"الانترنت عيب".. عن الأُميّات رقمياً وما يفوتهن في العراق

علياء محـمد

14 أبريل 2023

"الدروس العمليّة على الحاسوب التي يحصل عليها الطلاب في الجامعات لا تتجاوز الدرسين في العام، ولا يكون زمنها أكثر من دقيقة أو دقيقة ونصف"، عن العيب الذي تفشّت بسببه "الأمية الالكترونية"، وجعل النساء متخلفات في سوق العمل نتيجة لانخفاض مهاراتهن.. و"الأبوية" التي تظهر مجدّداً كعائق أمام تطور النساء في العراق..

بعد تخرّجي من كلية الهندسة بدأت رحلة البحث عن عمل وتقدمت بطلبٍ للحصول على وظيفة. حضر للمقابلة العديد من المهندسات والمهندسين حديثي التخرج وآخرون تخرجوا منذ سنوات. كان الاختبار الأول حول مهارات اللغة الإنجليزية والمهارات الرقمية، مثل استخدام الحاسوب وبرامجه كحزمة Microsoft Office التي باتت أساسية لإنجاز أي وظيفة.

عرفت لاحقاً أن أغلب المهندسات اللائي كن معي لم يجتزن الاختبار لعدم معرفتهن بكيفية استخدام برنامجي Wordأو Excel بشكل صحيح، هذا بالإضافة إلى افتقارهن لمهارات اللغة الإنجليزية. كما عرفت أيضاً أن عدد المهندسين الذين لم يجتازوا الاختبار نفسه لافتقارهم للمهارات ذاتها أقل عن المهندسات.

تعاني أغلب العراقيات من صعوبة الحصول على وظائف أو النهوض بمهنهن بسبب انتشار الأمية الرقميّة والمعلوماتية بينهن، بالإضافة إلى عوامل أخرى تؤثر سلباً على فرصهن، منها الاجتماعية والسياسية والمؤسساتية التي تمعن في التمييز الجندري. هذه العوائق تمنعهن من تأمين حياة كريمة واستقرار مالي ومعنوي لأنفسهن وأطفالهن.

الأمية الرقمية.. بدءاً من المدارس 

ثمة لبس في فهم المعرفة الرقمية في العراق، بالذات إذا ما عرفنا أن عدد مستخدمي السوشيال ميديا في البلاد بلغ نحو 28 مليون شخص، أي نحو 70 بالمئة من السكان عام 2022.

مع ذلك، تنتشر الأمية الرقمية بين حوالي 60 بالمئة من الجيل الشاب الذي يشكل غالبية المجتمع العراقي.

أما المعرفة الرقمية، فتعرفها اليونسكو، على أنها “القدرة على الوصول إلى المعلومات من خلال التقنيات الرقمية، وإدارتها وفهمها ودمجها وتوصيلها وتقييمها وانتاجها بأمان وبشكل مناسب للتوظيف والعمل اللائق وريادة الأعمال”.

ولضمان محو الأمية الرقمية يتوجب على الفرد أن يتعلم “المهارات اللازمة وظيفياَ للقدرة على استخدام الإنترنت والتكنولوجيا الرقمية، بالإضافة إلى معرفة كيفية القيام بذلك بصورة آمنة وبمعلومات موثوقة وبيانات محمية”.

يتطلب هذا أكثر من مجرد استخدام الانترنت ووجود هاتف ذكي أو حتى حاسوب. 

الحال هذه، لا يبدو غريباً انتشار الأمية الرقمية بين الجيل الشاب في العراق إذا ما عرفنا أن مادة تعليم الحاسوب ضمن منهاج المدارس العراقية، وهي إلزامية، عادة ما تكون نظرية وتُدرس من دون حواسيب!

كما أن قلة من المدارس الثانوية تتوفر لديها أجهزة حاسوب، وتكاد لا تكفي لجميع الطلبة/الطالبات. وحتى هذه الموجودة غير موصولة بالإنترنت بسبب الاعتقاد السائد في المدارس بأن الإنترنت سيفسد أخلاق الفتيات. ورغم تضمينها في الدروس المقررة، فإن ثمة مدارس لا تقوم بتدريس المادة على الإطلاق، لأن غالبية المعلمات لا يدخل الحاسوب في إطار اهتماماتهن ولا يعلمن الفتيات كيفية استخدامه، وإهمالهن هذا يشير إلى أنهن يعانين أيضاً من الأمية الرقمية والمعلوماتية نفسها.  

