أهرب من الحرب فتجري الحرب نحوي 

صفا نجف

26 آذار 2026

مرّت الأيام على صوت القصف واللون الأحمر الذي يصاحب لحظة الانفجار، يليه الدخان الذي يملأ السماء. ظننتُ أنني تجاوزت كل ما حدث في بغداد، وأن البلد الجديد قد يمنحني حياة مختلفة. لكن ذاكرتي ما زالت تحتفظ بآثار الحرب، وبعد محاولات طويلة لفهم خوف الطفلة في داخلي، ثم المراهقة فالشابة، أدركت أن ما نحمله في دواخلنا لا يبقى خلفنا، بل يرافقنا أينما ذهبنا.

الغزو الأمريكي للعراق 2003 

البطانيات الخشنة ذات اللون الخاكي، تلك التي كنّا نهرب منها في الشتاء بسبب خشونتها وقسوتها على أجسادنا، علّقها أبي يومها على النوافذ، وثبتها بالمسامير بإتقان، بينما ألصق زجاج الشباك بشريط لاصق بني على شكل (X).

لم أفهم تماماً ما الذي تفعله البطانيات هناك، لكنني شعرت براحة غريبة حين رأيتها معلّقة على النافذة لا على جسدي، وكأنها انتقلت فجأة من عبء يومي إلى شيء يحمينا.

كان ذلك في آذار 2003، حين كنت في العاشرة من عمري. وحين بدأت الحرب الأمريكية على العراق، جلسنا ننتظر ونستمع إلى الراديو، ثم دوّت صافرات الإنذار، فأطفأت أمي أضواء المنزل وتكوّرنا جميعاً في إحدى الزوايا، نحن الستة، أنا وأبي وأمي وأختي التي تكبرني بسنتين، وأختي الصغرى ذات الأعوام الستة، وأخي ذو الأربعة أعوام.

كل ما أتذكره هو أسئلة يسألها الأطفال: لماذا أطفأنا الأضواء؟ ماذا سيحدث؟ كنت خائفة، كلنا خائفون، لكننا لم نبكِ ولم نصرخ، خشية أن يسمعونا وتصل إحدى قنابلهم إلينا. تكورنا في ذلك الممر الضيق الذي يفصل الغرفتين، والذي كنّا نستخدمه كمطبخ صغير، زاوية لا يميّزها شيء، لكنها بقيت في ذاكرتي أكثر من أي مكان آخر، لأن الخوف يمنح الأماكن العادية معنى إضافياً، ولأن الأطفال يثقون بآبائهم ثقة كاملة حتى حين لا يكون لديهم ما يقدّمونه سوى الانتظار.

مرّت الأيام على صوت القصف واللون الأحمر الذي يصاحب لحظة الانفجار، يليه الدخان الذي يملأ السماء. كنا نتسلل بعد صوت الانفجار لنرفع جزءاً صغيراً من البطانية عن النافذة لنرى مدى قربه منا، ثم نحمد الله أنه أبعد مما كنا نظن.

عمل فني: عاطف الجفال

أما صوت التغطية الإخبارية وصوت المذيع، فكل ما عرفته من الأخبار هو اسم صدام حسين الذي تكرر كثيراً، وهو الاسم الذي كنت أعرفه قبل معرفتي بكتابة الأبجدية. إنهم يودون التخلص منه، لكن لم أفهم حينها لماذا، ما الذي فعله هذا الرجل؟ ثم دخل الأمريكيون البلاد، واقتربت الانفجارات أكثر، ثم أُعلن سقوط بغداد في التاسع من نيسان، لم أفهم معنى السقوط كما لم أفهم الفرح الذي خيم على العائلة، ألم نكن خائفين قبلها؟

انقطعت الكهرباء، انقطعت الاتصالات، أصبحنا معزولين تماماً عن الخارج، لا نعرف شيئاً عن الأقارب والأحباء، وتساءلت عن أصدقائي في المدرسة، وعن العائلة “أولاد خالي وخالتي”، هل سنلعب مجدداً، متى؟ ثم فُتحت الطرق أخيراً، أخبرنا أبي أن نرتدي ملابسنا لنخرج ونطمئن على بيت خالتي، خرجنا من سبات طويل نتلفّت يميناً ويساراً والهدوء يملأ الشوارع، لكنه هدوء مشبع بالخوف الذي يظهر في وجوه الجيران، نساء ورجال وأطفال، خوف ينتقل بين الوجوه ويجعل الجميع متشابهين، ويمنح شعوراً خفياً بأن هذا ليس خوفنا وحدنا.

