. مقال عن المدونة الشرعية للأحوال الشخصية بين قبضة الفقيه ومحنة العبور إلى المدنية..
تثير محاولة تقنين الفقه الإمامي في “المدونة الجعفرية” بعض التحديات، خصوصاً عند وضعها في مواجهة قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 المعدل، ومن هذه الزاوية، يصبح النقاش حول المدونة مدخلاً لتوضيح سياق الخلاف العراقي بشأن قانون الأحوال الشخصية وأصوله التاريخية، وتحليل البنية الفقهية للمدونة، وما تنطوي عليه من منطق خلافي يعيد إنتاج الخصوصية المذهبية وهيمنة بعض القوى الدينية، وتناول تحديات التكييف بين الفقه والدولة الوطنية، بوصفها امتحاناً لمدى استعداد العقل الفقهي لمواكبة مشروع التحديث والمواطنة.
جذور التقنين
يعود الجدل القائم حول قوانين الأحوال الشخصية في العراق إلى قصة أعمق، تتعلق بنشأة فكرة تنظيم المجال العام بقواعد مكتوبة وواضحة. فهذه الفكرة -أن تكون هناك قوانين تنظم سلوك الدولة وسلوك الناس داخل المجتمع- لم تكن جزءاً أصيلاً من التجربة التاريخية في منطقتنا، بل ظهرت أولاً في الغرب، حيث بدأت الدول هناك بوضع مدونات قانونية تحدد علاقة الحاكم بالمحكوم وتوضح ما لكل طرف من حقوق وواجبات. والأهم من ذلك أنها ألزمت نفسها بنشر هذه القوانين ليعرفها الجميع، وبذلك أُغلِق الباب أمام الاجتهادات الشخصية والقرارات المتذبذبة.
على الجانب الآخر، لم يعرف التاريخ الإسلامي نموذجاً يشبه هذه المدونات القانونية الملزمة، على الرغم من غنى التراث الفقهي وتنوعه. فقد تحول مبدأ الشرعية في الحكم -من بيعة وشورى- إلى شرعية تقوم على الغلبة، وأصبح للحاكم حرية اختيار ما يشاء من آراء الفقهاء بما يناسب رؤيته ومصلحته.
حتى القاضي نفسه كان يحكم وفق اجتهاده أو وفق مذهبه الفقهي، وهذا يعني أن الخصوم في أي نزاع لم يكونوا يعرفون الحكم مسبقاً، بل ينتظرونه حتى اللحظة التي يُنطق فيها، وهو ما يعكس غياب مبدأ الإعلان القانوني المسبق.
لكن الاحتكاك المتزايد بين العالم الإسلامي -وبالتحديد الدولة العثمانية- وبين الدول الأوروبية دفع الأمور إلى مسار مختلف، فقد أصرت الدول الغربية على أن يُحاكَم رعاياها داخل الأراضي العثمانية وفق قوانينهم الوطنية، ما أجبر الدولة العثمانية على المطالبة بالمعاملة بالمثل. ومن هنا بدأت بوضع مدونات تشريعية واضحة، ودخلت مرحلة تاريخية سميت بـ”التنظيمات”.
ومع هذه الموجة الجديدة من الإصلاح القانوني صار للمجتمع الإسلامي احتكاك مباشر بفكرة التقنين، ليس فقط في المجال العام، بل في المجال الخاص أيضاً، وتحديداً في العلاقة بين الرجل والمرأة. ومن هنا ولِد أول شكل لما نعرفه اليوم بقانون الأحوال الشخصية، وهو القانون الذي يهتم بتنظيم علاقة “الشخص” بـ”شخص آخر” داخل إطار الأسرة.
محكمة جعفرية
في المراحل المبكرة من تاريخ الإسلام، ومع الانقسام حول مفهوم الإمامة، نشأت حواجز سياسية ودينية عميقة بين المذاهب. وكان الشيعة -الفئة التي رأت نفسها خارج منظومة الشرعية السياسية القائمة- الأكثر تمسكاً بالمقاطعة الدينية والسياسية للسلطة. فقد تشكّل وعيهم الجماعي على أساس أن الدولة القائمة ليست سوى سلطة مغتصبة لحق الإمام الشرعي. ومن هنا التفّت الجماعة حول أئمتها بوصفهم المرجع الأعلى في شؤون الدين والدنيا، ثم حول وكلائهم مع اتساع أعداد الأتباع.
النصوص الشيعية المبكرة كان لها دور أساسي في تثبيت هذا الموقف. فقد حرّمت على أتباعها تولّي أي منصب في جهاز الدولة، ومنعتهم من التقاضي أمام قضاة السلطان، ودعت إلى تحويل أموال الخراج والزكاة إلى الإمام أو من ينوب عنه، ما دام ذلك ممكناً. وبعد غيبة الإمام الثاني عشر سنة 260هـ، ثم انتهاء مرحلة السفراء سنة 329هـ، ظهرت فكرة النيابة العامة، التي اعتبرت الفقيه نائباً عن الإمام في إدارة شؤون الجماعة. ومع الوقت، أصبح الفقهاء طبقة تمسك بوحدتها الداخلية، وتشرف على شؤونها الدينية والمادية والقضائية إشرافاً مستقلاً نسبياً عن الدولة.
هذا الوضع استمر قروناً في المجتمع الشيعي العراقي، حتى قبل أن ينتشر التشيع على نطاق واسع داخل البلاد. وساعد على استمرار هذه العزلة غياب فكرة التنظيم القانوني المركزي داخل الدولة الإسلامية، الأمر الذي سمح بقيام أنظمة داخلية خاصة بكل مذهب تنظم حياة أتباعه.
