"التصويت بالثاني"..  عراقيون لا يصلون إلى صناديق الاقتراع 

حسن الناصري

01 كانون الأول 2023

أجرينا مقابلاتٍ مع 12 منظمة معنيّة بشؤون ذوي الإعاقة في العراق، وثمانية أشخاص من ذوي الإعاقة الحركية والبصرية، تعذّرت مشاركتهم في انتخابات 2021، أجمعوا أن هناك تقصيرا حكوميا لتهوين مشاركتهم بالاقتراع طوال عقدين.. لكن هل يتكرّر الأمر في الانتخابات المحلية؟

لأيامٍ قبل الانتخابات البرلمانية التي جرت في 10 تشرين الأول 2021 ومحمد العجيلي يمنّي نفسه بالمشاركة فيها، والتصويت لمن يعتقد بجدارته من المرشحين. 

في الساعة السابعة من صبيحة 9 تشرين الأول، موعد التصويت الخاص بالعسكريين، نهض العجيلي من سريره، ارتدى بدلته السوداء، وتوجه مسرعاً بمركبته إلى مركز الاقتراع السري في مبنى مدرسة الصمود للبنات في منطقة الزعفرانية جنوب شرقي بغداد.  

ما أن وصل العجيلي الذي يستخدم كرسياً متحركاً منذ 16 عاماً إلى مركز الاقتراع الذي يبعد عن منزله قرابة 18كم، حتى أبلغه موظفو المركز بوجود اسمه ضمن سجلات الناخبين في الطابق الثاني للمدرسة، فلم يجد حينها خياراً غير العودة إلى البيت. 

العجيلي (43 عاماً) كان يعمل موظفاً في وزارة التربية، قبل أن يلتحق بصفوف الجيش بمركز تطوع جنوبي بغداد عام 2007ـ لكن المركز تعرض لهجوم إرهابي أصيب العجيلي على أثره بشلل سفلي أجلسه على كرسي متحرك. يومها كان العراق يتعرض إلى اقتتال طائفي وهجمات شبه يومية بعجلات مفخخة وأحزمة ناسفة تقوم بها جماعات دينية متشددة، وخلّفت هذه الأزمات أشخاصاً كُثراً من فاقدي الأطراف أو البصر أو السمع، أو أشكال أخرى من الأضرار الجسدية. 

تصويت بالطابق الثاني 

يبدي العجيلي استياءه من إجراء الانتخابات في مبانٍ مدرسية ذات طوابق متعددة بسلالم عمودية تخلو من المصاعد. 

تحُول المراكز الانتخابية غير الميسرة التي تستخدمها مفوضية الانتخابات دون إدلاء بعض المعاقين بأصواتهم مثل ما حدث مع العجيلي. يوثق التحقيق المعوقات التي تواجه ذوي الإعاقة في المشاركة السياسية بالرغم من تعهدات وتأكيدات المسؤولين بتسهيل مشاركتهم.  

أجرى معد التحقيق مقابلات مع 12 منظمة معنية بشؤون ذوي الإعاقة في العراق، وثمانية أشخاص من ذوي الإعاقة الحركية والبصرية، تعذرت مشاركتهم في انتخابات 2021، أجمعوا أن هناك تقصيرا حكوميا لتهوين مشاركتهم بالاقتراع طوال عقدين. 

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تعذر فيها وصول الشاب البغدادي إلى محطات الاقتراع، ما خلا مشاركته الوحيدة قبل إصابته بالتصويت في انتخابات 2005، فقد ظل طوال ثلاث دورات انتخابية سابقة يتحين الفرص للمشاركة فيها.  

يقول العجيلي إنه يصطدم بصعوبة التصويت، وينتقد عدم إيفاء الحكومات العراقية المتعاقبة بالتزاماتها باتفاقية الأمم المتحدة لحقوق ذوي الإعاقة والتي وقع عليها العراق في 2013.  