وصلنا إلى الشارع العام، وإذ برتل أمريكي يمر أمامنا.
أدهشتني طريقة اعتلاء الجنود ظهر الدبابات، وتلك الرشاشات والفوهات المصوّبة نحونا. كانت أول مرة أشاهد فيها دبابة بهذا القرب، لكن ما زاد استغرابي هو هتاف الأطفال لهم وفرحة الناس بقدومهم.

لم أرحب بهم، كانت تجربتي الأولى كطفلة تمر بتضارب بين شعور الخوف وشعور الفرحة، الفرحة التي أود مشاركتها مع الأطفال، ولم أجد مبرراً لشعوري ذاك. يتخلل هذه المشاعر كمية مهولة من الأسئلة التي لا أحد يجيب عنها، ولم أجرؤ على طرحها، تساؤلات حول معنى الخوف؟ ومعنى الفرح بالحرب؟ ولماذا كل تلك “الهلاهل”؟ ومن هؤلاء الجنود الذين لا يتحدثون لغتنا؟ أين اختفى ذلك الرجل بصورته المطبوعة على أول صفحة من كتبي المدرسية؟

في تلك اللحظة العابرة، وأنا أحدق في الدبابة التي تمرّ من جانبي، قفزت فجأة إلى مخيلتي صورة عدنان في كارتون “عدنان ولينا” وهو يقف على أطراف أصابعه فوق فوهة المدفع. كنت أعرف الدبابات من مسلسلات الكارتون فقط، حيث كانت دائماً تحمل رمزاً للخطر والشر، وفوهتها لا تجلب إلا الموت، بينما من يواجهها هو البطل، هو الخير.

وفي لحظة طفولية تخيلت أننا لو اقتربنا أكثر من الدبابات فقد نستطيع أن نفعل مثل عدنان، أن نقف فوقها بخفة ونتحدى هذا الخطر. لكن واقعنا لم يشبه الكارتون، ولا نملك نحن تلك الخفة. كنت أظن أن الأطفال في أماكن أخرى يملكون شيئاً نفتقده، ربما هو الشجاعة أو عالم أقل خوفاً.

مرّ الرتل، وأوقف أبي سيارة أجرة، واتجهنا إلى الأعظمية، لم نكن نعلم ما ينتظرنا، إن كنا سنجدهم أحياء أم لا، ومنذ تلك اللحظة، رغم أنني لم أكن أعرف بغداد جيداً ولا أعرف سوى طريق المدرسة والعودة إلى المنزل، شعرت أنني فقدت هذا البلد، بكيت دون أن أفهم تماماً السبب، كان الدمار في كل مكان، والشوارع خالية يغطيها اللون الرمادي، لون لم يغادرني منذ ذلك اليوم، لون يلتصق بالذاكرة، لون الطفولة التي تجبَر على النضوج مبكراً، حين يرى الطفل الخوف في عيني أمه وأبيه ولا يجد تفسيراً لما يحدث.

وصلنا إلى بيت خالتي، لم يصبهم أذى، احتضنّا بعضنا وبكينا، لم تنتظر خالتي وأمي إكمال هذه اللحظة حتى بدأتا بمشاركة قصصهما عن تلك الليالي وكيف مضت عليهما. أما أنا وأخواتي وبنات خالتي فركضنا للعب، وسحبننا نحو الشرفة وبدأن يسردن لنا كيف كان فدائيو صدام، مباشرة من أمام منزلهم، يطلقون الصواريخ، وكيف رموا أسلحتهم وهربوا بعد دخول الأمريكيين لبغداد.