ومع دخول الدولة العثمانية عصر التنظيمات وصدور “مجلة الأحكام العدلية”، برزت أول محاولة شيعية لصياغة الفقه بأسلوب قانوني واضح. هذه المحاولة جاءت على يد الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء (1876–1954)، الذي ألّف عملاً موسوعياً ضخماً بعنوان “تحرير المجلة” في خمسة مجلدات. وقد تناول العمل معظم أبواب الفقه الإسلامي، وخصص المجلد الخامس منه للأحوال الشخصية، ما جعله واحداً من أهم النصوص الشيعية في الفقه القانوني الحديث خلال القرن العشرين، وأول محاولة جادة لتقديم تقنين فقهي شيعي متكامل.
بعد تأسيس الدولة الوطنية الحديثة في العراق، اختارت السلطة الملكية الإبقاء على البنية التقليدية للعلاقات الدينية والمذهبية في القضاء والمجتمع، فاستمرت المحاكم الشرعية المتعددة تبعاً للانتماء المذهبي والديني، تماماً كما كانت في العهد العثماني.
في هذا المناخ برز الفقيه والمصلح هبة الله الحسيني الشهرستاني (1884–1967)، الذي نجح في إقناع الملك فيصل الأول بإنشاء محكمة تمييز شرعية جعفرية عام 1923. وتوسعت التجربة لاحقاً إلى البصرة والناصرية والديوانية بفضل جهود الشهرستاني نفسه، لتصبح أول محاولة لترسيخ إطار قضائي جعفري داخل الدولة الحديثة.
ظل هذا التعدد في القضاء قائماً حتى قيام الجمهورية، حين أصبحت الدولة أكثر قدرة على فرض قواعد قانونية موحدة. ولأول مرة ظهر مشروع قانوني شامل للأسرة العراقية، هو قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959.
وعلى الرغم من أهميته، لم يمرّ القانون من دون اعتراض، إذ واجه معارضة شديدة من الحوزة الدينية في النجف، خصوصاً تجاه بعض مواده التي وُصفت بأنها مخالفة للشريعة، مثل المساواة بين الذكور والإناث في بعض أحكام الميراث. ومع ذلك بقي القانون مطبقاً طوال العقود اللاحقة حتى عام 2005، وظل الإطار القانوني الوحيد الذي ينظم شؤون الأسرة العراقية من دون تمييز مذهبي أو ديني.
لكن التحول الذي أعقب دستور 2005 أعاد الخلاف إلى الواجهة، بعدما نصت المادة 41 على حق العراقيين في تنظيم أحوالهم الشخصية وفقاً لأديانهم ومذاهبهم. وقد فتح هذا النص الباب مجدداً أمام نقاش قديم حول من يمتلك سلطة التشريع في المجال الأسري: هل هي الدولة التي تسعى إلى بناء نظام قانوني موحد يستند إلى مبدأ المواطنة، أم المؤسسة الدينية التي ترى في ذلك مساساً بخصوصيتها التاريخية وبحقها في إدارة شؤون الجماعة؟
ومع صعود المطالبات بإقرار قانون أحوال شخصية جعفري بعد عام 2003 -وهي المطالبات التي تبناها بشكل واضح حزب الفضيلة الإسلامي في حينها- بدا الانقسام أكثر وضوحاً بين اتجاه يسعى إلى تعزيز دور الدولة المدنية وتوحيد المرجعية القانونية، واتجاه آخر يتمسك بالخصوصية المذهبية وبدور الفقيه في الإشراف على شؤون الأسرة.
وفي ظل تعمق هذا التناقض، برز الخلاف حول قانون الأحوال الشخصية بوصفه أحد أوضح صور أزمة الاندماج الوطني في العراق، حيث يتجلى التوتر بين منطق الدولة الحديثة ومنطق المؤسسة الدينية، وبين القانون المدني والهوية المذهبية، وبين مشروع الوحدة القانونية ومشروع حماية الخصوصيات الطائفية.
مرجع بسلطة إشراف
عند التمعن في مواد المدونة الجعفرية، يتبين أنها لا تشكل قطيعة تامة مع قانون الأحوال الشخصية النافذ، وهو أمر طبيعي بالنظر إلى وحدة الجذر الفقهي في الإسلام، وتشابه الأحكام المتعلقة بالزواج والطلاق والميراث والوصية. فصيغة عقد الزواج وشروط الإيجاب والقبول واحدة، وكذلك شروط عاقد العقد ونظام الأولياء، كما تتقارب الأحكام ذاتها في مسائل الوصية والميراث. ومع ذلك، تحمل المدونة مجموعة من الفروق التفصيلية الدقيقة التي تميزها عن القانون رقم 188، وهي فروق كثيرة ومتنوعة.
فالمدونة، على سبيل المثال، لم تصرّح بالزواج المنقطع لكنها أقرت وجوده عملياً، كما أنها لم تحدد معنى البلوغ عند الزوجين، وركزت على مفهوم غير منضبط هو “الرشد”، واعتبرت أن موافقة الطفلة على الزواج ممكنة ما دامت قد بلغت حد الخصوبة وتحقق فيها هذا الشرط المسمى بـ”الرشد”، وهو ما جعل المدونة تميز أيضاً بين الذكر والأنثى الراشدين، إذ لم تشترط موافقة الولي في زواج الذكر، بينما اشترطتها في زواج الأنثى، بل ميزت بين الأنثى البكر والثيّب على أساس معيار للرشد لا يغير من طبيعة الحكم.
كما أن المدونة جعلت الشروط الواردة في عقد الزواج لا تمنح حق الفسخ، بل حق المطالبة بالتفريق فقط، وأسقطت الواجبات المنزلية عن الزوجة، وقيدت سلطة القاضي بحيث لا يستطيع الحكم بتطليق المرأة في حالات فقدان الزوج، أو امتناعه عن النفقة، أو هجره لها، أو عدم معاشرته بالمعروف إلا بعد الحصول على موافقة المرجع.
