"حروبٌ صامتة ومدوّية".. كيف تُخضع الأحزاب والفصائل الناشطات السياسيات؟ 

بنين الياس

26 تشرين الأول 2023

"المشكلة هاي الشائعات ما تسيء إلي وحدي بشكل شخصي، هي كانت تسيء أولا لوالدي الرجل التربوي، كنت أخاف هواية أن توصله هذه الشائعات أو يقرأ الكلام المكتوب عني بمواقع التواصل، كنت أحاول قدر الإمكان أبعد هذي المنشورات عن أهلي".. كيف تعيش النساء الناشطات سياسياً وسط التشهير والتحريض والترهيب؟

استفاقت آلاء الياسري، لتجد سمعتها قد شوّهت على مواقع التواصل الاجتماعي. كانت المواقع ممتلئة بصورة لها في أحضان رجل. 

زعم ناشرو الصورة أن هذا الرجل عشيقها، وفي المجتمع العراقي هذا كفيل بنبذها أو حتى قتلها. 

“تلك واحدة من عشرات المحاولات لتشويه سمعتي” تقول الياسري لـ”جمّار”. 

كانت الياسري (45 عاماً) واحدة من أنشط المتظاهرات في الاحتجاجات التي انطلقت في مطلع تشرين الأول 2019، وقد تعرضت للعديد من محاولات الإساءة لسمعتها خلال فترة التظاهرات كحال نساء أخريات انخرطن فيها، لكن التشويه لم يتوقف عند تشرين. 

حين قررت الياسري الترشح إلى الانتخابات الخامسة بعد 2003، والتي أجريت عام 2021، كممثلة عن حركة امتداد، وجدت العديد من الناشرين على فيسبوك والمغردين على تويتر مستخدمين صورتها وهي في أحضان زوجها. 

“اتهموني بأنني على علاقة غير شرعية مع ضابط في الأمن العراقي. كان هذا الرجل أبا طيف وهو زوجي” تضيف الياسري. 

لم تحصل على مقعد برلماني عقب الانتخابات، ثم انسحبت من الحركة بسبب خلافات مع رئيسها علاء الركابي، لكنها لم تترك العمل السياسي وبقيت الشائعات تلاحقها. 

تضييق عبر حرمان من الدعم 

تحسنت مشاركة النساء المرشحات في انتخابات تشرين الأول 2021 مقارنة بانتخابات 2018، حيث بلغت نسبة تمثيلهن 29 بالمئة بعد أن كانت 25 بالمئة (وهي نسبة الكوتا) في 2018. 

وفازت 57 امرأة في 16 محافظة من أصل 95 مرشحة في انتخابات 2021. 

وذكر تقرير أعدته بعثة الأمم المتحدة إلى العراق عام 2021 أن هناك إمكانية كبيرة لدى النساء العراقيات للفوز بالانتخابات من دون الاعتماد على “الكوتا” وإنما على مؤهلاتهن بشكل أساس. 

لكن هذا لم يكن كافياً في الواقع، فالياسري ومثيلاتها من المستقلات كن بحاجة إلى دعم حقيقي من قبل الحركات السياسية التي يمثلنها، إلا أن الحركات المستقلة في العملية السياسية هي الحلقة الأضعف، كما تصفها الياسري. 

“الرجال والنساء على حدّ سواء معرضون للهجمة حين يكونون مستقلين، وحين يقفون ضد الفساد، سواء كانوا تشرينيين أو غير ذلك”. 

إلا أن حرب الأحزاب المهيمنة ضد النساء تبقى مختلفة وذات أسلحة قد تكون أكثر فتكاً وأسرع دماراً منها على الرجال من الحزب ذاته، فالحرب ضد آلاء لم تتوقف وهي تتعرض للتهديدات كل يوم وبمختلف أشكالها. 

ولا يعزف المهددون على وتر تشويه سمعتها فحسب، وإنما يهددونها بطرق أخرى، منها التهديد بتصفية أولادها، فقط لأنها زارت مدرسة مع بعض النواب، وكتبت شكوى ضد موظفين فيها يوصفون بـ”الفضائيين”. 

حرب صامتة 

نالت إيمان الأمين نصيباً يكاد يكون مساوياً لنصيب الياسري من التهم والتهديدات. 

رشحت الأمين (57 عاماً) نفسها في انتخابات 2021 لتمثل حراك تشرين في البرلمان، لكن “حرباً صامتة” -حسبما تعبّر- اندلعت ضدها دفعتها للانسحاب. 