ومنذ تلك اللحظة التي تشاركنا فيها قصصاً ليست للأطفال بدأ شيء ما يتآكل في داخلي. الطفولة لم تنتهِ دفعة واحدة، بل تراجعت ببطء تاركة تفاصيل صغيرة، مثل الشوارع التي كنا نركض فيها قرب بيت جدي في أطراف بغداد، واللعب بالطين عندما تمطر، والهروب من المنزل في فترة القيلولة، وحرارة الإسفلت تحت أقدامنا العارية في الصيف، ودخول المنازل المهجورة التي تكون قيد البناء، ولعبة “بيت بيوت”، والبيت المصنوع من المخاد، كل ذلك بدأ يبتعد كأنه يحدث لشخص آخر.

حل الصمت والخجل من اللعب محل هذه الألعاب، وسط هذا الكم الهائل من الموت والخوف، يجب أن نكبر لتتم الإجابة عن أسئلتنا، لذا تركنا كل الألعاب وركضنا خلف أجوبة لأسئلة مثل: لماذا مات فلان، لماذا هُجر الجار، لماذا قتلوا أب صديقتي المقربة، ولماذا اختفت إسراء قبل أن أودعها؟!

الطائفية 2006 

كنت في الـ13 من عمري حين بدأ الجميع يهرب للنجاة، بعضهم إلى سوريا وبعضهم إلى الأردن، لم تكن المغادرة حدثاً مفاجئاً بل سلسلة من الوداع الصامت، بيوت تُغلق دون يقين بالعودة، وأحاديث تُقال بصوت منخفض وكأن الجدران تسمع، بقينا نحن رغم رغبتنا في الرحيل.

أمي وجدت نفسها فجأة وحيدة بعد هجرة إخوتها وأختها، كانت تقف في البيت كأنها تحرس ما تبقّى، لا تعرف إن كانت تحميه أم تودّعه ببطء. أما نحن الأطفال، أنا وإخوتي، فكان علينا أن نتأقلم مع فكرة أن اللعب يمكن أن يحدث في عزلة، وأن الضحك يجب أن يكون أخف، وأن الخروج لم يعد حقاً بل مخاطرة.

الفراغ الذي تركه الراحلون كان أكثر من مجرد غياب أشخاص، كان غياب حياة كاملة تحيط بنا دون أن ننتبه لها. أصبح البيت فجأة أهدأ مما يحتمل، وما تلا رحيل الجيران والأقارب كان أشد قسوة، لأننا لم نتعلم فقط كيف نعيش بدونهم، بل كيف نعيش مع الخوف، الخوف الذي لا يأتي دفعة واحدة، بل يتسرّب ببطء، يدخل من الأبواب والنوافذ ومن قصص الآخرين، الخوف من أن يأتي دورنا، أن يُطرق بابنا كما طُرقت أبوابهم، أن نصبح نحن الحكاية التي تهمس بها البيوت، أن نُحمل نحن أيضاً في سيارات لا نعرف إلى أين تذهب.

عمل فني: عاطف الجفال

تعلمنا أن نراقب كل شيء، أصوات الخطوات في الشارع، حركة السيارات، الوجوه الغريبة، وحتى صمت الليل، تعلمنا أن نقرأ الخوف في عيون الكبار قبل أن يُقال، وأن نفهم ما لا يُقال أصلاً، أن نتصرّف بحذر داخل بيتنا كما لو أنه ليس آمناً، أن نخفض أصواتنا، ألّا نسأل كثيراً، أن ننتظر دائماً، لأن الانتظار كان الشكل الوحيد الممكن للحياة، لم نعد أطفالاً نلعب، بل أطفال يتدرّبون على النجاة، وكأن الطفولة كانت مرحلة يمكن تجاوزها بسرعة إذا لزم الأمر.

