هل يهدد داعش العراق من جديد؟ تراجع العمليات واحتمالات إعادة التشكل 

هل عاد داعش ليختبر قدرته على الضرب من جديد في العراق؟ وإلى أي حد ما يزال قادراً على تنفيذ عمليات نوعية؟ وما الذي يعنيه نقل آلاف معتقلي التنظيم من سوريا إلى السجون العراقية… تهديد قابل للاحتواء أم قنبلة مؤجلة؟

أحمد سيفأحمد سيف | 16 نيسان 2026

في 21 شباط 2026 نشرت مؤسسة الفرقان، الذراع الإعلامي لتنظيم داعش، كلمة صوتية للمتحدث باسم التنظيم “أبو حذيفة الأنصاري” بعنوان “قد تبين الرشد من الغي”، وهي الرسالة الرابعة للأنصاري منذ أن أصدر رسالته الأولى في الثالث من آب 2023، التي أعلن فيها أن “أبو حفص القرشي” سيكون الخليفة الخامس بعد وفاة سلفه “أبو الحسين”، الذي قُتل في اشتباكات مع هيئة تحرير الشام بإدلب. 

طل الأنصاري في رسالته الصوتية الجديدة بخطاب تعبوي كثيف حاول فيه بث رسائل صمود وتحدٍ، مع إعادة إنتاج الرؤية الصدامية التقليدية للتنظيم تجاه العالم، وقد صوّر العراق والشام وإفريقيا كجبهات مواجهة مفتوحة في وجه ما وصفه بـ“التحالف العالمي الصليبي”، الذي اعتبره منهَكاً وحائراً ومستنزَفاً. 

ثم مضى أبو حذيفة في تمجيد عناصر داعش ووصفهم بـ“فرائد العصر” و“دُرر الزمان”، واعتبر أسراه “تهابهم الدول وتخافهم الجيوش”. وفي حين أنه رسم صورة لإفريقيا باعتبارها “تصون أمانة الخلافة” وساحة تمدد ونشاط وملاذ للمهاجرين، لكنه تأسف على ما يحدث للتنظيم في العراق، وبدت نبرته في الحديث عن العراق أضعف مقارنة برسائله السابقة، فعلى حد تعبير الأنصاري: “أرض إفريقية تعيش بدراً وفتحاً.. وأرض العراق تعيش أُحداً وخندقاً”. 

مقتطف من افتتاحية صحيفة النبأ (العدد 508).

في الواقع، داعش في العراق اليوم بات أضعف بكثير مما كان عليه في السنوات السابقة، فنشاطه محدود ومتقطع، بينما تعمل الأجهزة الأمنية بوتيرة أعلى وأكثر تنظيماً. ومع ذلك، فإن التنظيم لا يزال يحتفظ بقدرة محدودة على تنفيذ هجمات داخل البلاد. 

يهدف هذا التقرير إلى تحليل الواقع العسكري لتنظيم داعش في العراق، من حيث قدراته العملياتية وأنماط تحركه ومستوى التهديد الذي يشكله، إلى جانب تقييم إمكانية تنفيذه عمليات نوعية، مع تناول ملف معتقلي التنظيم وتأثير نقل أكثر 5700 منهم في أوائل 2026 من سوريا إلى العراق، ومدى قدرة المنظومة السجنية العراقية على إدارة هذا الملف المعقد. 

ملامح نشاط داعش العسكري بالعراق في 2025 

نفذ داعش أولى عملياته عام 2025، بتاريخ 20 كانون الثاني، عبر كمين مسلح استهدف قوات أمنية شمال بغداد في منطقة الطارمية، وأسفر -بحسب روايته- عن سقوط 13 قتيلاً وجريحاً بينهم ضباط. في حين قالت السلطات إن الانفجار أدى إلى مقتل أربعة ضباط وإصابة خمسة آخرين نتيجة خطأ فني خلال التعامل مع كدس عتاد قديم، وأعلنت تشكيل لجنة تحقيق لمعرفة ملابسات الحدث. 

وتُعد هذه العملية الوحيدة التي تبناها داعش خلال شهر كانون الثاني 2025، ولم يُسجل له تنفيذ أي عمليات داخل العراق خلال شهرَي شباط وآذار من العام نفسه، ما يعكس فترة ركود عملياتي ملحوظة في الربع الأول من 2025. 

