"لا قانون يحميني"... خوف شخصي وقلق على نساء تهددهن المدونة الجعفرية
27 كانون الثاني 2026
في هذا النص الحميمي، تحكي كوثر إلياس عن خوفها على نفسها وصديقاتها من الارتباط في ظل تعديل قانون الأحوال الشخصية، وتكشف كيف تُعقد زيجات داخل المحاكم بلا فهم حقيقي للحقوق، وكيف تُدفع فتيات إلى التنازل عن حقوقهن تحت ضغط الأسرة أو وعود الشركاء..
ثمة محادثات فارقة نتذكر تفاصيلها جيداً، كأننا ما زلنا نعيشها أو نعيش أثرها حتى اليوم.
كان ذلك في تموز 2024، تحت شجرة البرتقال في حديقة منزلنا القديم، الشجرة التي طالما كانت ملاذي الصغير للكتابة، والتأمل، وأحياناً للحديث هاتفياً مع الصديقات، حينها حدثتني صديقتي لأول مرة عن خبر متداول حول مقترح تعديل قانون الأحوال الشخصية 188، وإضافة تشريعات دينية عليه، تتمثل بالمدونة الجعفرية.
استعدت الخوف المفاجئ، وغضباً قديماً أدرك جذوره، وصدمة فتحت باباً لهواجس ما فتئت تكبر معي كل سنة.
قبل أربع سنوات فقدتُ إيماني بالتشريعات الدينية، كنت أبكي كثيراً، ترافقني الكوابيس كل ليلة، وانقطعت عن الدوام والجامعة، كان ذلك بسبب زواج والدي للمرة الثانية وفق الشرع الذي يحلل لهُ تعدد الزوجات، لتنهار عائلتنا الصغيرة التي كانت مغمورة بالحب والحنان، وأفقد إيماني بالرجال وبالدين وبالتشريعات كلها. في غمرة هذا كله، ركنت إلى الطمأنينة بأن ليست نصوص الدين ما يحمي المرأة في حياتها الزوجية بل القانون، لذا فإنَّ وقع تعديل قانون الأحوال الشخصية عليّ كان شخصياً للغاية.
عاد القلق إلي، وسُلبت الطمأنينة مجدداً، وهذه المرة بطريقة أكثر قسوة. مع كل نقاش عن التشريعات الدينية وقوانين المدونة كان الخوف والغضب يتراكمان بداخلي أكثر. إذ أدركت مبكراً كيف أُعيدت صياغة النصوص الدينية وتفسيرها لتكون غطاءً وعذراً جاهزاً لكل ما يُفرض علينا، ولتبرير قرارات تمس حياتنا كنساء.
قرارات تُشرعن الزواج المبكر، وتُقيّد حق الأم في الحضانة ضمن مدد زمنية محددة، دون مراعاة المصلحة الفضلى للطفل، وتُخضع النفقة لتأويلات فقهية وإجراءات قضائية قد تجعل ضمانها العملي هشّاً. كما يُحسم تحديد النسب من خلال “اللِّعان”، وهو إجراء شرعي يُلجأ إليه عندما يتهم الزوج زوجته بالزنا أو ينفي نسب طفل، فيحلف الطرفان أيماناً متقابلة أمام القاضي، وقد يترتب عليه التفريق بينهما وآثار قانونية تتعلق بالنسب.
ويُمنح الرجل كل الحق في تغيير شروط عقد الزواج وشكله، دون موافقة الزوجة أو الرجوع إليها!
تساءلت كثيراً “يا رب، هل فعلاً شرعت كل هذا الظلم؟ أم هم هؤلاء مجدداً يتحدثون باسمك؟” إذ جعلت المدونة سلطة الدين فوق المجتمع، في البيوت، وفي الزواج، وفي القرارات التي تخص حياتنا نحن النساء. يشرعها رجال دين لا يعرفون شيئاً عن القانون، ولا حقوق الإنسان، ولا الطفولة، ولا النساء، بل لطالما ترددت كلماتهم في أذني منذ الصغر “المرأة عورة، ناقصة عقل ودين”.
