يشرب العراق هذا الصيف من خيبته. لا الماء يصل، ولا الدولة تملك أدوات الضغط الكافية على من يملكه، والصفقة التي عقدتها الحكومة مع تركيا، والتي تسمح للجيش التركي بشنّ عمليات عسكرية داخل أراضي إقليم كردستان، مقابل ضخّ حصة ثابتة من المياه تتجاوز 420 متراً مكعباً في الثانية خلال شهري تموز وآب. لكن تركيا لم تلتزم، وبينما تستمر العمليات العسكرية التركية في إقليم كردستان مهجّرة للسكان ومدمرة للغطاء النباتي، فإن العراق لا يصله سوى 353 متراً مكعباً/ثانية من المياه فقط، أي بنحو نصف حاجة الفعلية، المقدّرة بـ 600 متر مكعب/ثا.
في التفاصيل، رفعت تركيا الإطلاقات مؤخراً على نهر دجلة إلى 212 م³/ثا (بعد أن كانت 114)، لكنها ما تزال أقل بكثير من المتفق عليه. أما نهر الفرات، فتصل منه إلى العراق 141 م³/ثا فقط عبر الحدود السورية، رغم أن سوريا تتسلّم من تركيا 370 م³/ثا. هذا يعني أن العراق لا يحصل فعلياً سوى على 38 بالمئة تقريباً من حصة الفرات التركية، بينما الاتفاق ينص على 58 بالمئة كحدّ أدنى.
ولا يملك العراق، وسط هذا، أي استراتيجية تفاوضية تُجبر أنقرة على الالتزام بإطلاق المياه، ولا حتى أوراق ضغط حقيقية تجاه إيران، التي قطعت أغلب روافد دجلة منذ سنوات.
أما في الداخل، فتُدارالأزمة بمزيج من التقشّف والارتباك؛ فقد تم إلغاء كامل خطة الزراعة الصيفية هذا العام، وتُضخ المياه للشرب وسقي البساتين من الخزين الاستراتيجي في السدود، بمعدل 700 م³/ثا، وهي كميات طارئة لا يمكن الاستمرار بها على المدى الطويل.
في البصرة، خرج الناس في تظاهرات يطالبون بالماء، كما فعلوا قبل سبع سنوات، وكأن شيئاً لم يتغيّر.
ومحافظات الوسط والجنوب وفي بغداد، تعاني أحياء قريبة من النهر من عطشٍ مزمن، بسبب ضعف الضخ أو أعطال البنى التحتية.
الحال هذه، لم تعد القصة مجرّد “شحّ مؤقت”، بل صار التصحّر يتجذّر، ويترك أثره على السكان من خلال نزوح الآلاف. وعلى الرغم من أن ملف المياه في جوهره ملف سيادي، إلا أنه يُدار كأنّه مسألة فنية متروكة للجان لا تملك صلاحيات.