تمثل ذلك في عدم حصول حركتها السياسية التشرينية الناشئة في ذي قار على الدعم أو الاهتمام. 

“حتى المؤتمر الذي كنا نقيمه كنا نستعين بالأقارب والمعارف لتحقيق حضور فاعل فيه” تقول لنا. 

وطرقت الأمين كل الأبواب للحصول على حماية للحركة العازمة على المشاركة في الانتخابات، ولكن دون جدوى. 

موتٌ بلا أرقام 

عندما انتهت احتجاجات تشرين، كانت حصيلة من فقدوا أرواحهم نحو 800 متظاهر، إضافة إلى 20 ألف جريح، بينما اختفى 117 ناشطاً ممن شاركوا فيها وظلوا مجهولي المصير حتى اليوم، بحسب ما أعلنته المفوضية العليا لحقوق الإنسان. 

وعلى الرغم من مشاركة النساء بشكل فاعل ولافت في تلك التظاهرات التي امتدت بين تشرين الأول 2019 ونهاية 2020، إلا أن الضحايا منهن لم يحددن برقم واضح. 

تقول بشرى العبيدي، الناشطة وعضو مفوضية حقوق الإنسان، لـ”جمّار”، إن التوصل إلى عدد النساء اللواتي قتلن أو اختطفن في تشرين أمر مستحيل، لأن الإحصاءات مستندة إلى “طرق عشوائية واجتهادية”. 

طالبت مفوضية حقوق الإنسان أكثر من مرة بتفعيل مركز إحصائي مستقل غير خاضع لأي تدخلات حزبية. 

“لكن لم يستجب أحد لذلك” تبين العبيدي. 

وتشير الناشطة إلى أن التحزب والتوجه السياسي من أسباب تغييب هذه الإحصائيات، فالمفوضية العليا لحقوق الإنسان هي الأخرى مسيسة، وبذلك لن تمنح أي إحصائيات واضحة لا عن قتلى تشرين بشكل عام ولا النساء على وجه الخصوص. 

تهمة تشرين 

بقيت النساء اللواتي تصدرن التظاهرات موصومات بأنهن “تشرينيات”، فبعد أن ألصقت بإيناس كريم شتى الاتهامات لأنها كانت من الحاضرات بشكل فاعل في خيم التظاهرات بساحة التحرير وسط بغداد، لاحقتها هذه التهم بعد انتهاء التظاهرات. 

عام 2020 ومع انطفاء شعلة تشرين، انسحبت إيناس من خيم التظاهر بعد أن طالتها شائعات كثيرة على مواقع التواصل الاجتماعي. 

“المشكلة هاي الشائعات ما تسيء الي وحدي بشكل شخصي، هي كانت تسيء أولا لوالدي الرجل التربوي، كنت أخاف هواية أن توصله هذه الشائعات أو يقرأ الكلام المكتوب عني بمواقع التواصل، كنت أحاول قدر الإمكان أبعد هذي المنشورات عن أهلي” تقول لـ”جمّار”. 

كانت إيناس تحاول إبعاد أسرتها عمّا يقال وينشر عنها من تهم أو تحريض على القتل أو محاولات للنيل من سمعتها كامرأة في مجتمع لديه بالأساس تحفّظات عديدة، والتي لم تنته حتى بعد أن قررت النأي بنفسها عن مدارات السياسة. 

ولما وجّهت نشاطها نحو مجال جديد وأصبحت رئيسة منظمة متخصصة بمكافحة المخدرات، فوجئت بأن الشائعات والتهم ما زالت تلاحقها. 

تم اتهامها بأنها كانت تتعاطى المخدرات داخل خيم تظاهرات تشرين، ثم ما لبثت أن تحولت إلى العمل في مكافحتها بعد انتهاء التظاهرات. 

كانت إيناس تدافع عن نفسها بضراوة عندما تقرأ منشوراً يحاول النيل منها وتخوض جدالات محتدمة مع الناشرين والمعلقين، لكنها ما عادت تهتم للمنشورات في الوقت الحالي حذراً من دخولها في نقاش قد يتحول إلى حفلة تحريض ضدها. 

جيوش ومنهج 

تتهم إيناس جبار، المشاركة في احتجاجات تشرين، “أشخاصاً ممنهجين مرتبطين بقوى سياسية” بالوقوف وراء حملات التحريض وتشويه سمعة النساء المساهمات في الحراك الاحتجاجي. 