كون دروس الحاسوب في المدارس لا تؤخذ على محمل الجد، هي تجربة ليست غريبة علينا كطلاب وطالبات من مختلف المحافظات والبيئات، وهو أمر غير خفيّ حتى على وزارة التربية التي تحث الكوادر التعليمية على تدريس الحاسوب وعدم تركه أو إهماله، مثلما جاء في كتاب لها في أواخر 2021. 

كتاب مُسرّب من وزارة التربية بخصوص استخدام الحاسوب

دراسات عُليا بمهارات رقمية متدنية

لا يختلف الوضع كثيراً عنه في الجامعات.

فأغلب الكليات تُدرِّس موادها التخصصية فقط دون تنمية المهارات الرقمية والبحثية والمعلوماتية التي ستفيد الطلبة بعد تخرجهم. 

يجمع الأستاذة والطلبة على ذلك. 

قدّر أحمد الظفيري، وهو أستاذ في جامعة سامراء، أن الدروس العملية على الحاسوب التي يحصل عليها الطلاب في الجامعات لا تتجاوز الدرسين في العام، ولا يكون زمنها أكثر من دقيقة أو دقيقة ونصف.

يعود ذلك، “لأن مختبرات الحاسوب صغيرة ولا تتناسب مع عدد الطلبة.. إذ تحوي على عشرين جهازاً، وخمسة أو ستة منها على الأقل عاطلة”، ولهذا يتكدّس عشرات الطلبة في انتظار أن يصلهم دور لخوض تجربة عملية أمام الحاسوب.

لكن، وحتّى في هذه الدقائق المعدودة، يتعلم الطلبة على بعض الأساسيات، مثل عمليّة نسخ ولصق الملفات، وتغيير الخلفية سطح المكتب. “أما بالنسبة لحزمة Microsoft Office والمهارات الأخرى، فيعتقد الكثير من الأساتذة والطلبة أنها للمختصين في علوم الحاسوب، مع أنها مهارات بسيطة ومبدئية وأساسية لكل شخص يتعامل مع التقنيات الحديثة”، قال الظفيري.

وللنجاح في مادة الحاسوب، يشتري الطلبة من مكتبة الجامعة “ملزمة” تحوي على أساسيات ومصطلحات الحاسوب، وتصبح العمليّة كلّها نظرية وبدائية.

خاضت سما حسنين، التي درست الصيدلة في جامعة، تجربة أشد سوءاً. “لم يكن هناك لا أستاذ ولا أجهزة حاسوب. عالجت كليتي المسألة من خلال دعوة محاضر من كلية أخرى ليدرسنا تطوعا”.

“لم يعلمنا شيئاً”، قالت حسنين. “أعطانا ملزمة وحفظناها عن ظهر قلب وخضنا الامتحان التحريري النهائي”.

وكان الاختبار العملي، تجربة مليئة بالمعرقلات، “أحضر أحد الطلاب لابتوب، وأجرينا الاختبار عليه بالتتابع، (..) كانت لوحة المفاتيح عاطلة. لم نتمكن من كتابة النص الذي طلب منا الأستاذ طباعته على Word. بالكاد كان يمكننا الضغط على المفاتيح”.

يلجأ طلبة كُثر إلى المكاتب التي تنتشر حول الجامعات لطباعة التقارير والبحوث المكلفين بإنجازها، وبعضهم يدفع لهذه المكاتب لإنجاز الفرض الجامعي كله، وليس طباعته وتحويل من الورق إلى الحاسوب.

يعني هذا أن ثمة أفواجا من الخريجات والخريجين ذوي التحصيل العلمي العالي وصولاً الى   الماجستير والدكتوراه لا يتقنون استخدام الحاسوب والرقميات أو يتقنونها بدرجات متدنية، حتى أولئك المختصين بعلوم الحاسوب، وبالأخص النساء، وفقا لسمر علي التي تعد حالياً بحث دكتوراه في هندسة الاتصالات. 

ترى علي أن جزءا من انتشار مشكلة الأمية الرقمية لدى النساء تحديداً هو بسبب الاعتقاد الاجتماعي السائد الذي اقنعهن بأن الرقميات مرتبطة بالمهام التي يقوم بها الرجال.