ثم بدأ داعش عمليته التالية في 25 نيسان 2025 بمحافظة ديالى، وتمكن بحسب روايته من زرع وتفجير عبوة ناسفة استهدفت تمركزاً للحشد العشائري في قرية السواجن بمنطقة جديدة الشط، ما أدى إلى إصابة عدد من عناصر الحشد حسب رواية داعش. وكانت هذه العملية الوحيدة التي نفذها التنظيم خلال شهر نيسان، ولم يُسجل له أي نشاط داخل العراق حتى آب 2025.  

إحصاء للهجمات التي تبناها داعش خلال النصف الأول من عام 2025.

لقد شهد شهر آب أعنف هجمات داعش في العراق عام 2025، فقد نفذ ثلاث عمليات، الأولى كانت في السابع من آب في قرية مطجعات بمنطقة الحضر، إذ فجر عبوة ناسفة استهدفت دورية للجيش والحشد، ما أدى إلى تدمير آلية وإصابة سبعة عناصر بجروح متفاوتة. 

وفي الشهر نفسه، نفذ داعش هجوماً في جنوب غرب الموصل أسفر عن أسر وقتل ما سماه “جاسوساً”، قال إنه تابع للحكومة وصور قتله له. فيما وقعت العملية الثالثة في 25 آب بمحافظة الأنبار قرب صحراء راوة، حيث فجر عبوة ناسفة استهدفت دورية للجيش، لكن من دون تسجيل أي إصابات أو قتلى حسب مستشار محافظ الأنبار للشؤون الأمنية والدفاع والحشد الشعبي عبد الله الجغيفي.  

واختتم داعش شهر آب بتسجيل ثمانية قتلى وجرحى بين عناصر الجيش العراقي وقوات الحشد بالإضافة إلى رجل وصفه بالجاسوس. ثم في 13 أيلول 2025، أعلن داعش تفجير عبوة ناسفة استهدفت دورية للجيش العراقي قرب قرية خضير في ديالى، وادعى أنها أسفرت عن إصابة ثلاثة عناصر وتضرر آلية، وأكد الجيش العراقي إصابة ثلاثة مقاتلين من قيادة فرقة المغاوير الثالثة والعشرين. 
 

داعش يقتل من وصفه بالجاسوس جنوب غرب الموصل في آب 2025.

ثم في 21 أيلول 2025، ذكر داعش أنه استدرج قوة من مكافحة الإرهاب إلى موقع كمين متفجر في صحراء راوة في الأنبار، ما أدى إلى مقتل عنصرين وإصابة ضابط بجروح، وهو ما يتوافق جزئياً مع ما أعلنت عنه خلية الإعلام الأمني العراقية. 

وخلال شهر تشرين الأول 2025 لم يسجل داعش أي هجوم. وادعى أنه نفذ في 24 تشرين الثاني 2025 هجوماً بتفجير عبوة ناسفة، استهدفت دورية للحشد العشائري قرب صحراء الجزيرة بمحافظة صلاح الدين، وأسفر الحادث عن مقتل عنصر وإصابة آخرين.  

كما ذكر أنه نفذ في 29 تشرين هجوماً مماثلاً على آلية للحشد العشائري في صحراء الأنبار، ما أدى إلى إعطاب الآلية وإصابة من كانوا فيها وبينهم قيادي، وقد أعلن الحشد الشعبي وقوع هذا الحادث ومقتل أحد أفراده. 

أما في شهر كانون الأول، فلم يُسجَل أي نشاط لداعش سوى عملية اغتيال مصورة نفذها في 12 كانون الأول 2025، استهدف فيها مختاراً قال إنه “متعاون” مع السلطات الحكومية في محافظة صلاح الدين. وتُعد هذه العملية آخر نشاطات داعش في العراق حتى السادس من آذار 2026، إذ لم يسجَّل بعدها أي هجمات جديدة. 

عملية اغتيال نفذها تنظيم داعش في 12 كانون الأول 2025 استهدفت مختاراً في محافظة صلاح الدين.

من حيث التوزيع الجغرافي، فقد تركزت عمليات داعش في المحافظات ذات الطبيعة الصحراوية، لا سيما الأنبار، إضافة إلى ديالى وصلاح الدين ونينوى، فضلاً عن الطارمية شمال بغداد، ويعكس هذا الانتشار اعتماد التنظيم على البيئات قليلة الكثافة السكانية والتضاريس المفتوحة التي تسهل الحركة. 

مبايعة عناصر من العراق زعيم التنظيم السابق أبو الحسين الحسيني القرشي.