وإلى جانب ذلك عقّدت إجراءات التفريق القضائي بطلب الزوجة تعقيداً كبيراً ما لم يثبت تقصير الزوج، كما حدّت من سلطة القاضي في تعيين الوصي أو ضم وصي آخر عند حدوث خلاف بين الأوصياء، واشترطت موافقة المرجع في تلك الحالات.
وفي إطار الولاية على القاصرين، منعت المدونة القاضي من تعيين ولي على طفل فقد أباه وجده لأبيه ووصيه إلا بعد موافقة المرجع. كما أعادت الاعتبار لنظام “ضامن الجريرة”، وحمّلت هذا الضامن المسؤولية المطلقة حتى لو كان فرداً لا ينتمي إلى مؤسسة ضمان رسمية، وسلبت الدولة حق التصرف في أموال من يموت بلا وارث إلا بعد موافقة المرجع.
وفي الشأن التشريعي، منحت المدونة المجلس العلمي حق التشريع المستقل في المسائل التي لا نص فيها من دون الرجوع إلى البرلمان، وسمحت لمكتب المرجع بممارسة صلاحيات قضائية كاملة.
يضاف إلى ذلك أن المدونة لم تربط اشتراط موافقة المرجع بأن يكون عراقياً، ما يفتح الباب أمام غير العراقي لممارسة صلاحيات قضائية داخل العراق، وعلى القضاء العراقي الالتزام بها. كما أنها خفّضت مدة حضانة الأم إلى سبع سنوات، وحرمت الزوجة من وراثة الأرض عيناً وقيمة. وفي المقابل سمحت بنفي بنوّة المولود في فراش الزوجية إذا أثبت فحص الحمض النووي (DNA) ذلك.
تشكل هذه البنود وغيرها صورة واضحة لإطار تشريعي مواز وضعته المدونة وأناطته بـ”المجلس العلمي”، ومنحت المرجع سلطة إشراف مباشرة على شؤون الأحوال الشخصية والقضاء والوصاية، بل على حق ممارسة القضاء ذاته.
وعلى الرغم من أن أغلب الاعتراضات على المدونة تتعلق بكل هذه التفاصيل، فإن واضعها حاول إيجاد مخرج عملي يخدم هدفه الأوسع، وهو ترسيخ الفصل التشريعي ذي الطابع الهوياتي، من خلال القول إن بإمكان أي طرف في عقد الزواج أن يشترط ما يريد -ما دام لا يصطدم بطبيعة العقد- ليصبح هذا الشرط ملزماً للطرفين.
ساحة اصطدام
ليست الإشكالية في تتبع الأدلة الشرعية التفصيلية التي بُنيت عليها المدونة، فهذه مسألة تتفرع فيها الاجتهادات داخل الفقه الجعفري وتختلف فيها القراءات من فقيه إلى آخر. ما يهم في هذا السياق هو الرؤية الفقهية التي شكلت الخلفية غير المعلنة للمدونة، والتي تظهر ملامحها في طريقة الصياغة وفي تصورها للعلاقة بين الفقيه والدولة.
وإذا عدنا إلى السياق التاريخي الذي سبقت الإشارة إليه يمكن تمييز مجموعة من الأسس التي تقف خلف البناء الفقهي والسياسي للمدونة. أول هذه الأسس هو النظر إلى الخصوصية المذهبية بوصفها الإطار الذي يمنح الشرعية، حيث يقوم التصور التقليدي على نفي شرعية أي سلطة لا ترتبط بالإمام المعصوم أو بنوابه، وفي ظله تبدو الدولة الوطنية الحديثة كياناً خارج المشروعية الدينية، ما يفسح المجال لقيام منظومة قانونية موازية تسعى إلى ملء الفراغ السياسي وحماية الهوية المذهبية.
ويتفرع عن هذا الأساس تصور فقهي يجعل المرجعية المذهبية شرطاً للاعتبار، فالرأي الفقهي الذي يصدر من خارج النسق الخاص لا يُنظر إليه بوصفه اجتهاداً يمكن الأخذ به، بل بوصفه موقفاً فاقداً للشرعية، ومن هنا يبرز منطق “الفقه الخلافي”، الذي يتعامل مع الاختلافات الفقهية بين المذاهب على أنها اختلافات في العقيدة ذاتها، ويجعل من المخالفة معياراً للرشد.
وقد عززت بعض النصوص الروائية هذا الاتجاه، مثل عبارة “الرشد في خلافهم” أو القول “ما هم من الحنيفية على شيء”، بل إن بعض الروايات أوصت بسؤال فقيه غير شيعي ثم العمل بعكس فتواه، تكريساً لفكرة المخالفة.
هذا المنحى لم يكن محل اعتراض واسع في التراث الفقهي، بل عُدّ في كثير من الأحيان من المسلّمات، باستثناء موقف واحد مثير للاهتمام هو موقف الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي (1753–1826). فعلى الرغم من الاتهامات التي لاحقته واعتبار مدرسته هامشية، فإنه حذر مبكراً من النتائج التي قد يقود إليها هذا المنطق، معتبراً أن جعل “الخلاف” معياراً للرشد قد يدفع الفقه الشيعي إلى الابتعاد تدريجياً عن المنظومة الإسلامية بأكملها.
وفي ضوء هذه الخلفية، تبدو المدونة أقرب إلى صيغة قانونية تستند إلى فقه خلافي يمنح الانفصال المذهبي دوراً مركزياً في تعريف الهوية، ويحوله إلى أساس من أسس المشروعية. وهنا يتجلى التوتر بين المرجعية الدينية والدولة المدنية، حيث تتحول المسألة التشريعية إلى ساحة يصطدم فيها منطق الهوية بمنطق المواطنة.
