التشدّد الدينيّ في أروقة كلية عراقية: كيف ننجو من وصاية الـ"عمو" والعميد؟ 

ضي احمد

24 أيار 2024

ظننتُ أن الجامعة ستكون المكان الأوّل الذي أتعلم فيه كيف سأمارس حريتي كبالغة، لكن ها أنا هنا، على وشك التخرّج، وما زال الجميع يمارس الوصاية عليَّ، بوّاب الجامعة، وصاحب التكسي، واللجنة الأمنية، والأساتذة، وزميلتي التي تعتقد أن العباءة سوف تسترني.

“صرت جبيرة وبالكلية.. بعد محد يكدر يتحكّم بيّه”. 

حين قُبلتُ في كلية التربية للعلوم الإنسانية، تخيلت عالماً بلا حدود أو قيود. كنت ساذجة لاعتقادي بأن الكلية هي المربع الأول للحرية. أخبرت نفسي: أنا هنا حرة! لكن سرعان ما تبخّر اعتقادي هذا مع أحلامي بأن أكون جزءاً من مجتمع متقبل للاختلاف.  

ما الذي يعنيه أن تكوني طالبة في كلية التربية للعلوم الإنسانية في جامعة البصرة؟ 

الاحتفالات الدينية داخل المؤسسات التعليمية 

كان العام 2023 عامي الأول حضورياً في الجامعة، مع أني كنتُ طالبة سنة ثالثة في حينها، بعدما حرمتنا جائحة “كورونا” من التعليم الوجاهي لمدة عامين. 

“شصاير اليوم؟” سألتُ زميلتي يومها، وقد كنت استكشف ما يحصل في حرم الجامعة. 

“إحياء استشهاد الإمام.. ترخصيلي من الدكتور.. رح اوزع مي للضيوف”. لم أفهم يومها كيف لها أن تفوّت المحاضرة لتوزيع المياه!  

لكن حين دخلت قاعة المحاضرة، فهمتُ أنها لم تكن الوحيدة في ذلك. استأذن معظم الطلبة يومها من المحاضر، وقالوا “دكتور لازم نحضر! استشهاد الإمام وتعرف..”. لم يزعج الدكتور عدد الحضور، لكن أزعجه تشرذم صوته بين أصوات المكبّرات التي كانت تذيع نعي المضيف للإمام ومدحه لتضحياته.  

في البداية، قاوم الدكتور التعليق؛ أراد أن يُكمل المحاضرة دون أن يعلق على الموضوع، لكنه لم يستطع في النهاية إذ لم نكن قادرين على سماع أي شيء من محاضرته، مطالبين إياه أكثر من مرة أن يُعيد ما قاله عن القصيدة الرومانسية التي يتحدث فيها الشاعر عن حبيبته.  

“يعني هو أحنا إذا نحتفل بكل مناسبة لجماعة.. لازم نحتفل بمناسبات كل الجماعات.. لو أنا غلطان؟”. عّم الصمت القاعة للحظة، إذ ندر أن يُعلق أحد من الكادر التدريسي على مثل هذه الظواهر؛ ففي كلية تتميز بطابعها المذهبي الواضح، لا يجرؤ أحدهم على الاحتجاج. 

لم يتوقف المحاضر، بل أردف “هاي مؤسسة تعليمية! المفروض كل مظاهر الاحتفال والعزاء تكون خارج حدودها لأنها مؤسسة حيادية..”. 

أثارت هذه الجملة زميلة لنا ترتدي العباءة، “دكتور هذا شي يدعو للفخر، أنو كليتنا تحيي هيج مراسيم مهمة! هذا الإمام! وبالنسبة لغير مذاهب.. همة ما عندهم احتفالات”.   

فكرت مرةً أخرى أن الجو مشحون والجدال قد ينفجر في أي لحظة، لكن الدكتور ضحك بلُطف قائلاً “بالمناسبة، آني سيد.. بس مثلما كلتلكم.. هاي كلية مو حسينية”، ثم عاد ​​لقصيدته الرومانسية، The Solitary Reaper، حيث يتغنى الشاعر بفتاة سمعها تغني في الحقول الخضراء وحمل صوتها معه في قلبه في كل مكان، مُحاولاً أن يُكمل الشرح قبل أن تعلو “أويلي عليك مولاي!” ثانية.  

لم يكن هذا العزاء الأول ولا الأخير.  