أما على مستوى أنماط الهجمات، فكانت العبوات الناسفة الأكثر استخداماً، تليها الكمائن المركبة ثم الاغتيالات الفردية. واستهدفت عمليات داعش بشكل رئيسي الجيش العراقي، والحشد، وقوات مكافحة الإرهاب، إلى جانب شخصيات محلية اتهمها بالتعاون مع السلطات، وغالباً ما ركزت هجمات داعش على أهداف محدودة قليلة المخاطر، مثل الدوريات ونقاط التمركز الصغيرة. 

في الواقع، تجنب داعش المواجهات المباشرة أو الواسعة، وتشير طبيعة عملياته إلى الاعتماد على المباغتة والعمل من جيوب متفرقة في المناطق الصحراوية، مع اللجوء إلى استراتيجية الاحتماء بالعمق الصحراوي، كما أظهرت بعض هجماته قدراً من الدقة الاستخباراتية في اختيار الهدف. 

مبايعة عناصر من العراق لزعيم التنظيم السابق أبو الحسن القرشي.

 
لكن عموماً، لا تعكس معطيات عمليات داعش في عام 2025 وحتى الآن تطوراً ملحوظاً في قدراته العملياتية مقارنة بالسنوات السابقة، إذ بقي نشاطه محصوراً في نطاق محدود كالاغتيالات، وزرع العبوات الناسفة، وتنفيذ كمائن ضد أهداف هشة أمنياً. 

وخلال الفترة الممتدة من كانون الثاني 2025 حتى آذار 2026، تبنى داعش تنفيذ 16 عملية في العراق، أعلن تفاصيل عشرٍ منها فقط ونشر تقارير وصوراً لبعض تلك الهجمات. ويُعتبر العراق من عام 2025 وحتى الآن من أقل المناطق نشاطاً لداعش على مستوى ولايته في العالم. 

إحصاء للهجمات التي تبناها داعش خلال عام 2025.

 

أبرز العمليات ضد داعش في العراق (2025 – كانون الثاني 2026) 

شهد عام 2025 نشاطاً مكثفاً للقوات الأمنية العراقية ضد تنظيم داعش، وأسهمت الضغوط الأمنية المستمرة في تقليص قدرة التنظيم على التخطيط لهجمات واسعة، ومنع بقاياه من إعادة التموضع أو إنشاء مضافات وبؤر جديدة، وهو ما انعكس في تراجع ملحوظ في وتيرة هجمات داعش مقارنة بالسنوات السابقة، لتصل إلى أدنى مستوياتها مع مطلع عام 2026. 

ابتداءً من كانون الثاني 2025، بدأت القوات العراقية تنفيذ سلسلة عمليات مضادة، ركزت على الضربات الجوية الدقيقة في محافظات ديالى وكركوك والأنبار، مستهدفة الأوكار الجبلية والخلايا المتحركة ومراكز القيادة، بجانب تفتيش مخابئ الدعم والإمداد في مناطق وعرة في سلسلة جبال حمرين. 

وشكلت عملية 13 آذار 2025 في صحراء الأنبار ضربة نوعية للتنظيم، إذ أسفرت عن مقتل عبد الله أبو خديجة مكي مصلح الرفاعي، المسؤول عن اللوجستيات والعمليات الخارجية بالتنظيم. وبعدها بأشهر قليلة أعلن جهاز مكافحة الإرهاب مقتل القيادي عمر عبد القادر بسام، المعروف بـ“عبد الرحمن الحلبي”، في عملية داخل الأراضي السورية بالتنسيق مع التحالف الدولي، وكان الحلبي يشغل منصب مسؤولية التخطيط والإشراف على ما يسمى الولايات البعيدة للتنظيم.  

وفي الربع الثاني من 2025، تحول التركيز إلى المداهمات البرية والاعتقالات المستندة إلى معلومات استخباراتية دقيقة، لا سيما في كركوك ونينوى وصلاح الدين، واستهدفت تلك العمليات تفكيك خلايا داعش وملاحقة العناصر اللوجستية والشرعية. 

وفي نيسان 2025، عقدت الدول الخمس، العراق وسوريا والأردن ولبنان وتركيا، اجتماعاً تنسيقياً مشتركاً بهدف مواجهة تهديد داعش، وأسفر الاجتماع عن تأسيس مركز لتبادل المعلومات الاستخباراتية حول تحركات التنظيم. 