كبرنا ونحن نشهد تمزيق الملابس عند فقد الأبناء، وصراخ الجيران عند تهديدهم وتهجيرهم قسراً، وأصواتهم التي تقابلها بيوت موصدة، لا صوت ولا حتى نظرة من خلف الستائر، النجاة كانت تعني أن تنظر بعيداً، أن تتظاهر بأن ما يحدث لا يعنيك، أن تقول في داخلك “معلينه بأحد”، جملة صغيرة لكنها كانت كافية لتبرير الصمت وحماية ما تبقّى من الحياة، حتى وإن كان الثمن هو التخلّي عن الآخرين.

مشاهد عديدة، اختفى بعضها، وبعضها يختبئ هنا وهناك ينتظر تحفيزاً، لكن هناك صور ترفض أن تختفي، مثل ذلك الرجل المقتول قرب المدرسة، كنت في عمر الـ12، تناقلت الطالبات خبر مقتله بعد ساعة من وصولنا إلى المدرسة، ومُنع الجميع من حمله كعقاب فوق عقاب قتله، تُرك مرمياً على الأرض بـ”دشداشته” البنية، وغُطي جزؤه العلوي بـ”كارتونة”. بقي في مكانه متروكاً حتى خروجنا ظهراً من المدرسة، كان لا يزال كما هو، الناس تمر من حوله كأنه غير موجود، المحلات حوله تبيع بضائعها والمشترون يناقشون في الأسعار ويتشاركون الأحاديث وحتى الضحكات، وكأن تلك “الكارتونة” التي لم تخفِ سوى وجهه قد أخفته بالكامل، فلا أحد هنا يراه.

وصلت إلى البيت وصرت أراه كلما أغلقت عينيّ محاولة النوم، أعُدّ إلى المئة حتى أغفو. لكن لم أكن أتخيل أنني سأستمر في تخيل ذلك المشهد من الزاوية نفسها، أتخيل حتى ملامح وجهه التي لم ألمحها حينها. كل يوم، ولأشهر، كان يقف هناك عند زاوية مقتله يحوم في مكانه، كأن الزمن توقف هناك، وأنا وحدي من أتحرك.

انفجار سوق الحرية 2008 

وصلت إلى الـ15 من عمري، ولم يتغير شيء سوى أنني أصبحت أكبر وخوفي أصبح أوضح. دوّى انفجار هزّ المنطقة، أبي لا يجيب على الهاتف، الناس تركض نحو مصدر الصوت. وقفت عند باب المنزل، نصف جسدي يريد الخروج ونصفه الآخر يتمسّك بالداخل، لأنني لا أريد أن أعرف أكثر مما أعرف، كلمة واحدة كانت كافية: انفجار. في تلك اللحظة قطعت وعداً على نفسي بأنني لن أنجب أطفالاً في هذا البلد، لن أسمح لروح أخرى أن تعيش هذا الخوف، أن تنظر إلى والدها كل مرة يخرج فيها وكأنها المرة الأخيرة.

عاد أبي، لكن المنطقة امتلأت بشوادر وبيوت العزاء، بأصوات القرآن والتعازي، وبسؤال لا جواب له: كم مرة سنهرب من عزرائيل؟ كم مرة سنفلت منه؟ كيف؟

هل أستطيع أن أطلب من كل أفراد عائلتي ألّا نخرج أبداً؟ كان القلق يلازمني عند خروج أبي أو أمي، أو حتى إخوتي ليلعبوا في الشارع أمام المنزل، لكني أكتمه بهدوء ولا أستطيع مشاركته مع أحد. على مدى تلك السنوات، كنت كل ليلة أبيت فيها مع عائلتي كاملة لا ينقص من أفرادها أحد أشعر بأن الحظ يرافقنا، لكن الخوف من الغد يعود مجدداً.

لحقت هذه الأحداث أحداثاً أخرى، لكنني لم أعد أتذكر الحرب بترتيبها وإنما بما تركته داخلي. الذاكرة لا تحفظ التسلسل، بل الأثر، وحتى بعد أن غادرت، وبعد محاولات طويلة لفهم تلك الطفلة ثم المراهقة ثم الشابة، ومحاولة التخفيف من الهلع الذي يسكن الجسد قبل العقل، ظننت أنني عبرت كل ذلك، أن الحدود يمكن أن تفصل بيني وبين ما حدث، أن المكان الجديد يمكن أن يمنحني حياة مختلفة، لكن ما نحمله لا يبقى خلفنا، بل يرافقنا أينما ذهبنا.