لكنها تلقي أيضاً ببعض اللائمة على نظرة المجتمع إلى المرأة التي تشارك في أنشطة أو أعمال سياسية تستدعي الحضور في الشارع ومخالطة الرجال. 

“في السبعينيات كان المجتمع يدعم المرأة التي تتبنى نشاطاً مغايراً. هذه الهجمات والمفاهيم زُرعت في مجتمعنا بعد التسعينيات وما تسمى الحملة الإيمانية التي تبناها النظام السابق آنذاك، وتوطدت هذه المفاهيم بسبب العشيرة والقومية والطائفة. هذا ما شوّه الشكل العام وألغى سياق المدنية” تقول جبار. 

شُكلت في العراق في سبعينيات القرن الماضي “الجبهة الوطنية” التي تضم حزب البعث والحزب الشيوعي والحزب الديمقراطي الكردستاني. 

كانت هذه الأحزاب تشجع النساء على المشاركة في أنشطة متعددة فنية وسياسية، إذ ظهر في ذلك الوقت اتحاد الشبيبة ورابطة المرأة العراقية واتحاد نساء العراق والاتحاد الوطني. 

انتعشت المشاركات النسوية في الأنشطة كافة بين الأعوام 1973 و 1978، حتى أن بعض النساء كُنّ يقدن مجاميع سواء اجتماعية أو سياسية أو فنية تضم مجموعة من الذكور. كما صار من المألوف وجود طبيبات برتب عسكرية وشرطيات مرور. 

رغم ذلك، فلم تكن بيئة آمنة للنساء، إذ أدى انقلاب البعث على حليفيه بعد عام 1979 إلى الحدّ من النشاطات النسوية بعد تعرض نساء الحزب الشيوعي والحزب الديمقراطي الكردستاني إلى التصفيات الجسدية وشتى أنواع التعذيب، كما يقول الصحفي فلاح المشعل الذي عاصر تلك الحقبة.  

تفاقم الوضع بعد الحرب العراقية الإيرانية حيث أصبحت المساحات المتاحة لنشاط المرأة مرهونة بانتمائها للبعث ودرجتها الحزبية فيه. 

ويستذكر المشعل “لدي زميلات اختفين في نهاية السبعينيات وبعضهن هرب إلى أوروبا. لا أستطيع ذكرهن بالأسماء ولكن بعضهن كاتبات وصحفيات معروفات وأخريات ناشطات في المجال السياسي وحتى فنانات”. 

“اختلفت شدة الويلات والعذابات التي طالت النساء بين الثمانينيات والتسعينيات، لكن حضور المرأة بعد عام 2003 في المشهد السياسي أو الاجتماعي، وحتى ضمن التظاهرات أو المطالبة بحق عام كمواطنة لم يتناسب أبدا وحجم وجودها (في المجتمع)” يتابع المشعل. 

ويبدو أن السلطة الحزبية الحالية وظفت جيوشها الإلكترونية لمحاربة النساء وابتزازهن وتشويه سمعتهن للحد من مشاركاتهن في أنشطة تهدد أو تقلق سكينة الأحزاب، بينما كانت السلطة السابقة قبل 2003 تستخدم رجالاتها من عناصر الأمن المجندين لفعل ذلك. 

قامع آخر 

يرى المشعل أن اللحظة الوحيدة التي شهدت انفجاراً نسوياً حقيقياً بعد 2003 تجسدت بتظاهرات تشرين عام 2019. 

“هنا حقاً كان صوت المرأة مدوياً”. 

كانت التظاهرات تعتمد بالدرجة الأساس على الرجال، وهم من يتصدرون صفوفها، لكن تشرين قلبت هذا المفهوم، وعلى الرغم من ذلك لم تسلم النساء، فقد دفعن ثمناً لا يستهان به. 

سارة جاسم، المدافعة عن حقوق المرأة، تتذكر كيف تم وصفها مع زميلاتها بـ”بنات السفارات” و”العاهرات المحرضات على الاختلاط” ووضع علامة X على صورهن فقط لأنهن دخلن خيم تظاهرات تشرين. 

“العديد من المشاركات بالتظاهر تعرضن إلى العنف الأسري بسبب ما كُتب عنهن على مواقع التواصل، كما عنفت بعض الأسر بناتهن لمنعهن من المشاركة بالتظاهرات أو حتى زيارة ساحة التحرير أو كتابة منشور على مواقع التواصل لدعمها” تقول جاسم لـ”جمّار”. 