​​​​​تشتهر كليات عديدة في أرجاء العراق، منها كلية التربية للعلوم الإنسانية في جامعة البصرة بإقامة هذا النوع من العزاءات، والاحتفالات بمولد الأئمة، ولا تتوانى عمادة الكلية عن استضافة مختلف أنواع السادة المُعممين لتقديم محاضرات عن شتى المواضيع. 

في المرحلة الثانية من الكلية، ​​​​​​​​​​أعلنت رئاسة القسم عن محاضرة لأحد السادة المُعممين وشجعت على حضور الطلبة.. بيد أن أحداً لم يحضر في اليوم التالي.  

جلس السيد مع لجنته من المُحاضرين وحدهم دون جمهور مما اضطر رئيس القسم أن يأتي ​​​​للقاعة المجاورة، حيث كانت شعبة أخرى من مرحلتي تنتظر أستاذ الشعر -دائماً ما يُقاطع الشعر هنا- وأمرهم رئيس القسم ​​بالتوجه لقاعة مدينة العلم، حيث يتواجد السيد المُعمم والبقاء هناك حتى النهاية. رفض بعض الطلبة قائلين إنهم لا يُحبذون هذا النوع من المحاضرات، فهدد رئيس القسم بخصم درجات الحضور من مادة الشعر ​​-رغم أنهُ لا يُدرِّسهم ولا سلطة له على درجاتهم- إذا لم يحضروا، ولم يكتفِ بذلك، فسجل أسماء كل الحضور​​ للتأكد من بقاء الجميع.  

تقاوم الكلية كل مظاهر الاختلاف، وتشجع على اتباع نهجٍ واحد يخلق مجتمعاً من أفراد متشابهين بكل تفاصيلهم وتفاصيلهنَّ. 

العباءة ضد الحجاب..  

زميلة الدراسة التي ردّت على أستاذ الشعر بأن هذه المراسيم “تدعو للفخر”، كانت نفسها قد نصحتني في الشهر ذاته باتباع المذهب بحذافيره. “ترا مذهبنا سهل وكرّم المرة، بس احنا ما فاهمينه صح! العباية هي زينة المرة وتزيدها حشمة”. لم أفهم ما الداعي للنصيحة، خصوصاً لعشوائية التوقيت، إذ كنت أتناول فطوري ​​​​وحدي، مرتديةً قميصاً أبيض وتنورة وحجاب سوداوين، أقرب ما يمكن للحشمة التي تنصحني بها. يومها أخبرتها أنني أقدّر ما تقوله، لكنها لم تكتفِ بذلك مصّرة على تفضيلها لكل فتاة ترتدي العباءة. ما جعلني أفكر بأنها تقول لي بطريقة أو أخرى بأنه وإن كان مذهبي منذ الولادة، إلا أنني لا أشبهه ولا أعبر عنه كفاية! 

تقيم الكلية سنوياً احتفالات تشجع على ارتداء العباءة -لا الحجاب الذي لا يحتاج إلى التشجيع لقلة عدد غير المحجبات- كل عام، يُقام احتفال يتغنى ​​بـ”ذات العباءة”، أي الفتاة التي اختارت العباءة لستر نفسها وزيادة احتشامها لكونها رمزاً “للشرف” و”العفة”. تُحرِّض هذه الاحتفالات على نبذ من هنّ محجبات دون عباءة، وبالطبع، غير المحجبات.  

يغيب التنوّع عن كلية التربية للعلوم الإنسانية في البصرة، إذ توجد أقل من عشر طالبات غير محجبات في الكلية المؤلفة من سبعة أقسام ويتجاوز عدد طلبتها الأربعة آلاف. لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، ففي حال أراد أحدهم الإشارة لإحدى الطالبات غير المحجبات، يقول “السافرة”، “الما محجبة”، “أم شعر” وغيرها من الألقاب دون الإشارة إلى اسم الطالبة.. كما أن شَعر الفتاة يبيت خُسراناً لحقها بهوية شخصية.. 

على الرغم من ندرة الاستهداف المباشر، إلا أن بعض الأساتذة –رجالًا ونساءً– يعبرون عن استيائهم من الطالبات غير المحجبات والطالبات المحجبات اللواتي يظهرن مقدمة الشعر، من خلال تجاهلهن أو معاملتهن بحدة.  

أخبرتني إحدى الزميلات ذات مرة أنها تشعر بكره أستاذة لها –وهي أستاذة ترتدي العباءة– بسبب إظهار مقدمة شعرها.  