لم يكن ما عشناه حالة استثنائية، ولا حكاية عائلة واحدة، فلهذه الفوضى أسماء كثيرة، دراسات ومصطلحات تحاول تفسير ما حدث لنا ونحن أطفال، أقرأها الآن فأشعر بالغضب بقدر ما أشعر بالراحة. في دراسة للباحث عبد الكريم العبيدي عن الصحة النفسية للأطفال في العراق، يروي أن سنوات العنف والنزوح وفقدان العائلة وعدم الاستقرار صنعت جيلاً كاملاً مثقلاً بالقلق والخوف.

في بغداد، حيث كنت، يظهر اضطراب ما بعد الصدمة لدى 14 بالمئة من الأطفال، وفي الموصل يصل إلى 30 بالمئة، ويرجَّح أن 37 بالمئة من أطفال الموصل يعانون من اضطرابات نفسية.

لم أكن أعرف هذه الأرقام، لكنني أعرف ما تعنيه، كنت أعرف الرجل الممدّد قرب المدرسة، كنت أعرف صوت الانفجار، وأعرف كيف يبدو الخوف في عيني أمي، القلق والاكتئاب والمشاكل السلوكية ليست سوى أسماء لاحقة، أما ما حدث فعلاً فهو أن الطفولة انكسرت، ويقول الباحثون إن هذه التأثيرات تستمر حتى البلوغ، وربما لهذا لم ينتهِ شيء.

كيف أثّرت فينا الحروب كأطفال؟ لم يكن هناك ملجأ، ولا مكان يمكن العودة إليه، ولا حتى داخل العائلة شعور ثابت بالحماية، لأن الجميع كان خائفاً، الجميع كان يحاول النجاة، نشأنا ونحن نرى أهلنا يواجهون ما نواجهه دون أن يمتلك أحد القدرة على طمأنتنا، لذلك تعلّمنا مبكراً أن الأمان ليس حالة ثابتة، بل مجرد محاولة مؤقتة يمكن أن تنهار في أي لحظة.

الأمان الوهمي، كما أسميه الآن، أن نبحث عن يوم عادي، يوم ممل، بلا أخبار حرب، بلا خوف، بلا اتصالات متكررة للاطمئنان، بلا ذاكرة تفتح أبوابها فجأة على مشاهد قديمة، أن نعيش دون عقلية النجاة، دون أن نحسب دائماً ما الذي يمكن أن نحمله معنا إذا اضطررنا إلى الرحيل، ألّا نعيش ونحن نراقب الباب.

بدأ عام 2026 بمسيّرات وصواريخ وأصوات “درونات”. لست في بغداد، لكنني أسمعها في آذان عائلتي هناك، أتصل بهم، يحاولون تحويل ما يحدث إلى “نكتة”، أعرف أن ذلك جزء من مقاومة الخوف، محاولة صغيرة لاستدعاء الأمان، لكنه لا يأتي، ما يأتي هو شعور آخر، خوف الفقد، يعود أكبر، أثقل، لا يهدأ.

فكرت بجدتي، كم حرب شهدت؟ أبناؤها، ثم نحن، الجيل الثالث، ومن بعدنا، تمنّيت لو أن جيلاً واحداً فقط يمكن أن يعيش عمره كاملاً دون حرب، دون أن يتعلّم مبكراً كيف ينجو، شعرت بذلك الغضب في صدري، متى سنشفى؟ وكيف ورثنا كل هذا؟ وكيف سنورّثه. الحرب لا تنتهي، تنتقل فقط.