المادة 29 من الاتفاقية تلزم الدول الموقعة بضمان الحقوق السياسية للأشخاص ذوي الإعاقة “وفرصة التمتـع بهـا علـى قـدم المـساواة مـع الآخـرين”. وتحدّد الاتفاقية أن على الدول كفالة الحق في أن يصوتوا ويُنتخبوا وتتضمن ضمان أن “تكـون إجـراءات التصويت ومرافقه ومواده مناسبة وميسرة وسهلة الفهم والاستعمال”.  

معاناة العجيلي، تتشابه مع آلاء حسيب النعيمي ذات الخمسين ربيعاً والتي فشلت هي الأخرى بالمشاركة في الانتخابات للسنوات السابقة بسبب إعاقتها الحركية. تمكنت النعيمي عام 2021 من الوصول لمركز الاقتراع بمنطقة الصالحية وسط بغداد، لتجد اسمها في محطة الاقتراع بالطابق الثاني للمدرسة.  

“عشت إحساساً بالحسرة عندما كنت أشاهد الناس تدلي بأصواتها، بينما أعجز عن الإدلاء بصوتي لعدم وجود وسائل ميسرة لذوي الإعاقة في مراكز الاقتراع”، تقول النعيمي.  

غياب نظام برايل 

يؤشر رئيس تجمع المعاقين في العراق موفق الخفاجي أن المعوقات التي أضعفت مشاركة ذوي الإعاقة في الانتخابات تتضمن عدم طباعة أوراق الاقتراع وفق لغة برايل (طريقة كتابة ليلية تمكن المكفوفين من القراءة من خلال اللمس) وعدم توفر مترجمي لغة إشارة للصم والبكم في مراكز الاقتراع. 

وينتقد الخفاجي، الذي كان مرشحاً في انتخابات 2014 البرلمانية، “تقصير مفوضية الانتخابات في تدريب بعض موظفيها على أبجديات الإشارة في التعامل مع الصم والبكم”. كما يفند الخفاجي ادعاءات المفوضية بتخصيص ثلاثة موظفين في المراكز الانتخابية لمساعدة ذوي الإعاقة الحركية.  

موظفون في مكاتب مفوضية الانتخابات بمحافظات مختلفة، طلبوا عدم الكشف عن هويتهم خشية من العقوبات الإدارية، أكدوا عدم تلقيهم أية إرشادات أو تعليمات رسمية لتيسير مشاركة ذوي الإعاقة بالتصويت. “ما نفعله هو عدم جعلهم ينتظرون في طابور الناخبين”، يقول أحدهم.   

يتفق سرور يوسف، مسؤول جمعية المكفوفين في البصرة، على أن مراكز الاقتراع لا تتضمن تسهيلات ضرورية لمشاركة المكفوفين. 

يبرّر عضو الفريق الإعلامي لمفوضية الانتخابات عماد جليل، عدم طباعة ورقة الاقتراع وفق برايل بـ”عدم توفر الأموال الكافية لتزويد 55 ألف محطة بهذه الأوراق”.  

ويقول جليل، إن عدد المراكز في انتخابات 2021 بلغ 8273 مركزاً. “إذا تم تعيين مترجم إشارة في كل مركز بأجر يبلغ 250 ألف دينار عراقي (150 دولارا أمريكيا)، فإن الكلفة ستكون عالية جداً”.  

بعد 8 أشهر من انتهاء الانتخابات البرلمانية عام 2021 شكلت مفوضية الانتخابات فريقاً متخصصاً لتمكين ذوي الإعاقة بالمشاركة في العملية الانتخابية وتقديم الدعم اللازم، خطوة تأتي بعد عشرين عاماً من إسقاط حكومة صدام حسين في نيسان 2003.  

شارك العراقيون في التصويت بخمس دورات برلمانية جرى تنظيمها بعد الاحتلال الأمريكي للعراق. يقول رئيس جمعية أصدقاء ذوي الإعاقة في بابل حسين الكرعاوي، إن مشاركة ذوي الإعاقة كانت محدودة وصعبة على الكثيرين. ووصف التصويت في الانتخابات والمشاركة بالعملية السياسية بالصراع المستمر منذ 2003.  