لم تكن هذه هي الزميلة الأولى أو الأخيرة التي أسمع منها الفكرة ذاتها.   

تقول ​​طالبة غير محجبة في أحد أقسام الكلية، “دكتورة المادة كالتلي أنت حلوة ومؤدبة، وجذابة، ليش ما تتحجبين؟ بعد ما رديت عليها طلعت وبجيت برة، انقهرت كلش بس صرت متعودة”. لم يكن الموقف الأول من هذا النوع الذي واجهته الطالبة التي فضلت عدم ذكر اسمها، إذ عَمِد أحد الأساتذة على ذِكر الحجاب وعفة المرأة أثناء محاضراته لتحفيزها بشكل غير مباشر على ارتداء الحجاب، وكثيراً ما أشار إليها الطلبة والأساتذة ​​على حد سواء بـ”البنية السافرة”.  

المصدر – الصفحة الرسمية لكلية التربية للعلوم الإنسانية على انستغرام 

الرقابة المشدّدة على “تفاصيل” الطالبات 

من اللافت أن التركيز على رفع المستوى الديني وإقامة مجتمع “سليم ومحافظ” يتوقف على الطالبات فقط، ​​فاللجنة الأمنية لكلية التربية تملك الحق في التعليق على ملابس كل طالبة تدخل، متجاهلة الطلبة الذكور ما داموا يحملون هوية انتماء للكلية. ​     ​فحتى نهايات 2023 -إذ غيرت العميدة الجديدة بعض القوانين- عُرِفت كلية التربية بتشددها تجاه زي الطالبات، ومنع ارتداء البناطيل منعاً باتاً، إذ قد يؤدي ذلك إلى الفصل حتى. لا يتوقف التفتيش على البوابة فحسب، فقد كان العميد السابق يطلب من أحد أعضاء اللجنة الوقوف قريباً من حمام الطالبات لمراقبة وتسجيل اسم أي طالبة تدخل ​​بالعباءة للحمام وتخرج بالبنطال. في حال رصد المراقب مثل هذه الحالة، فأنه يسجل اسم الطالبة ويطالبها بالتوقيع على تعهد ينص على عدم مخالفة القوانين مرة أخرى. إذا حدث وخالفت الفتاة التعهد مرتين، فأنها تواجه مجلس انضباط وقد ينتهي بها المطاف بالفصل! 

 تشتهر كلية التربية للعلوم الإنسانية في مجمع كرمة علي بين جميع الكليات بصعوبة ​​دخولها من طالبات باقي الكليات بسبب التقييد على زي الطالبات، فلا يحق لأي طالبة من أي كلية الدخول ما دامت لا تلتزم بالزي المطلوب، إذ تعمل اللجنة الأمنية على منع أي طالبة من الكليات الأخرى من الدخول، وتشابهها كلية التربية للعلوم الصرفة بالقوانين والتشدّد ذاته.. إذا لم يكن أسوأ. 

تغيّر الحال في بداية العام الدراسي الحالي 2023 – 2024، إذ عُينت عميدةٌ جديدةٌ للكلية، وجدت من السُخف أن يُسمح للجنة الأمنية بمثل هذه الامتيازات الغريبة، فسحبت منهم هذا الحق، وسمحت بارتداء البنطال -الواسع- داخل حرم الكلية، مع مراعاة أن يكون الزي مناسباً للحرم الجامعي.  

على الرغم من أن العميدة بنفسها سمحت بارتداء البنطال، ارتديته للمرة الأولى وأنا خائفة من الطرد والإحراج الذي قد أتعرض له عند البوابة، وبالفعل، حدث ما خشيته. في اللحظة التي اقتربت بها من بوابة الكلية، سمعت صوت أحد أعضاء الأمنية “تعالي يا بنية.. أم البنطرون!” فالتفت له، كنت أعلم أن هذا سيحدث. سألته إن كان يقصدني، فأخبرني أن أتبعه؛ لم أكن الوحيدة المعنيّة بالطلب، فقد نادى على ثلاث طالبات غيري في الوقت نفسه. سألته “أكو شي عمو؟” تفحّصني من رأسي وحتى قدميّ وأشار على بنطالي “بنطرونج ضيّق، ما تدرين ممنوع”؟  

توترت، فهذه المرة الأولى لي في “حضرة” اللجنة الأمنية خلال أعوامي الأربعة في الجامعة. 