الأزمة ليست فقهية
في سلسلة المقالات السابقة التي تناولتُ فيها موضوع المدونة الجعفرية، كان تركيزي موجهاً إلى خلفياتها الفكرية والسياسية أكثر مما كان موجهاً إلى تفاصيل موادها، فجوهر المسألة، في تقديري، لا يكمن في الأحكام الفقهية الجزئية، بل في المشروع التشريعي القائم خلفها، وهو مشروع يسعى إلى إقامة إطار قانوني مواز للدولة الحديثة، يقوم على تكريس الخصوصية المذهبية وترسيخ سلطة الفقيه بوصفه قيماً على المجال العام. ولهذا السبب بالذات يبدو التمسك ببعض البنود الشكلية أمراً غير ذي قيمة، لأن أي مادة يمكن التنازل عنها إذا اقتضت الضرورة، بينما تبقى الفكرة الكبرى -وهي إقامة منظومة تشريعية مذهبية موازية- ثابتة لا تُمس.
الدليل الأوضح على ذلك يظهر في المادة التي أجازت نفي نسب المولود في فراش الزوجية بناء على الفحص الجيني. فالسؤال البديهي هنا هو: كيف يقبل واضعو المدونة إعادة التأويل في هذه الحالة، وفي الوقت ذاته يعترضون على قانون 188 بدعوى مخالفته الشريعة؟ هذا التناقض يكشف أن المسألة ليست تطوراً فقهياً ولا تعبيراً عن مرونة في العقل الإمامي ولا احتراماً للعلم الحديث، بل تأكيد لحرص شديد على إبقاء سلطة التشريع داخل الإطار المذهبي، حتى إن جاء ذلك على حساب مبادئ يصرون على وصفها بأنها من صميم الإجماع الفقهي. وهو ما رأيناه أيضاً في فتح الباب لإدراج أي شرط في عقد الزواج ليصبح ملزماً، مهما كان تأثيره، ما دام لا يخرج عن هذا الإطار. وبالنتيجة، يصبح واضحاً أن المشروع برمته ليس فقهياً خالصاً، بل مشروع هوياتي-سياسي-مؤسساتي في المقام الأول.
ويمكن قراءة البنية الداخلية للمدونة من زاويتين متكاملتين. الأولى أنها بنيت على شكلانية واضحة، إذ اعتمدت منهجاً آلياً في اختيار آرائها يقوم على الأخذ بالرأي المشهور عند فقهاء المذهب، وإن تعذر ذلك باعتبار رأي أشهر فقهاء النجف. هذه الطريقة لا تعبّر عن اجتهاد ولا عن رؤية معاصرة للأسرة داخل الدولة الحديثة، بل عن تمسّك بنسق فقهي محافظ يجعل من الفقه معياراً للواقع، لا من الواقع معياراً لتطوير الفقه.
أما الزاوية الثانية فهي غياب التخطيط. فاعتماد المعيار الشكلاني ذاته أطاح بأي رؤية واضحة لما ينبغي أن تكون عليه الأسرة في مجتمع معاصر، وأطلق رسالة مفادها أن الدولة تتخلى عن أحد أهم أدوارها الاجتماعية، تاركة تنظيم المجال الأسري لمجالس فقهية تعمل خارج مؤسساتها الرسمية.
وهنا يتجلى الفارق الجوهري بين المدونة الجعفرية وقانون الأحوال الشخصية رقم 188، فالأولى تنطلق من منطق الفقيه الذي يهدف إلى صيانة التكليف وضبط الهوية المذهبية، بينما يقوم الثاني على مبدأ “المصلحة الزمنية” الذي يأخذ بالحسبان حاجات الأسرة والمجتمع الوطني، ويوازن بين النص ومتطلبات الحياة الحديثة.
ومع هذا المشهد يصبح التحدي أمام مشروع المدونة تحدياً يتجاوز النصوص القانونية. فهو تحدٍ تاريخي ومعرفي وحداثي في وقت واحد، يتمثل في ضرورة تكييف الفقه الجعفري مع واقع المواطنة الحديثة، وإعادة قراءة نصوصه في ضوء التحولات الاجتماعية والدستورية التي فرضتها الدولة الوطنية. أي إنه تحدي الانتقال من فقه يقوم على الخصوصية المذهبية إلى فقه قادر على الانسجام مع الدولة الحديثة ومنظومتها القانونية.
ولن يتحقق هذا الانتقال من داخل المؤسسة الدينية وحدها، بل يحتاج إلى شراكة بين المصلحين الدينيين الوطنيين والمثقفين والمجتمع المدني. فقبول المجتمع بالمدونة أو رفضها لا يعبّر عن موقف فقهي فقط، بل عن درجة الوعي الوطني، وعن المسار الذي يختاره المجتمع بين الانغلاق المذهبي والانتماء المدني.
وباختصار شديد، فإن أزمة المدونة الجعفرية ليست خلافاً بين فقهاء حول تفسير نص، بل اختبار حقيقي لمدى استعداد العقل الفقهي الإمامي للخروج من نسقه التراثي المغلق، والانفتاح على أفق الدولة الحديثة، حيث يكون الدين مصدراً أخلاقياً مهماً، لا منظومة تشريعية شاملة تحتكر المجال العام وتحدّ من تطور مفهوم المواطنة، وتمنح مؤسسات دينية خارج الدولة سلطة موازية تؤثر في مسار التحديث الاجتماعي.