أما في النصف الثاني من عام 2025، فقد تصاعدت العمليات المشتركة بين الجيش العراقي والبيشمركة لاعتقال عناصر من داعش، خصوصاً في جبل قره جوغ في نينوى، كما امتدت العمليات إلى ما وراء الحدود، من خلال إنزال جوي عراقي داخل الأراضي السورية في كانون الأول 2025 لاعتقال عناصر من داعش، كما عزز الجيش حضوره الأمني في وادي حوران. 

وبالتوازي مع العمليات العسكرية ضد داعش، عزز العراق أمن حدوده مع سوريا الممتدة لنحو 615 كيلومتراً، عبر إنشاء جدار حدودي ووضع أسلاك شائكة وأبراج مراقبة، وتفعيل منظومات المراقبة الفنية واستخدام الطائرات المسيرة لمنع التسلل. 

في الواقع، الحدود العراقية–السورية مؤمنة بشكل كامل، وحسب وزارة الدفاع، فلم تُسجل أي حالة تسلل خلال الفترة الماضية. كما أقام الجيش خطوطاً دفاعية في صحراء الأنبار وغرب نينوى للسيطرة على الصحراء، بالتزامن مع استمرار الضربات الجوية الدقيقة ضد خلايا داعش. 

قوات الحدود العراقية تؤمّن الشريط الحدودي العراقي-السوري.

في المجمل، أدت هذه العمليات إلى إضعاف تنظيم داعش في العراق، وأظهرت الأجهزة الأمنية مستوى عالياً من التنسيق والدقة الاستخباراتية في استهداف البنية القيادية واللوجستية للتنظيم. ويمكن توصيف المرحلة الحالية بأنها مرحلة ضربات استباقية واستنزاف مستمر لداعش. 

مبايعة عناصر من العراق لزعيم التنظيم الحالي أبو حفص الهاشمي.

وفي حين تبنى داعش 16 عملية خلال عام 2025 بالعراق، وهي في معظمها عمليات محدودة، فقد نفذت القوات الأمنية العراقية عدداً أكبر بكثير من العمليات ضده، شملت ضربات جوية، ومداهمات، واعتقالات، وتدمير مخابئ، إضافة إلى عمليات استخباراتية داخل العراق وخارجه. 

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن خطر التنظيم في العراق تراجع بشكل كبير، حيث يظهر انخفاض ملحوظ في عدد هجماته مقابل كثافة الضغوط الأمنية ضده، ولا يبدو أن هناك خطراً وشيكاً يعيد سيناريو سيطرة داعش على المدن. 

ومع ذلك، لم يختفِ الخطر بالكامل، فالخلايا النائمة داخل العراق لا تزال موجودة، وتشير بعض التقديرات إلى أن عدد عناصر داعش في العراق يتراوح بين ألف وألفي عنصر. كما يمتلك داعش خبرة قتالية متراكمة وقدرة محدودة على تنفيذ هجمات لإثبات وجوده، لكن قدراته الهجومية اليوم تكتيكية وليست استراتيجية، كزرع عبوات ناسفة، وتنفيذ كمائن صغيرة، واغتيال شخصيات محلية، دون القدرة على شن هجمات واسعة أو السيطرة على مناطق. 

معتقلو داعش.. تحديات الاحتجاز  

تلعب الأوضاع الأمنية في سوريا، ولا سيما في مناطق البوكمال ودير الزور والحسكة التي لا تزال تشهد نشاطاً لخلايا تنظيم داعش، دوراً مباشراً في التأثير على الأمن العراقي. وفي ظل المخاوف من احتمال وقوع عمليات هروب جماعية من سجون شمال شرق سوريا وما قد يترتب عليها، نفذت القوات العراقية بالتنسيق مع القوات الأمريكية عملية لنقل معتقلي التنظيم من تلك السجون إلى العراق، خلال الفترة من 21 كانون الثاني إلى 12 شباط 2026. 

بلغ العدد الإجمالي للمعتقلين المنقولين إلى العراق 5703، من 67 دولة مختلفة، كان السوريون الكتلة الأكبر بواقع 3543 معتقلاً، بينما بلغ عدد العراقيين نحو 467. إضافة إلى أكثر من 900 معتقل من أوروبا وآسيا وأستراليا، بينهم 27 ألمانياً، وعشرة هولنديين، وتسعة بريطانيين، وأربعة سويديين، وثلاثة فرنسيين، و13 أسترالياً، وأكثر من 130 روسياً، ونحو 160 تركياً. 