وتفيد الأمين بأن شقيقها قاطعها لأنها كانت تذهب إلى ساحة الحبوبي وسط الناصرية أيام التظاهرات، على الرغم من أنها كانت تذهب برفقة زوجها وأبنائها. 

كيف يحمين أنفسهن؟ 

تعزو جبار تعرض العديد من نساء تشرين للانتهاك أو الخطف أو القتل إلى “غياب ثقافة حماية الذات”. 

وترى أن على المرأة اتخاذ ما يلزم للحفاظ على سلامتها وتعلم ذلك، “فلا داعي لنشر أي موضوع على مواقع التواصل الاجتماعي يهدد حياتها”. 

لكن لا تتفق جميع النساء مع جبار. 

“من غير المنطقي الامتناع عن نشر منشورات تدافع عن التشرينيات من أجل الحفاظ على سمعتي وسلامتي. المخطئ هنا هو المتهجم وليس الناشر” تقول الصحفية منار العبيدي، وتؤيدها الناشطة أحرار الزلزلي. 

وتشدد جبار على ضرورة تشريع القانون الذي ترفض كل القوى السياسية طرحه داخل مجلس النواب، وهو قانون حماية المدافعين عن حقوق الإنسان. 

“من المفترض وفقاً لهذا القانون حماية الناشطين المعروفين وغير المعروفين. من القضايا المهمة أن متظاهرين كثيرين اختطفوا من ساحات التظاهر وظلوا مجهولي المصير ولم تحدث ضجة بشأنهم لأنهم غير معروفين” تقول جبار. 

وتستشهد بحادثة روتها لها إحدى الناشطات المختطفات في تشرين بعد إطلاق سراحها، بأنها كانت في الغرفة ذاتها مختطفة مع طالبات في الثانوية تم اختطافهن من دون أن يسأل أحد عن حالهن لأنهن ببساطة غير معروفات. 

العائلة مشمولة 

الخطر في العراق إذا ما أحاط بالمرأة فهذا يعني أنه يهدد أسرتها بأكملها، فتشويه سمعتها جزء من خطر قد يواجهها، وهذا بدوره يطال أسرتها التي قد تقف هي الأخرى ضدها. 

وهنالك خطر آخر يتمثل بتهديد المرأة بعائلتها، ما يضطرها إلى الإذعان لإرادة المهددين من أجل حماية العائلة. 

ولذلك اعتادت سارة جاسم العيش بحذر، فهي لا تذهب للتسوق مثلاً، كما أنها غير قادرة على التواجد في مكان عام، وتضطر لاستخدام خدمات التوصيل للحصول على احتياجاتها لأنها تشعر بتهديد مستمر. 

“حالفني الحظ بالنجاة، لكنه قد لا يحالف أفراد أسرتي، لذا أعيش في قلق متواصل”. 

تحريض غير حزبي 

في ساحة الحبوبي وسط الناصرية، حيث كانت تقام خيم متظاهري تشرين، تعرضت ابنة إيمان الأمين للشتم لأنها شابة سافرة ظهرت في ساحة التظاهر في محافظة عراقية جنوبية. 

كما تتحدث الأمين عن تعرض الخيمة النسائية في ساحة الحبوبي للتخريب ثلاث مرات: “عندما نغادرها ليلاً نجدها إما محروقة أو محطمة نهاراً”. 

وتتهم الأمين في ذلك “المتظاهرين المتشددين” أيضاً وليس الأحزاب فقط. 

“تم اتهامنا بمختلف التهم، بينها تهمة العمل بالدعارة واستخدام خيمة التظاهر لتجهيز بائعات الهوى. هذه التهمة كانت كفيلة بقتلنا. أرادوا التخلص منا بهذه الطريقة”. 

وتذهب منار الزبيدي إلى أن “هناك جهلاً عفوياً لدى أناس كثيرين يتحول بشكل غير مباشر إلى تحريض ضد أي امرأة تشارك أو تخوض في تظاهرات أو حراك سياسي أو اجتماعي مختلف”. 