ومنكم/ن نستفيد ونتعلم
هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media
اقرأ ايضاً
قصة استسلام نقابات العراق لـ"الأمر الواقع": أجسام شكلية خارج التاريخ والاجتماع
15 فبراير 2026
فيلم "فلانة" لزهراء غندور.. في "إشكال" أن تكون المرأة امرأة في العراق
12 فبراير 2026
الحرب على النساء في العراق
10 فبراير 2026
من رئاسة البرلمان إلى المحافظات: تحوّل "الزعامة السنية" في العراق
08 فبراير 2026
تثير محاولة تقنين الفقه الإمامي في “المدونة الجعفرية” بعض التحديات، خصوصاً عند وضعها في مواجهة قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 المعدل، ومن هذه الزاوية، يصبح النقاش حول المدونة مدخلاً لتوضيح سياق الخلاف العراقي بشأن قانون الأحوال الشخصية وأصوله التاريخية، وتحليل البنية الفقهية للمدونة، وما تنطوي عليه من منطق خلافي يعيد إنتاج الخصوصية المذهبية وهيمنة بعض القوى الدينية، وتناول تحديات التكييف بين الفقه والدولة الوطنية، بوصفها امتحاناً لمدى استعداد العقل الفقهي لمواكبة مشروع التحديث والمواطنة.
جذور التقنين
يعود الجدل القائم حول قوانين الأحوال الشخصية في العراق إلى قصة أعمق، تتعلق بنشأة فكرة تنظيم المجال العام بقواعد مكتوبة وواضحة. فهذه الفكرة -أن تكون هناك قوانين تنظم سلوك الدولة وسلوك الناس داخل المجتمع- لم تكن جزءاً أصيلاً من التجربة التاريخية في منطقتنا، بل ظهرت أولاً في الغرب، حيث بدأت الدول هناك بوضع مدونات قانونية تحدد علاقة الحاكم بالمحكوم وتوضح ما لكل طرف من حقوق وواجبات. والأهم من ذلك أنها ألزمت نفسها بنشر هذه القوانين ليعرفها الجميع، وبذلك أُغلِق الباب أمام الاجتهادات الشخصية والقرارات المتذبذبة.
على الجانب الآخر، لم يعرف التاريخ الإسلامي نموذجاً يشبه هذه المدونات القانونية الملزمة، على الرغم من غنى التراث الفقهي وتنوعه. فقد تحول مبدأ الشرعية في الحكم -من بيعة وشورى- إلى شرعية تقوم على الغلبة، وأصبح للحاكم حرية اختيار ما يشاء من آراء الفقهاء بما يناسب رؤيته ومصلحته.
حتى القاضي نفسه كان يحكم وفق اجتهاده أو وفق مذهبه الفقهي، وهذا يعني أن الخصوم في أي نزاع لم يكونوا يعرفون الحكم مسبقاً، بل ينتظرونه حتى اللحظة التي يُنطق فيها، وهو ما يعكس غياب مبدأ الإعلان القانوني المسبق.
لكن الاحتكاك المتزايد بين العالم الإسلامي -وبالتحديد الدولة العثمانية- وبين الدول الأوروبية دفع الأمور إلى مسار مختلف، فقد أصرت الدول الغربية على أن يُحاكَم رعاياها داخل الأراضي العثمانية وفق قوانينهم الوطنية، ما أجبر الدولة العثمانية على المطالبة بالمعاملة بالمثل. ومن هنا بدأت بوضع مدونات تشريعية واضحة، ودخلت مرحلة تاريخية سميت بـ”التنظيمات”.
ومع هذه الموجة الجديدة من الإصلاح القانوني صار للمجتمع الإسلامي احتكاك مباشر بفكرة التقنين، ليس فقط في المجال العام، بل في المجال الخاص أيضاً، وتحديداً في العلاقة بين الرجل والمرأة. ومن هنا ولِد أول شكل لما نعرفه اليوم بقانون الأحوال الشخصية، وهو القانون الذي يهتم بتنظيم علاقة “الشخص” بـ”شخص آخر” داخل إطار الأسرة.
محكمة جعفرية
في المراحل المبكرة من تاريخ الإسلام، ومع الانقسام حول مفهوم الإمامة، نشأت حواجز سياسية ودينية عميقة بين المذاهب. وكان الشيعة -الفئة التي رأت نفسها خارج منظومة الشرعية السياسية القائمة- الأكثر تمسكاً بالمقاطعة الدينية والسياسية للسلطة. فقد تشكّل وعيهم الجماعي على أساس أن الدولة القائمة ليست سوى سلطة مغتصبة لحق الإمام الشرعي. ومن هنا التفّت الجماعة حول أئمتها بوصفهم المرجع الأعلى في شؤون الدين والدنيا، ثم حول وكلائهم مع اتساع أعداد الأتباع.
النصوص الشيعية المبكرة كان لها دور أساسي في تثبيت هذا الموقف. فقد حرّمت على أتباعها تولّي أي منصب في جهاز الدولة، ومنعتهم من التقاضي أمام قضاة السلطان، ودعت إلى تحويل أموال الخراج والزكاة إلى الإمام أو من ينوب عنه، ما دام ذلك ممكناً. وبعد غيبة الإمام الثاني عشر سنة 260هـ، ثم انتهاء مرحلة السفراء سنة 329هـ، ظهرت فكرة النيابة العامة، التي اعتبرت الفقيه نائباً عن الإمام في إدارة شؤون الجماعة. ومع الوقت، أصبح الفقهاء طبقة تمسك بوحدتها الداخلية، وتشرف على شؤونها الدينية والمادية والقضائية إشرافاً مستقلاً نسبياً عن الدولة.
هذا الوضع استمر قروناً في المجتمع الشيعي العراقي، حتى قبل أن ينتشر التشيع على نطاق واسع داخل البلاد. وساعد على استمرار هذه العزلة غياب فكرة التنظيم القانوني المركزي داخل الدولة الإسلامية، الأمر الذي سمح بقيام أنظمة داخلية خاصة بكل مذهب تنظم حياة أتباعه.