وأعلن مجلس القضاء الأعلى العراقي أن جميع هؤلاء المعتقلين سيخضعون للقضاء العراقي بغض النظر عن جنسياتهم، كما أكد وزير الخارجية العراقي، فؤاد حسين، أن المعتقلين ستجري محاكمتهم وفق قوانين مكافحة الإرهاب العراقية، ودعا الدول الأخرى لتسلُّم رعاياها غير المتورطين بجرائم داخل العراق. 

ويأتي ذلك في سياق خبرة عراقية تراكمية في التحقيق مع عناصر التنظيم بعد سنوات من التعامل مع آلاف المعتقلين المرتبطين بداعش، ومن شأن المعلومات التي يمكن استخلاصها من السجناء المنقولين حديثاً أن تعزز القاعدة الاستخباراتية للأجهزة الأمنية، وتساعد في كشف الشبكات المرتبطة بالتنظيم واستباق أي تهديدات محتملة. 

عناصر من داعش أثناء إيداعهم في سجن الكرخ المركزي في بغداد (أ.ب).

ومن الناحية اللوجستية، جرى إعداد سجن الكرخ المركزي لاستقبال بعض هؤلاء المعتقلين، مع تعزيز التحصينات الأمنية وتطبيق إجراءات رقابة مشددة. ومع ذلك، يبقى ملف معتقلي التنظيم تحدياً أمنياً مستمراً، إذ شهدت السجون العراقية خلال السنوات التي تلت هزيمة داعش محاولات هروب محدودة، من بينها فرار عدد من السجناء من مراكز احتجاز في السليمانية عام 2018 وسجن الرصافة في بغداد عام 2019، إضافة إلى إحباط محاولة هروب من سجن التاجي عام 2021. 

وتعكس هذه الحوادث حجم التحديات التي تواجهها إدارة السجون العراقية، خصوصاً في ظل الاكتظاظ الكبير داخل مراكز الاحتجاز، فقد كشف وزير العدل العراقي، خالد شواني، عام 2025 أن سجون البلاد تعمل بطاقة استيعابية تصل إلى نحو 200 بالمئة. 

وحتى الآن، لم تصدر الحكومة العراقية أرقاماً رسمية بشأن إجمالي عدد معتقلي تنظيم داعش في العراق قبل عمليات نقل معتقلي داعش من سوريا أوائل عام 2026، ويشير بعض المراقبين إلى أن العدد حتى 2025 يقدر بنحو 20 ألف معتقل، ومع إضافة نحو 5,700 آخرين خلال 2026، يبرز تحدٍ أمني على المدى المتوسط والبعيد. 

ولا يزال سيناريو سجنَي أبو غريب والتاجي في تموز 2013 حاضراً في الذاكرة الأمنية العراقية، حين تمكن تنظيم الدولة من تهريب مئات السجناء وبينهم قيادات كبرى، وقد أسهمت هذه العملية في إعادة تنشيط قدرات التنظيم وتعزيز بنيته القيادية، قبل أن يتمدد بعد عام واحد ويستولي على مساحات واسعة من العراق خلال عام 2014. 

ومع ذلك، فإن تكرار مثل هذا السيناريو يبدو احتمالاً ضعيفاً في الظروف الحالية، إذ طرأت تغييرات كبيرة على البيئة الأمنية في البلاد، فقد طوَّرت الأجهزة الأمنية العراقية قدراتها الاستخباراتية، وراكمت خبرات واسعة في التعامل مع التنظيم. ويشير مراقبون إلى أن أجهزة الأمن العراقية استوعبت الدروس المستفادة من محاولات هروب عناصر التنظيم السابقة، وعززت إجراءات الحماية والمراقبة داخل مراكز الاحتجاز. 

لكن التحدي لا يقتصر على البعد الأمني فقط، فالسجون قد تتحول إلى بيئة لإعادة إنتاج التطرف، خاصة في ظل الاكتظاظ وضعف برامج التأهيل وإعادة الدمج، وبالتالي قد تصبح هذه السجون حاضنة لإعادة ترسيخ الأيديولوجيا المتشددة. 

هل يمكن أن يكرر داعش سيناريو 2014؟ 

بين 2014 و2015 بلغ داعش ذروة قوته، وتمكن من إدارة مؤسسات شبيهة بالحكومات، وجمع موارد مالية كبيرة من النفط والضرائب والابتزاز. لكن مع بداية 2016 بدأ يتراجع نتيجة الضربات المستمرة للتحالف الدولي وصراعه مع الفصائل المسلحة، ما أدى إلى خسارته للمدن الكبرى بين 2016 و2019. 