عندها أدركت أن ما كنا نتمسك به لننجو قد ضاع أيضاً. لم يعد هناك حتى قانون مدني يحمي النساء ويمنحهن حقوقهن في الزواج، صرنا وجهاً لوجه أمام تشريعات بمقاس المذهب والطائفة والسلطة الأبوية.
كنت أحاول أن أستوعب كل ما يجري، وتحول الزواج إلى كابوس آخر، لا أود حتى التفكير فيه.
منذ سَن تعديل قانون الأحوال الشخصية شهدتُ زواج صديقاتي واحدة تلو الأخرى، كنت أبارك لهن، ويلح في داخلي تساؤل: كيف يثقن بقانون المدونة الذي لا يعترف بحقوقهن؟ ولماذا لا ينتابهن الخوف مما قد يواجهنه بعد الزواج إثر تطبيقه؟ كيف ذلك ومنصات التواصل الاجتماعي تضج بأمهات يبكين فقدان أطفالهن، وحقهن في الحضانة، وصراخ الأطفال يعلو في المحاكم بـ”أريد أمي”؟
في تشرين الأول 2025، أعلنت نور، صديقتي منذ سنوات وجارتنا في الحي نفسه، خطوبتها.
باركت لها، ثم أرسلت إليها منشوراً يوضح أحكام المدونة الجعفرية ويشرحها. بعثت لها رسالة، أدعوها لفهم تفاصيل المدونة قبل توقيع عقد المحكمة “تنتبهي، وابحثي أكثر عن تفاصيل تعديل قانون الأحوال الشخصية، لضمان حقوقج الزوجية”. قرأتْ الرسالة… ثم “تمت المشاهدة ” فقط دون أن ترد أو تهتم، وراحت تنشر صور زفافها مع أغانٍ رومانسية.
يتكرر المشهد ذاته في تشرين الثاني، عند خطوبة صديقتي المقربة سارة، التي وافقت على زواج تقليدي تحول لاحقاً إلى قصة حب. حينها سألتها: ألا تقلقين من الزواج في ظل تعديلات القانون والمدونة؟
لتأتي إجابتها سريعاً، وبوجه مبتسم واثق: “لا، أحمد وعدني الأطفال إلي لو انفصلنا، وما تهمني قوانين المدونة”. ركنت سارة لوجع أحمد القديم، إذ توفيت والدته عندما كان طفلاً صغيراً. عانى حرمان الأم، وفقد وجودها وأثرها في حياته، واستمر احتياجه إليها حتى بعد بلوغه ثلاثين عاماً، وعاش طفولة مرهقة من العنف والقسوة مع زوجة والده، التي حولت طفولته إلى ندبة وحزن دائمين في ذاكرته. يؤلمه أن يعاني أطفاله مرارة الحرمان، والمشهد القاسي ذاته، مدركاً من تجربته أن تعديل قانون الأحوال الشخصية لا يحترم حق الطفولة، ولا يستند إلى تشريعات مدروسة نفسياً واجتماعياً.
بحكم عملها محامية، ترى زهراء كريم أن المحاكم خلال الأشهر الماضية، ومنذ إقرار قانون المدونة، باتت تشهد زيجات تُعقد وفق المدونة الجعفرية، من دون فهم كافٍ للقانون أو لتعديلاته. وتوضح أن كثيراً من الفتيات، في العشرينات أو حتى في سن المراهقة، يدخلن المحكمة بدافع عاطفي واندفاع سريع، خاصة حين تكنّ في علاقة عاطفية مع الشريك.
وفي المحكمة، تقول زهراء كريم، إن القاضي حين يسأل الفتاة: “بماذا ترغبين؟ وما هو اختياركِ الشخصي: الزواج وفق القانون القديم رقم 188، أم بعد تعديلاته في القانون الجديد؟” تُفاجأ في كل مرة بإجابات صادمة من الفتيات والنساء من قبيل: “شنو يريد زوجي، أني راضية”.
وعندها يختار الزوج إبرام العقد وفق المدونة الجعفرية، لتُهدر حقوقها دون وعي منها.
لكن هدر حقوق النساء لا يحدث دائماً عن قصدٍ أو بوعيٍ كامل، بل كثيراً ما يجري تحت ضغط الأسرة أو سلطة الشريك.