“بنطرون قماش عمو، مو العميدة كالت عادي؟”، أجابني “أي العميدة كالت عادي بنطرون عريض، مو هيج كل تفاصيلكم طالعة!” فاجأتني كلمة “تفاصيلكم” وقتها، على الرغم من كثرة القصص التي سمعتها عن اللجنة الأمنية لبوابة الكلية، إلا أنني لم أتوقع أنها تتجاوز كل الحدود الممكنة. لم يتوقف “عمو” طبعاً، كرر “لازم بنطرون يغطي كلشي بيكم، ما نشوف منكم تفاصيل، وقميصج خليه يوصل للركبة، مو بس يغطي الفخذ!”  

مرةً أخرى، صُدمت، لكن الصدمة لم تكن الشعور الوحيد. غرابة الموقف سببت لي شعوراً فظيعاً بالتقييد؛ إذ لم يتحدث معي أحد بهذه الطريقة في حياتي، ناهيك عن رجل يُقيّم مدى تغطية “تفاصيلي” ومدى ظهورها، علمًا أن القميص كان طويلاً وفضفاضاً، أما البنطال فكان قماشياً واسعاً.. أي أن تفاصيلي مثلما يسميها عمو، كانت “مستورة” بما فيه الكفاية، ورغم علمي بأني لم أخطئ، أدرك أنني أبرر ملابسي أمام العمو الكامن في خيالي حتى أثناء كتابة هذا النصّ.  

العميد “عّم” علينا 

إلا أن الحال تغير من جديد ​​بعد فضيحة عميد كلية الحاسوب، فبدلاً من محاسبة العميد، عادت كلية التربية لتضييق الخناق على الطالبات حصراً، بإصدار أوامر تنص على عدم السماح لهن بمغادرة الكلية أثناء الدوام الرسمي، والتشديد على الزي المناسب مرة أخرى.  

حدثت الفضيحة خلال شهر آذار، الشهر الذي يطبق فيه طلاب كليات التربية في المدارس. سمعت إحدى المدرسات من كادر المدرسة وهي تخبر صديقتي –وهي مطبقة أيضاً وزميلتي في الكلية نفسها- أن سمعتنا الآن سيئة “في التراب”. استغربت صديقتي هذا التصريح، وسألتها ما الذي يسيء لسمعتنا؟ فأجابت المُدرسة: “الي سواه العميد عَم عليجن كلجن، هسه سمعة الجامعة كلها بالتراب”.  

لم تكن المدرسّة الوحيدة التي تفكر بهذه الطريقة. بل أني ولمدة من الزمن، خجلت من ذكر الجامعة التي أنتمي إليها. 

أصبحنا جميعاً –أكثر من خمسة عشر ألف طالبة- موضع شك واتهام. رأيت نظرة أصحاب التكسي أمام الكلية لي، لصديقاتي، ولكل طالبة تدخل الكلية. وجه الجميع اللوم للعميد في البداية​​، لكن سرعان ما أراد الجميع اتهام كل طالبات “الكرمة” بحصولهن على درجاتهن من خلال تقديم “التنازلات”. على الرغم من الحكم على العميد بالسجن خمسة عشر عاماً، إلا أنه لم يكن سوى القشة التي قصمت ظهر البعير، فبعد أربعة أعوام داخل جامعة البصرة – مجمع الكرمة، سئمت. أتذكر أنني ظننت أن الجامعة ستكون المكان الأول الذي أتعلم فيه كيف سأمارس حريتي كبالغة، لكن ها أنا هنا، على وشك التخرج، وما زال الجميع يمارس الوصاية علي، بوّاب الجامعة، وصاحب التكسي، واللجنة الأمنية، والأساتذة، وزميلتي التي تعتقد أن العباءة سوف تسترني. 

يبقى التساؤل، متى ينتهي هذا التشدّد تجاه الطالبات بالذات؟ أو بالأحرى، متى تنتهي وصاية المجتمع على النساء حصراً؟ هل ستغير كلية التربية للعلوم الإنسانية نهجها؟ وهل سيأتي جيل من النساء ليحقق ما لم أفعل؟ ممارسة الحرية دون أن تخضع لوصاية الجميع؟  

لا توجد إجابة واضحة لكل هذه التساؤلات. ما زالت الاحتفالات الدينية تقام حتى الآن، ويتجول السادة المعممون داخل حرم الكلية بحُرية، ما تزال توجد معركة خفية بين الحجاب والعباءة، ومع مرور الوقت يزداد تضييق الخناق على الطالبات وحريتهن داخل الكلية والجامعة. إذن، متى يُرفع الستار عن الطالبات؟ وهل سيُرفع أصلاً؟ 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media

اقرأ ايضاً

“صرت جبيرة وبالكلية.. بعد محد يكدر يتحكّم بيّه”. 

