المشهد الزراعي في جنوب محافظة النجف تراجع تراجعاً صادماً. فبعد أن كانت الحقول تُعرف بوفرة الإنتاج، أزمة المياه والجفاف المتزايدة وضعت المزارعين أمام تحديات صعبة تهدد استمرار نشاطهم الزراعي، وهو نشاط حياتهم اليومية.
هذا الجفاف انعكس على الأراضي الزراعية التي بدأت تفقد غطاءها الأخضر وتتحول تدريجياً إلى مساحات جرداء.
الفلاحون يتحدثون اليوم عن فرق واضح بين واقعهم الحالي وما كانت عليه الزراعة في العقود الماضية، حين وفرت المياه العذبة إنتاجاً مستقراً وموارد ثابتة.
أما الآن، فإن استمرار شح المياه يفرض على المزارعين خيارات صعبة تتعلق بمستقبل الزراعة في المنطقة.
تاريخ الوفرة وحاضر الجفاف
كان اسم مدينة المشخاب في مطلع القرن العشرين “السوارية”، نسبة إلى سوار الفتلاوي، ثم سميت “الفيصلية”، تيمّناً بالملك فيصل الأول، ولاحقاً اشتهرت باسم “مدينة العنبر”، نظراً لأرضها الطينية الخصبة التي يخترقها فرع من نهر الفرات، حيث يعيش أغلب سكانها على زراعة محصول الشلب.
تمتد المشخاب على مساحة 375 كيلومتراً مربعاً، جنوب مركز النجف، وعلى بُعد نحو 35 كيلومتراً منه، وتحيط بها الحقول الطينية الخصبة وبساتين النخيل، ويعتمد ما يقارب 80 بالمئة من سكانها على الزراعة، خاصة زراعة الشلب.

الشلب محصول صيفي يُزرع في الأراضي الطينية، خصوصاً في مناطق الفرات الأوسط، ويعتمد على المياه بالدرجة الأولى، ومنه يُنتَج الأرز (التمن)، الذي يعد من المواد الغذائية الأساسية، فيما تُستخدم مخلفات الشلب كأعلاف للحيوانات وغيرها من الاستخدامات الزراعية.
يعد شلب المشخاب من أجود وأندر أنواع الشلب في العالم، إذ يتميز برائحته الطيبة، إضافة إلى طعمه المميز عند الطبخ والأكل، كما أنه يحتوي على مجموعة من الفيتامينات والمعادن الطبيعية غير المصنعة أو المهجنة مقارنة بالأصناف الأخرى.
أما بقية السكان فيعملون في التجارة والصناعات اليدوية أو في عمليات “تهبيش الشلب” بعد الحصاد.
مع تفاقم أزمة المياه، أصبح القلق يسيطر على المزارعين، إذ جفت الأنهار التي كانوا يعتمدون عليها، ولم تعد المضخات قادرة على سحب المياه كما في السابق، حتى “العنبر” الذي كان زينة موائد العراقيين بات اليوم نادراً على الموائد.
مأساة السنابل الذهبية
يقف الفلاح عباس الغزالي (53 عاماً) تحت شمس تموز الحارقة وينظر بحسرة إلى حقوله الزراعية في المشخاب، التي كانت يوماً ما مغطاة بسنابل الشلب الذهبية.
يقول لجمّار: “هذه الأرض أرض أجدادي، تربيت عليها كما تربيت على قصة العنبر المشخابي الذي لم يكن له مثيل في الطعم والرائحة”.
ويضيف الغزالي: “قبل سنوات كانت أراضي المشخاب، المعروفة بمدينة العنبر، لا تهدأ من أصوات الفلاحين وضحكات الأطفال وهم يركضون بين جداول المياه المتفرعة من شط الحلة”.
لكن، كل شيء تغير اليوم، فالماء شحيح، وصار السكان المحليون عاجزين بين خيارين، إما البقاء لمواجهة الجفاف أو ترك الأرض والهجرة بحثاً عن لقمة العيش.