لذا، فقلما نجد طالبات وخريجات شغوفات ذاتياً بالثقافة الرقمية والمعلوماتية بسبب التنشئة والحظر الذي يمارس عليهن منذ الصغر، والذي يستمر مع العمر نظراً لغياب من يوجههن ويشجعهن ويهتم بمحو الأمية الرقمية والمعلوماتية المتفشية بينهن.

العيب والأمية الرقمية لدى النساء

يشكل المستخدمون الذكور لمواقع التواصل الاجتماعي في العراق 66.6 بالمئة فيما تشكل المستخدمات الإناث 33.4بالمئة فقط! يعكس هذا فجوة رقمية في الاستخدام الرقمي الهادف بين الذكور والإناث. 

“لا يبدو غريباً علينا نحن النساء اللواتي نشأن وعشنا وعملنا في المجتمع العراقي أن الذكور أفضل من الاناث في التعامل مع الحواسيب والأجهزة الرقمية”، قالت سما التي تعمل اليوم صيدلانية.

“يعود ذلك بالأساس لكون الفتيات لم يألفن الحواسيب كالأولاد، فمنذ سنوات طفولتهم يستخدمونها ويستطيعون الوصول إلى الإنترنت بحرية مقارنة بالفتيات”.

لكن الوضع قد تغير اليوم، فالكثير من النساء بات لديهن قدرة أكبر للوصول إلى الانترنت من خلال الهواتف الذكية.

“لكن معظمهن يستفدن من خدمة الإنترنت فقط في مجال التواصل الاجتماعي.. وأهم ما يشغلهن هو الحذر أثناء الاستخدام حتى لا يتورطن فيما يضرهن أو يتسبب في قتلهن غسلا للعار أو يمنعن من مواصلة تعليمهن”، تردف سما.

مرّت ياسمين (٢٩ عاماً)، وهي صانعة محتوى نسوي وتحمل ماجستير في دراسات النوع الاجتماعي، بتجربة شخصيّة داخل منزلها ستكون بالنسبة لها بعد ذلك مقياساً لفهم ظاهرة الأمية الالكترونية بين النساء في العراق.

فعندما اشترى والد ياسمين حاسوباً للبيت سيطر عليه أخوها الأكبر، “وكأن الجهاز أصبح باسمه، كان يصرخ عليّ كلما أردت لمس الماوس”.

من خلال مشاهدة شقيقها وهو يستخدم الحاسوب، تعلّمت ياسمين على أساسيات الكومبيوتر. “كان يطردني، لكني تعلمت. كنت أتسلل بعد خروجه من البيت واشغل الجهاز.. كنت أبحث واقرأ وأشاهد اليوتيوب”.

لذلك، ترى ياسمين أنه من الصعب للغاية التوقع من النساء في الأوضاع التقليدية التي يعشن فيها أن يكون لديهن ثقافة رقمية ومعلوماتية. 

“كيف وهن يسمعن دائماً جملاً كـ(عيب يكون عندج حاسوب، انترنيت، موبايل.. أوشدتسوين بيهن. أو من تتزوجين يصير عندج.. أو بعدج صغيرة)… أعتقد أن (العيب) طبع في أذهانهن، وأن السخرية من رغبتهن القديمة في التعلم والتجربة قتلت شغفهن”.

تعيد ياسمين كل المشكلة إلى “الأدوار الجندرية” في المجتمع، قالت “النساء يستغرقن وقتهن في تنمية مهاراتهن كربات بيوت وفي الأعمال الرعائية. فإذا تبقى لهن بعض الوقت فسيقضينه على السوشال ميديا أو مشاهدة المسلسلات”.

ذكورية ضد الانترنت

شهادتا سما وياسمين لسان عراقيات كثيرات، حيث يفرض النظام الذكوري الأبوي تقييداً على استخدامهن للانترنت ومعرفتهن الرقمية بموجب المفاهيم الأخلاقية والدينية والتقاليد العشائرية، التي تربط ما بين الانترنت والعار والفضيحة، والنظر إليه على أنه خطر على النظام العائلي التقليدي وقيمه وأعرافه، وأنه بالتالي غير آمن للإناث حصراً.

بالتأكيد أن ثمة مخاطر على الاناث مرتبطة بالتكنولوجيا الرقمية مثل المضايقات عبر الإنترنيت والتنمر والملاحقة الإلكترونية، والرسائل الجنسية غير المرغوبة ومشاركة الصور الحميمية غير الرضائية، إلى جانب الاعتداء واستغلال الأطفال جنسياً وانعدام الوعي بحماية أمن البيانات والخصوصية. 