عمل فني: عاطف الجفال

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media

اقرأ ايضاً

الغزو الأمريكي للعراق 2003 

البطانيات الخشنة ذات اللون الخاكي، تلك التي كنّا نهرب منها في الشتاء بسبب خشونتها وقسوتها على أجسادنا، علّقها أبي يومها على النوافذ، وثبتها بالمسامير بإتقان، بينما ألصق زجاج الشباك بشريط لاصق بني على شكل (X).

لم أفهم تماماً ما الذي تفعله البطانيات هناك، لكنني شعرت براحة غريبة حين رأيتها معلّقة على النافذة لا على جسدي، وكأنها انتقلت فجأة من عبء يومي إلى شيء يحمينا.

كان ذلك في آذار 2003، حين كنت في العاشرة من عمري. وحين بدأت الحرب الأمريكية على العراق، جلسنا ننتظر ونستمع إلى الراديو، ثم دوّت صافرات الإنذار، فأطفأت أمي أضواء المنزل وتكوّرنا جميعاً في إحدى الزوايا، نحن الستة، أنا وأبي وأمي وأختي التي تكبرني بسنتين، وأختي الصغرى ذات الأعوام الستة، وأخي ذو الأربعة أعوام.

كل ما أتذكره هو أسئلة يسألها الأطفال: لماذا أطفأنا الأضواء؟ ماذا سيحدث؟ كنت خائفة، كلنا خائفون، لكننا لم نبكِ ولم نصرخ، خشية أن يسمعونا وتصل إحدى قنابلهم إلينا. تكورنا في ذلك الممر الضيق الذي يفصل الغرفتين، والذي كنّا نستخدمه كمطبخ صغير، زاوية لا يميّزها شيء، لكنها بقيت في ذاكرتي أكثر من أي مكان آخر، لأن الخوف يمنح الأماكن العادية معنى إضافياً، ولأن الأطفال يثقون بآبائهم ثقة كاملة حتى حين لا يكون لديهم ما يقدّمونه سوى الانتظار.

مرّت الأيام على صوت القصف واللون الأحمر الذي يصاحب لحظة الانفجار، يليه الدخان الذي يملأ السماء. كنا نتسلل بعد صوت الانفجار لنرفع جزءاً صغيراً من البطانية عن النافذة لنرى مدى قربه منا، ثم نحمد الله أنه أبعد مما كنا نظن.

عمل فني: عاطف الجفال

أما صوت التغطية الإخبارية وصوت المذيع، فكل ما عرفته من الأخبار هو اسم صدام حسين الذي تكرر كثيراً، وهو الاسم الذي كنت أعرفه قبل معرفتي بكتابة الأبجدية. إنهم يودون التخلص منه، لكن لم أفهم حينها لماذا، ما الذي فعله هذا الرجل؟ ثم دخل الأمريكيون البلاد، واقتربت الانفجارات أكثر، ثم أُعلن سقوط بغداد في التاسع من نيسان، لم أفهم معنى السقوط كما لم أفهم الفرح الذي خيم على العائلة، ألم نكن خائفين قبلها؟

انقطعت الكهرباء، انقطعت الاتصالات، أصبحنا معزولين تماماً عن الخارج، لا نعرف شيئاً عن الأقارب والأحباء، وتساءلت عن أصدقائي في المدرسة، وعن العائلة “أولاد خالي وخالتي”، هل سنلعب مجدداً، متى؟ ثم فُتحت الطرق أخيراً، أخبرنا أبي أن نرتدي ملابسنا لنخرج ونطمئن على بيت خالتي، خرجنا من سبات طويل نتلفّت يميناً ويساراً والهدوء يملأ الشوارع، لكنه هدوء مشبع بالخوف الذي يظهر في وجوه الجيران، نساء ورجال وأطفال، خوف ينتقل بين الوجوه ويجعل الجميع متشابهين، ويمنح شعوراً خفياً بأن هذا ليس خوفنا وحدنا.

وصلنا إلى الشارع العام، وإذ برتل أمريكي يمر أمامنا.
أدهشتني طريقة اعتلاء الجنود ظهر الدبابات، وتلك الرشاشات والفوهات المصوّبة نحونا. كانت أول مرة أشاهد فيها دبابة بهذا القرب، لكن ما زاد استغرابي هو هتاف الأطفال لهم وفرحة الناس بقدومهم.