ومع دخول الدولة العثمانية عصر التنظيمات وصدور “مجلة الأحكام العدلية”، برزت أول محاولة شيعية لصياغة الفقه بأسلوب قانوني واضح. هذه المحاولة جاءت على يد الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء (1876–1954)، الذي ألّف عملاً موسوعياً ضخماً بعنوان “تحرير المجلة” في خمسة مجلدات. وقد تناول العمل معظم أبواب الفقه الإسلامي، وخصص المجلد الخامس منه للأحوال الشخصية، ما جعله واحداً من أهم النصوص الشيعية في الفقه القانوني الحديث خلال القرن العشرين، وأول محاولة جادة لتقديم تقنين فقهي شيعي متكامل.
بعد تأسيس الدولة الوطنية الحديثة في العراق، اختارت السلطة الملكية الإبقاء على البنية التقليدية للعلاقات الدينية والمذهبية في القضاء والمجتمع، فاستمرت المحاكم الشرعية المتعددة تبعاً للانتماء المذهبي والديني، تماماً كما كانت في العهد العثماني.
في هذا المناخ برز الفقيه والمصلح هبة الله الحسيني الشهرستاني (1884–1967)، الذي نجح في إقناع الملك فيصل الأول بإنشاء محكمة تمييز شرعية جعفرية عام 1923. وتوسعت التجربة لاحقاً إلى البصرة والناصرية والديوانية بفضل جهود الشهرستاني نفسه، لتصبح أول محاولة لترسيخ إطار قضائي جعفري داخل الدولة الحديثة.
ظل هذا التعدد في القضاء قائماً حتى قيام الجمهورية، حين أصبحت الدولة أكثر قدرة على فرض قواعد قانونية موحدة. ولأول مرة ظهر مشروع قانوني شامل للأسرة العراقية، هو قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959.
وعلى الرغم من أهميته، لم يمرّ القانون من دون اعتراض، إذ واجه معارضة شديدة من الحوزة الدينية في النجف، خصوصاً تجاه بعض مواده التي وُصفت بأنها مخالفة للشريعة، مثل المساواة بين الذكور والإناث في بعض أحكام الميراث. ومع ذلك بقي القانون مطبقاً طوال العقود اللاحقة حتى عام 2005، وظل الإطار القانوني الوحيد الذي ينظم شؤون الأسرة العراقية من دون تمييز مذهبي أو ديني.
لكن التحول الذي أعقب دستور 2005 أعاد الخلاف إلى الواجهة، بعدما نصت المادة 41 على حق العراقيين في تنظيم أحوالهم الشخصية وفقاً لأديانهم ومذاهبهم. وقد فتح هذا النص الباب مجدداً أمام نقاش قديم حول من يمتلك سلطة التشريع في المجال الأسري: هل هي الدولة التي تسعى إلى بناء نظام قانوني موحد يستند إلى مبدأ المواطنة، أم المؤسسة الدينية التي ترى في ذلك مساساً بخصوصيتها التاريخية وبحقها في إدارة شؤون الجماعة؟
ومع صعود المطالبات بإقرار قانون أحوال شخصية جعفري بعد عام 2003 -وهي المطالبات التي تبناها بشكل واضح حزب الفضيلة الإسلامي في حينها- بدا الانقسام أكثر وضوحاً بين اتجاه يسعى إلى تعزيز دور الدولة المدنية وتوحيد المرجعية القانونية، واتجاه آخر يتمسك بالخصوصية المذهبية وبدور الفقيه في الإشراف على شؤون الأسرة.
وفي ظل تعمق هذا التناقض، برز الخلاف حول قانون الأحوال الشخصية بوصفه أحد أوضح صور أزمة الاندماج الوطني في العراق، حيث يتجلى التوتر بين منطق الدولة الحديثة ومنطق المؤسسة الدينية، وبين القانون المدني والهوية المذهبية، وبين مشروع الوحدة القانونية ومشروع حماية الخصوصيات الطائفية.
مرجع بسلطة إشراف
عند التمعن في مواد المدونة الجعفرية، يتبين أنها لا تشكل قطيعة تامة مع قانون الأحوال الشخصية النافذ، وهو أمر طبيعي بالنظر إلى وحدة الجذر الفقهي في الإسلام، وتشابه الأحكام المتعلقة بالزواج والطلاق والميراث والوصية. فصيغة عقد الزواج وشروط الإيجاب والقبول واحدة، وكذلك شروط عاقد العقد ونظام الأولياء، كما تتقارب الأحكام ذاتها في مسائل الوصية والميراث. ومع ذلك، تحمل المدونة مجموعة من الفروق التفصيلية الدقيقة التي تميزها عن القانون رقم 188، وهي فروق كثيرة ومتنوعة.
فالمدونة، على سبيل المثال، لم تصرّح بالزواج المنقطع لكنها أقرت وجوده عملياً، كما أنها لم تحدد معنى البلوغ عند الزوجين، وركزت على مفهوم غير منضبط هو “الرشد”، واعتبرت أن موافقة الطفلة على الزواج ممكنة ما دامت قد بلغت حد الخصوبة وتحقق فيها هذا الشرط المسمى بـ”الرشد”، وهو ما جعل المدونة تميز أيضاً بين الذكر والأنثى الراشدين، إذ لم تشترط موافقة الولي في زواج الذكر، بينما اشترطتها في زواج الأنثى، بل ميزت بين الأنثى البكر والثيّب على أساس معيار للرشد لا يغير من طبيعة الحكم.