إحصائيات متضاربة 

أعداد ذوي الإعاقة في العراق غير معروفة حالياً، لكنها تعدت المليون وثلاثمائة ألف عام  2016 حسب إحصائية الجهاز المركزي للإحصاء في وزارة التخطيط.  

هناك خلاف حول أعدادهم اليوم. إحصائيات منظمات حقوق ذوي الإعاقة تشير إلى أن العدد ارتفع أربعة ملايين من 42 مليون نسمة، وهو عدد سكان العراق وفقاً للجهاز المركزي للإحصاء لعام 2022. لكن المتحدث باسم التخطيط عبد الزهرة الهنداوي يقدّر أن العدد أقرب إلى مليوني شخص.  

كما أن هناك أكثر من 25 ألف مصاب مدني وعسكري منهم من تمت إضافته إلى قوائم ذوي الإعاقة في العراق، وفقاً لإحصائية سجلتها مفوضية حقوق الإنسان خلال الاحتجاجات التي اندلعت مطلع تشرين الأول 2019 في عدد من المدن العراقية احتجاجاً على الفساد والبطالة وأطاحت بحكومة رئيس مجلس الوزراء الأسبق عادل عبد المهدي.  

وسجلت مفوضية الانتخابات خلال الانتخابات الأخيرة، 60 ألف شخص من ذوي الإعاقة ضمن ما يعرف بالنظام البايومتري (عملية تسجيل بيانات الناخب وجمعها إلكترونياً) وفقاً لرئيسة فريق تمكين ذوي الإعاقة في المفوضية أحلام الجابري. 

المفوضية حصلت على تلك الإحصائيات من خلال وضع حقل في التسجيل البايومتري يحدد إن كان الشخص من ذوي الإعاقة ونوع إعاقته، تقول الجابري.  

إصرار بعدم التقصير  

بعد مراقبتها لـ(83) دائرة انتخابية في جميع محافظات العراق سنة 2021، تكشف شبكة شمس المتخصصة بمراقبة الانتخابات بتقرير لها صعوبة تنقل ووصول الأشخاص ذوي الإعاقة إلى محطات الاقتراع بسبب استخدام المباني المدرسية مراكز للانتخاب، فيما تصر مفوضية الانتخابات عبر الجابري، على أنها “وزعت الناخبين من ذوي الإعاقة على محطات اقتراع في الطوابق الأرضية، ودربت موظفاً خاصاً في كل محطة على استخدام لغة الإشارة، ليتمكن من تسهيل تصويت الصم والبكم”.  

لكن ثمانية أشخاص من ذوي الإعاقة من مناطق مختلفة، أكدوا صعوبة وصولهم إلى محطات الاقتراع والمشاركة بالتصويت بسبب وجودها في الطابق العلوي دون توفر مصاعد.   

ويقول عماد جليل، عضو الفريق الإعلامي بالمفوضية، إن مؤسسته كلفت ثلاثة موظفين في كل مركز انتخابي لمساعدة ذوي الإعاقة الحركية بالصعود إلى الطابق العلوي للتصويت، في حال كانت صناديق الاقتراع موضوعة فيه.  

“لم أشاهد وجود هؤلاء الموظفين وأن تواجدوا سأرفض مساعدتهم”، تقول آلاء حسيب التي تتساءل “كيف أعرف وجودهم دون أن يخبروني أو يعرفوا عن أنفسهم”. “لماذا لا يضعون المحطات بالطابق الأرضي، رفع الكرسي إلى الأعلى جريمة وانتهاك بحق ذوي الإعاقة”، يقول موفق الخفاجي.   

كما سمحت المفوضية للمكفوفين، بحسب جميل باصطحاب مساعد يقدم لهم إرشادات بشأن كيفية الانتخاب، ويدلهم على الأسماء التي يريدون اختيارها.  

ويضيف المسؤول الحكومي، “من لم يصطحب مساعدًا فالمخول الوحيد بمساعدته بالتصويت هو مدير المحطة وتحت إشراف المراقبين الانتخابيين”.  