وعند التوجه بالسؤال إلى بقية الناشطات المتحدثات في هذا التقرير بشأن ما إذا كان التحريض يمكن أن يأتي من خارج دوائر الأحزاب، أجبن بأن ذلك ممكن، على اعتبار أن المجتمع العراقي المحافظ لا يؤيد في الغالب ظهور النساء في الحراكات والأنشطة ذات الطابع السياسي، لكنهن اتفقن في الوقت ذاته على أن خطر الأحزاب يبقى الأشد. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media

اقرأ ايضاً

استفاقت آلاء الياسري، لتجد سمعتها قد شوّهت على مواقع التواصل الاجتماعي. كانت المواقع ممتلئة بصورة لها في أحضان رجل. 

زعم ناشرو الصورة أن هذا الرجل عشيقها، وفي المجتمع العراقي هذا كفيل بنبذها أو حتى قتلها. 

“تلك واحدة من عشرات المحاولات لتشويه سمعتي” تقول الياسري لـ”جمّار”. 

كانت الياسري (45 عاماً) واحدة من أنشط المتظاهرات في الاحتجاجات التي انطلقت في مطلع تشرين الأول 2019، وقد تعرضت للعديد من محاولات الإساءة لسمعتها خلال فترة التظاهرات كحال نساء أخريات انخرطن فيها، لكن التشويه لم يتوقف عند تشرين. 

حين قررت الياسري الترشح إلى الانتخابات الخامسة بعد 2003، والتي أجريت عام 2021، كممثلة عن حركة امتداد، وجدت العديد من الناشرين على فيسبوك والمغردين على تويتر مستخدمين صورتها وهي في أحضان زوجها. 

“اتهموني بأنني على علاقة غير شرعية مع ضابط في الأمن العراقي. كان هذا الرجل أبا طيف وهو زوجي” تضيف الياسري. 

لم تحصل على مقعد برلماني عقب الانتخابات، ثم انسحبت من الحركة بسبب خلافات مع رئيسها علاء الركابي، لكنها لم تترك العمل السياسي وبقيت الشائعات تلاحقها. 

تضييق عبر حرمان من الدعم 

تحسنت مشاركة النساء المرشحات في انتخابات تشرين الأول 2021 مقارنة بانتخابات 2018، حيث بلغت نسبة تمثيلهن 29 بالمئة بعد أن كانت 25 بالمئة (وهي نسبة الكوتا) في 2018. 

وفازت 57 امرأة في 16 محافظة من أصل 95 مرشحة في انتخابات 2021. 

وذكر تقرير أعدته بعثة الأمم المتحدة إلى العراق عام 2021 أن هناك إمكانية كبيرة لدى النساء العراقيات للفوز بالانتخابات من دون الاعتماد على “الكوتا” وإنما على مؤهلاتهن بشكل أساس. 

لكن هذا لم يكن كافياً في الواقع، فالياسري ومثيلاتها من المستقلات كن بحاجة إلى دعم حقيقي من قبل الحركات السياسية التي يمثلنها، إلا أن الحركات المستقلة في العملية السياسية هي الحلقة الأضعف، كما تصفها الياسري. 

“الرجال والنساء على حدّ سواء معرضون للهجمة حين يكونون مستقلين، وحين يقفون ضد الفساد، سواء كانوا تشرينيين أو غير ذلك”. 

إلا أن حرب الأحزاب المهيمنة ضد النساء تبقى مختلفة وذات أسلحة قد تكون أكثر فتكاً وأسرع دماراً منها على الرجال من الحزب ذاته، فالحرب ضد آلاء لم تتوقف وهي تتعرض للتهديدات كل يوم وبمختلف أشكالها. 

ولا يعزف المهددون على وتر تشويه سمعتها فحسب، وإنما يهددونها بطرق أخرى، منها التهديد بتصفية أولادها، فقط لأنها زارت مدرسة مع بعض النواب، وكتبت شكوى ضد موظفين فيها يوصفون بـ”الفضائيين”. 

حرب صامتة 

نالت إيمان الأمين نصيباً يكاد يكون مساوياً لنصيب الياسري من التهم والتهديدات. 

رشحت الأمين (57 عاماً) نفسها في انتخابات 2021 لتمثل حراك تشرين في البرلمان، لكن “حرباً صامتة” -حسبما تعبّر- اندلعت ضدها دفعتها للانسحاب. 

تمثل ذلك في عدم حصول حركتها السياسية التشرينية الناشئة في ذي قار على الدعم أو الاهتمام. 