ولكن الإساءة والمضايقات عبر الإنترنت للنساء في العراق لن تؤدي إلا لترسيخ الفجوة الرقمية بين الجنسين.

فالنساء لا يعرفن إلى أين يلجأن للحصول على المساعدة عند تعرضهن للمضايقات أو الابتزاز الإلكتروني، والعوائل بدل أن تثقف بناتها وتعلمهن كيف يحافظن على أنفسهن آمنات أو يدعمونهن ويقفون في صفهن، نجدهم يمنعون عنهن الوصول الرقمي ويلقون عليهن اللوم ويعاقبوهن عقوبات تصل إلى القتل باسم “الشرف”!

المعرفة الرقمية.. ضرورة لاستقلال المرأة

مؤخراً اتصلت بي زميلة لتسألني عن كيفية إضافة عمود رابع لجدول مكون من أعمدة ثلاثة في Word. وجهتها إلى الغوغل واليوتيوب.. أهم وأسهل الطرق للتثقيف الالكتروني المتاحة اليوم للجميع. كان رد الزميلة ببساطة بأنها لا تجيد العمل على الحاسوب ولا تعرف كيفية البحث عن المعلومات على الانترنت.. أي أنها ببساطة لا تعرف كيف تتعلم! 

كثيرات من العراقيات خريجات الجامعات لا يعرفن أساسيات تحتاجها أي وظيفة، مثل إرسال بريد الكتروني وإنشاء وملء نموذج إلكتروني مثل Google Forms، أو ملء استبيان إلكتروني، وهو ما تعززه الاحصائية التي تبين أن 96 امرأة من أصل 100 لا يعرفن كيفية استخدام أجهزة الحاسوب أو الأجهزة الإلكترونية مثل الطابعات أو الأجهزة الذكية أو كيفية استخدام البرامج والتطبيقات.

بالتالي، وبالإضافة إلى العوامل السياسية والاجتماعية الأخرى التي تؤدي إلى بلوغ نسبة النساء غير الناشطات اقتصادياً 87 بالمئة وأن 78 بالمئة من نساء العراق هن ربات بيوت، وفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء عام 2019، فإن الأمية الرقمية وانعدام المهارات الالكترونية يساهم في جعل المرأة خارج سوق العمل.  

“عندما تكون المرأة العراقية ذات معرفة رقمية ومعلوماتية ستصبح منتجة أكثر ويزداد تركيزها على مهنتها لأنها ستستفيد من الانترنت والحواسيب بعملها.. وتستطيع أن تقوم بالعمل من خلال الانترنت وتتكسب منه وتصير مستقلة.. ستعرف المرأة كيف تقرأ إعلانات التوظيف والتقدم بطلبات العمل..”، تقول لنا المهندسة مريم (اسم مستعار)، التي تعد الآن رسالتها للماجستير في الهندسة المعمارية.

هذه الحاجة لتدعيم المرأة على الصعيد الرقمي كانت محور شعار الأمم المتحدة في الثامن من آذار / اليوم العالمي للمرأة هذا العام، الابتكار والتكنولوجيا من أجل المساواة بين الجنسين، حيث “تفتح التكنولوجيا الرقمية أبواباً جديدة للتمكين العالمي للنساء والفتيات والفئات المهمشة الأخرى. فيمثل العصر الرقمي فرصة غير مسبوقة للقضاء على جميع أشكال التفاوت وعدم المساواة”. 

بهذا، فالمرأة العراقية ذات الوصول والمعرفة الرقمية ستتمكن من تثقيف نفسها وتحفيز إبداعها، وستكون قادرة على تقييم الأخبار والإعلانات والخطب والحملات السياسية والصحية والبيئية، وتحليل الحوارات والنقاشات والنضال من أجل حقوقها. سيكون بإمكانها المشاركة في الحملات الرقمية للاحتجاج على الجرائم ضد النساء والعنف الأسري وزواج القاصرات، مما يزيد من وعيها ومن مشاركتها بالدفاع عن حقوقها، “كثيرات من النساء لم يعين أن ما مررن به في صغرهن ينضوي تحت تعريف التحرش إلى أن قرأن عنه في الانترنت”، تضيف مريم.

لذلك فمن دون محو الأمية الرقمية والمعلوماتية، ستظل المرأة العراقية مقيدة في تعبيرها عن إمكانياتها ورأيها ومحرومة من الاستقلال المعنوي والمادي ومن تشكيل وصوغ شخصيتها في البيت والمجتمع على حد سواء.

