“البرتقالة” كما لم تأكلها من قبل.. الأغنية التي علمتني “الهچع”

لم تكن "البرتقالة" أغنيةً فقط، بل ظاهرة أثارت جدلاً مبكراً حول الرقص والغناء والموسيقى والألوان. لم أدرك ذلك وأنا طفلة، كنتُ فقط أتسمّر أمام التلفاز كلما ظهرت، مأخوذةً بموسيقاها وألوانها ورقصها اللافت. وبعد كل هذه السنوات، ما زالت الأغنية تسكن ذاكرتي بوصفها أول ما دلّني على "الهچع" رقصاً وموسيقى.

إسراء الشيخإسراء الشيخ | 4 حزيران 2026

لم يخطر على بال طفلة في العاشرة من عمرها، تجلس في غرفة صغيرة شرقيّ سوريا عام 2004، أنّ الأغنية التي تسمّرها أمام التلفاز الآن تحمل في خفّتها وألوانها وحركاتها الراقصة كل هذا الموروث العراقي، الجمالي والاجتماعي، وكل ذلك الجدل الذي لم يزل. 

“البرتقالة”، فاكهة صارت أغنية، وأغنية تحوّلت إلى ظاهرة أو “ثقافة”، أثرها ما يزال ممتداً مثل وتر في آلة الزمن العراقي، كنت أستمع إليها وأشاهدها مراراً بالدهشة نفسها. 

طفلة كلّما سمعت ورأت “البرتقالة” شعرت بالقرب؛ قرب لا تشكّله الجغرافيا وحدها، وإنما ذلك الإيقاع الراقص الذي بدا مختلفاً عمّا اعتادت سماعه في بيئتها السورية، ومختلفاً حتى عن الأغاني العراقية التي كانت تعبر خارج الحدود من خلال أثير الدولة الرسمي وفضاءاتها المسموحة. 

لم أفهم يومها لماذا أسَرَتني الأغنية، هل كان ذلك بسبب الراقصة/البرتقالة نفسها؟ التي استأذنت والدها لكي يسمح لها بالانضمام إلى مجموعة من الفتيات اللاتي يرقصن، وبعد أن سمح لها خطفت الأجواء والأضواء في ذلك “الكليب” المليء بالألوان والرقص والغناء. 

هل أسرني الحضور الأنثوي الطاغي على “الكليب”؟ أم شعرها الأسود الكثيف الذي يتحرك ويتمايل مثل راية ليل؟ أم أنّ السرّ كان في ذلك الإيقاع السريع الذي لم أعرف له اسماً آنذاك؟  

“من علّمك رقص الهچع؟” 

سنوات طويلة مرّت قبل أن يظهر لي الجواب صدفة عبر مقطع على يوتيوب لكاظم الساهر وهو يشرح لمذيعة شابّة لوناً موسيقياً عراقياً اسمه “الهچع”، ثم شرع في غناء هذا اللون لها، كان كمن يرفع الستار عن شيء مخبوء في الذاكرة. 

“البرتقالة” لم تكن مجرد أغنية “ترند” بلغة اليوم، لقد كانت زلزالاً بصرياً وصوتياً، هزّ الصحافة والوسط الفني العربي، وحوّل النقاش النقدي الفني إلى حالة من الجدل، بين من يدافع عنها وعن ألوان الفنون الشعبية، وبين من اعتبرها إهانة للغناء العراقي، مثل سعدون جابر، الذي كان قاسياً على الأغنية والمغني و”الفيديو كليب”. 

اليوم، وبتفكيك تلك الذاكرة، ذاكرة الطفلة ابنة العاشرة، أدرك أن ما سمعته لم يكن مجرد “استعراض” عربي، بل كان صدى بعيداً لإيقاع “الهچع” العراقي، ذلك الإيقاع الذي تسلل من خيام الغجر، ليحتل شاشات الفضائيات العربية، معلناً عن أسلوب جديد في “تقديم الفاكهة والجسد”، ومخفياً خلف صخبه وجماله تراجيديا قاسية لم تتكشف تفاصيلها إلا بعد سنوات، على الأقل بالنسبة لتلك الطفلة. 