“حتى المؤتمر الذي كنا نقيمه كنا نستعين بالأقارب والمعارف لتحقيق حضور فاعل فيه” تقول لنا. 

وطرقت الأمين كل الأبواب للحصول على حماية للحركة العازمة على المشاركة في الانتخابات، ولكن دون جدوى. 

موتٌ بلا أرقام 

عندما انتهت احتجاجات تشرين، كانت حصيلة من فقدوا أرواحهم نحو 800 متظاهر، إضافة إلى 20 ألف جريح، بينما اختفى 117 ناشطاً ممن شاركوا فيها وظلوا مجهولي المصير حتى اليوم، بحسب ما أعلنته المفوضية العليا لحقوق الإنسان. 

وعلى الرغم من مشاركة النساء بشكل فاعل ولافت في تلك التظاهرات التي امتدت بين تشرين الأول 2019 ونهاية 2020، إلا أن الضحايا منهن لم يحددن برقم واضح. 

تقول بشرى العبيدي، الناشطة وعضو مفوضية حقوق الإنسان، لـ”جمّار”، إن التوصل إلى عدد النساء اللواتي قتلن أو اختطفن في تشرين أمر مستحيل، لأن الإحصاءات مستندة إلى “طرق عشوائية واجتهادية”. 

طالبت مفوضية حقوق الإنسان أكثر من مرة بتفعيل مركز إحصائي مستقل غير خاضع لأي تدخلات حزبية. 

“لكن لم يستجب أحد لذلك” تبين العبيدي. 

وتشير الناشطة إلى أن التحزب والتوجه السياسي من أسباب تغييب هذه الإحصائيات، فالمفوضية العليا لحقوق الإنسان هي الأخرى مسيسة، وبذلك لن تمنح أي إحصائيات واضحة لا عن قتلى تشرين بشكل عام ولا النساء على وجه الخصوص. 

تهمة تشرين 

بقيت النساء اللواتي تصدرن التظاهرات موصومات بأنهن “تشرينيات”، فبعد أن ألصقت بإيناس كريم شتى الاتهامات لأنها كانت من الحاضرات بشكل فاعل في خيم التظاهرات بساحة التحرير وسط بغداد، لاحقتها هذه التهم بعد انتهاء التظاهرات. 

عام 2020 ومع انطفاء شعلة تشرين، انسحبت إيناس من خيم التظاهر بعد أن طالتها شائعات كثيرة على مواقع التواصل الاجتماعي. 

“المشكلة هاي الشائعات ما تسيء الي وحدي بشكل شخصي، هي كانت تسيء أولا لوالدي الرجل التربوي، كنت أخاف هواية أن توصله هذه الشائعات أو يقرأ الكلام المكتوب عني بمواقع التواصل، كنت أحاول قدر الإمكان أبعد هذي المنشورات عن أهلي” تقول لـ”جمّار”. 

كانت إيناس تحاول إبعاد أسرتها عمّا يقال وينشر عنها من تهم أو تحريض على القتل أو محاولات للنيل من سمعتها كامرأة في مجتمع لديه بالأساس تحفّظات عديدة، والتي لم تنته حتى بعد أن قررت النأي بنفسها عن مدارات السياسة. 

ولما وجّهت نشاطها نحو مجال جديد وأصبحت رئيسة منظمة متخصصة بمكافحة المخدرات، فوجئت بأن الشائعات والتهم ما زالت تلاحقها. 

تم اتهامها بأنها كانت تتعاطى المخدرات داخل خيم تظاهرات تشرين، ثم ما لبثت أن تحولت إلى العمل في مكافحتها بعد انتهاء التظاهرات. 

كانت إيناس تدافع عن نفسها بضراوة عندما تقرأ منشوراً يحاول النيل منها وتخوض جدالات محتدمة مع الناشرين والمعلقين، لكنها ما عادت تهتم للمنشورات في الوقت الحالي حذراً من دخولها في نقاش قد يتحول إلى حفلة تحريض ضدها. 

جيوش ومنهج 

تتهم إيناس جبار، المشاركة في احتجاجات تشرين، “أشخاصاً ممنهجين مرتبطين بقوى سياسية” بالوقوف وراء حملات التحريض وتشويه سمعة النساء المساهمات في الحراك الاحتجاجي. 

لكنها تلقي أيضاً ببعض اللائمة على نظرة المجتمع إلى المرأة التي تشارك في أنشطة أو أعمال سياسية تستدعي الحضور في الشارع ومخالطة الرجال. 