تخبرني المحامية بأن والد زميلتي رغد رفض عند زواجها توقيع العقد وفق الصيغة المدنية لقانون الأحوال الشخصية، وأصرّ على الالتزام بالمدونة الجعفرية قائلاً: “زوجج هو سندج، ما تحتاجين قانون يحميج”. وتحت هذا الضغط، إضافة إلى ضغط خطيبها، تم عقد زواج رغد وفق المدونة.
وفي حالات أخرى، تُدفع نساء إلى القبول بسبب وعود الشركاء وطمأنتهم المتكررة: “معقولة آخذ أطفالج منج؟ معقولة نلجأ للطلاق؟ ليش خايفة على حقوقج مني؟” وبالتالي يصبح التنازل عن الصيغة المدنية، المحددة في قانون الأحوال الشخصية، خطوة تُقدَّم بوصفها دليل ثقة، بينما تحمل في الواقع تقليصاً واضحاً للضمانات القانونية منذ البداية.
لكن حتى مع الصلاحيات التي مُنحت للزوج في اختيار صيغة العقد وفق رغبته، لم تتمكن النساء من ضمان حقهن في الحضانة على نحو مستقر، حتى ضمن إطار قانون الأحوال الشخصية رقم 188. وغالباً ما يبقى حق النفقة مرهوناً بتقديم دعوى تظلّم أو اعتراض مساره طويل، بدل أن يكون ضماناً تلقائياً.
وتشير زهراء كريم إلى أن المحاكم تعيش اليوم حالة من الفوضى وعدم الوضوح، إذ تصدر أحياناً قرارات متناقضة فيما يتعلق بدعاوى الحضانة وغيرها من القضايا الأسرية، وهو ما يجعل تطبيق تعديلات المدونة مسألة شائكة ومعقدة في الوقت الراهن.
ما زلتُ أرى الخذلان في أبي، وفي القانون، وفي كل ما يفترض أن يمنح النساء شيئاً من الطمأنينة. كل شيء يبدو مخيباً للأمل، مفقداً للثقة، فلا قانون يحمي، ولا تشريعات تضمن، ولا نجاة حقيقية للنساء داخل مؤسسة الزواج، التي تتحول عند كثيرات إلى كابوس آخر يطاردهن الخوف من التفكير فيه.
يوماً بعد يوم، ترتسم ملامح الفقد والحرمان على وجوه النساء وأطفالهن، في المحاكم والبيوت، وعلى منصات التواصل الاجتماعي.
قبل شهرين بلغتُ السادسة والعشرين، وكلما قرأت أو سمعت عن نساء كانت تجاربهن مأساوية مع الزواج وهن قاصرات أردد في داخلي بهمسة امتنان: “شكراً.. شكراً”. لأنني تجاوزت عمر المراهقة، كبرت، ونجوت من تجربة الزواج المبكر الذي كان يمكن أن أكون واحدة من ضحاياه، واحدة من تلك الفتيات اللواتي سُلبت طفولتهن، وتحولت أعمارهن الصغيرة إلى عبء ثقيل.
لكن اليوم، لم يعد الزواج المبكر يُعامل بوصفه حالة استثنائية، بل صار يُفرض على الفتيات القاصرات، ويُشرّع قانونياً ودينياً كخيار متاح داخل المحاكم. وبهذا، نكون قد عدنا رسمياً إلى ما يشبه “عصر الجواري”، بموجب المدونة الجعفرية التي تجيز الزواج عند سن البلوغ، أي في سن الثامنة وثمانية أشهر وعشرين يوماً تقريباً، وفق فتاوى شيعية، بينما تُحدَّد هذه السن في حالات أخرى غالباً بين الـ15 والـ18.
فضلاً عما يُتعارف عليه بـ”البلوغ الشرعي”، وهو بلوغ يُحدَّد وفق هذه المفاهيم بعلامات جسدية مثل الدورة الشهرية أو بروز ملامح الصدر والجسم، كأن الزواج لا يتجاوز كونه علاقة جسدية، من دون اعتبار للنضج النفسي، أو الحق في الطفولة، أو القدرة على الاختيار الحر.
