في العراق، كل شيء يتحرك في الوقت نفسه، وبتداخل يصعب فصله عن بعضه البعض. خلال الأسابيع الأخيرة، شهدت الساحة الأمنية والسياسية تطورات مثيرة، من ظهور ميليشيات في البصرة تستعرض قوتها، إلى فصيل يهدد السوريين، ومن ثم الإعلان عن فصيل جديد يريد القيام بـ”عمليات استشهادية” في سوريا؛ ويترافق ذلك مع أزمة متفاقمة داخل الحشد الشعبي والإطار التنسيقي، المظلة التي تأوي القوى الشيعية المقربة من إيران.
البصرة، التي كانت دائماً ساحة تنافس للنفوذ، شهدت ظهور ثلاث مجموعات مسلحة هي ”قوة الطوفان”، “فصائل المقاومة”، و”المجلس السياسي في البصرة”، والتي أصدرت، مشتركة، تهديدات مباشرة ضد الفعاليات المدنية، وكان محرضّها عرض أزياء في فندق وسط المدينة.
بالتزامن مع ذلك، برز فصيل آخر في مناطق أخرى من العراق، وهو ”تشكيلات يا علي الشعبية”، الذي ظهر في مقاطع فيديو وهو يفتش في هويات العمال السوريين، مستجوباً إياهم حول انتماءاتهم السياسية والدينية، في استعراض جديد للقوة خارج سلطة الدولة.
ورغم أنه أثار السخرية لعدم جديّته، إلا أن الإعلان عن تأسيس لواء ”قوات درع العباس الاستشهادية” يشير أيضاً إلى المساحة التي يمكن من خلالها الإعلان والتحرك المسلح في العراق.
درع العباس، بحسب ما تقول، تأسست للدفاع عن ”العراق والعقيدة”، ودعت الى الانضمام والتطوع في قواتها ”الاستشهادية”، ويظهر أن هدفها الأساس هو ”العمل على تحرير مرقد السيدة زينب من الإدارة السورية الجديدة”.
البعض يرى في هذا التوسع المسلح دليلاً على فقدان الدولة، مجدِدّاً، السيطرة على المشهد الأمني، بينما يعتبره آخرون نتيجة طبيعية للصراعات الانتخابية التي تدفع الفصائل إلى تأكيد وجودها بشتى الطرق. في الوقت نفسه، هناك نقاشات تجري في الخفاء حول مستقبل هيئة الحشد الشعبي ومن يقودها، وما إذا كانت ستخضع لتعديلات تجعلها أكثر انضباطاً، أم أن الأمر سينتهي بانقسامات جديدة داخل الفصائل الشيعية ذاتها.
فقانون تقاعد الحشد الشعبي الذي يُفترض أن يكون خطوة تنظيمية، تحوّل إلى ساحة صراع سياسي حاد، خاصّة وأنه يهدد بإحالة أكثر من 400 من قادته إلى التقاعد، بمن فيهم رئيس الهيئة فالح الفياض الذي يتشبث بالمنصب، واستطاع بالاتفاق مع محمد شياع السوداني، رئيس الوزراء، سحب القانون من البرلمان وإعادته إلى الحكومة.
ومع أن القانون ظاهرياً يهدف إلى إعادة هيكلة الحشد، إلا أنه كشف انقسامات عميقة داخل الإطار التنسيقي الشيعي، إذ تسعى بعض الفصائل إلى استغلال الفرصة لإحلال شخصيات جديدة في المناصب القيادية، مما يجعل الحشد جزءاً من المعركة الانتخابية المقبلة، وبالتالي استخدام السلاح في عملية الاقتراع، وإن بشكل محدود، احتمال وارد..