وكان سقوط الباغوز في عام 2019، آخر معاقله الميدانية في سوريا، اللحظة الفاصلة التي أنهت سيطرته المكانية، وعندها كان لكثيرين أمل في أن يتبدد الكابوس الذي شكله التنظيم، لكنه رغم الانتكاسات وفقدان الموارد والقيادات عدل تكتيكاته، وتماهى مع الوضع الجديد واستوعب تأثير استنزاف القيادة، كما حاول تحرير مقاتليه المحتجزين في السجون واستغلال الفجوات الأمنية.  

ويمكن القول إن الاستناد على المقاربة العسكرية والأمنية فقط هي استراتيجية محدودة الفاعلية على المدى الطويل، فتاريخ داعش يثبت قدرته على التجدد بعد مقتل قادته. ورغم تراجع أيديولوجية داعش مقارنة بالأعوام السابقة، إلا أن الظروف الاجتماعية والسياسية ووجود أجيال ناشئة في مخيمات المعتقلين، وعائلات مقاتلي التنظيم، توفر بيئة يستغلها داعش لإعادة نفسه. 

وفي حال لم تنجح السياسات الاندماجية في معالجة التوترات الاجتماعية والسياسية فإن المشهد الأمني قد يزداد تعقيداً، لا سيما في ظل استمرار حضور الميليشيات المسلحة التي تسهم في تعميق الانقسامات. وفي مثل هذه البيئة يجد داعش فرصة لتغذية خطاباته الدعائية، وتوظيف سردية المظلومية واستثمار مشاعر التهميش والاحتقان لدى البعض. 

مقتطف من افتتاحية صحيفة النبأ (العدد 508). 

وإذا عاد نشاط داعش اليوم داخل العراق فمن المرجح أن يكون من خلال خلايا صغيرة، وهجمات محدودة على الجيش والشرطة والحشد، وعمليات سريعة في المناطق الصحراوية والجبلية، أو اغتيالات لشخصيات أمنية ومحلية لإحداث فوضى. 

وفي الواقع، يكمن خطر داعش الحالي في العراق في خبرته التراكمية وفروعه الإقليمية، خاصة في إفريقيا، حيث يشهد توسعاً ملحوظاً، إلى جانب تزايد دعايته على المنصات المشفرة.  

والمشكلة أيضاً أن العراق يقع في محيط إقليمي متوتر، خاصة مناطق شرق سوريا التي تشهد نشاطاً هائلاً لداعش، وقد أكد حامد الشاطري، رئيس جهاز المخابرات العراقي في أواخر كانون الثاني 2026، أن تنامي داعش في سوريا يمثل خطراً جسيماً على العراق. 

يمكن التخليص إلى القول إن عودة داعش إلى العراق اليوم تعتمد بشكل كبير على الظروف السياسية والأمنية أكثر من قدرات التنظيم الحالية، وبينما يراقب التنظيم زلزال التحولات الإقليمية الجارية بحثاً عن ثغرة أو أي فرصة تتيح له استعادة جزء من قوته، إلا أن تلك الصراعات الإقليمية المحتدمة لم تمنحه حضوراً ميدانياً ملموساً داخل العراق حتى الآن، فالتنظيم لا يزال أسيراً لحالة “الضعف المزمن” وتراجع قدرته على المبادرة. 

واقعياً، انحصر نشاط داعش في العراق منذ اندلاع المواجهة الإيرانية-الإسرائيلية-الأمريكية، في محاولته الاستثمار الدعائي لملف سجنائه في العراق وتوظيف “معاناة معتقليه”، دون أن يمتلك القدرة على تحويل هذا الخطاب إلى خروقات أمنية على الأرض.  

لكن بقاء التنظيم محصوراً في هذه الزاوية الضيقة يظل رهيناً باستمرار الضغوط الأمنية والتنسيق الاستخباري الإقليمي، وأي تراجع في هذا المسار نتيجة أزمات سياسية داخلية أو فراغات أمنية تخلقها التوترات الإقليمية والحرب الجارية، قد يفتح الباب أمام التنظيم لاستغلال تلك الثغرات وتحويل تهديده الدعائي إلى واقع عملياتي. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

كاتب وصحفي مصري