وتنتهك تعديلات قانون الأحوال الشخصية، بهذا المعنى، اتفاقية حقوق الطفل التي صادق عليها العراق عام 1994، من خلال تشريع زواج الأطفال وتعريض الفتيات لخطر الزواج القسري المبكر، وما يرافق ذلك من انتهاكات نفسية وجنسية تؤثر على حياتهن منذ البداية.
ووفق تقرير صادر عن منظمة هيومن رايتس ووتش في آذار 2024، فإن 28 بالمئة من الفتيات في العراق يتزوجن قبل سن الـ18. ومع إقرار المدونة، يُتوقع أن ترتفع هذه النسبة، خاصة في مجتمع تسوده الأعراف القبلية والعشائرية، حيث يتحول جسد القاصر إلى دليل “شرعي” للزواج، وتتحول المحكمة إلى فضاء يشرعن هذا الانتهاك باسم الدين والقانون.
في كثير من هذه الحالات لا يُسأل عن مصلحة القاصر، ولا عن فهمها لمعنى الزواج أو الطلاق أو الأمومة، ويُترك القرار لـ”ولي الأمر”، وتُقدَّم الموافقة بوصفها إجراءً شكلياً، وكثيراً ما تُنتزع تحت الضغط والخوف. ثم إذا انتهى هذا الزواج بالطلاق تجد الفتاة نفسها بلا حماية قانونية حقيقية، ولا نص يضمن حقوقها أو حقوق أطفالها.
هكذا يصبح الزواج، وعلى الأخص زواج القاصرات، امتداداً لمنظومة عنف متكاملة: فقر، وسلطة أبوية، ورجال دين يمنحون الغطاء الشرعي، وقضاة يمررون العقود بصمت. وبذلك تغدو المدونة فاعلاً مباشراً في الحرمان من حق الطفولة، وفي انتهاك أجساد النساء وحقوقهن، بوصفهن أمهات أو نساء حتى وإن لم يتزوجن بعد، يعشن الخوف مسبقاً، ويثقل القلق حياتهن قبل أن تبدأ التجربة أصلاً.
ومنكم/ن نستفيد ونتعلم
هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media
اقرأ ايضاً
قصة استسلام نقابات العراق لـ"الأمر الواقع": أجسام شكلية خارج التاريخ والاجتماع
15 فبراير 2026
فيلم "فلانة" لزهراء غندور.. في "إشكال" أن تكون المرأة امرأة في العراق
12 فبراير 2026
الحرب على النساء في العراق
10 فبراير 2026
من رئاسة البرلمان إلى المحافظات: تحوّل "الزعامة السنية" في العراق
08 فبراير 2026
ثمة محادثات فارقة نتذكر تفاصيلها جيداً، كأننا ما زلنا نعيشها أو نعيش أثرها حتى اليوم.
كان ذلك في تموز 2024، تحت شجرة البرتقال في حديقة منزلنا القديم، الشجرة التي طالما كانت ملاذي الصغير للكتابة، والتأمل، وأحياناً للحديث هاتفياً مع الصديقات، حينها حدثتني صديقتي لأول مرة عن خبر متداول حول مقترح تعديل قانون الأحوال الشخصية 188، وإضافة تشريعات دينية عليه، تتمثل بالمدونة الجعفرية.
استعدت الخوف المفاجئ، وغضباً قديماً أدرك جذوره، وصدمة فتحت باباً لهواجس ما فتئت تكبر معي كل سنة.
قبل أربع سنوات فقدتُ إيماني بالتشريعات الدينية، كنت أبكي كثيراً، ترافقني الكوابيس كل ليلة، وانقطعت عن الدوام والجامعة، كان ذلك بسبب زواج والدي للمرة الثانية وفق الشرع الذي يحلل لهُ تعدد الزوجات، لتنهار عائلتنا الصغيرة التي كانت مغمورة بالحب والحنان، وأفقد إيماني بالرجال وبالدين وبالتشريعات كلها. في غمرة هذا كله، ركنت إلى الطمأنينة بأن ليست نصوص الدين ما يحمي المرأة في حياتها الزوجية بل القانون، لذا فإنَّ وقع تعديل قانون الأحوال الشخصية عليّ كان شخصياً للغاية.
