تمثل قضية عدنان الجميلي فضيحة واسعة للدولة العراقية ومؤسساتها، فيما يجري تقديمها بوصفها إنجازاً في ملاحقة الفساد. فكلما توسعت التحقيقات وظهرت أموال وممتلكات جديدة، اتسعت دائرة المسؤولية عن الثغرات التي سمحت بتكوين هذه الثروة وتحريكها وإخفائها.
عدنان الجميلي هو وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية، والموقوف على ذمة التحقيق. وبحسب مجلس القضاء الأعلى، بدأت التحقيقات في تشرين الأول 2025، بعد ورود “إخبارات” عن مرشحين أنفقوا مبالغ كبيرة على دعاياتهم الانتخابية مستغلين موارد الدولة، ثم توسعت إلى ملف الانتفاع من العقود الحكومية والحصول على عمولات ومنافع شخصية.
تتابعت بعدها الإعلانات عن المضبوطات. ففي 22 حزيران أعلن القضاء ضبط 10 ملايين دولار و31 مليار دينار، مع حجز 70 عقاراً و21 عجلة حديثة ونحو ثلاثة كيلوغرامات من الذهب. وفي اليوم التالي ارتفعت الحصيلة إلى أكثر من 98 مليار دينار و11 مليون دولار، وأعلن القضاء أن اعترافات الجميلي قادت إلى القبض على محافظ صلاح الدين الأسبق رائد الجبوري.
وفي السادس من تموز، أعلن القضاء ضبط 25 مليار دينار ومليون دولار وخمسة كيلوغرامات من الذهب داخل منزل الجميلي، لترتفع الحصيلة النقدية إلى 127 مليار دينار و24 مليون دولار.
وفي 13 تموز، أعلن مجلس القضاء استرداد 375 كيلوغراماً من الذهب، والحجز على تسعة عقارات تجارية، وثلاثة معامل لإنتاج الطحين في الموصل، وسبع شاحنات حديثة. وكشف أن بعض العقارات سُجلت بأسماء عمال للتمويه وإخفاء مصدرها غير المشروع.
هذه الثروة لم تتكاثر من تلقاء نفسها كالبكتيريا في مكان معزول عن الدولة. فالعقارات احتاجت إلى البيع والتسجيل ونقل الملكية، والمعامل إلى نقل الملكية والترخيص والتشغيل، والشاحنات إلى الشراء والتسجيل، والذهب إلى الشراء والنقل والتخزين. وكل خطوة مرت عبر دوائر حكومية ومصرفية ورقابية، واستلزمت وثائق وأختاماً وموظفين.
ويطرح ذلك أسئلة تتجاوز حجم الأموال المضبوطة، التي وصفها وزير المالية الأسبق علي علاوي بأنها “تفاليس” قياساً بحجم الفساد المستشري في البلاد. فقد بدأت القضية بإخبارات، ثم أخذت الاعترافات تكشف طبقاتها الواحدة تلو الأخرى. وبين الإخبارات والاعترافات يبرز سؤال عن وظيفة المؤسسات الرقابية والشبكات البيروقراطية المكلفة أصلاً باكتشاف هذا النوع من الثروات والثغرات وتعقب مساراتها.
وإذا كانت الإخبارات قد فتحت الملف، والاعترافات تقود إلى الأموال والعقارات والمتهمين، فما الذي كانت تفعله أجهزة الرقابة المالية والإدارية ودوائر التسجيل والضرائب والمصارف ومكافحة غسل الأموال قبل بدء التحقيق؟ وما الذي أضافته هذه المؤسسات بعد انطلاقه، خارج ما دلّ عليه المتهمون بأنفسهم؟
ولا تنفصل قضية عدنان الجميلي عن قضايا كبيرة سبقتها، مثل قضية نور زهير، ومئات ملفات الفساد الأخرى التي كُشفت بعد سنوات من وقوعها. فكل قضية جديدة تُقدَّم بوصفها إنجازاً في الكشف، لكنها تكشف في الوقت نفسه أن منظومة كاملة أخفقت في منع الجريمة أو اكتشافها في مراحلها الأولى.
فالفساد بهذا الحجم لا ينشأ في فراغ، ولا يقتصر على الأشخاص الذين تنتهي إليهم التحقيقات. إنه يمر عبر مؤسسات وإجراءات وموظفين وأنظمة رقابية يفترض أنها أُنشئت لمنع مثل هذه الوقائع أو كشفها مبكراً. وعندما تصبح الإخبارات والاعترافات هي نقطة البداية في اكتشاف الجريمة، يبرز سؤال أكبر عن دور تلك المؤسسات طوال السنوات التي كانت فيها الأموال تتحول إلى عقارات، وشركات، ومعامل، وذهب.
ولهذا، فإن المعيار الأهم هو قدرة مؤسسات الدولة على منع تكوين هذه الثروات غير المشروعة، واكتشافها قبل أن تتحول إلى إمبراطوريات مالية تعمل داخل الاقتصاد وتحت نظر الأجهزة المكلفة بمراقبتها، وليس الاحتفال بإخراج الأموال من الجدران والمسابح.