حين قُبلتُ في كلية التربية للعلوم الإنسانية، تخيلت عالماً بلا حدود أو قيود. كنت ساذجة لاعتقادي بأن الكلية هي المربع الأول للحرية. أخبرت نفسي: أنا هنا حرة! لكن سرعان ما تبخّر اعتقادي هذا مع أحلامي بأن أكون جزءاً من مجتمع متقبل للاختلاف.  

ما الذي يعنيه أن تكوني طالبة في كلية التربية للعلوم الإنسانية في جامعة البصرة؟ 

الاحتفالات الدينية داخل المؤسسات التعليمية 

كان العام 2023 عامي الأول حضورياً في الجامعة، مع أني كنتُ طالبة سنة ثالثة في حينها، بعدما حرمتنا جائحة “كورونا” من التعليم الوجاهي لمدة عامين. 

“شصاير اليوم؟” سألتُ زميلتي يومها، وقد كنت استكشف ما يحصل في حرم الجامعة. 

“إحياء استشهاد الإمام.. ترخصيلي من الدكتور.. رح اوزع مي للضيوف”. لم أفهم يومها كيف لها أن تفوّت المحاضرة لتوزيع المياه!  

لكن حين دخلت قاعة المحاضرة، فهمتُ أنها لم تكن الوحيدة في ذلك. استأذن معظم الطلبة يومها من المحاضر، وقالوا “دكتور لازم نحضر! استشهاد الإمام وتعرف..”. لم يزعج الدكتور عدد الحضور، لكن أزعجه تشرذم صوته بين أصوات المكبّرات التي كانت تذيع نعي المضيف للإمام ومدحه لتضحياته.  

في البداية، قاوم الدكتور التعليق؛ أراد أن يُكمل المحاضرة دون أن يعلق على الموضوع، لكنه لم يستطع في النهاية إذ لم نكن قادرين على سماع أي شيء من محاضرته، مطالبين إياه أكثر من مرة أن يُعيد ما قاله عن القصيدة الرومانسية التي يتحدث فيها الشاعر عن حبيبته.  

“يعني هو أحنا إذا نحتفل بكل مناسبة لجماعة.. لازم نحتفل بمناسبات كل الجماعات.. لو أنا غلطان؟”. عّم الصمت القاعة للحظة، إذ ندر أن يُعلق أحد من الكادر التدريسي على مثل هذه الظواهر؛ ففي كلية تتميز بطابعها المذهبي الواضح، لا يجرؤ أحدهم على الاحتجاج. 

لم يتوقف المحاضر، بل أردف “هاي مؤسسة تعليمية! المفروض كل مظاهر الاحتفال والعزاء تكون خارج حدودها لأنها مؤسسة حيادية..”. 

أثارت هذه الجملة زميلة لنا ترتدي العباءة، “دكتور هذا شي يدعو للفخر، أنو كليتنا تحيي هيج مراسيم مهمة! هذا الإمام! وبالنسبة لغير مذاهب.. همة ما عندهم احتفالات”.   

فكرت مرةً أخرى أن الجو مشحون والجدال قد ينفجر في أي لحظة، لكن الدكتور ضحك بلُطف قائلاً “بالمناسبة، آني سيد.. بس مثلما كلتلكم.. هاي كلية مو حسينية”، ثم عاد ​​لقصيدته الرومانسية، The Solitary Reaper، حيث يتغنى الشاعر بفتاة سمعها تغني في الحقول الخضراء وحمل صوتها معه في قلبه في كل مكان، مُحاولاً أن يُكمل الشرح قبل أن تعلو “أويلي عليك مولاي!” ثانية.  

لم يكن هذا العزاء الأول ولا الأخير.  

​​​​​تشتهر كليات عديدة في أرجاء العراق، منها كلية التربية للعلوم الإنسانية في جامعة البصرة بإقامة هذا النوع من العزاءات، والاحتفالات بمولد الأئمة، ولا تتوانى عمادة الكلية عن استضافة مختلف أنواع السادة المُعممين لتقديم محاضرات عن شتى المواضيع. 