عاد القلق إلي، وسُلبت الطمأنينة مجدداً، وهذه المرة بطريقة أكثر قسوة. مع كل نقاش عن التشريعات الدينية وقوانين المدونة كان الخوف والغضب يتراكمان بداخلي أكثر. إذ أدركت مبكراً كيف أُعيدت صياغة النصوص الدينية وتفسيرها لتكون غطاءً وعذراً جاهزاً لكل ما يُفرض علينا، ولتبرير قرارات تمس حياتنا كنساء.
قرارات تُشرعن الزواج المبكر، وتُقيّد حق الأم في الحضانة ضمن مدد زمنية محددة، دون مراعاة المصلحة الفضلى للطفل، وتُخضع النفقة لتأويلات فقهية وإجراءات قضائية قد تجعل ضمانها العملي هشّاً. كما يُحسم تحديد النسب من خلال “اللِّعان”، وهو إجراء شرعي يُلجأ إليه عندما يتهم الزوج زوجته بالزنا أو ينفي نسب طفل، فيحلف الطرفان أيماناً متقابلة أمام القاضي، وقد يترتب عليه التفريق بينهما وآثار قانونية تتعلق بالنسب.
ويُمنح الرجل كل الحق في تغيير شروط عقد الزواج وشكله، دون موافقة الزوجة أو الرجوع إليها!
تساءلت كثيراً “يا رب، هل فعلاً شرعت كل هذا الظلم؟ أم هم هؤلاء مجدداً يتحدثون باسمك؟” إذ جعلت المدونة سلطة الدين فوق المجتمع، في البيوت، وفي الزواج، وفي القرارات التي تخص حياتنا نحن النساء. يشرعها رجال دين لا يعرفون شيئاً عن القانون، ولا حقوق الإنسان، ولا الطفولة، ولا النساء، بل لطالما ترددت كلماتهم في أذني منذ الصغر “المرأة عورة، ناقصة عقل ودين”.
عندها أدركت أن ما كنا نتمسك به لننجو قد ضاع أيضاً. لم يعد هناك حتى قانون مدني يحمي النساء ويمنحهن حقوقهن في الزواج، صرنا وجهاً لوجه أمام تشريعات بمقاس المذهب والطائفة والسلطة الأبوية.
كنت أحاول أن أستوعب كل ما يجري، وتحول الزواج إلى كابوس آخر، لا أود حتى التفكير فيه.
منذ سَن تعديل قانون الأحوال الشخصية شهدتُ زواج صديقاتي واحدة تلو الأخرى، كنت أبارك لهن، ويلح في داخلي تساؤل: كيف يثقن بقانون المدونة الذي لا يعترف بحقوقهن؟ ولماذا لا ينتابهن الخوف مما قد يواجهنه بعد الزواج إثر تطبيقه؟ كيف ذلك ومنصات التواصل الاجتماعي تضج بأمهات يبكين فقدان أطفالهن، وحقهن في الحضانة، وصراخ الأطفال يعلو في المحاكم بـ”أريد أمي”؟
في تشرين الأول 2025، أعلنت نور، صديقتي منذ سنوات وجارتنا في الحي نفسه، خطوبتها.
باركت لها، ثم أرسلت إليها منشوراً يوضح أحكام المدونة الجعفرية ويشرحها. بعثت لها رسالة، أدعوها لفهم تفاصيل المدونة قبل توقيع عقد المحكمة “تنتبهي، وابحثي أكثر عن تفاصيل تعديل قانون الأحوال الشخصية، لضمان حقوقج الزوجية”. قرأتْ الرسالة… ثم “تمت المشاهدة ” فقط دون أن ترد أو تهتم، وراحت تنشر صور زفافها مع أغانٍ رومانسية.