قبل 2003، كانت الأغنية العراقية أسيرة الذائقة الرسمية، ولجان الفحص التي مالت إلى الشجن والتعبئة الوطنية، وكانت وزارة الإعلام تملك سلطة مطلقة عبر “لجنة فحص النصوص”، حتى الكبار من فناني العراق عانوا من هذه القيود. 

من قصص هذا المناخ ما يرويه إبراهيم الزبيدي، الشاعر والصحفي والصديق القديم لصدام حسين، عندما عيّنه محمد سعيد الصحّاف رئيساً لقسم الموسيقى والغناء رغم أنه لا يعرف الموسيقى، لإحراجه فقط وسط صراع شرس بين جماعات الغناء البغدادي والجنوبي، بحسب وصف الزبيدي لتلك الأيام. 

أول خطوة اتخذها كانت تشكيل لجانٍ لفحص النصوص والمواهب، لكن اللجنة -التي كانت برئاسة الشاعر حسين مردان- أعادت ملفاً كاملاً من عشرات الأغاني وكتبت عليه: “لا يصلح للإذاعة”. وحين طالبه الزبيدي بإجازة ما يمكن إنقاذه منحهم ثلاثة نصوص فقط، وثلاث قصائد لنزار قباني ونازك الملائكة والعباس بن الأحنف، ثم قدّم استقالته من رئاسة اللجنة. 

في التسعينيات، حاول عدي صدام حسين كسر الجمود عبر قناة الشباب، التي سمحت بنوع من الأغاني الخفيفة لمنافسة القنوات العربية، لكنها بقيت خاضعة لرقابة المزاج الشخصي لابن الرئيس، ولم تتمتع بحرية حقيقية. 

مع سقوط بغداد، اختفت فجأة لجنة فحص النصوص، وصار بإمكان أي شخص يملك ميكروفوناً وجهاز تسجيل أن يصنع أغنية ويطرحها في السوق التي تعمها الفوضى. 

تشير دراسات إلى أن العراق بعد 2003 تحول من الاعتماد على خمس صحف وقناتين حكوميتين (جمهورية العراق وتلفزيون الشباب)، إلى إصدار مئات الصحف وإطلاق عشرات القنوات الفضائية، مما خلق فضاءات جديدة سمحت بظهور ما كان ممنوعاً ومحرّماً في السابق. 

في تلك الفترة كذلك، وبسبب الوضع الأمني بعد الاحتلال، تحولت دبي إلى حاضنة بديلة، وهناك قرر علاء سعد، العائد من انقطاع فني، أن يُحدث صدمة، فكانت أغنية “البرتقالة”. 

أراد سعد أن يعوض ما فاته، بحسب حواراته الصحفية، ولم يكن يبحث عن أغنية ناجحة وحسب، بل عن عمل يقلب الموازين. هكذا ولدت “البرتقالة” في استوديوهات دبي، بألوان فاقعة وإضاءة ساطعة، كسرت رمادية الحصار وسوداوية الحرب، لكن الصدمة الحقيقية لم تكن في الألوان، بل في الإيقاع والجسد. 

رقصة الهجع، مصدر الصورة: فاتسلاف كوبيتسا في بحث أعد لحوليات متحف نابرستك في مدينة براغ.

الإيقاع الذي حرّك مشاعر تلك الطفلة كان “الهچع”، إيقاع راقص يختلف عن بقية الفنون العراقية. في الموسيقى الغجرية لم يكن الهچع يُعزف بالآلات الوترية الكلاسيكية المألوفة، بل بآلة “الربابة” المصنوعة يدوياً من صفيحة زيت معدنية، يسميها العراقيون “التنكة”، والخشبة طبلة من الجلد. 

في بحث ثمين ضمن ملف عن موسيقى الغجر، أُعدّ خصيصاً لحوليات متحف نابرستك في مدينة براغ يقول الباحث التشيكي فاتسلاف كوبيتسا: “إن مؤدي رقصة الهچع أكثر حرية بكثير في تطوير خيالهم الموسيقي مقارنة بمؤدي الأشكال المماثلة في الموسيقى العربية”. 