“في السبعينيات كان المجتمع يدعم المرأة التي تتبنى نشاطاً مغايراً. هذه الهجمات والمفاهيم زُرعت في مجتمعنا بعد التسعينيات وما تسمى الحملة الإيمانية التي تبناها النظام السابق آنذاك، وتوطدت هذه المفاهيم بسبب العشيرة والقومية والطائفة. هذا ما شوّه الشكل العام وألغى سياق المدنية” تقول جبار. 

شُكلت في العراق في سبعينيات القرن الماضي “الجبهة الوطنية” التي تضم حزب البعث والحزب الشيوعي والحزب الديمقراطي الكردستاني. 

كانت هذه الأحزاب تشجع النساء على المشاركة في أنشطة متعددة فنية وسياسية، إذ ظهر في ذلك الوقت اتحاد الشبيبة ورابطة المرأة العراقية واتحاد نساء العراق والاتحاد الوطني. 

انتعشت المشاركات النسوية في الأنشطة كافة بين الأعوام 1973 و 1978، حتى أن بعض النساء كُنّ يقدن مجاميع سواء اجتماعية أو سياسية أو فنية تضم مجموعة من الذكور. كما صار من المألوف وجود طبيبات برتب عسكرية وشرطيات مرور. 

رغم ذلك، فلم تكن بيئة آمنة للنساء، إذ أدى انقلاب البعث على حليفيه بعد عام 1979 إلى الحدّ من النشاطات النسوية بعد تعرض نساء الحزب الشيوعي والحزب الديمقراطي الكردستاني إلى التصفيات الجسدية وشتى أنواع التعذيب، كما يقول الصحفي فلاح المشعل الذي عاصر تلك الحقبة.  

تفاقم الوضع بعد الحرب العراقية الإيرانية حيث أصبحت المساحات المتاحة لنشاط المرأة مرهونة بانتمائها للبعث ودرجتها الحزبية فيه. 

ويستذكر المشعل “لدي زميلات اختفين في نهاية السبعينيات وبعضهن هرب إلى أوروبا. لا أستطيع ذكرهن بالأسماء ولكن بعضهن كاتبات وصحفيات معروفات وأخريات ناشطات في المجال السياسي وحتى فنانات”. 

“اختلفت شدة الويلات والعذابات التي طالت النساء بين الثمانينيات والتسعينيات، لكن حضور المرأة بعد عام 2003 في المشهد السياسي أو الاجتماعي، وحتى ضمن التظاهرات أو المطالبة بحق عام كمواطنة لم يتناسب أبدا وحجم وجودها (في المجتمع)” يتابع المشعل. 

ويبدو أن السلطة الحزبية الحالية وظفت جيوشها الإلكترونية لمحاربة النساء وابتزازهن وتشويه سمعتهن للحد من مشاركاتهن في أنشطة تهدد أو تقلق سكينة الأحزاب، بينما كانت السلطة السابقة قبل 2003 تستخدم رجالاتها من عناصر الأمن المجندين لفعل ذلك. 

قامع آخر 

يرى المشعل أن اللحظة الوحيدة التي شهدت انفجاراً نسوياً حقيقياً بعد 2003 تجسدت بتظاهرات تشرين عام 2019. 

“هنا حقاً كان صوت المرأة مدوياً”. 

كانت التظاهرات تعتمد بالدرجة الأساس على الرجال، وهم من يتصدرون صفوفها، لكن تشرين قلبت هذا المفهوم، وعلى الرغم من ذلك لم تسلم النساء، فقد دفعن ثمناً لا يستهان به. 

سارة جاسم، المدافعة عن حقوق المرأة، تتذكر كيف تم وصفها مع زميلاتها بـ”بنات السفارات” و”العاهرات المحرضات على الاختلاط” ووضع علامة X على صورهن فقط لأنهن دخلن خيم تظاهرات تشرين. 

“العديد من المشاركات بالتظاهر تعرضن إلى العنف الأسري بسبب ما كُتب عنهن على مواقع التواصل، كما عنفت بعض الأسر بناتهن لمنعهن من المشاركة بالتظاهرات أو حتى زيارة ساحة التحرير أو كتابة منشور على مواقع التواصل لدعمها” تقول جاسم لـ”جمّار”. 