يتكرر المشهد ذاته في تشرين الثاني، عند خطوبة صديقتي المقربة سارة، التي وافقت على زواج تقليدي تحول لاحقاً إلى قصة حب. حينها سألتها: ألا تقلقين من الزواج في ظل تعديلات القانون والمدونة؟
لتأتي إجابتها سريعاً، وبوجه مبتسم واثق: “لا، أحمد وعدني الأطفال إلي لو انفصلنا، وما تهمني قوانين المدونة”. ركنت سارة لوجع أحمد القديم، إذ توفيت والدته عندما كان طفلاً صغيراً. عانى حرمان الأم، وفقد وجودها وأثرها في حياته، واستمر احتياجه إليها حتى بعد بلوغه ثلاثين عاماً، وعاش طفولة مرهقة من العنف والقسوة مع زوجة والده، التي حولت طفولته إلى ندبة وحزن دائمين في ذاكرته. يؤلمه أن يعاني أطفاله مرارة الحرمان، والمشهد القاسي ذاته، مدركاً من تجربته أن تعديل قانون الأحوال الشخصية لا يحترم حق الطفولة، ولا يستند إلى تشريعات مدروسة نفسياً واجتماعياً.
بحكم عملها محامية، ترى زهراء كريم أن المحاكم خلال الأشهر الماضية، ومنذ إقرار قانون المدونة، باتت تشهد زيجات تُعقد وفق المدونة الجعفرية، من دون فهم كافٍ للقانون أو لتعديلاته. وتوضح أن كثيراً من الفتيات، في العشرينات أو حتى في سن المراهقة، يدخلن المحكمة بدافع عاطفي واندفاع سريع، خاصة حين تكنّ في علاقة عاطفية مع الشريك.
وفي المحكمة، تقول زهراء كريم، إن القاضي حين يسأل الفتاة: “بماذا ترغبين؟ وما هو اختياركِ الشخصي: الزواج وفق القانون القديم رقم 188، أم بعد تعديلاته في القانون الجديد؟” تُفاجأ في كل مرة بإجابات صادمة من الفتيات والنساء من قبيل: “شنو يريد زوجي، أني راضية”.
وعندها يختار الزوج إبرام العقد وفق المدونة الجعفرية، لتُهدر حقوقها دون وعي منها.
لكن هدر حقوق النساء لا يحدث دائماً عن قصدٍ أو بوعيٍ كامل، بل كثيراً ما يجري تحت ضغط الأسرة أو سلطة الشريك.
تخبرني المحامية بأن والد زميلتي رغد رفض عند زواجها توقيع العقد وفق الصيغة المدنية لقانون الأحوال الشخصية، وأصرّ على الالتزام بالمدونة الجعفرية قائلاً: “زوجج هو سندج، ما تحتاجين قانون يحميج”. وتحت هذا الضغط، إضافة إلى ضغط خطيبها، تم عقد زواج رغد وفق المدونة.
وفي حالات أخرى، تُدفع نساء إلى القبول بسبب وعود الشركاء وطمأنتهم المتكررة: “معقولة آخذ أطفالج منج؟ معقولة نلجأ للطلاق؟ ليش خايفة على حقوقج مني؟” وبالتالي يصبح التنازل عن الصيغة المدنية، المحددة في قانون الأحوال الشخصية، خطوة تُقدَّم بوصفها دليل ثقة، بينما تحمل في الواقع تقليصاً واضحاً للضمانات القانونية منذ البداية.
لكن حتى مع الصلاحيات التي مُنحت للزوج في اختيار صيغة العقد وفق رغبته، لم تتمكن النساء من ضمان حقهن في الحضانة على نحو مستقر، حتى ضمن إطار قانون الأحوال الشخصية رقم 188. وغالباً ما يبقى حق النفقة مرهوناً بتقديم دعوى تظلّم أو اعتراض مساره طويل، بدل أن يكون ضماناً تلقائياً.
وتشير زهراء كريم إلى أن المحاكم تعيش اليوم حالة من الفوضى وعدم الوضوح، إذ تصدر أحياناً قرارات متناقضة فيما يتعلق بدعاوى الحضانة وغيرها من القضايا الأسرية، وهو ما يجعل تطبيق تعديلات المدونة مسألة شائكة ومعقدة في الوقت الراهن.