زهير الإبراهيمي، مسؤول فريق المهندسين الزراعيين التطوعي في النجف، يقول لجمار إنّ المشخاب التي كانت يوماً ما موطن العنبر، وأهلها يُعرفون بـ”الشلّابة”، تحولت إلى مناطق جرداء، توقُف زراعة الشلب غيّر وجه الحياة اليومية للفلاحين، بعد أن فقدوا مصدر رزقهم، وتوقفت عجلة الاقتصاد القروي بالكامل.
لم يعد صباح الفلاحين يبدأ عند السواقي، بل على الأرصفة، بانتظار عمل مؤقت في البناء أو النقل، وهي مهن بديلة غير مستقرة لا تُعيل أسر الفلاحين.
ويؤكد الإبراهيمي أن التراجع الكارثي يرتبط بانخفاض حاد في مناسيب نهر الفرات، الرافد الرئيس لسقي حقول المشخاب.
التغير المناخي زاد من معدلات التبخر، فيما قلّصت تركيا وإيران الإطلاقات المائية عبر مشاريع سدود ضخمة، أما الحكومات العراقية المتعاقبة فلم تتمكن من ضمان حصص عادلة عبر تفاهمات دبلوماسية أو اتفاقات ملزمة، ما جعل الفلاح العراقي يتحمل وحده نتائج الأزمة.
تجارب محدودة وكلف مرتفعة
أمام هذا الواقع، لجأت بعض مناطق المشخاب عام 2024 إلى تجربة “الشتال الميكانيكي”، وهو أسلوب زراعة يستهلك مياهاً أقل بنسبة 35 بالمئة، ويقلل استخدام البذور من 50 كغم/دونم إلى نحو 10-15 كغم/دونم.
ورغم نجاح هذه التجارب على مساحات محدودة (70 دونماً فقط)، فهي غير كافية لتغيير الواقع.
كما ساهمت الكلفة المرتفعة للبذور والمستلزمات الزراعية في تعقيد الوضع؛ إذ ارتفع سعر بذور الشلب من نحو 70 ألف دينار للدونم إلى أكثر من 200 ألف دينار في السوق المحلية، من دون أي تدخل حكومي لتنظيم الأسعار أو تقديم دعم مباشر.
كذلك لم توفر وزارة الزراعة مبيدات أو أسمدة كافية خلال المواسم الحرجة، ما ضاعف الأعباء على الفلاحين.
الخسائر لم تكن زراعية فقط؛ إذ تشير تقديرات محلية إلى أن مئات العائلات فقدت مصادر دخلها المباشر بعد انهيار موسم الشلب. تضررت الأسواق، وارتفعت أسعار الأرز المحلي ارتفاعاً غير مسبوق، حيث بلغ سعر الكيلو الواحد من أرز العنبر المشخابي أربعة آلاف دينار، مقابل 1800 دينار كحد أعلى للأرز المستورد من الهند وتايلند.
ورغم الفارق في الجودة، فإن ارتفاع السعر قلل من قدرة المواطنين على شراء المنتج المحلي، ما زاد اعتماد البلاد على الاستيراد.

