إنه الرابع من آذار 2026، أتصفح إنستغرام، الصواريخ تتطاير بين إسرائيل وإيران، ومعها يشتد الخوف من الحرب، من الحصار، من الجوع. أسئلة تُغرِق “الستوريات” و”الريلز” عن حصار جديد من عراق التسعينات، الفترة التي عاشها “جيل الطيبين” كما يسمونه.
لم أعش تلك الفترة، لم يكن والداي قد تعرفا على بعضهما بعد، لكنني عشت نوعاً آخر من الجوع، جوع أتذكره جيداً، أشار إليه مختص نفسي بقوله: “عندج اضطراب طعام”.
ربما يكون سؤاله “هل تخافين فعلاً من عدم توفر الطعام؟” جذر المشكلة. وبينما يواصل حديثه بلغة الطب النفسي، عاد بي سؤاله إلى لحظة قديمة كنت أظنني تجاوزتها، لحظة ربما تحمل الجواب عن سؤالي الدائم أمام المرآة، سؤال أسمعه من أفواه المتطفلين/ات: “شوكت تضعفين؟”
شتاء 2013، كنا ما نزال في سوريا رغم اشتداد الأوضاع، إذ لم يكن العراق حينها أكثر أماناً. مغتربون منذ أكثر من عقد، والداي الشابان لم يرغبا في التخلي عن ما بنياه هناك، إيماناً منهما بأن سوريا لن تخذلهما.
في تشرين الثاني، سقطت منطقتنا بيد “الجيش الحر”، وصارت مدينتنا محاصرة تحت قصف النظام. لجأ سكان البناء كلهم إلى الطابق الأرضي هرباً من الموت، لكن شيئاً غريباً لاحظته عند والدي وجارتنا العراقية “أم حسين”، لم يكونوا خائفين من القصف، بل من الجوع.
لحسن الحظ، كان والدي قد تسوق بداية الشهر، وقد تكفي المؤونة لبضعة أسابيع. لكن ماذا عن الجيران؟ خاصة الذين يعيشون يوماً بيوم، والجوع لا يعرف هذه الترتيبات، لذا صرنا نتقاسم الطعام.
طفلة في الـ11 أو 12 من العمر، تسمع لأول مرة كلمة “حصار” تتكرر على أفواه الكبار، كأنها كلمة ترادف الجوع. قصص تُروى، وحلول مبتكرة تُعاد.
انتهى مخزون اللحوم في أول أسبوع، الكهرباء منقطعة فخافوا فسادها.
بعد ثلاثة أسابيع، بدأ الطعام ينفد. وجبة واحدة في اليوم، “شوربة” أو خبز ولبن. تعلمت كيف يُصنع اللبن من ملعقة لبن واحدة ولتر حليب، وكيف تُخبز الفطائر بمقلاة وبدون زيت.
كنت طفلة مدللة، وعادتي أن أطلب من أمي دجاجاً يُسلق ثم يُشوى أو يُقلى، لم أكن أعرف أن ذلك رفاهية. يوم طلبت منها الدجاج لم تنهرني، بل بكت.
“هذا الماعون لازم يكمل”، العبارة التي كان والداي يرددانها يومياً، اختفت حين قل الطعام. لكنني تبنيتها، صرت أرددها لنفسي بقهر.
لم أعد أشبع، و”حصة الأسد” التي كنت أحظى بها اختفت.
صرت أقسم كيس “الشيبس” على أيام. لا أعرف ولا أتذكر إن كنت أخاف فعلاً أم كنت أقلد الكبار.

أفكر اليوم، هل أطفال الحصار والحروب في أي بقعة من العالم يفعلون مثلما فعلت؟ أم كنت محظوظة لوجود المعلبات والطعام السريع؟ والآن أنفر من رؤيتها في الأسواق.
نجونا من ذلك الحصار الذي استمر 21 يوماً، لكنني لم أنجُ من الخوف.
صرت معروفة بشهيتي الدائمة، أُغلف الأمر بحب النكهات، كبرت وأنا أهرب إلى الطعام من الخوف، من الحزن، حتى من السعادة.
لاحقاً، فهمت أن سلوكي قهري. آكل كثيراً، وأشعر بالذنب حين أرى مشاهد الجوع في غزة والسودان، ومع ذلك لا أستطيع التوقف.
حتى وأنا أكتب، وأبكي، وأضحك، لا بد أن يكون فمي ممتلئاً. الجوع في تلك الأيام سلبني شعوري بالأمان، ربطت الأمان بالطعام، كطفلة.
وإن أردت الاستمرار في الشعور بالأمان، فعَليّ أن آكل.
وربما لهذا صار ارتياد المطاعم في بلادنا هو وسيلة الترفيه الأشهر، وربما الطعام لم يعد فقط حاجة بيولوجية، بل حاجة نفسية لمن عاشوا فترات طويلة من الجوع، المادي والعاطفي.
النفاس تحت الصواريخ
أمل حسن
مع حرب إسرائيل وأمريكا على إيران، وما تلاها من توسع إقليمي، الأخبار لا تنتهي، صور الدخان والحرائق تتوالى بلا رحمة، أصوات المذيعين تصرخ: عاجل، تصعيد جديد، احتمال حرب، استنفار هنا، قصف هناك. مئات المحللين على الشاشة، رجال بربطات عنق لم يطأوا أرض الحرب.