* فضّلت المتحدثات في التقرير عدم الإشارة إلى اسمائهن الصريحة، أو الإشارة فقط إلى اسمهن الأول بلا لقب. 

اقرأ ايضاً

بعد تخرّجي من كلية الهندسة بدأت رحلة البحث عن عمل وتقدمت بطلبٍ للحصول على وظيفة. حضر للمقابلة العديد من المهندسات والمهندسين حديثي التخرج وآخرون تخرجوا منذ سنوات. كان الاختبار الأول حول مهارات اللغة الإنجليزية والمهارات الرقمية، مثل استخدام الحاسوب وبرامجه كحزمة Microsoft Office التي باتت أساسية لإنجاز أي وظيفة.

عرفت لاحقاً أن أغلب المهندسات اللائي كن معي لم يجتزن الاختبار لعدم معرفتهن بكيفية استخدام برنامجي Wordأو Excel بشكل صحيح، هذا بالإضافة إلى افتقارهن لمهارات اللغة الإنجليزية. كما عرفت أيضاً أن عدد المهندسين الذين لم يجتازوا الاختبار نفسه لافتقارهم للمهارات ذاتها أقل عن المهندسات.

تعاني أغلب العراقيات من صعوبة الحصول على وظائف أو النهوض بمهنهن بسبب انتشار الأمية الرقميّة والمعلوماتية بينهن، بالإضافة إلى عوامل أخرى تؤثر سلباً على فرصهن، منها الاجتماعية والسياسية والمؤسساتية التي تمعن في التمييز الجندري. هذه العوائق تمنعهن من تأمين حياة كريمة واستقرار مالي ومعنوي لأنفسهن وأطفالهن.

الأمية الرقمية.. بدءاً من المدارس 

ثمة لبس في فهم المعرفة الرقمية في العراق، بالذات إذا ما عرفنا أن عدد مستخدمي السوشيال ميديا في البلاد بلغ نحو 28 مليون شخص، أي نحو 70 بالمئة من السكان عام 2022.

مع ذلك، تنتشر الأمية الرقمية بين حوالي 60 بالمئة من الجيل الشاب الذي يشكل غالبية المجتمع العراقي.

أما المعرفة الرقمية، فتعرفها اليونسكو، على أنها “القدرة على الوصول إلى المعلومات من خلال التقنيات الرقمية، وإدارتها وفهمها ودمجها وتوصيلها وتقييمها وانتاجها بأمان وبشكل مناسب للتوظيف والعمل اللائق وريادة الأعمال”.

ولضمان محو الأمية الرقمية يتوجب على الفرد أن يتعلم “المهارات اللازمة وظيفياَ للقدرة على استخدام الإنترنت والتكنولوجيا الرقمية، بالإضافة إلى معرفة كيفية القيام بذلك بصورة آمنة وبمعلومات موثوقة وبيانات محمية”.

يتطلب هذا أكثر من مجرد استخدام الانترنت ووجود هاتف ذكي أو حتى حاسوب. 

الحال هذه، لا يبدو غريباً انتشار الأمية الرقمية بين الجيل الشاب في العراق إذا ما عرفنا أن مادة تعليم الحاسوب ضمن منهاج المدارس العراقية، وهي إلزامية، عادة ما تكون نظرية وتُدرس من دون حواسيب!

كما أن قلة من المدارس الثانوية تتوفر لديها أجهزة حاسوب، وتكاد لا تكفي لجميع الطلبة/الطالبات. وحتى هذه الموجودة غير موصولة بالإنترنت بسبب الاعتقاد السائد في المدارس بأن الإنترنت سيفسد أخلاق الفتيات. ورغم تضمينها في الدروس المقررة، فإن ثمة مدارس لا تقوم بتدريس المادة على الإطلاق، لأن غالبية المعلمات لا يدخل الحاسوب في إطار اهتماماتهن ولا يعلمن الفتيات كيفية استخدامه، وإهمالهن هذا يشير إلى أنهن يعانين أيضاً من الأمية الرقمية والمعلوماتية نفسها.  

كون دروس الحاسوب في المدارس لا تؤخذ على محمل الجد، هي تجربة ليست غريبة علينا كطلاب وطالبات من مختلف المحافظات والبيئات، وهو أمر غير خفيّ حتى على وزارة التربية التي تحث الكوادر التعليمية على تدريس الحاسوب وعدم تركه أو إهماله، مثلما جاء في كتاب لها في أواخر 2021. 