كوبيتسا يفسر ذلك بأن طول الجمل اللحنية في رقصة الهچع يتغير باستمرار، واللحن يتم تعديله بشكل دائم، كما أن التناوب بين الجمل الصوتية والآلاتية غير منتظم، والهچع يمتلك نمطاً إيقاعياً خاصاً يميزه عن بقية الأنماط في العراق، وهو إيقاع لا يبقى ثابتاً، بل يثريه عازفو الإيقاع ويغيرونه وفق ذوقهم وقدرتهم في خلق الموسيقى. 

موسيقى الغجر في العراق، المصدر: فاتسلاف كوبيتسا في بحث أعد لحوليات متحف نابرستك في مدينة براغ.

الهچع هو فعل وجودي حر، هكذا يراه كوبيتسا، فالمؤدي يمتلك حرية مطلقة في الخيال الموسيقي، يكسر القواعد، ويغير طول الجمل اللحنية بشكل غير منتظم، متمرداً على صرامة المقام العراقي التقليدي. 

كذلك آليات عزف الهچع عند الغجر، وتحديداً “الربابة”، لم تكن تُصنع من الخشب والجلد كما في بقية مناطق العراق، بل يستخدمون علبة زيت معدنية فارغة (تنكة) كصندوق صوتي، والتفسير هنا ليس الفقر فقط، بل الهندسة الصوتية؛ فالعزف في الخلاء والبادية يحتاج إلى ترددات صوتية عالية وصاخبة ذات طابع معدني لتصل إلى الجمهور، وهو ما لا يوفره الخشب. 

“البرتقالة” كانت حالة من تلك الحرية التي تحدث عنها كوبيتسا، ومحاولة لاستعادة ذلك الصخب “غير المهذب”، الذي يرفض قوالب المدينة، حتى لو مرَّ من خلال استوديوهات دبي، وليس عبر تنكة زيت فارغة في صحاري العراق أو سهوله أو جباله. 

لقد قام علاء سعد وفريقه بعملية تجديد لهذا التراث الريفي، وتحويله إلى مادة للرقص الصاخب، متخلِّين عن الشجن الجنوبي الذي ميز ألحان رواد الريف مثل مسعود العمارتلي وداخل حسن وكثيرين. 

الجذور  

“من علّمك رگص الهچع؟” تغني ساجدة عبيد هذا الشطر، وتفتح باباً واسعاً للتساؤل عن جذور هذا الرقص. الهِچع، أو رقصة الألم كما يسميها البعض، قد تكون أقدم بآلاف السنين من “البرتقالة”. إنها تشبه إلى حد مثير الطقوس السومرية القديمة لاستدعاء الخصب، كما يتردد صداها وتأويلها في سرديات التاريخ الأثري، ذلك التلويح بالشعر الداكن الطويل وركل الأرض بصورة متكررة ليس مجرد استعراض، بل نداء لينبت الزرع ويحل الخصب. 

في العصر الحديث، تحولت الرقصة المنفردة إلى أيقونة، راقصة تتوسط الجموع وتلوّح بشعرها، كما فعلت الفنانة “ملايين” في مسرحية “العالم في ليلة”، وكما فعلت راقصات “البرتقالة”. إنها حالة في ذروتها تشبه “الجذب الصوفي” أو “الدروشة”، يُقال: “فلان شاخ” أو “تدروش”، عندما يصل إلى حالة روحية سامية. لكن في سياق أغنية “البرتقالة” انتُزع هذا الطقس من جذوره الروحية والدينية ووُضع في سياق الفن والغناء والثقافة الشعبية. 

هذه القابلية للتحول في أنماط التراث في زمن ما بعد الحرب وحزب البعث هي ما لم تستوعبه النخبة حينها وأثار غضبهم، مثل الفنان سعدون جابر الذي رأى في الأغنية تشويهاً للتراث، وانتقاده هذا جاء بعد ثلاث سنين لم تتسع للنقاش والجدل حول “البرتقالة”، جابر، الذي ينسب النسخة الأصلية من “البرتقالة” للفنان مسعود العمارتلي، يرى أن نسخة علاء سعد “أعيد غناؤها وإخراجها بشكل ساقط أضر بسمعة المرأة العراقية وأساء لها وأراد من قدمها أن يروجها عن طريق رقصات الفتيات العاريات”، ويرى أنه كان من المفروض “ألا تظهر الأغنية بهذا الشكل”. 