لكن ما يعرف بالتصويت المساعد الذي اعتمدته المفوضية في تسهيل مشاركة المكفوفين بالانتخابات البرلمانية، يخالف قانون انتخابات مجلس النواب رقم 9 لسنة 2022 الذي ينص على أن يمارس الناخب حقه في التصويت للانتخابات بصورة حرة ومباشرة وسرية وفردية ولا يجوز التصويت بالإنابة . 

مشاركة وفق الكوتا 

يشعر بعض ذوي الإعاقة بعدم جدوى المشاركة بالتصويت، فترشح بعضهم بالانتخابات النيابية، مثل حيدر الجبوري، بشكل مستقل ضمن الدائرة الأولى بمحافظة كربلاء جنوب غرب بغداد. 

ويتوقع الجبوري أنه كان يمكن أن يصوت له آلاف من ذوي الإعاقة، لو أنهم حصلوا على التسهيلات اللازمة للوصول إلى صناديق الاقتراع. 

يجد جميع ذوي الإعاقة الذين تمت مقابلتهم مقترح تحويلهم إلى أقلية تخصص لها مقاعد نيابية وفق نظام الكوتا حلاً للخروج مما هم فيه، معتقدين أن بقاء الأمور على ما هي عليه لن يحقق لهم شيئاً مما يطمحون إليه.  

المطالبات بالكوتا الانتخابية بدأت مع مقترح برلماني تقدمت به عضو لجنة حقوق الإنسان في الدورة السابقة يسرى رجب في 2019. لكن المقترح رُفض في حينه لأنه يتطلب تعديلاً لقانون انتخابات مجلس النواب. 

انتهى مجلس النواب في 5 آذار من القراءة الثانية لمشروع تعديل قانون الانتخابات دون التطرق إلى منح ذوي الإعاقة مقاعد برلمانية بالانتخابات المقبلة وفقاً لـ”الكوتا”.   

الإخلال ببنود اتفاقية الأمم المتحدة لذوي الاعاقة وغياب التسهيلات المقدمة للمعاقين في عملية التصويت وعدم منحهم الكوتا في البرلمان، عوامل قد تدفع محمد العجيلي للتفكير بعدم المشاركة في الاقتراع مستقبلًا في حال بقي الوضع على صورته الراهنة.  

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media

اقرأ ايضاً

لأيامٍ قبل الانتخابات البرلمانية التي جرت في 10 تشرين الأول 2021 ومحمد العجيلي يمنّي نفسه بالمشاركة فيها، والتصويت لمن يعتقد بجدارته من المرشحين. 

في الساعة السابعة من صبيحة 9 تشرين الأول، موعد التصويت الخاص بالعسكريين، نهض العجيلي من سريره، ارتدى بدلته السوداء، وتوجه مسرعاً بمركبته إلى مركز الاقتراع السري في مبنى مدرسة الصمود للبنات في منطقة الزعفرانية جنوب شرقي بغداد.  

ما أن وصل العجيلي الذي يستخدم كرسياً متحركاً منذ 16 عاماً إلى مركز الاقتراع الذي يبعد عن منزله قرابة 18كم، حتى أبلغه موظفو المركز بوجود اسمه ضمن سجلات الناخبين في الطابق الثاني للمدرسة، فلم يجد حينها خياراً غير العودة إلى البيت. 

العجيلي (43 عاماً) كان يعمل موظفاً في وزارة التربية، قبل أن يلتحق بصفوف الجيش بمركز تطوع جنوبي بغداد عام 2007ـ لكن المركز تعرض لهجوم إرهابي أصيب العجيلي على أثره بشلل سفلي أجلسه على كرسي متحرك. يومها كان العراق يتعرض إلى اقتتال طائفي وهجمات شبه يومية بعجلات مفخخة وأحزمة ناسفة تقوم بها جماعات دينية متشددة، وخلّفت هذه الأزمات أشخاصاً كُثراً من فاقدي الأطراف أو البصر أو السمع، أو أشكال أخرى من الأضرار الجسدية. 