في المرحلة الثانية من الكلية، ​​​​​​​​​​أعلنت رئاسة القسم عن محاضرة لأحد السادة المُعممين وشجعت على حضور الطلبة.. بيد أن أحداً لم يحضر في اليوم التالي.  

جلس السيد مع لجنته من المُحاضرين وحدهم دون جمهور مما اضطر رئيس القسم أن يأتي ​​​​للقاعة المجاورة، حيث كانت شعبة أخرى من مرحلتي تنتظر أستاذ الشعر -دائماً ما يُقاطع الشعر هنا- وأمرهم رئيس القسم ​​بالتوجه لقاعة مدينة العلم، حيث يتواجد السيد المُعمم والبقاء هناك حتى النهاية. رفض بعض الطلبة قائلين إنهم لا يُحبذون هذا النوع من المحاضرات، فهدد رئيس القسم بخصم درجات الحضور من مادة الشعر ​​-رغم أنهُ لا يُدرِّسهم ولا سلطة له على درجاتهم- إذا لم يحضروا، ولم يكتفِ بذلك، فسجل أسماء كل الحضور​​ للتأكد من بقاء الجميع.  

تقاوم الكلية كل مظاهر الاختلاف، وتشجع على اتباع نهجٍ واحد يخلق مجتمعاً من أفراد متشابهين بكل تفاصيلهم وتفاصيلهنَّ. 

العباءة ضد الحجاب..  

زميلة الدراسة التي ردّت على أستاذ الشعر بأن هذه المراسيم “تدعو للفخر”، كانت نفسها قد نصحتني في الشهر ذاته باتباع المذهب بحذافيره. “ترا مذهبنا سهل وكرّم المرة، بس احنا ما فاهمينه صح! العباية هي زينة المرة وتزيدها حشمة”. لم أفهم ما الداعي للنصيحة، خصوصاً لعشوائية التوقيت، إذ كنت أتناول فطوري ​​​​وحدي، مرتديةً قميصاً أبيض وتنورة وحجاب سوداوين، أقرب ما يمكن للحشمة التي تنصحني بها. يومها أخبرتها أنني أقدّر ما تقوله، لكنها لم تكتفِ بذلك مصّرة على تفضيلها لكل فتاة ترتدي العباءة. ما جعلني أفكر بأنها تقول لي بطريقة أو أخرى بأنه وإن كان مذهبي منذ الولادة، إلا أنني لا أشبهه ولا أعبر عنه كفاية! 

تقيم الكلية سنوياً احتفالات تشجع على ارتداء العباءة -لا الحجاب الذي لا يحتاج إلى التشجيع لقلة عدد غير المحجبات- كل عام، يُقام احتفال يتغنى ​​بـ”ذات العباءة”، أي الفتاة التي اختارت العباءة لستر نفسها وزيادة احتشامها لكونها رمزاً “للشرف” و”العفة”. تُحرِّض هذه الاحتفالات على نبذ من هنّ محجبات دون عباءة، وبالطبع، غير المحجبات.  

يغيب التنوّع عن كلية التربية للعلوم الإنسانية في البصرة، إذ توجد أقل من عشر طالبات غير محجبات في الكلية المؤلفة من سبعة أقسام ويتجاوز عدد طلبتها الأربعة آلاف. لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، ففي حال أراد أحدهم الإشارة لإحدى الطالبات غير المحجبات، يقول “السافرة”، “الما محجبة”، “أم شعر” وغيرها من الألقاب دون الإشارة إلى اسم الطالبة.. كما أن شَعر الفتاة يبيت خُسراناً لحقها بهوية شخصية.. 

على الرغم من ندرة الاستهداف المباشر، إلا أن بعض الأساتذة –رجالًا ونساءً– يعبرون عن استيائهم من الطالبات غير المحجبات والطالبات المحجبات اللواتي يظهرن مقدمة الشعر، من خلال تجاهلهن أو معاملتهن بحدة.  

أخبرتني إحدى الزميلات ذات مرة أنها تشعر بكره أستاذة لها –وهي أستاذة ترتدي العباءة– بسبب إظهار مقدمة شعرها.  

لم تكن هذه هي الزميلة الأولى أو الأخيرة التي أسمع منها الفكرة ذاتها.   

