صار الجفاف سبباً مباشراً لصراعات أهليّة في العراق، وتعدى كونه مجرد نقص في الموارد الطبيعية يمكن تداركه، ففي تقريره لشهر آب 2025، حذّر مجلس المياه والسلام والأمن من أنّ النزاعات المرتبطة بالمياه في العراق تتزايد على نحو يهدد بتحولها إلى
حروب أهلية محلية، وأشار إلى محافظة ميسان بوصفها “النقطة الأكثر
هشاشة”هذا التحذير يتأكدفي الأحداث اليومية، ففي البصرة، أغلق سكان قضاء الدير قناة السويب التي أنشأتها الحكومة لمواجهة اللسان الملحي الذي يضرب مناطق شط العرب وأبي الخصيب ويتسبب في عطش سكّانها.
سكان الدير يقولون إن المياه لا تكفيهم، فيما ينتظر سكان شط العرب وأبي الخصيب أن تصلهم حصتهم عبر الدير، وهي أصلاً أقل من أن تروي عطش الجميع.
في ميسان، الصورة أوضح وأخطر، ففي شباط، أدت خصومة على جدول صغير في قرية إلى مقتل شخصين وإصابة ثالث، قبل أن تتدخل القوات الأمنية لفرض التهدئة. بعد أشهر، وفي حزيران، أغلق عشرات السكان في منطقة الكميت طريق بغداد–العمارة احتجاجاً على ردم بحيرات الأسماك غير المجازة، هذه البحيرات، التي تقول السلطات إن 90 بالمئة منها مخالفة، هي مصدر عيشٍ لعائلات لا تجد بديلاً، خاصّة بعد أن صار صيد الأسماك الحرّة غير مجدٍ.
في تموز، شهدت قلعة صالح معركة استمرت يومين حول حصص مياه الري، قُتل فيها خمسة أشخاص وأصيب أربعة من قوات الأمن التي حاولت التدخل. بعد أيام فقط، قطع مزارعون في صدر المجر الطريق الرئيس، مطالبين بإنقاذهم من العطش. وفي آب، تجددت المواجهات في المشرح والطبر والجكة، حيث امتدت نزاعات الري إلى داخل المناطق السكنية.
هذه الوقائع اليومية في ميسان وفي البصرة تجسد خطورة تحذيرات مجلس المياه والسلام والأمن، فما تشهده بعض المناطق هو نموذج حيّ لتفكك المجتمعات عند انقطاع الماء.
ومع استمرار خسارة العراق لحصصه المائية من دجلة والفرات، والاستهتار في الحفاظ على مياه السدود التي تواجه التبخر نتيجة لارتفاع درجات الحرارة، تتحول القرى إلى جزر عطشى مهيأة لخوض نزاع جديد، والعنف هو الأداة الرئيسية في هذا النزاع. ورغم طمأنة الوزارات الأمنية في العراق بشأن انضباط الأمن، إلا أن التحذير من “حروب أهلية على الماء” في العراق لم يعد مجدياً، فهذه الحروب أصبحت واقعاً يتشكل من معارك صغيرة متكررة، فمن نزاع بين أبناء العمومة، إلى إغلاق قناة استراتيجية في البصرة، هذه المعارك الصغيرة ترسم صورة بلد يتشقق عند منابع الماء، فيما الدولة ومؤسساتها تسير خلف الأحداث بدلاً من أن تضع لها حلولاً.