تصويت بالطابق الثاني 

يبدي العجيلي استياءه من إجراء الانتخابات في مبانٍ مدرسية ذات طوابق متعددة بسلالم عمودية تخلو من المصاعد. 

تحُول المراكز الانتخابية غير الميسرة التي تستخدمها مفوضية الانتخابات دون إدلاء بعض المعاقين بأصواتهم مثل ما حدث مع العجيلي. يوثق التحقيق المعوقات التي تواجه ذوي الإعاقة في المشاركة السياسية بالرغم من تعهدات وتأكيدات المسؤولين بتسهيل مشاركتهم.  

أجرى معد التحقيق مقابلات مع 12 منظمة معنية بشؤون ذوي الإعاقة في العراق، وثمانية أشخاص من ذوي الإعاقة الحركية والبصرية، تعذرت مشاركتهم في انتخابات 2021، أجمعوا أن هناك تقصيرا حكوميا لتهوين مشاركتهم بالاقتراع طوال عقدين. 

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تعذر فيها وصول الشاب البغدادي إلى محطات الاقتراع، ما خلا مشاركته الوحيدة قبل إصابته بالتصويت في انتخابات 2005، فقد ظل طوال ثلاث دورات انتخابية سابقة يتحين الفرص للمشاركة فيها.  

يقول العجيلي إنه يصطدم بصعوبة التصويت، وينتقد عدم إيفاء الحكومات العراقية المتعاقبة بالتزاماتها باتفاقية الأمم المتحدة لحقوق ذوي الإعاقة والتي وقع عليها العراق في 2013.  

المادة 29 من الاتفاقية تلزم الدول الموقعة بضمان الحقوق السياسية للأشخاص ذوي الإعاقة “وفرصة التمتـع بهـا علـى قـدم المـساواة مـع الآخـرين”. وتحدّد الاتفاقية أن على الدول كفالة الحق في أن يصوتوا ويُنتخبوا وتتضمن ضمان أن “تكـون إجـراءات التصويت ومرافقه ومواده مناسبة وميسرة وسهلة الفهم والاستعمال”.  

معاناة العجيلي، تتشابه مع آلاء حسيب النعيمي ذات الخمسين ربيعاً والتي فشلت هي الأخرى بالمشاركة في الانتخابات للسنوات السابقة بسبب إعاقتها الحركية. تمكنت النعيمي عام 2021 من الوصول لمركز الاقتراع بمنطقة الصالحية وسط بغداد، لتجد اسمها في محطة الاقتراع بالطابق الثاني للمدرسة.  

“عشت إحساساً بالحسرة عندما كنت أشاهد الناس تدلي بأصواتها، بينما أعجز عن الإدلاء بصوتي لعدم وجود وسائل ميسرة لذوي الإعاقة في مراكز الاقتراع”، تقول النعيمي.  

غياب نظام برايل 

يؤشر رئيس تجمع المعاقين في العراق موفق الخفاجي أن المعوقات التي أضعفت مشاركة ذوي الإعاقة في الانتخابات تتضمن عدم طباعة أوراق الاقتراع وفق لغة برايل (طريقة كتابة ليلية تمكن المكفوفين من القراءة من خلال اللمس) وعدم توفر مترجمي لغة إشارة للصم والبكم في مراكز الاقتراع. 

وينتقد الخفاجي، الذي كان مرشحاً في انتخابات 2014 البرلمانية، “تقصير مفوضية الانتخابات في تدريب بعض موظفيها على أبجديات الإشارة في التعامل مع الصم والبكم”. كما يفند الخفاجي ادعاءات المفوضية بتخصيص ثلاثة موظفين في المراكز الانتخابية لمساعدة ذوي الإعاقة الحركية.  

موظفون في مكاتب مفوضية الانتخابات بمحافظات مختلفة، طلبوا عدم الكشف عن هويتهم خشية من العقوبات الإدارية، أكدوا عدم تلقيهم أية إرشادات أو تعليمات رسمية لتيسير مشاركة ذوي الإعاقة بالتصويت. “ما نفعله هو عدم جعلهم ينتظرون في طابور الناخبين”، يقول أحدهم.   