كتاب مُسرّب من وزارة التربية بخصوص استخدام الحاسوب

دراسات عُليا بمهارات رقمية متدنية

لا يختلف الوضع كثيراً عنه في الجامعات.

فأغلب الكليات تُدرِّس موادها التخصصية فقط دون تنمية المهارات الرقمية والبحثية والمعلوماتية التي ستفيد الطلبة بعد تخرجهم. 

يجمع الأستاذة والطلبة على ذلك. 

قدّر أحمد الظفيري، وهو أستاذ في جامعة سامراء، أن الدروس العملية على الحاسوب التي يحصل عليها الطلاب في الجامعات لا تتجاوز الدرسين في العام، ولا يكون زمنها أكثر من دقيقة أو دقيقة ونصف.

يعود ذلك، “لأن مختبرات الحاسوب صغيرة ولا تتناسب مع عدد الطلبة.. إذ تحوي على عشرين جهازاً، وخمسة أو ستة منها على الأقل عاطلة”، ولهذا يتكدّس عشرات الطلبة في انتظار أن يصلهم دور لخوض تجربة عملية أمام الحاسوب.

لكن، وحتّى في هذه الدقائق المعدودة، يتعلم الطلبة على بعض الأساسيات، مثل عمليّة نسخ ولصق الملفات، وتغيير الخلفية سطح المكتب. “أما بالنسبة لحزمة Microsoft Office والمهارات الأخرى، فيعتقد الكثير من الأساتذة والطلبة أنها للمختصين في علوم الحاسوب، مع أنها مهارات بسيطة ومبدئية وأساسية لكل شخص يتعامل مع التقنيات الحديثة”، قال الظفيري.

وللنجاح في مادة الحاسوب، يشتري الطلبة من مكتبة الجامعة “ملزمة” تحوي على أساسيات ومصطلحات الحاسوب، وتصبح العمليّة كلّها نظرية وبدائية.

خاضت سما حسنين، التي درست الصيدلة في جامعة، تجربة أشد سوءاً. “لم يكن هناك لا أستاذ ولا أجهزة حاسوب. عالجت كليتي المسألة من خلال دعوة محاضر من كلية أخرى ليدرسنا تطوعا”.

“لم يعلمنا شيئاً”، قالت حسنين. “أعطانا ملزمة وحفظناها عن ظهر قلب وخضنا الامتحان التحريري النهائي”.

وكان الاختبار العملي، تجربة مليئة بالمعرقلات، “أحضر أحد الطلاب لابتوب، وأجرينا الاختبار عليه بالتتابع، (..) كانت لوحة المفاتيح عاطلة. لم نتمكن من كتابة النص الذي طلب منا الأستاذ طباعته على Word. بالكاد كان يمكننا الضغط على المفاتيح”.

يلجأ طلبة كُثر إلى المكاتب التي تنتشر حول الجامعات لطباعة التقارير والبحوث المكلفين بإنجازها، وبعضهم يدفع لهذه المكاتب لإنجاز الفرض الجامعي كله، وليس طباعته وتحويل من الورق إلى الحاسوب.

يعني هذا أن ثمة أفواجا من الخريجات والخريجين ذوي التحصيل العلمي العالي وصولاً الى   الماجستير والدكتوراه لا يتقنون استخدام الحاسوب والرقميات أو يتقنونها بدرجات متدنية، حتى أولئك المختصين بعلوم الحاسوب، وبالأخص النساء، وفقا لسمر علي التي تعد حالياً بحث دكتوراه في هندسة الاتصالات. 

ترى علي أن جزءا من انتشار مشكلة الأمية الرقمية لدى النساء تحديداً هو بسبب الاعتقاد الاجتماعي السائد الذي اقنعهن بأن الرقميات مرتبطة بالمهام التي يقوم بها الرجال.

لذا، فقلما نجد طالبات وخريجات شغوفات ذاتياً بالثقافة الرقمية والمعلوماتية بسبب التنشئة والحظر الذي يمارس عليهن منذ الصغر، والذي يستمر مع العمر نظراً لغياب من يوجههن ويشجعهن ويهتم بمحو الأمية الرقمية والمعلوماتية المتفشية بينهن.