ومثلهم على فيسبوك، من خلف الشاشة، هناك من يشاركون صوراً ومنشورات تنظيرية تنذر بحرب قادمة، وكأننا نعيش في زمن دائري لا يمل من إعادة نفسه. هل ستعود الحروب؟ هل قُدّر لنا أن نحيا العمر بأكمله في دوائر من الرعب؟ أنا الآن امرأة في العقد الخامس من العمر، ألم تيأس الحرب من ملاحقتي منذ الصغر وحتى الآن؟
حينما يحلّ الليل أحدق في الهاتف، أتابع الأخبار بعيون نصف مغلقة من الإرهاق، أفكر في النساء الحوامل في غزة، وفي الأمهات في طهران اللاتي يهرعن بأطفالهن إلى الملاجئ وتحت القصف. يعود إليّ مشهد قديم، تتردد في ذهني صور النساء وهن يخبئن مواليدهن الجدد بين أذرعهن المرتجفة. هل سيعدن أيضاً للاختباء في الملاجئ؟ هل سأركض مجدداً بأطفالي وأحفادي إلى مكان ظننته أصبح من الماضي؟ أتذكر نفسي عندما كنت شابة في الـ20 من العمر، وأتساءل: كم مرة يجب أن نعيش الخوف نفسه؟
من التسعينات، أتذكر ذاك المشهد..
قبل ثلاثة أيام فقط من ضربة بوش الأب ولدت ولداً، كانت سماء بغداد تمطر قصفاً. وبدل أن أرتاح بعد الولادة، كنت أمسك بقطعة لحم صغيرة ملفوفة بـ”كماط” أبيض، نظرتُ إلى أذنه الصغيرة المتناهية في الصغر، وفكرت، هل تتحمل أذناه صوت كل هذه الصواريخ؟ ذلك الصوت القادم من روايات القيامة، صوت يزلزل الروح قبل الجسد. لكن طفلي الصغير، رغم هشاشته، أكثر حظاً مني؛ فهو لن يتذكر صوتها ولن يعرف رعبها إلا حينما أسرد له يوماً ما قصة نجاتنا. نعم، علينا أن ننجو، أن نصنع من كل يوم فرصة جديدة للحياة.

تنهمر دموعي، ويجتاحني خوف الأمهات كلهن، في كل حروب العراق، أسيموت طفلي؟ هل سيحرم من الحياة التي لم يذقها بعد؟ صوت الصواريخ ذاته، الملجأ ذاته، كنتُ بداخله طفلة ألتصق بأمي في حرب إيران. أتذكّر وجهها القَلِق وهي تحمل سلّة فواكه و”ترمس” الشاي، في محاولة لصنع وهم الطمأنينة وسط جنون القادة. أتذكّر أصوات تراتيل القرآن في الظلمة، والسماء فوقنا تصرخ وتضطرب، كان المشهد سريالياً أشبه باللوحات التي يعلقونها في الأماكن المعاصرة. نحن الأطفال في الزاوية نلعب رغم الرعب، نصنع من الأحجار الصغيرة ألعاباً، نرفض الاعتراف بالخوف الذي يحاصرنا جميعاً، أو ربما لم نكن نفهمه.
ظننت أن كل رعب حرب إيران قد ولّى وانتهى، ولم يعد أكثر من صورة ضبابية من طفولتي، وأننا سنودّعه للأبد، لكنه عاد إليّ في الليل، ككابوس يريد أن يصير واقعاً ويخطف مولودي الذي لم يعرف بعدُ طعم الحياة.
أتذكّر قصة ملجأ العامرية وأرتعد رعباً، مشاهد الأجساد الصغيرة المتفحمة، والدخان الأسود الذي اختطف أرواح مئات الأطفال. أبكي مجدداً، بكاءً لا يشبه بكاء الأمس؛ إنه بكاء أم اختبرت الخوف ثلاث مرات: مرة كطفلة، ومرة كأم، والآن كجدة.
أعلم أن عليّ أن أكون قوية، أن أظل متماسكة من أجل هذا الطفل الصغير. لكنني، وسط كل هذا الصخب، أسمح لدموعي بالنزول قليلاً، فأنا لست حجراً. أحتاج أن أبكي، أن أفرغ خوفي، قبل أن أمسح دموعي وأعود لأحمله بين ذراعيّ هامسة في أذنه: سننجو يا صغيري، سننجو، مهما أراد العالم لنا غير ذلك.
حينما انتهت تلك الأيام ظننت مجدداً أنني سأطويها في صندوق مظلم بذاكرتي وأرميها بعيداً، وأنني لن أذكرها أبداً، وأن عليّ طرد الشر وأفكاره من حياتي. لكن فجأة، مع كل خبر، كل مشهد قصف وصراخ طفل، أجد نفسي أعيد تلك الصور إلى ذهني دون وعي. فمشاهد الخوف نفسها عند غزو بغداد عام 2003 تكررت وبطريقة أبشع، مشاعر الهلع نفسها -التي تسربت إلى عظامي كحُمّى لا تغادر- تعود بلا انتباه رغم كل ما تكرر على هذه البلاد من صراعات وخوف.
أحياناً أرى أن هذه البلاد لا تريد أن تسمح لنا بأن نحب الحياة، تنشغل السماء دائماً بالحروب بدلاً من المطر، نحاول أن نزرع الأمن في بيوتنا، لكن الصواريخ أسرع من أحلامنا. وعرفت منذ تلك اللحظة أن ابني كذلك سيكبر في زمن يعرف فيه الصواريخ ويحفظها.
في الملجأ كنت أسأل: هل سأكون قادرة على قصّ حكاية نجاتنا له كحكاية قديمة بعيدة، أم سأجد نفسي أرويها كخبر عاجل يتكرر كل بضع سنوات؟ وهو ما حصل مع كل صوت انفجار في بغداد، وما مرت وتمر به البلاد وسيشهده الأحفاد.
اشتركوا في النشرة البريدية ليصلكم رابط الجزء الثاني.