يتفق سرور يوسف، مسؤول جمعية المكفوفين في البصرة، على أن مراكز الاقتراع لا تتضمن تسهيلات ضرورية لمشاركة المكفوفين. 

يبرّر عضو الفريق الإعلامي لمفوضية الانتخابات عماد جليل، عدم طباعة ورقة الاقتراع وفق برايل بـ”عدم توفر الأموال الكافية لتزويد 55 ألف محطة بهذه الأوراق”.  

ويقول جليل، إن عدد المراكز في انتخابات 2021 بلغ 8273 مركزاً. “إذا تم تعيين مترجم إشارة في كل مركز بأجر يبلغ 250 ألف دينار عراقي (150 دولارا أمريكيا)، فإن الكلفة ستكون عالية جداً”.  

بعد 8 أشهر من انتهاء الانتخابات البرلمانية عام 2021 شكلت مفوضية الانتخابات فريقاً متخصصاً لتمكين ذوي الإعاقة بالمشاركة في العملية الانتخابية وتقديم الدعم اللازم، خطوة تأتي بعد عشرين عاماً من إسقاط حكومة صدام حسين في نيسان 2003.  

شارك العراقيون في التصويت بخمس دورات برلمانية جرى تنظيمها بعد الاحتلال الأمريكي للعراق. يقول رئيس جمعية أصدقاء ذوي الإعاقة في بابل حسين الكرعاوي، إن مشاركة ذوي الإعاقة كانت محدودة وصعبة على الكثيرين. ووصف التصويت في الانتخابات والمشاركة بالعملية السياسية بالصراع المستمر منذ 2003.  

إحصائيات متضاربة 

أعداد ذوي الإعاقة في العراق غير معروفة حالياً، لكنها تعدت المليون وثلاثمائة ألف عام  2016 حسب إحصائية الجهاز المركزي للإحصاء في وزارة التخطيط.  

هناك خلاف حول أعدادهم اليوم. إحصائيات منظمات حقوق ذوي الإعاقة تشير إلى أن العدد ارتفع أربعة ملايين من 42 مليون نسمة، وهو عدد سكان العراق وفقاً للجهاز المركزي للإحصاء لعام 2022. لكن المتحدث باسم التخطيط عبد الزهرة الهنداوي يقدّر أن العدد أقرب إلى مليوني شخص.  

كما أن هناك أكثر من 25 ألف مصاب مدني وعسكري منهم من تمت إضافته إلى قوائم ذوي الإعاقة في العراق، وفقاً لإحصائية سجلتها مفوضية حقوق الإنسان خلال الاحتجاجات التي اندلعت مطلع تشرين الأول 2019 في عدد من المدن العراقية احتجاجاً على الفساد والبطالة وأطاحت بحكومة رئيس مجلس الوزراء الأسبق عادل عبد المهدي.  

وسجلت مفوضية الانتخابات خلال الانتخابات الأخيرة، 60 ألف شخص من ذوي الإعاقة ضمن ما يعرف بالنظام البايومتري (عملية تسجيل بيانات الناخب وجمعها إلكترونياً) وفقاً لرئيسة فريق تمكين ذوي الإعاقة في المفوضية أحلام الجابري. 

المفوضية حصلت على تلك الإحصائيات من خلال وضع حقل في التسجيل البايومتري يحدد إن كان الشخص من ذوي الإعاقة ونوع إعاقته، تقول الجابري.  

إصرار بعدم التقصير  

بعد مراقبتها لـ(83) دائرة انتخابية في جميع محافظات العراق سنة 2021، تكشف شبكة شمس المتخصصة بمراقبة الانتخابات بتقرير لها صعوبة تنقل ووصول الأشخاص ذوي الإعاقة إلى محطات الاقتراع بسبب استخدام المباني المدرسية مراكز للانتخاب، فيما تصر مفوضية الانتخابات عبر الجابري، على أنها “وزعت الناخبين من ذوي الإعاقة على محطات اقتراع في الطوابق الأرضية، ودربت موظفاً خاصاً في كل محطة على استخدام لغة الإشارة، ليتمكن من تسهيل تصويت الصم والبكم”.  