تقول ​​طالبة غير محجبة في أحد أقسام الكلية، “دكتورة المادة كالتلي أنت حلوة ومؤدبة، وجذابة، ليش ما تتحجبين؟ بعد ما رديت عليها طلعت وبجيت برة، انقهرت كلش بس صرت متعودة”. لم يكن الموقف الأول من هذا النوع الذي واجهته الطالبة التي فضلت عدم ذكر اسمها، إذ عَمِد أحد الأساتذة على ذِكر الحجاب وعفة المرأة أثناء محاضراته لتحفيزها بشكل غير مباشر على ارتداء الحجاب، وكثيراً ما أشار إليها الطلبة والأساتذة ​​على حد سواء بـ”البنية السافرة”.  

المصدر – الصفحة الرسمية لكلية التربية للعلوم الإنسانية على انستغرام 

الرقابة المشدّدة على “تفاصيل” الطالبات 

من اللافت أن التركيز على رفع المستوى الديني وإقامة مجتمع “سليم ومحافظ” يتوقف على الطالبات فقط، ​​فاللجنة الأمنية لكلية التربية تملك الحق في التعليق على ملابس كل طالبة تدخل، متجاهلة الطلبة الذكور ما داموا يحملون هوية انتماء للكلية. ​     ​فحتى نهايات 2023 -إذ غيرت العميدة الجديدة بعض القوانين- عُرِفت كلية التربية بتشددها تجاه زي الطالبات، ومنع ارتداء البناطيل منعاً باتاً، إذ قد يؤدي ذلك إلى الفصل حتى. لا يتوقف التفتيش على البوابة فحسب، فقد كان العميد السابق يطلب من أحد أعضاء اللجنة الوقوف قريباً من حمام الطالبات لمراقبة وتسجيل اسم أي طالبة تدخل ​​بالعباءة للحمام وتخرج بالبنطال. في حال رصد المراقب مثل هذه الحالة، فأنه يسجل اسم الطالبة ويطالبها بالتوقيع على تعهد ينص على عدم مخالفة القوانين مرة أخرى. إذا حدث وخالفت الفتاة التعهد مرتين، فأنها تواجه مجلس انضباط وقد ينتهي بها المطاف بالفصل! 

 تشتهر كلية التربية للعلوم الإنسانية في مجمع كرمة علي بين جميع الكليات بصعوبة ​​دخولها من طالبات باقي الكليات بسبب التقييد على زي الطالبات، فلا يحق لأي طالبة من أي كلية الدخول ما دامت لا تلتزم بالزي المطلوب، إذ تعمل اللجنة الأمنية على منع أي طالبة من الكليات الأخرى من الدخول، وتشابهها كلية التربية للعلوم الصرفة بالقوانين والتشدّد ذاته.. إذا لم يكن أسوأ. 

تغيّر الحال في بداية العام الدراسي الحالي 2023 – 2024، إذ عُينت عميدةٌ جديدةٌ للكلية، وجدت من السُخف أن يُسمح للجنة الأمنية بمثل هذه الامتيازات الغريبة، فسحبت منهم هذا الحق، وسمحت بارتداء البنطال -الواسع- داخل حرم الكلية، مع مراعاة أن يكون الزي مناسباً للحرم الجامعي.  

على الرغم من أن العميدة بنفسها سمحت بارتداء البنطال، ارتديته للمرة الأولى وأنا خائفة من الطرد والإحراج الذي قد أتعرض له عند البوابة، وبالفعل، حدث ما خشيته. في اللحظة التي اقتربت بها من بوابة الكلية، سمعت صوت أحد أعضاء الأمنية “تعالي يا بنية.. أم البنطرون!” فالتفت له، كنت أعلم أن هذا سيحدث. سألته إن كان يقصدني، فأخبرني أن أتبعه؛ لم أكن الوحيدة المعنيّة بالطلب، فقد نادى على ثلاث طالبات غيري في الوقت نفسه. سألته “أكو شي عمو؟” تفحّصني من رأسي وحتى قدميّ وأشار على بنطالي “بنطرونج ضيّق، ما تدرين ممنوع”؟  

توترت، فهذه المرة الأولى لي في “حضرة” اللجنة الأمنية خلال أعوامي الأربعة في الجامعة. 