كما أن المدونة جعلت الشروط الواردة في عقد الزواج لا تمنح حق الفسخ، بل حق المطالبة بالتفريق فقط، وأسقطت الواجبات المنزلية عن الزوجة، وقيدت سلطة القاضي بحيث لا يستطيع الحكم بتطليق المرأة في حالات فقدان الزوج، أو امتناعه عن النفقة، أو هجره لها، أو عدم معاشرته بالمعروف إلا بعد الحصول على موافقة المرجع.
وإلى جانب ذلك عقّدت إجراءات التفريق القضائي بطلب الزوجة تعقيداً كبيراً ما لم يثبت تقصير الزوج، كما حدّت من سلطة القاضي في تعيين الوصي أو ضم وصي آخر عند حدوث خلاف بين الأوصياء، واشترطت موافقة المرجع في تلك الحالات.
وفي إطار الولاية على القاصرين، منعت المدونة القاضي من تعيين ولي على طفل فقد أباه وجده لأبيه ووصيه إلا بعد موافقة المرجع. كما أعادت الاعتبار لنظام “ضامن الجريرة”، وحمّلت هذا الضامن المسؤولية المطلقة حتى لو كان فرداً لا ينتمي إلى مؤسسة ضمان رسمية، وسلبت الدولة حق التصرف في أموال من يموت بلا وارث إلا بعد موافقة المرجع.
وفي الشأن التشريعي، منحت المدونة المجلس العلمي حق التشريع المستقل في المسائل التي لا نص فيها من دون الرجوع إلى البرلمان، وسمحت لمكتب المرجع بممارسة صلاحيات قضائية كاملة.
يضاف إلى ذلك أن المدونة لم تربط اشتراط موافقة المرجع بأن يكون عراقياً، ما يفتح الباب أمام غير العراقي لممارسة صلاحيات قضائية داخل العراق، وعلى القضاء العراقي الالتزام بها. كما أنها خفّضت مدة حضانة الأم إلى سبع سنوات، وحرمت الزوجة من وراثة الأرض عيناً وقيمة. وفي المقابل سمحت بنفي بنوّة المولود في فراش الزوجية إذا أثبت فحص الحمض النووي (DNA) ذلك.
تشكل هذه البنود وغيرها صورة واضحة لإطار تشريعي مواز وضعته المدونة وأناطته بـ”المجلس العلمي”، ومنحت المرجع سلطة إشراف مباشرة على شؤون الأحوال الشخصية والقضاء والوصاية، بل على حق ممارسة القضاء ذاته.
وعلى الرغم من أن أغلب الاعتراضات على المدونة تتعلق بكل هذه التفاصيل، فإن واضعها حاول إيجاد مخرج عملي يخدم هدفه الأوسع، وهو ترسيخ الفصل التشريعي ذي الطابع الهوياتي، من خلال القول إن بإمكان أي طرف في عقد الزواج أن يشترط ما يريد -ما دام لا يصطدم بطبيعة العقد- ليصبح هذا الشرط ملزماً للطرفين.
ساحة اصطدام
ليست الإشكالية في تتبع الأدلة الشرعية التفصيلية التي بُنيت عليها المدونة، فهذه مسألة تتفرع فيها الاجتهادات داخل الفقه الجعفري وتختلف فيها القراءات من فقيه إلى آخر. ما يهم في هذا السياق هو الرؤية الفقهية التي شكلت الخلفية غير المعلنة للمدونة، والتي تظهر ملامحها في طريقة الصياغة وفي تصورها للعلاقة بين الفقيه والدولة.
وإذا عدنا إلى السياق التاريخي الذي سبقت الإشارة إليه يمكن تمييز مجموعة من الأسس التي تقف خلف البناء الفقهي والسياسي للمدونة. أول هذه الأسس هو النظر إلى الخصوصية المذهبية بوصفها الإطار الذي يمنح الشرعية، حيث يقوم التصور التقليدي على نفي شرعية أي سلطة لا ترتبط بالإمام المعصوم أو بنوابه، وفي ظله تبدو الدولة الوطنية الحديثة كياناً خارج المشروعية الدينية، ما يفسح المجال لقيام منظومة قانونية موازية تسعى إلى ملء الفراغ السياسي وحماية الهوية المذهبية.
ويتفرع عن هذا الأساس تصور فقهي يجعل المرجعية المذهبية شرطاً للاعتبار، فالرأي الفقهي الذي يصدر من خارج النسق الخاص لا يُنظر إليه بوصفه اجتهاداً يمكن الأخذ به، بل بوصفه موقفاً فاقداً للشرعية، ومن هنا يبرز منطق “الفقه الخلافي”، الذي يتعامل مع الاختلافات الفقهية بين المذاهب على أنها اختلافات في العقيدة ذاتها، ويجعل من المخالفة معياراً للرشد.
وقد عززت بعض النصوص الروائية هذا الاتجاه، مثل عبارة “الرشد في خلافهم” أو القول “ما هم من الحنيفية على شيء”، بل إن بعض الروايات أوصت بسؤال فقيه غير شيعي ثم العمل بعكس فتواه، تكريساً لفكرة المخالفة.
هذا المنحى لم يكن محل اعتراض واسع في التراث الفقهي، بل عُدّ في كثير من الأحيان من المسلّمات، باستثناء موقف واحد مثير للاهتمام هو موقف الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي (1753–1826). فعلى الرغم من الاتهامات التي لاحقته واعتبار مدرسته هامشية، فإنه حذر مبكراً من النتائج التي قد يقود إليها هذا المنطق، معتبراً أن جعل “الخلاف” معياراً للرشد قد يدفع الفقه الشيعي إلى الابتعاد تدريجياً عن المنظومة الإسلامية بأكملها.