الناقد الموسيقي علي عبد الأمير عجام انتقد الأغنية في كتابه “رقصة الفستان الأحمر الأخيرة”، واعتبرها أغنية تعتمد على “وفرة الأجساد الراقصة لتغطية تهافتها الفني”. 

لكن المفارقة تكمن في أن هذا الفن المحرَّم اجتماعياً كان يمارَس في الخفاء من قبل رموز السلطة أنفسهم قبل 2003، وحتى بعدها، ويتداول العراقيون مقاطع مصورة لعلي حسن المجيد، وزير الدفاع الأسبق، وهو يرقص ويسهر في خيام الغجر. 

كان الهچع موجوداً دائماً، لكن “البرتقالة” أخرجته من العتمة إلى الضوء الساطع، مزيلة عنه هالة “التابو” السياسي والاجتماعي والطبقي. 

عن هذا النقد يقول علاء سعد، في حوار أجراه في سنة إنتاج الأغنية، إن اختيار اسم الفاكهة لوصف المحبوبة كان مقصوداً لخلق التميز ومفاجأة الجمهور، وهو ما نجح في جذب الأنظار.  

ثقافة البرتقالة 

في أواخر 2004، سنة إنتاج الأغنية، كتبت جريدة الدستور الأردنية أنه “في عمان كما بعض العواصم العربية انتشرت البرتقالة مع موضة ارتداء اللون البرتقالي لهذا العام، وأصبحت إحدى الفقرات الثابتة في النوادي والملاهي الليلية والفنادق، حيث يحرص مؤدو ومؤديات الفقرات الغنائية على تقديمها مع الرقص بالأجساد الضخمة كما في الأغنية”. 

الدستور عدت تلك الظاهرة “انقلاباً في صورة المرأة في الفيديو كليب، بعد الاعتياد عليها رشيقة خفيفة الوزن لتتناسب مع حالة الحب التي تعيشها؛ حرمان، عذاب، فراق”. 

بالنسبة لعلاء سعد فإن الانتشار الواسع للأغنية سببه إنتاجها الخاص المتقن، وتعطش الجمهور العربي حينها لرؤية وسماع الهوية العراقية إيقاعاً وصورة، التي غابت عن الشاشات منذ زمن، كما يرى أن العمل أعاد الأغنية العراقية للمنافسة بقوة. 

هذه المنافسة التي تحدث عنها سعد أيقظت شهية السوق الغنائية لما صار يعرف في الوسط الفني بـ”ثقافة البرتقالة”، حيث بات البحث عن الإبهار البصري والحضور الأنثوي الطاغي هدفاً تسويقياً لشركات الإنتاج. 

حتى علاء سعد نفسه حاول استنساخ التجربة بأغنية “التفاحة”، وهذا التحول الجريء من “الموال” إلى “الإيقاع الراقص” هو الذي فتح الطريق لاحقاً لجيل جديد من المغنين العراقيين بين عامي 2008 – 2014، ثم الأجيال اللاحقة، لكي يُنتِجوا الأغنية الراقصة، لا الحزينة. 

“معلّقة وتزهين” 

اليوم، بعد رحيل علاء سعد المبكر والمأساوي في 2012، وبعد مرور أكثر من عقدين على تلك “الظاهرة”، أعود لأستمع إلى الأغنية، لم تعد مجرد إيقاع يشد انتباه طفلة سورية، لقد أصبحت وثيقة تاريخية، وثيقة تحكي قصة بلد كان يحاول الفرح رغم الحروب، وقصة نساء رقصن من أجل الحياة فواجهن القسوة والعنف، وقصة تراث موسيقي (الهچع) تمكّن من البقاء والانتقال من الطقوس في سومر إلى خيام الغجر ورحلاتهم، من أجل العيش من مهنة الغناء، وصولاً إلى شاشاتنا الرقمية. 

وكما يقول مطلع الأغنية: “معلّگة وتزهين”، بقيت “البرتقالة” معلقة في الذاكرة، تزهو وتلمع، ليس لجودتها الفنية بالضرورة، فهي أغنية أُسيء نقدها فنياً أكثر مما أُسيء إنتاجها، وإنما لأنها كانت في لحظة ما الصوت الوحيد المسموع وسط ضجيج المدافع والرصاص، والجسد الذي تجرأ على الفرح في زمن الحداد. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

كاتبة من سوريا