سلاسل الإنتاج المرتبطة بالشلب، من الطحن والتعبئة والتوزيع، تضررت بدورها، فيما دفعت الأزمة بمزيد من العائلات إلى الهجرة نحو المدن، الأمر الذي أدى إلى خلخلة جغرافيّة أدت إلى تغيير نمط حياة الفلاحين ووسائل الإنتاج والضغط على مراكز المحافظات.
مع ذلك، يرى خبراء أن إنقاذ زراعة الشلب ما يزال ممكناً، لكنه يتطلب إرادة ورؤية استراتيجية طويلة المدى.
المعاناة في حكاية الفلاحين
أم حسين (45 عاماً) ربة بيت ومزارعة من منطقة أم خشم، تقول لجمار: “كل رزقنا من الزراعة، لكن اليوم حتى مياه الشرب قليلة، فكيف سنسقي الزرع؟ نصفُ الأرض هذا العام تركناها بلا زراعة، وكلما أنظر إلى الحقول اليابسة أتحسر عليها، لأنها بالأمس كانت خضراء وتشرح القلب”.
تتحدث أم حسين عن الحقول التي كانت تفيض بالأرز والحنطة، والتي صارت اليوم قاحلة، فالمشكلة لم تعد في الماء فقط، بحسبها، بل أصبحت مشكلة حياة للناس.
تضيف: “كثير من أهلنا وجيراننا تركوا أراضيهم وانتقلوا إلى مركز المدينة بحثاً عن مصدر عيش آخر، وبعضهم يعمل اليوم بسيارات الأجرة”.

علي، (35 عاماً) شاب من أرياف المشخاب، يروي هو الآخر حكايته لجمّار: “نزرع الأرض جيلاً بعد جيل، لكننا اليوم نفكر بتركها والانتقال إلى المدينة بحثاً عن عمل آخر”.
يشير علي إلى أن معظم سكان القرى الذين كانوا يعتمدون على محصول الشلب بدأوا بالهجرة والبحث عن مهن بديلة، صناعية أو تجارية، لكنها مؤقتة وغير مستقرة بحكم طبيعتها الخاصة، ويؤكد أن يوميات الفلاح باتت مليئة بالإرهاق والملل بسبب الفقر الناتج عن توقف الزراعة.
المهندس شاكر فايز، مدير الموارد المائية في محافظة النجف، أوضح لجمّار أن الخطة الصيفية لهذا العام لا تتضمن أي حصة لمياه الزراعة، بل تقتصر على مياه الشرب والبستنة لتأمين الاحتياجات الأساسية، وأكد أن الحصة المائية الحالية تكفي لإيصال المياه إلى ذنائب الجداول الرئيسة والفرعية.
الأرقام الرسمية
تشير الإحصاءات الرسمية الخاصة بزراعة محصول الشلب في محافظة النجف، حسب مصدر خاص من مديرية الزراعة رفض التصريح عن هويته، إلى أنه خلال العقد الأخير توقفت الزراعة في عدة مواسم رئيسية، منها موسما 2017 و2018 على التوالي، إضافة إلى موسمي 2020 و2023، وصولاً إلى موسم 2025.
الخسائر التي تكبدها الفلاحون لم يتم تعويضهم عنها، باستثناء موسم 2020، حيث صُرف لهم تعويض مالي وصف بأنه غير مرضٍ؛ لأنه لم يكن بمستوى المردود الاقتصادي للزراعة الفعلية للشلب.
في عام 2020 بلغت المساحة المزروعة بالشلب في النجف وحدها نحو 205,810 دونمات، بإنتاج قارب 251,580 طناً، أي أكثر من نصف إنتاج العراق الكلي من الشلب، الذي بلغ حينها نحو 464 ألف طن.
لكن هذا الرقم تراجع تراجعاً حاداً خلال سنوات قليلة، ففي موسم 2023 لم تتجاوز المساحة المزروعة في المشخاب 10 آلاف دونم فقط.

تقف المشخاب اليوم أمام تحديات جدية بفعل أزمة المياه التي غيّرت ملامحها الزراعية وأثرت تأثيراً مباشراً على سبل عيش سكانها.
الأرض التي عُرفت بالخصب باتت مهددة بالتصحر، فيما تراجع الإنتاج الزراعي إلى مستويات غير مسبوقة.
إن معالجة هذا الواقع تتطلب حلولاً عملية ومستدامة تضمن إدارة أفضل للموارد المائية، وتوفر دعماً حكومياً مباشراً للفلاحين، بما يحافظ على هذا النشاط الزراعي الحيوي من الانحسار الكامل.