“بنطرون قماش عمو، مو العميدة كالت عادي؟”، أجابني “أي العميدة كالت عادي بنطرون عريض، مو هيج كل تفاصيلكم طالعة!” فاجأتني كلمة “تفاصيلكم” وقتها، على الرغم من كثرة القصص التي سمعتها عن اللجنة الأمنية لبوابة الكلية، إلا أنني لم أتوقع أنها تتجاوز كل الحدود الممكنة. لم يتوقف “عمو” طبعاً، كرر “لازم بنطرون يغطي كلشي بيكم، ما نشوف منكم تفاصيل، وقميصج خليه يوصل للركبة، مو بس يغطي الفخذ!”  

مرةً أخرى، صُدمت، لكن الصدمة لم تكن الشعور الوحيد. غرابة الموقف سببت لي شعوراً فظيعاً بالتقييد؛ إذ لم يتحدث معي أحد بهذه الطريقة في حياتي، ناهيك عن رجل يُقيّم مدى تغطية “تفاصيلي” ومدى ظهورها، علمًا أن القميص كان طويلاً وفضفاضاً، أما البنطال فكان قماشياً واسعاً.. أي أن تفاصيلي مثلما يسميها عمو، كانت “مستورة” بما فيه الكفاية، ورغم علمي بأني لم أخطئ، أدرك أنني أبرر ملابسي أمام العمو الكامن في خيالي حتى أثناء كتابة هذا النصّ.  

العميد “عّم” علينا 

إلا أن الحال تغير من جديد ​​بعد فضيحة عميد كلية الحاسوب، فبدلاً من محاسبة العميد، عادت كلية التربية لتضييق الخناق على الطالبات حصراً، بإصدار أوامر تنص على عدم السماح لهن بمغادرة الكلية أثناء الدوام الرسمي، والتشديد على الزي المناسب مرة أخرى.  

حدثت الفضيحة خلال شهر آذار، الشهر الذي يطبق فيه طلاب كليات التربية في المدارس. سمعت إحدى المدرسات من كادر المدرسة وهي تخبر صديقتي –وهي مطبقة أيضاً وزميلتي في الكلية نفسها- أن سمعتنا الآن سيئة “في التراب”. استغربت صديقتي هذا التصريح، وسألتها ما الذي يسيء لسمعتنا؟ فأجابت المُدرسة: “الي سواه العميد عَم عليجن كلجن، هسه سمعة الجامعة كلها بالتراب”.  

لم تكن المدرسّة الوحيدة التي تفكر بهذه الطريقة. بل أني ولمدة من الزمن، خجلت من ذكر الجامعة التي أنتمي إليها. 

أصبحنا جميعاً –أكثر من خمسة عشر ألف طالبة- موضع شك واتهام. رأيت نظرة أصحاب التكسي أمام الكلية لي، لصديقاتي، ولكل طالبة تدخل الكلية. وجه الجميع اللوم للعميد في البداية​​، لكن سرعان ما أراد الجميع اتهام كل طالبات “الكرمة” بحصولهن على درجاتهن من خلال تقديم “التنازلات”. على الرغم من الحكم على العميد بالسجن خمسة عشر عاماً، إلا أنه لم يكن سوى القشة التي قصمت ظهر البعير، فبعد أربعة أعوام داخل جامعة البصرة – مجمع الكرمة، سئمت. أتذكر أنني ظننت أن الجامعة ستكون المكان الأول الذي أتعلم فيه كيف سأمارس حريتي كبالغة، لكن ها أنا هنا، على وشك التخرج، وما زال الجميع يمارس الوصاية علي، بوّاب الجامعة، وصاحب التكسي، واللجنة الأمنية، والأساتذة، وزميلتي التي تعتقد أن العباءة سوف تسترني. 

يبقى التساؤل، متى ينتهي هذا التشدّد تجاه الطالبات بالذات؟ أو بالأحرى، متى تنتهي وصاية المجتمع على النساء حصراً؟ هل ستغير كلية التربية للعلوم الإنسانية نهجها؟ وهل سيأتي جيل من النساء ليحقق ما لم أفعل؟ ممارسة الحرية دون أن تخضع لوصاية الجميع؟  

لا توجد إجابة واضحة لكل هذه التساؤلات. ما زالت الاحتفالات الدينية تقام حتى الآن، ويتجول السادة المعممون داخل حرم الكلية بحُرية، ما تزال توجد معركة خفية بين الحجاب والعباءة، ومع مرور الوقت يزداد تضييق الخناق على الطالبات وحريتهن داخل الكلية والجامعة. إذن، متى يُرفع الستار عن الطالبات؟ وهل سيُرفع أصلاً؟