ما زلتُ أرى الخذلان في أبي، وفي القانون، وفي كل ما يفترض أن يمنح النساء شيئاً من الطمأنينة. كل شيء يبدو مخيباً للأمل، مفقداً للثقة، فلا قانون يحمي، ولا تشريعات تضمن، ولا نجاة حقيقية للنساء داخل مؤسسة الزواج، التي تتحول عند كثيرات إلى كابوس آخر يطاردهن الخوف من التفكير فيه.
يوماً بعد يوم، ترتسم ملامح الفقد والحرمان على وجوه النساء وأطفالهن، في المحاكم والبيوت، وعلى منصات التواصل الاجتماعي.
قبل شهرين بلغتُ السادسة والعشرين، وكلما قرأت أو سمعت عن نساء كانت تجاربهن مأساوية مع الزواج وهن قاصرات أردد في داخلي بهمسة امتنان: “شكراً.. شكراً”. لأنني تجاوزت عمر المراهقة، كبرت، ونجوت من تجربة الزواج المبكر الذي كان يمكن أن أكون واحدة من ضحاياه، واحدة من تلك الفتيات اللواتي سُلبت طفولتهن، وتحولت أعمارهن الصغيرة إلى عبء ثقيل.
لكن اليوم، لم يعد الزواج المبكر يُعامل بوصفه حالة استثنائية، بل صار يُفرض على الفتيات القاصرات، ويُشرّع قانونياً ودينياً كخيار متاح داخل المحاكم. وبهذا، نكون قد عدنا رسمياً إلى ما يشبه “عصر الجواري”، بموجب المدونة الجعفرية التي تجيز الزواج عند سن البلوغ، أي في سن الثامنة وثمانية أشهر وعشرين يوماً تقريباً، وفق فتاوى شيعية، بينما تُحدَّد هذه السن في حالات أخرى غالباً بين الـ15 والـ18.
فضلاً عما يُتعارف عليه بـ”البلوغ الشرعي”، وهو بلوغ يُحدَّد وفق هذه المفاهيم بعلامات جسدية مثل الدورة الشهرية أو بروز ملامح الصدر والجسم، كأن الزواج لا يتجاوز كونه علاقة جسدية، من دون اعتبار للنضج النفسي، أو الحق في الطفولة، أو القدرة على الاختيار الحر.
وتنتهك تعديلات قانون الأحوال الشخصية، بهذا المعنى، اتفاقية حقوق الطفل التي صادق عليها العراق عام 1994، من خلال تشريع زواج الأطفال وتعريض الفتيات لخطر الزواج القسري المبكر، وما يرافق ذلك من انتهاكات نفسية وجنسية تؤثر على حياتهن منذ البداية.
ووفق تقرير صادر عن منظمة هيومن رايتس ووتش في آذار 2024، فإن 28 بالمئة من الفتيات في العراق يتزوجن قبل سن الـ18. ومع إقرار المدونة، يُتوقع أن ترتفع هذه النسبة، خاصة في مجتمع تسوده الأعراف القبلية والعشائرية، حيث يتحول جسد القاصر إلى دليل “شرعي” للزواج، وتتحول المحكمة إلى فضاء يشرعن هذا الانتهاك باسم الدين والقانون.
في كثير من هذه الحالات لا يُسأل عن مصلحة القاصر، ولا عن فهمها لمعنى الزواج أو الطلاق أو الأمومة، ويُترك القرار لـ”ولي الأمر”، وتُقدَّم الموافقة بوصفها إجراءً شكلياً، وكثيراً ما تُنتزع تحت الضغط والخوف. ثم إذا انتهى هذا الزواج بالطلاق تجد الفتاة نفسها بلا حماية قانونية حقيقية، ولا نص يضمن حقوقها أو حقوق أطفالها.
هكذا يصبح الزواج، وعلى الأخص زواج القاصرات، امتداداً لمنظومة عنف متكاملة: فقر، وسلطة أبوية، ورجال دين يمنحون الغطاء الشرعي، وقضاة يمررون العقود بصمت. وبذلك تغدو المدونة فاعلاً مباشراً في الحرمان من حق الطفولة، وفي انتهاك أجساد النساء وحقوقهن، بوصفهن أمهات أو نساء حتى وإن لم يتزوجن بعد، يعشن الخوف مسبقاً، ويثقل القلق حياتهن قبل أن تبدأ التجربة أصلاً.