سياسة “الله كريم” المالية

دخل العراق أزمة مالية خانقة أدت إلى تأخير تسليم الرواتب للموظفين.. لكنه لا يملك لمعالجة هذا الواقع سوى سياسة "الله كريم"..

جمارجمار | 3 آب 2026

بعد أسابيع من التأكيد أن الرواتب مؤمّنة وستُصرف في مواعيدها، أقرّ المتحدث باسم الحكومة حيدر العبودي بأن موعد الراتب سيصبح مرتبطاً بالسيولة المتوفرة لدى وزارة المالية، وقد يتأخر حتى اكتمال المبالغ المطلوبة. 

وجاء الإقرار بعدما أعلن وزير المالية فالح الساري أن رواتب الموظفين والمتقاعدين ومستفيدي الرعاية الاجتماعية تحتاج إلى نحو 7.8 تريليونات دينار شهرياً، فيما لم تتمكن الوزارة من جمع المبلغ كاملاً، فبدأت بإطلاق التمويل على دفعات. 

لم تكن الأزمة خافية قبل الحرب الإقليمية. فقد أنفق العراق خلال الربع الأول من 2026 نحو 27.1 تريليون دينار، مقابل إيرادات بلغت 25.2 تريليوناً، ثم أدى إغلاق مضيق هرمز وتعطل الجانب الأكبر من الصادرات النفطية إلى توسيع الفجوة بين إيرادات الدولة والتزاماتها الشهرية. 

لكن الحكومة واصلت التطمين. ففي حزيران، أكد رئيس الوزراء علي الزيدي والمتحدث باسم حكومته أن الرواتب مؤمّنة، رغم إعلان وزير الخارجية فؤاد حسين أن الحكومة اضطرت إلى “طباعة” 25 تريليون دينار لمواجهة الأزمة. ونفى البنك المركزي هذا التوصيف، موضحاً أن ما جرى هو توفير سيولة مؤقتة مقابل دين حكومي يُسدّد لاحقاً. 

ودخلت الأزمة مرحلة أكثر حساسية مع اتجاه البرلمان إلى تشريع “قانون الاقتراض والمنح لسنة 2026″، من أجل توفير غطاء قانوني يسمح للحكومة بالاستدانة وتمويل الرواتب والنفقات الأساسية في غياب الموازنة. 

لكن مشروع القانون لم يُنشر، ولذلك لا يُعرف حجم الاقتراض الذي سيجيزه، ولا الجهات التي ستقرض الحكومة، ولا أسعار الفائدة وآجال السداد. 

ويأتي ذلك بعدما ارتفع الدين الداخلي إلى نحو 95.7 تريليون دينار حتى نهاية نيسان 2026، بزيادة تجاوزت خمسة تريليونات خلال أربعة أشهر، وذلك بعد تحذيرات البنك المركزي من مواصلة التوسع في تمويل الإنفاق الحكومي. 

ويقول المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، إن العراق لا يواجه إفلاساً، بل “أزمة سيولة”، ويطرح بدائل تشمل الاقتراض الداخلي والخارجي والتمويل المسبق مقابل صادرات النفط. 

لكن هذه البدائل تعني، في جميع الأحوال، تمويل نفقات اليوم من إيرادات المستقبل، سواء عبر مزيد من الديون أو الحصول مسبقاً على أموال مقابل جزء من الصادرات المقبلة. 

دخل العراق، والحال هذه، الأزمة من دون خطة مالية معلنة لإدارتها، وتحولت الرواتب من استحقاق له موعد ثابت إلى دفعات تنتظر ما تجمعه الخزينة أو ما تنجح الحكومة في اقتراضه. أما جدول توزيعها، فيخضع الآن لسياسة “الله كريم” التي تدير بها الدولة العراقية كثيراً من ملفاتها المصيرية. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم