عندما كتبت جداتنا التقارير 

إيهاب شغيدل

11 أيار 2024

الجدات لسن "مجرّد عجائز مسببات للمشاكل"، إذ قد يتحولن إلى أدوات وسيطة عن الرجال، يفحصن أو "يكتبن التقارير" عن نساء مثلهن..

للجدّات العراقيات مهارات في الحياة لا يمتلكها غيرهنّ بحكم خبراتهن وما توالى عليهن من شدائد ابتدعن الحيل الكثيرة للتعاطي معها. 

هنّ لسنَ “مجرّد عجائز غير مفيدات ومسببات للمشاكل”، مثلما يشيع بين كثر من مجتمعنا. 

كل وتخصصها.  

هناك الطبيبات والمهندسات، والمعلّمات ورائدات أعمال، والموظفات. هناك جدّات لديهن من الخبرة والمهارة ما يجعلهن متخصصات في الطبخ في مناسبات كبيرة كالأفراح والمآتم. وهناك جدّات “نائحات” متخصصات بالصراخ واللطم في المآتم، “خوش يلاكن” وصفٌ تُعرف به “النائحات” اللاتي لديه الخبرة في النعي والبكاء ويمتلكن أصواتاً جميلة. 

وهناك نوع نادر من الجدات اللاتي يصبحن قائدات في رحلة الذهاب إلى الأماكن المقدسة، مثل كربلاء والنجف وسامراء، وهناك الجدات الحكواتيات، المتخصصات في تذكر وسرد تاريخ العائلة والقبيلة، “في زمن الانكليز كان جدك يعمل فلاحاً (..) الخ”. 

باختلاف الطبائع والأعراف والبيئة، يمكن أن تجد جدات مختصات في الزراعة، وأخريات لديهن مهارة في الحصاد، وهناك الخبيرات في أمراض الأطفال، اللاتي يصبحن طبيب الطفل في سنواته الأولى. 

تخصصات ذكورية 

لا نهائية مهارة الجدات تمتد أيضاً إلى “خبرات” مسّت ببنات جلدتهن، حين تحولن إلى أدوات وسيطة عن الرجال يفحصن أو “يكتبن التقارير” عن عروس محتملة في زواجات تقليدية. 

من منّا لم يشاهد جدته وهي تتفحص عروس أحد أحفادها أو أبنائها؟ وهي تقلّب شابّة كما لو أنّها تتفحص حبة طماطم، وبحيلة لا تفعلها سوى الجدّة.. تُمسك بصدر العروس “المقصودة” مدعيةً عدم القصد، تطلب منها بلطف وحيويّة أن تأتي بكأس ماء، حتى تنظر وتراقب مشية تلك العروس، هل تشكو شيئاً في قدميها؟ تبالغ كثيراً في تقبيلها، لتتأكد أنّ العروس نظيفة وتعتني بنفسها ورائحتها طيبة، لا تكفّ عن محاولات الحديث معها، لكي تفحص صوتها وسلامة النطق، تُمسك بذراعها تارة، وبخصرها تارة، أو أيَّ مكان في الجسد تكون فيه اللمسة غير مثيرة للشك، تنظر إلى كلّ التفاصيل، ولا يغيب عن ذهنها شيء، حدَّ أن تطلب من العروس -أحياناً- ارتداء ملابس خفيفة، حتى ترى الجدة أدق تفاصيل الجسد. 

جدات، “بيبيات” و”حبوبات”، عاينَّ العروس بوصفها هدفاً قابلاً للقياس وفق معايير صارمة منها أن تكون “نادرة، أم بيت، معدلة”، إلى جانب معايير جمالية، من الوزن إلى الطول إلى ملامح الوجه وحتى الصوت وغيرها من التفاصيل، حتى تعطى الضوء الأخضر للارتباط بها.  

بعيداً عن التعميم، هذه الحكاية من النوع الشعبي المتناقل، الذي لا تتوفر حوله بيانات أو أرقام، حيث أمهاتنا اللواتي عشن هذه “المعاينات” تروينها لنا لقوتها ولشدة ما علق في بالهن منها بعد مضي سنين صرنَّ فيها جدات هن أنفسهن.  

العروس لمياء تحت مجهر أم سمير  

كانت لمياء قد بلغت التاسعة عشرة حين دخلت منزل أهلها امرأةٌ متقدمة في العمر بالتزامن مع دخول ضوء العصر من النوافذ. جاءت “أمُّ سمير” للتعارف.. في لقاء أول للخطبة.  

بدت الجدة أم سمير غريبة الأطوار بالنسبة للمياء. تطرح أسئلة مدرسية ساذجة مثل كم عدد أرجل الدجاجة؟ كيف يُطبخ التمّن؟ ولمياء -العروس المستهدفة- تُجيب وهي “تضحك في سرها”.   

“المي يمها وطلبت اجيب الها مرة ثانية، حتى تختبر مشيتي”.  

سألتها أُم سمير عن أولاد أخيها لتعرف إذا ما كانت تعتني بهم جيداً، ثم حاولت التحقق من لون شفتيها، هل هو طبيعي أم وضعت أحمر الشفاه!  

كانت لمياء، بحسب ما تصف نفسها، طفلة تقريباً، لم تفهم غالبية هذه التفاصيل ولم تعرف كنه هذه الأسئلة. لكنها نجحت في النهاية في الاختبار الذي أعدته أُم سمير لها.    

إذ اكتشفت لمياء أنّ أم سمير، وهي جدة من سيصبح زوجها، امرأة في غاية الذكاء بل والدهاء، فكل سؤال كانت توجهه كان يخفي شيئاً في نفسها تريد التأكد منه. بيد أن لمياء رغم صغر سنّها وقلة تجربتها عرفت أيضاً من هي أم سمير وكيف تكون شخصيتها، وسرعان ما فهمت أنها كانت تخضع لاختبار عقلي وشخصي.  

بعد موافقة العائلتين، تزوجت لمياء من عريسها بعد مراسم خطبة وزفاف بسيطين بسبب الحصار آنذاك في التسعينيات.  

تتذكر لمياء كيف أن الجدة أمّ سمير افتخرت ذات مرة باختيارها مؤكدة “آني اختاريتج وآني ما اختار غلط”.   

كلام الجدة يدلّ على أنّها عدّت نفسها امرأة ذات خبرة في معاينة النساء قبل الزواج، وفي زمانها ذلك احترم الجميع رأيها بشأن عروس لتزويجها بأحد من عائلتها أو حتى الجيران والأقارب الذين استعانوا بها “لكشف ما تخفيه عائلة العروس”، فعُرفت بأنها كانت سبباً في زواج عشرات الرجال والنساء، بل وظلت تلعب هذا الدور حتى قبل وفاتها بسنتين، فقد اختارت عروساً لأكبر أحفادها بطريقتها.   

تستذكر لمياء كل هذا، وتقول “أغلب البنات في هذا الوقت ما راح يحبون هذا النوع من الاختبارات.. وبعضهم يرفض ان تكون في هذا الاختبار.. لكن وقت زواجي قبل 30 سنة، كانت الحياة تختلف، وكان فحص المرأة خصوصا بالزواج التقليدي امر طبيعي ولا يمكن رفضه”.  

ومع ذلك ما زالت تستغرب “كيف قبلت أمي أن تضعني بهذا الموقف مع أم سمير، وهي تدقق في حالتي الذهنية والشخصية وصحتي الجسدية!”  

أما بالنسبة لأمّي يبقى اختبار العقل والنضج هو التحدي الأكبر عند الجدّات الفاحصات، ما إن ينتهي اختبار النسب والعائلة، والجسد والنظافة، والندرة، والشطارة في إدارة المنزل، تلجأ الجدّات لاختبار عقل ووعي العروس المحتمل، ويحصل ذلك عادة عبر طرح أسئلة مباغتة وسريعة، كأن يطلبن إيضاح لون الستائر أو غيرها.  

العائلة كلها وليس العروس فقط 

لا تختبر العروس وحدها، فالعائلة أيضاً تكون قيد الاختبار. إذ يُروى أن إحدى الجدات وضعت تحت “البساط” بقايا الموز الذي قُدّم لها ضيافة، دون أن يشعر بها أحد، وقالت لعائلة العروس المرشّحة، “سوف أزوركم الأسبوع القادم” وفي الزيارة التالية جلست في نفس المكان الذي وضعت فيه بقايا الموز، فمدت أصابعها فوجدت القشور وقد تحوّلت إلى اللون الأسود، فقررت عدم “التناسب” مع هذه العائلة، بالنسبة لها بقاء القشور طوال أسبوع تحت البساط “دليل دامغ على أن هذه العائلة لا تهتم بنظافة المنزل”.  

مثلما للرجال والنساء طقوسهم في التعارف، لدى الجدّات طقوسهن الخاصة في التعارف أيضاً، فأول ما تود معرفته الجدّة عن عائلة عروس المستقبل هو النَسَب، من أيّ عشيرة تنحدر الفتاة، ومن أيّ منطقة، ثَمّةَ مناطق ومدن غير مرغوبة بنظرهنّ.  

الجدّات الجنوبيات مثلاً لديهنّ مخاوف من بعض المناطق، والبغداديات أيضاً، وهكذا، في الغالب لديهنّ صور انطباعية، معاييرهنّ لا تتزحزح، ومن ضمن تلك المعايير، يجب أن يتأكدن من أن عروس المستقبل لا توجد حولها إشارات سلبية فيما يخص الشرف، وهذا لا يشمل العروس فحسب، بل ينسحب إلى عماتها وخالاتها وذلك انطلاقاً من قاعدة “العرق دساس”.  

جدّاتي من جنوب العراق، لديهنّ في الغالب تصورات ترتبط بالزراعة والريف والقرى، وانطلاقاً من أن “الماء الراكد من الممكن أن يفسد بسبب قطرة واحدة غير طاهرة” لا يتنازلن عن قاعدة ربط الفتاة بكل من حولها من النساء، وعمل بحث وتقصّي من أجل التأكد من محيطها.  

خلاف ذلك تجرّب الجدّات الحِيَل والخطط الكثيرة لكشف -كما يعتقدن- معدن العروس المحتملة وأهلها، كأن تعطي للفتاة نقوداً وإن أخذتها بفرح ولهفة تعتبرها انتهازية ومادية وغير صالحة للزواج، أو بقصدية عالية تنسى الجدة نقودها أو محبسها الذهب في منزل العروس المحتملة، وتنتظر، فإن أُعيد المفقود فهذا يعني أنها عائلة أمينة وتستحق “التناسب” وإذا لم يعد المفقود فهو فخ ابتلعته العائلة، ولن تتم عملية الزواج.  

إحدى الجدّات دخلت منزل العائلة التي تتسم بالأخلاق والذوق الرفيع والسمعة الحسنة، لكنّ الجدة الخبيرة من خلال “دراسة دقيقة وانتباه لا مثيل له” شاهدت ثَمّةَ صراخ مستمر لأطفال المنزل، فعادت إلى حفيدها ولديها مؤشر سلبي أن هذه العائلة “ما تعرف تربّي” أي لا تُحسن التعامل مع الأطفال، ولا تعرف كيفية التنشئة الجيدة، لم يأخذ الحفيد بالوصيّة، وتزوج الفتاة المقصودة خلافاً لتقرير الجدّة النهائي، وبعد سنوات صار لديهما أطفال، لكن وكلّما بكى أحدهم أو حصل له سوء، تصرخ الجدّة، “مو كتلك ما تعرف تربّي”. 

لكن في أي وفد ثمة أيضاً وسيطة، صفتها الرئيسية أنها تتسم بحب الخير و”جمع راسين بالحلال” وهناك من يكرّسن حياتهنّ لهذه المهمة، فتصنع علاقات، وتشبك مع عوائل عديدة، من أجل أن تتم عمليات الزواج.  

لماذا إذن كل هذه المعاينة؟ 

تبدأ عملية الزواج التقليدي من التعارف بين عائلتين، أو بناءً على توصية تأتي من المعارف، ثم ترغب عائلة الرجل بالتقرّب من عائلة المرأة عبر الزواج المنشود، بعد أن تجتاز عائلة المرأة العتبة الأولى “للتناسب” والتي هي “الأخلاق” و”الشرف” وغيرها من المعايير الاجتماعية. 

بحكم أنه زواج تقليدي، لم يلتق فيه الرجل بالمرأة التي سيتزوجها، فثَمّةَ عملية اختبارٍ ما، تمرَّ من خلالها المرأة المرشّحة للزواج، حتى توافق -من جهتها- عائلة الرجل على الانتقال إلى المرحلة الرسمية الحاسمة، وهذا الاختبار يتعلّق بمواصفات المرأة ومدى جمالها ومقاييس جسدها، وتفاصيل أخرى ستنقل إلى الرجل “المستعد للزواج” بكلّ أمانة، لكي يذهب ويرى زوجته المستقبلية للمرة الأولى في حياته، ومرحلة الاختبار هذه عادة تجريها النساء في عائلة المتقدم للخطوبة.  

يحدث أن يذهب وفد منهنّ يتشكل بالعادة بناء على مدى قرب النساء من “العريس”، أمّه وأخته وجدته، وعادة يرافق الوفد امرأة متقدمة في العمر، تكون هي “الخبيرة” في معاينة العروس. تتبادل النساء إشارات لتلميحات تفهمنها فيما بينهن، فحين يُقدّم الشاي، يمكن أن تلمّح الخبيرة بالقول إنّ “الجاي طيب” وهي تقصد أنّ العروس جيدة وصالحة، أما “الجاي مُر” فإشارة إلى شيء ما خطأ، وهي إشارات، تحدد بوفقها أم العريس ما إذا ستكون هناك لقاءات أخرى. 

وفيما يخص الجسد، لديهنَّ توصيفات إيجابية لا تنتهي للجميلة، منها على سبيل المثال، “جنّها شَطُب ريحان، وجهها كيمر، سنونها تلالي، جنّها خيزرانة”. ولديهنَّ أيضاً توصيفات سلبية للمظهر الخارجي للعروس، “مدمدة” و”جك نداف” وهو وصف للقصيرة.  

عندما ذهبت أم داود لاختيار عروس، يُحكى أنها دخلت معها في غرفة خاصة، لفحص كافة تفاصيل جسدها، ومن معايير الوصف التي أطلقتها حينها على تلك المرأة، أن “شعرها كثيف، وطيزها كبيرة، وشعرها نازل لطيزها، وإنها ليست شكرة” والشكرة هي المرأة التي يخلو جسدها من التضاريس، فليس ثمة بروز في صدرها ولا في مؤخرتها.  

المفزع في هذا كله، أن أم داود أو من يشبهنها، يمكن أن تصم امرأة بسبب ندبة، أو حركة لا إرادية تقوم بها العروس المرشحة.  

كما قد تتبدل المصائر في لحظة واحدة حيث تغير الجدات رأيهن ومسار الزواج، حين يدخلن لمنزل العروس، قد يلمحن أختها، أو بنت أختها، أو أيَّ شابة فيها مواصفات أفضل من العروس المتفق عليها سلفاً، وتتغير النيّة، وهذا يعتمد بالغالب على عنصر الجمال. 

مع ذلك لدى الجدّات حكمة راسخة تنقلها أمي، “المرأة مثل البطيخة لا يمكن معرفة معدنها إلا بعد شقها بالسكين”، وهذا حسب الجدّات يعتمد على عامل الحظ الخاص بالرجل الذي سيتزوج وعائلته، “فإن كانت عائلة جيدة ستكون قسمتهم جيدة” هذا ما يؤمنَّ به.  

جداتنا ونحن 

ربما ما زالت بعض القرى والمدن والعوائل تحافظ على هذا النوع من “اختبار الجدّات” في إتمام عملية الزواج حتى يومنا هذا، بالذات أن الزواج التقليدي ما زال قائماً، لكن مع تغيّر الحياة وتقدمها بدأت هذه العادة بالانحسار وشحّت مثل حكايا التراث. وربما لم يتبق من “الجدّات الفاحصات” الكثير، ربما سيطمر الزمن حكاياتهنّ وممارساتهن، سواء اتفقنا أو اختلفنا معهن، لكنّ هذه العملية كانت تجري ولزمن طويل عند أجيال كثيرة نحن امتدادها الآن، وتذكرنا قصصهنّ بطريقة عيشهنّ، بمعاييرهنّ التي تنتمي إلى زمان كنّ يمثلنهُ، ولكن هذا يجعلنا نفكر، نحن أبناء وبنات اليوم، هل فعلاً كانت معايير وانقضت أم أننا بتنا نمارسها بأشكال وصور مختلفة في معاينتنا لبعض على السوشيال ميديا كما في الشارع؟ 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media

اقرأ ايضاً

للجدّات العراقيات مهارات في الحياة لا يمتلكها غيرهنّ بحكم خبراتهن وما توالى عليهن من شدائد ابتدعن الحيل الكثيرة للتعاطي معها. 

هنّ لسنَ “مجرّد عجائز غير مفيدات ومسببات للمشاكل”، مثلما يشيع بين كثر من مجتمعنا. 

كل وتخصصها.  

هناك الطبيبات والمهندسات، والمعلّمات ورائدات أعمال، والموظفات. هناك جدّات لديهن من الخبرة والمهارة ما يجعلهن متخصصات في الطبخ في مناسبات كبيرة كالأفراح والمآتم. وهناك جدّات “نائحات” متخصصات بالصراخ واللطم في المآتم، “خوش يلاكن” وصفٌ تُعرف به “النائحات” اللاتي لديه الخبرة في النعي والبكاء ويمتلكن أصواتاً جميلة. 

وهناك نوع نادر من الجدات اللاتي يصبحن قائدات في رحلة الذهاب إلى الأماكن المقدسة، مثل كربلاء والنجف وسامراء، وهناك الجدات الحكواتيات، المتخصصات في تذكر وسرد تاريخ العائلة والقبيلة، “في زمن الانكليز كان جدك يعمل فلاحاً (..) الخ”. 

باختلاف الطبائع والأعراف والبيئة، يمكن أن تجد جدات مختصات في الزراعة، وأخريات لديهن مهارة في الحصاد، وهناك الخبيرات في أمراض الأطفال، اللاتي يصبحن طبيب الطفل في سنواته الأولى. 

تخصصات ذكورية 

لا نهائية مهارة الجدات تمتد أيضاً إلى “خبرات” مسّت ببنات جلدتهن، حين تحولن إلى أدوات وسيطة عن الرجال يفحصن أو “يكتبن التقارير” عن عروس محتملة في زواجات تقليدية. 

من منّا لم يشاهد جدته وهي تتفحص عروس أحد أحفادها أو أبنائها؟ وهي تقلّب شابّة كما لو أنّها تتفحص حبة طماطم، وبحيلة لا تفعلها سوى الجدّة.. تُمسك بصدر العروس “المقصودة” مدعيةً عدم القصد، تطلب منها بلطف وحيويّة أن تأتي بكأس ماء، حتى تنظر وتراقب مشية تلك العروس، هل تشكو شيئاً في قدميها؟ تبالغ كثيراً في تقبيلها، لتتأكد أنّ العروس نظيفة وتعتني بنفسها ورائحتها طيبة، لا تكفّ عن محاولات الحديث معها، لكي تفحص صوتها وسلامة النطق، تُمسك بذراعها تارة، وبخصرها تارة، أو أيَّ مكان في الجسد تكون فيه اللمسة غير مثيرة للشك، تنظر إلى كلّ التفاصيل، ولا يغيب عن ذهنها شيء، حدَّ أن تطلب من العروس -أحياناً- ارتداء ملابس خفيفة، حتى ترى الجدة أدق تفاصيل الجسد. 

جدات، “بيبيات” و”حبوبات”، عاينَّ العروس بوصفها هدفاً قابلاً للقياس وفق معايير صارمة منها أن تكون “نادرة، أم بيت، معدلة”، إلى جانب معايير جمالية، من الوزن إلى الطول إلى ملامح الوجه وحتى الصوت وغيرها من التفاصيل، حتى تعطى الضوء الأخضر للارتباط بها.  

بعيداً عن التعميم، هذه الحكاية من النوع الشعبي المتناقل، الذي لا تتوفر حوله بيانات أو أرقام، حيث أمهاتنا اللواتي عشن هذه “المعاينات” تروينها لنا لقوتها ولشدة ما علق في بالهن منها بعد مضي سنين صرنَّ فيها جدات هن أنفسهن.  

العروس لمياء تحت مجهر أم سمير  

كانت لمياء قد بلغت التاسعة عشرة حين دخلت منزل أهلها امرأةٌ متقدمة في العمر بالتزامن مع دخول ضوء العصر من النوافذ. جاءت “أمُّ سمير” للتعارف.. في لقاء أول للخطبة.  

بدت الجدة أم سمير غريبة الأطوار بالنسبة للمياء. تطرح أسئلة مدرسية ساذجة مثل كم عدد أرجل الدجاجة؟ كيف يُطبخ التمّن؟ ولمياء -العروس المستهدفة- تُجيب وهي “تضحك في سرها”.   

“المي يمها وطلبت اجيب الها مرة ثانية، حتى تختبر مشيتي”.  

سألتها أُم سمير عن أولاد أخيها لتعرف إذا ما كانت تعتني بهم جيداً، ثم حاولت التحقق من لون شفتيها، هل هو طبيعي أم وضعت أحمر الشفاه!  

كانت لمياء، بحسب ما تصف نفسها، طفلة تقريباً، لم تفهم غالبية هذه التفاصيل ولم تعرف كنه هذه الأسئلة. لكنها نجحت في النهاية في الاختبار الذي أعدته أُم سمير لها.    

إذ اكتشفت لمياء أنّ أم سمير، وهي جدة من سيصبح زوجها، امرأة في غاية الذكاء بل والدهاء، فكل سؤال كانت توجهه كان يخفي شيئاً في نفسها تريد التأكد منه. بيد أن لمياء رغم صغر سنّها وقلة تجربتها عرفت أيضاً من هي أم سمير وكيف تكون شخصيتها، وسرعان ما فهمت أنها كانت تخضع لاختبار عقلي وشخصي.  

بعد موافقة العائلتين، تزوجت لمياء من عريسها بعد مراسم خطبة وزفاف بسيطين بسبب الحصار آنذاك في التسعينيات.  

تتذكر لمياء كيف أن الجدة أمّ سمير افتخرت ذات مرة باختيارها مؤكدة “آني اختاريتج وآني ما اختار غلط”.   

كلام الجدة يدلّ على أنّها عدّت نفسها امرأة ذات خبرة في معاينة النساء قبل الزواج، وفي زمانها ذلك احترم الجميع رأيها بشأن عروس لتزويجها بأحد من عائلتها أو حتى الجيران والأقارب الذين استعانوا بها “لكشف ما تخفيه عائلة العروس”، فعُرفت بأنها كانت سبباً في زواج عشرات الرجال والنساء، بل وظلت تلعب هذا الدور حتى قبل وفاتها بسنتين، فقد اختارت عروساً لأكبر أحفادها بطريقتها.   

تستذكر لمياء كل هذا، وتقول “أغلب البنات في هذا الوقت ما راح يحبون هذا النوع من الاختبارات.. وبعضهم يرفض ان تكون في هذا الاختبار.. لكن وقت زواجي قبل 30 سنة، كانت الحياة تختلف، وكان فحص المرأة خصوصا بالزواج التقليدي امر طبيعي ولا يمكن رفضه”.  

ومع ذلك ما زالت تستغرب “كيف قبلت أمي أن تضعني بهذا الموقف مع أم سمير، وهي تدقق في حالتي الذهنية والشخصية وصحتي الجسدية!”  

أما بالنسبة لأمّي يبقى اختبار العقل والنضج هو التحدي الأكبر عند الجدّات الفاحصات، ما إن ينتهي اختبار النسب والعائلة، والجسد والنظافة، والندرة، والشطارة في إدارة المنزل، تلجأ الجدّات لاختبار عقل ووعي العروس المحتمل، ويحصل ذلك عادة عبر طرح أسئلة مباغتة وسريعة، كأن يطلبن إيضاح لون الستائر أو غيرها.  

العائلة كلها وليس العروس فقط 

لا تختبر العروس وحدها، فالعائلة أيضاً تكون قيد الاختبار. إذ يُروى أن إحدى الجدات وضعت تحت “البساط” بقايا الموز الذي قُدّم لها ضيافة، دون أن يشعر بها أحد، وقالت لعائلة العروس المرشّحة، “سوف أزوركم الأسبوع القادم” وفي الزيارة التالية جلست في نفس المكان الذي وضعت فيه بقايا الموز، فمدت أصابعها فوجدت القشور وقد تحوّلت إلى اللون الأسود، فقررت عدم “التناسب” مع هذه العائلة، بالنسبة لها بقاء القشور طوال أسبوع تحت البساط “دليل دامغ على أن هذه العائلة لا تهتم بنظافة المنزل”.  

مثلما للرجال والنساء طقوسهم في التعارف، لدى الجدّات طقوسهن الخاصة في التعارف أيضاً، فأول ما تود معرفته الجدّة عن عائلة عروس المستقبل هو النَسَب، من أيّ عشيرة تنحدر الفتاة، ومن أيّ منطقة، ثَمّةَ مناطق ومدن غير مرغوبة بنظرهنّ.  

الجدّات الجنوبيات مثلاً لديهنّ مخاوف من بعض المناطق، والبغداديات أيضاً، وهكذا، في الغالب لديهنّ صور انطباعية، معاييرهنّ لا تتزحزح، ومن ضمن تلك المعايير، يجب أن يتأكدن من أن عروس المستقبل لا توجد حولها إشارات سلبية فيما يخص الشرف، وهذا لا يشمل العروس فحسب، بل ينسحب إلى عماتها وخالاتها وذلك انطلاقاً من قاعدة “العرق دساس”.  

جدّاتي من جنوب العراق، لديهنّ في الغالب تصورات ترتبط بالزراعة والريف والقرى، وانطلاقاً من أن “الماء الراكد من الممكن أن يفسد بسبب قطرة واحدة غير طاهرة” لا يتنازلن عن قاعدة ربط الفتاة بكل من حولها من النساء، وعمل بحث وتقصّي من أجل التأكد من محيطها.  

خلاف ذلك تجرّب الجدّات الحِيَل والخطط الكثيرة لكشف -كما يعتقدن- معدن العروس المحتملة وأهلها، كأن تعطي للفتاة نقوداً وإن أخذتها بفرح ولهفة تعتبرها انتهازية ومادية وغير صالحة للزواج، أو بقصدية عالية تنسى الجدة نقودها أو محبسها الذهب في منزل العروس المحتملة، وتنتظر، فإن أُعيد المفقود فهذا يعني أنها عائلة أمينة وتستحق “التناسب” وإذا لم يعد المفقود فهو فخ ابتلعته العائلة، ولن تتم عملية الزواج.  

إحدى الجدّات دخلت منزل العائلة التي تتسم بالأخلاق والذوق الرفيع والسمعة الحسنة، لكنّ الجدة الخبيرة من خلال “دراسة دقيقة وانتباه لا مثيل له” شاهدت ثَمّةَ صراخ مستمر لأطفال المنزل، فعادت إلى حفيدها ولديها مؤشر سلبي أن هذه العائلة “ما تعرف تربّي” أي لا تُحسن التعامل مع الأطفال، ولا تعرف كيفية التنشئة الجيدة، لم يأخذ الحفيد بالوصيّة، وتزوج الفتاة المقصودة خلافاً لتقرير الجدّة النهائي، وبعد سنوات صار لديهما أطفال، لكن وكلّما بكى أحدهم أو حصل له سوء، تصرخ الجدّة، “مو كتلك ما تعرف تربّي”. 

لكن في أي وفد ثمة أيضاً وسيطة، صفتها الرئيسية أنها تتسم بحب الخير و”جمع راسين بالحلال” وهناك من يكرّسن حياتهنّ لهذه المهمة، فتصنع علاقات، وتشبك مع عوائل عديدة، من أجل أن تتم عمليات الزواج.  

لماذا إذن كل هذه المعاينة؟ 

تبدأ عملية الزواج التقليدي من التعارف بين عائلتين، أو بناءً على توصية تأتي من المعارف، ثم ترغب عائلة الرجل بالتقرّب من عائلة المرأة عبر الزواج المنشود، بعد أن تجتاز عائلة المرأة العتبة الأولى “للتناسب” والتي هي “الأخلاق” و”الشرف” وغيرها من المعايير الاجتماعية. 

بحكم أنه زواج تقليدي، لم يلتق فيه الرجل بالمرأة التي سيتزوجها، فثَمّةَ عملية اختبارٍ ما، تمرَّ من خلالها المرأة المرشّحة للزواج، حتى توافق -من جهتها- عائلة الرجل على الانتقال إلى المرحلة الرسمية الحاسمة، وهذا الاختبار يتعلّق بمواصفات المرأة ومدى جمالها ومقاييس جسدها، وتفاصيل أخرى ستنقل إلى الرجل “المستعد للزواج” بكلّ أمانة، لكي يذهب ويرى زوجته المستقبلية للمرة الأولى في حياته، ومرحلة الاختبار هذه عادة تجريها النساء في عائلة المتقدم للخطوبة.  

يحدث أن يذهب وفد منهنّ يتشكل بالعادة بناء على مدى قرب النساء من “العريس”، أمّه وأخته وجدته، وعادة يرافق الوفد امرأة متقدمة في العمر، تكون هي “الخبيرة” في معاينة العروس. تتبادل النساء إشارات لتلميحات تفهمنها فيما بينهن، فحين يُقدّم الشاي، يمكن أن تلمّح الخبيرة بالقول إنّ “الجاي طيب” وهي تقصد أنّ العروس جيدة وصالحة، أما “الجاي مُر” فإشارة إلى شيء ما خطأ، وهي إشارات، تحدد بوفقها أم العريس ما إذا ستكون هناك لقاءات أخرى. 

وفيما يخص الجسد، لديهنَّ توصيفات إيجابية لا تنتهي للجميلة، منها على سبيل المثال، “جنّها شَطُب ريحان، وجهها كيمر، سنونها تلالي، جنّها خيزرانة”. ولديهنَّ أيضاً توصيفات سلبية للمظهر الخارجي للعروس، “مدمدة” و”جك نداف” وهو وصف للقصيرة.  

عندما ذهبت أم داود لاختيار عروس، يُحكى أنها دخلت معها في غرفة خاصة، لفحص كافة تفاصيل جسدها، ومن معايير الوصف التي أطلقتها حينها على تلك المرأة، أن “شعرها كثيف، وطيزها كبيرة، وشعرها نازل لطيزها، وإنها ليست شكرة” والشكرة هي المرأة التي يخلو جسدها من التضاريس، فليس ثمة بروز في صدرها ولا في مؤخرتها.  

المفزع في هذا كله، أن أم داود أو من يشبهنها، يمكن أن تصم امرأة بسبب ندبة، أو حركة لا إرادية تقوم بها العروس المرشحة.  

كما قد تتبدل المصائر في لحظة واحدة حيث تغير الجدات رأيهن ومسار الزواج، حين يدخلن لمنزل العروس، قد يلمحن أختها، أو بنت أختها، أو أيَّ شابة فيها مواصفات أفضل من العروس المتفق عليها سلفاً، وتتغير النيّة، وهذا يعتمد بالغالب على عنصر الجمال. 

مع ذلك لدى الجدّات حكمة راسخة تنقلها أمي، “المرأة مثل البطيخة لا يمكن معرفة معدنها إلا بعد شقها بالسكين”، وهذا حسب الجدّات يعتمد على عامل الحظ الخاص بالرجل الذي سيتزوج وعائلته، “فإن كانت عائلة جيدة ستكون قسمتهم جيدة” هذا ما يؤمنَّ به.  

جداتنا ونحن 

ربما ما زالت بعض القرى والمدن والعوائل تحافظ على هذا النوع من “اختبار الجدّات” في إتمام عملية الزواج حتى يومنا هذا، بالذات أن الزواج التقليدي ما زال قائماً، لكن مع تغيّر الحياة وتقدمها بدأت هذه العادة بالانحسار وشحّت مثل حكايا التراث. وربما لم يتبق من “الجدّات الفاحصات” الكثير، ربما سيطمر الزمن حكاياتهنّ وممارساتهن، سواء اتفقنا أو اختلفنا معهن، لكنّ هذه العملية كانت تجري ولزمن طويل عند أجيال كثيرة نحن امتدادها الآن، وتذكرنا قصصهنّ بطريقة عيشهنّ، بمعاييرهنّ التي تنتمي إلى زمان كنّ يمثلنهُ، ولكن هذا يجعلنا نفكر، نحن أبناء وبنات اليوم، هل فعلاً كانت معايير وانقضت أم أننا بتنا نمارسها بأشكال وصور مختلفة في معاينتنا لبعض على السوشيال ميديا كما في الشارع؟