وتفيد الأمين بأن شقيقها قاطعها لأنها كانت تذهب إلى ساحة الحبوبي وسط الناصرية أيام التظاهرات، على الرغم من أنها كانت تذهب برفقة زوجها وأبنائها. 

كيف يحمين أنفسهن؟ 

تعزو جبار تعرض العديد من نساء تشرين للانتهاك أو الخطف أو القتل إلى “غياب ثقافة حماية الذات”. 

وترى أن على المرأة اتخاذ ما يلزم للحفاظ على سلامتها وتعلم ذلك، “فلا داعي لنشر أي موضوع على مواقع التواصل الاجتماعي يهدد حياتها”. 

لكن لا تتفق جميع النساء مع جبار. 

“من غير المنطقي الامتناع عن نشر منشورات تدافع عن التشرينيات من أجل الحفاظ على سمعتي وسلامتي. المخطئ هنا هو المتهجم وليس الناشر” تقول الصحفية منار العبيدي، وتؤيدها الناشطة أحرار الزلزلي. 

وتشدد جبار على ضرورة تشريع القانون الذي ترفض كل القوى السياسية طرحه داخل مجلس النواب، وهو قانون حماية المدافعين عن حقوق الإنسان. 

“من المفترض وفقاً لهذا القانون حماية الناشطين المعروفين وغير المعروفين. من القضايا المهمة أن متظاهرين كثيرين اختطفوا من ساحات التظاهر وظلوا مجهولي المصير ولم تحدث ضجة بشأنهم لأنهم غير معروفين” تقول جبار. 

وتستشهد بحادثة روتها لها إحدى الناشطات المختطفات في تشرين بعد إطلاق سراحها، بأنها كانت في الغرفة ذاتها مختطفة مع طالبات في الثانوية تم اختطافهن من دون أن يسأل أحد عن حالهن لأنهن ببساطة غير معروفات. 

العائلة مشمولة 

الخطر في العراق إذا ما أحاط بالمرأة فهذا يعني أنه يهدد أسرتها بأكملها، فتشويه سمعتها جزء من خطر قد يواجهها، وهذا بدوره يطال أسرتها التي قد تقف هي الأخرى ضدها. 

وهنالك خطر آخر يتمثل بتهديد المرأة بعائلتها، ما يضطرها إلى الإذعان لإرادة المهددين من أجل حماية العائلة. 

ولذلك اعتادت سارة جاسم العيش بحذر، فهي لا تذهب للتسوق مثلاً، كما أنها غير قادرة على التواجد في مكان عام، وتضطر لاستخدام خدمات التوصيل للحصول على احتياجاتها لأنها تشعر بتهديد مستمر. 

“حالفني الحظ بالنجاة، لكنه قد لا يحالف أفراد أسرتي، لذا أعيش في قلق متواصل”. 

تحريض غير حزبي 

في ساحة الحبوبي وسط الناصرية، حيث كانت تقام خيم متظاهري تشرين، تعرضت ابنة إيمان الأمين للشتم لأنها شابة سافرة ظهرت في ساحة التظاهر في محافظة عراقية جنوبية. 

كما تتحدث الأمين عن تعرض الخيمة النسائية في ساحة الحبوبي للتخريب ثلاث مرات: “عندما نغادرها ليلاً نجدها إما محروقة أو محطمة نهاراً”. 

وتتهم الأمين في ذلك “المتظاهرين المتشددين” أيضاً وليس الأحزاب فقط. 

“تم اتهامنا بمختلف التهم، بينها تهمة العمل بالدعارة واستخدام خيمة التظاهر لتجهيز بائعات الهوى. هذه التهمة كانت كفيلة بقتلنا. أرادوا التخلص منا بهذه الطريقة”. 

وتذهب منار الزبيدي إلى أن “هناك جهلاً عفوياً لدى أناس كثيرين يتحول بشكل غير مباشر إلى تحريض ضد أي امرأة تشارك أو تخوض في تظاهرات أو حراك سياسي أو اجتماعي مختلف”. 

وعند التوجه بالسؤال إلى بقية الناشطات المتحدثات في هذا التقرير بشأن ما إذا كان التحريض يمكن أن يأتي من خارج دوائر الأحزاب، أجبن بأن ذلك ممكن، على اعتبار أن المجتمع العراقي المحافظ لا يؤيد في الغالب ظهور النساء في الحراكات والأنشطة ذات الطابع السياسي، لكنهن اتفقن في الوقت ذاته على أن خطر الأحزاب يبقى الأشد.