العيب والأمية الرقمية لدى النساء

يشكل المستخدمون الذكور لمواقع التواصل الاجتماعي في العراق 66.6 بالمئة فيما تشكل المستخدمات الإناث 33.4بالمئة فقط! يعكس هذا فجوة رقمية في الاستخدام الرقمي الهادف بين الذكور والإناث. 

“لا يبدو غريباً علينا نحن النساء اللواتي نشأن وعشنا وعملنا في المجتمع العراقي أن الذكور أفضل من الاناث في التعامل مع الحواسيب والأجهزة الرقمية”، قالت سما التي تعمل اليوم صيدلانية.

“يعود ذلك بالأساس لكون الفتيات لم يألفن الحواسيب كالأولاد، فمنذ سنوات طفولتهم يستخدمونها ويستطيعون الوصول إلى الإنترنت بحرية مقارنة بالفتيات”.

لكن الوضع قد تغير اليوم، فالكثير من النساء بات لديهن قدرة أكبر للوصول إلى الانترنت من خلال الهواتف الذكية.

“لكن معظمهن يستفدن من خدمة الإنترنت فقط في مجال التواصل الاجتماعي.. وأهم ما يشغلهن هو الحذر أثناء الاستخدام حتى لا يتورطن فيما يضرهن أو يتسبب في قتلهن غسلا للعار أو يمنعن من مواصلة تعليمهن”، تردف سما.

مرّت ياسمين (٢٩ عاماً)، وهي صانعة محتوى نسوي وتحمل ماجستير في دراسات النوع الاجتماعي، بتجربة شخصيّة داخل منزلها ستكون بالنسبة لها بعد ذلك مقياساً لفهم ظاهرة الأمية الالكترونية بين النساء في العراق.

فعندما اشترى والد ياسمين حاسوباً للبيت سيطر عليه أخوها الأكبر، “وكأن الجهاز أصبح باسمه، كان يصرخ عليّ كلما أردت لمس الماوس”.

من خلال مشاهدة شقيقها وهو يستخدم الحاسوب، تعلّمت ياسمين على أساسيات الكومبيوتر. “كان يطردني، لكني تعلمت. كنت أتسلل بعد خروجه من البيت واشغل الجهاز.. كنت أبحث واقرأ وأشاهد اليوتيوب”.

لذلك، ترى ياسمين أنه من الصعب للغاية التوقع من النساء في الأوضاع التقليدية التي يعشن فيها أن يكون لديهن ثقافة رقمية ومعلوماتية. 

“كيف وهن يسمعن دائماً جملاً كـ(عيب يكون عندج حاسوب، انترنيت، موبايل.. أوشدتسوين بيهن. أو من تتزوجين يصير عندج.. أو بعدج صغيرة)… أعتقد أن (العيب) طبع في أذهانهن، وأن السخرية من رغبتهن القديمة في التعلم والتجربة قتلت شغفهن”.

تعيد ياسمين كل المشكلة إلى “الأدوار الجندرية” في المجتمع، قالت “النساء يستغرقن وقتهن في تنمية مهاراتهن كربات بيوت وفي الأعمال الرعائية. فإذا تبقى لهن بعض الوقت فسيقضينه على السوشال ميديا أو مشاهدة المسلسلات”.

ذكورية ضد الانترنت

شهادتا سما وياسمين لسان عراقيات كثيرات، حيث يفرض النظام الذكوري الأبوي تقييداً على استخدامهن للانترنت ومعرفتهن الرقمية بموجب المفاهيم الأخلاقية والدينية والتقاليد العشائرية، التي تربط ما بين الانترنت والعار والفضيحة، والنظر إليه على أنه خطر على النظام العائلي التقليدي وقيمه وأعرافه، وأنه بالتالي غير آمن للإناث حصراً.

بالتأكيد أن ثمة مخاطر على الاناث مرتبطة بالتكنولوجيا الرقمية مثل المضايقات عبر الإنترنيت والتنمر والملاحقة الإلكترونية، والرسائل الجنسية غير المرغوبة ومشاركة الصور الحميمية غير الرضائية، إلى جانب الاعتداء واستغلال الأطفال جنسياً وانعدام الوعي بحماية أمن البيانات والخصوصية. 

ولكن الإساءة والمضايقات عبر الإنترنت للنساء في العراق لن تؤدي إلا لترسيخ الفجوة الرقمية بين الجنسين.