وفي ضوء هذه الخلفية، تبدو المدونة أقرب إلى صيغة قانونية تستند إلى فقه خلافي يمنح الانفصال المذهبي دوراً مركزياً في تعريف الهوية، ويحوله إلى أساس من أسس المشروعية. وهنا يتجلى التوتر بين المرجعية الدينية والدولة المدنية، حيث تتحول المسألة التشريعية إلى ساحة يصطدم فيها منطق الهوية بمنطق المواطنة.
الأزمة ليست فقهية
في سلسلة المقالات السابقة التي تناولتُ فيها موضوع المدونة الجعفرية، كان تركيزي موجهاً إلى خلفياتها الفكرية والسياسية أكثر مما كان موجهاً إلى تفاصيل موادها، فجوهر المسألة، في تقديري، لا يكمن في الأحكام الفقهية الجزئية، بل في المشروع التشريعي القائم خلفها، وهو مشروع يسعى إلى إقامة إطار قانوني مواز للدولة الحديثة، يقوم على تكريس الخصوصية المذهبية وترسيخ سلطة الفقيه بوصفه قيماً على المجال العام. ولهذا السبب بالذات يبدو التمسك ببعض البنود الشكلية أمراً غير ذي قيمة، لأن أي مادة يمكن التنازل عنها إذا اقتضت الضرورة، بينما تبقى الفكرة الكبرى -وهي إقامة منظومة تشريعية مذهبية موازية- ثابتة لا تُمس.
الدليل الأوضح على ذلك يظهر في المادة التي أجازت نفي نسب المولود في فراش الزوجية بناء على الفحص الجيني. فالسؤال البديهي هنا هو: كيف يقبل واضعو المدونة إعادة التأويل في هذه الحالة، وفي الوقت ذاته يعترضون على قانون 188 بدعوى مخالفته الشريعة؟ هذا التناقض يكشف أن المسألة ليست تطوراً فقهياً ولا تعبيراً عن مرونة في العقل الإمامي ولا احتراماً للعلم الحديث، بل تأكيد لحرص شديد على إبقاء سلطة التشريع داخل الإطار المذهبي، حتى إن جاء ذلك على حساب مبادئ يصرون على وصفها بأنها من صميم الإجماع الفقهي. وهو ما رأيناه أيضاً في فتح الباب لإدراج أي شرط في عقد الزواج ليصبح ملزماً، مهما كان تأثيره، ما دام لا يخرج عن هذا الإطار. وبالنتيجة، يصبح واضحاً أن المشروع برمته ليس فقهياً خالصاً، بل مشروع هوياتي-سياسي-مؤسساتي في المقام الأول.
ويمكن قراءة البنية الداخلية للمدونة من زاويتين متكاملتين. الأولى أنها بنيت على شكلانية واضحة، إذ اعتمدت منهجاً آلياً في اختيار آرائها يقوم على الأخذ بالرأي المشهور عند فقهاء المذهب، وإن تعذر ذلك باعتبار رأي أشهر فقهاء النجف. هذه الطريقة لا تعبّر عن اجتهاد ولا عن رؤية معاصرة للأسرة داخل الدولة الحديثة، بل عن تمسّك بنسق فقهي محافظ يجعل من الفقه معياراً للواقع، لا من الواقع معياراً لتطوير الفقه.
أما الزاوية الثانية فهي غياب التخطيط. فاعتماد المعيار الشكلاني ذاته أطاح بأي رؤية واضحة لما ينبغي أن تكون عليه الأسرة في مجتمع معاصر، وأطلق رسالة مفادها أن الدولة تتخلى عن أحد أهم أدوارها الاجتماعية، تاركة تنظيم المجال الأسري لمجالس فقهية تعمل خارج مؤسساتها الرسمية.
وهنا يتجلى الفارق الجوهري بين المدونة الجعفرية وقانون الأحوال الشخصية رقم 188، فالأولى تنطلق من منطق الفقيه الذي يهدف إلى صيانة التكليف وضبط الهوية المذهبية، بينما يقوم الثاني على مبدأ “المصلحة الزمنية” الذي يأخذ بالحسبان حاجات الأسرة والمجتمع الوطني، ويوازن بين النص ومتطلبات الحياة الحديثة.
ومع هذا المشهد يصبح التحدي أمام مشروع المدونة تحدياً يتجاوز النصوص القانونية. فهو تحدٍ تاريخي ومعرفي وحداثي في وقت واحد، يتمثل في ضرورة تكييف الفقه الجعفري مع واقع المواطنة الحديثة، وإعادة قراءة نصوصه في ضوء التحولات الاجتماعية والدستورية التي فرضتها الدولة الوطنية. أي إنه تحدي الانتقال من فقه يقوم على الخصوصية المذهبية إلى فقه قادر على الانسجام مع الدولة الحديثة ومنظومتها القانونية.
ولن يتحقق هذا الانتقال من داخل المؤسسة الدينية وحدها، بل يحتاج إلى شراكة بين المصلحين الدينيين الوطنيين والمثقفين والمجتمع المدني. فقبول المجتمع بالمدونة أو رفضها لا يعبّر عن موقف فقهي فقط، بل عن درجة الوعي الوطني، وعن المسار الذي يختاره المجتمع بين الانغلاق المذهبي والانتماء المدني.
وباختصار شديد، فإن أزمة المدونة الجعفرية ليست خلافاً بين فقهاء حول تفسير نص، بل اختبار حقيقي لمدى استعداد العقل الفقهي الإمامي للخروج من نسقه التراثي المغلق، والانفتاح على أفق الدولة الحديثة، حيث يكون الدين مصدراً أخلاقياً مهماً، لا منظومة تشريعية شاملة تحتكر المجال العام وتحدّ من تطور مفهوم المواطنة، وتمنح مؤسسات دينية خارج الدولة سلطة موازية تؤثر في مسار التحديث الاجتماعي.