لكن ثمانية أشخاص من ذوي الإعاقة من مناطق مختلفة، أكدوا صعوبة وصولهم إلى محطات الاقتراع والمشاركة بالتصويت بسبب وجودها في الطابق العلوي دون توفر مصاعد.   

ويقول عماد جليل، عضو الفريق الإعلامي بالمفوضية، إن مؤسسته كلفت ثلاثة موظفين في كل مركز انتخابي لمساعدة ذوي الإعاقة الحركية بالصعود إلى الطابق العلوي للتصويت، في حال كانت صناديق الاقتراع موضوعة فيه.  

“لم أشاهد وجود هؤلاء الموظفين وأن تواجدوا سأرفض مساعدتهم”، تقول آلاء حسيب التي تتساءل “كيف أعرف وجودهم دون أن يخبروني أو يعرفوا عن أنفسهم”. “لماذا لا يضعون المحطات بالطابق الأرضي، رفع الكرسي إلى الأعلى جريمة وانتهاك بحق ذوي الإعاقة”، يقول موفق الخفاجي.   

كما سمحت المفوضية للمكفوفين، بحسب جميل باصطحاب مساعد يقدم لهم إرشادات بشأن كيفية الانتخاب، ويدلهم على الأسماء التي يريدون اختيارها.  

ويضيف المسؤول الحكومي، “من لم يصطحب مساعدًا فالمخول الوحيد بمساعدته بالتصويت هو مدير المحطة وتحت إشراف المراقبين الانتخابيين”.  

لكن ما يعرف بالتصويت المساعد الذي اعتمدته المفوضية في تسهيل مشاركة المكفوفين بالانتخابات البرلمانية، يخالف قانون انتخابات مجلس النواب رقم 9 لسنة 2022 الذي ينص على أن يمارس الناخب حقه في التصويت للانتخابات بصورة حرة ومباشرة وسرية وفردية ولا يجوز التصويت بالإنابة . 

مشاركة وفق الكوتا 

يشعر بعض ذوي الإعاقة بعدم جدوى المشاركة بالتصويت، فترشح بعضهم بالانتخابات النيابية، مثل حيدر الجبوري، بشكل مستقل ضمن الدائرة الأولى بمحافظة كربلاء جنوب غرب بغداد. 

ويتوقع الجبوري أنه كان يمكن أن يصوت له آلاف من ذوي الإعاقة، لو أنهم حصلوا على التسهيلات اللازمة للوصول إلى صناديق الاقتراع. 

يجد جميع ذوي الإعاقة الذين تمت مقابلتهم مقترح تحويلهم إلى أقلية تخصص لها مقاعد نيابية وفق نظام الكوتا حلاً للخروج مما هم فيه، معتقدين أن بقاء الأمور على ما هي عليه لن يحقق لهم شيئاً مما يطمحون إليه.  

المطالبات بالكوتا الانتخابية بدأت مع مقترح برلماني تقدمت به عضو لجنة حقوق الإنسان في الدورة السابقة يسرى رجب في 2019. لكن المقترح رُفض في حينه لأنه يتطلب تعديلاً لقانون انتخابات مجلس النواب. 

انتهى مجلس النواب في 5 آذار من القراءة الثانية لمشروع تعديل قانون الانتخابات دون التطرق إلى منح ذوي الإعاقة مقاعد برلمانية بالانتخابات المقبلة وفقاً لـ”الكوتا”.   

الإخلال ببنود اتفاقية الأمم المتحدة لذوي الاعاقة وغياب التسهيلات المقدمة للمعاقين في عملية التصويت وعدم منحهم الكوتا في البرلمان، عوامل قد تدفع محمد العجيلي للتفكير بعدم المشاركة في الاقتراع مستقبلًا في حال بقي الوضع على صورته الراهنة.