فالنساء لا يعرفن إلى أين يلجأن للحصول على المساعدة عند تعرضهن للمضايقات أو الابتزاز الإلكتروني، والعوائل بدل أن تثقف بناتها وتعلمهن كيف يحافظن على أنفسهن آمنات أو يدعمونهن ويقفون في صفهن، نجدهم يمنعون عنهن الوصول الرقمي ويلقون عليهن اللوم ويعاقبوهن عقوبات تصل إلى القتل باسم “الشرف”!

المعرفة الرقمية.. ضرورة لاستقلال المرأة

مؤخراً اتصلت بي زميلة لتسألني عن كيفية إضافة عمود رابع لجدول مكون من أعمدة ثلاثة في Word. وجهتها إلى الغوغل واليوتيوب.. أهم وأسهل الطرق للتثقيف الالكتروني المتاحة اليوم للجميع. كان رد الزميلة ببساطة بأنها لا تجيد العمل على الحاسوب ولا تعرف كيفية البحث عن المعلومات على الانترنت.. أي أنها ببساطة لا تعرف كيف تتعلم! 

كثيرات من العراقيات خريجات الجامعات لا يعرفن أساسيات تحتاجها أي وظيفة، مثل إرسال بريد الكتروني وإنشاء وملء نموذج إلكتروني مثل Google Forms، أو ملء استبيان إلكتروني، وهو ما تعززه الاحصائية التي تبين أن 96 امرأة من أصل 100 لا يعرفن كيفية استخدام أجهزة الحاسوب أو الأجهزة الإلكترونية مثل الطابعات أو الأجهزة الذكية أو كيفية استخدام البرامج والتطبيقات.

بالتالي، وبالإضافة إلى العوامل السياسية والاجتماعية الأخرى التي تؤدي إلى بلوغ نسبة النساء غير الناشطات اقتصادياً 87 بالمئة وأن 78 بالمئة من نساء العراق هن ربات بيوت، وفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء عام 2019، فإن الأمية الرقمية وانعدام المهارات الالكترونية يساهم في جعل المرأة خارج سوق العمل.  

“عندما تكون المرأة العراقية ذات معرفة رقمية ومعلوماتية ستصبح منتجة أكثر ويزداد تركيزها على مهنتها لأنها ستستفيد من الانترنت والحواسيب بعملها.. وتستطيع أن تقوم بالعمل من خلال الانترنت وتتكسب منه وتصير مستقلة.. ستعرف المرأة كيف تقرأ إعلانات التوظيف والتقدم بطلبات العمل..”، تقول لنا المهندسة مريم (اسم مستعار)، التي تعد الآن رسالتها للماجستير في الهندسة المعمارية.

هذه الحاجة لتدعيم المرأة على الصعيد الرقمي كانت محور شعار الأمم المتحدة في الثامن من آذار / اليوم العالمي للمرأة هذا العام، الابتكار والتكنولوجيا من أجل المساواة بين الجنسين، حيث “تفتح التكنولوجيا الرقمية أبواباً جديدة للتمكين العالمي للنساء والفتيات والفئات المهمشة الأخرى. فيمثل العصر الرقمي فرصة غير مسبوقة للقضاء على جميع أشكال التفاوت وعدم المساواة”. 

بهذا، فالمرأة العراقية ذات الوصول والمعرفة الرقمية ستتمكن من تثقيف نفسها وتحفيز إبداعها، وستكون قادرة على تقييم الأخبار والإعلانات والخطب والحملات السياسية والصحية والبيئية، وتحليل الحوارات والنقاشات والنضال من أجل حقوقها. سيكون بإمكانها المشاركة في الحملات الرقمية للاحتجاج على الجرائم ضد النساء والعنف الأسري وزواج القاصرات، مما يزيد من وعيها ومن مشاركتها بالدفاع عن حقوقها، “كثيرات من النساء لم يعين أن ما مررن به في صغرهن ينضوي تحت تعريف التحرش إلى أن قرأن عنه في الانترنت”، تضيف مريم.

لذلك فمن دون محو الأمية الرقمية والمعلوماتية، ستظل المرأة العراقية مقيدة في تعبيرها عن إمكانياتها ورأيها ومحرومة من الاستقلال المعنوي والمادي ومن تشكيل وصوغ شخصيتها في البيت والمجتمع على حد سواء.

* فضّلت المتحدثات في التقرير عدم الإشارة إلى اسمائهن الصريحة، أو الإشارة فقط إلى اسمهن الأول بلا لقب.