لم أرحب بهم، كانت تجربتي الأولى كطفلة تمر بتضارب بين شعور الخوف وشعور الفرحة، الفرحة التي أود مشاركتها مع الأطفال، ولم أجد مبرراً لشعوري ذاك. يتخلل هذه المشاعر كمية مهولة من الأسئلة التي لا أحد يجيب عنها، ولم أجرؤ على طرحها، تساؤلات حول معنى الخوف؟ ومعنى الفرح بالحرب؟ ولماذا كل تلك “الهلاهل”؟ ومن هؤلاء الجنود الذين لا يتحدثون لغتنا؟ أين اختفى ذلك الرجل بصورته المطبوعة على أول صفحة من كتبي المدرسية؟

في تلك اللحظة العابرة، وأنا أحدق في الدبابة التي تمرّ من جانبي، قفزت فجأة إلى مخيلتي صورة عدنان في كارتون “عدنان ولينا” وهو يقف على أطراف أصابعه فوق فوهة المدفع. كنت أعرف الدبابات من مسلسلات الكارتون فقط، حيث كانت دائماً تحمل رمزاً للخطر والشر، وفوهتها لا تجلب إلا الموت، بينما من يواجهها هو البطل، هو الخير.

وفي لحظة طفولية تخيلت أننا لو اقتربنا أكثر من الدبابات فقد نستطيع أن نفعل مثل عدنان، أن نقف فوقها بخفة ونتحدى هذا الخطر. لكن واقعنا لم يشبه الكارتون، ولا نملك نحن تلك الخفة. كنت أظن أن الأطفال في أماكن أخرى يملكون شيئاً نفتقده، ربما هو الشجاعة أو عالم أقل خوفاً.

مرّ الرتل، وأوقف أبي سيارة أجرة، واتجهنا إلى الأعظمية، لم نكن نعلم ما ينتظرنا، إن كنا سنجدهم أحياء أم لا، ومنذ تلك اللحظة، رغم أنني لم أكن أعرف بغداد جيداً ولا أعرف سوى طريق المدرسة والعودة إلى المنزل، شعرت أنني فقدت هذا البلد، بكيت دون أن أفهم تماماً السبب، كان الدمار في كل مكان، والشوارع خالية يغطيها اللون الرمادي، لون لم يغادرني منذ ذلك اليوم، لون يلتصق بالذاكرة، لون الطفولة التي تجبَر على النضوج مبكراً، حين يرى الطفل الخوف في عيني أمه وأبيه ولا يجد تفسيراً لما يحدث.

وصلنا إلى بيت خالتي، لم يصبهم أذى، احتضنّا بعضنا وبكينا، لم تنتظر خالتي وأمي إكمال هذه اللحظة حتى بدأتا بمشاركة قصصهما عن تلك الليالي وكيف مضت عليهما. أما أنا وأخواتي وبنات خالتي فركضنا للعب، وسحبننا نحو الشرفة وبدأن يسردن لنا كيف كان فدائيو صدام، مباشرة من أمام منزلهم، يطلقون الصواريخ، وكيف رموا أسلحتهم وهربوا بعد دخول الأمريكيين لبغداد.

ومنذ تلك اللحظة التي تشاركنا فيها قصصاً ليست للأطفال بدأ شيء ما يتآكل في داخلي. الطفولة لم تنتهِ دفعة واحدة، بل تراجعت ببطء تاركة تفاصيل صغيرة، مثل الشوارع التي كنا نركض فيها قرب بيت جدي في أطراف بغداد، واللعب بالطين عندما تمطر، والهروب من المنزل في فترة القيلولة، وحرارة الإسفلت تحت أقدامنا العارية في الصيف، ودخول المنازل المهجورة التي تكون قيد البناء، ولعبة “بيت بيوت”، والبيت المصنوع من المخاد، كل ذلك بدأ يبتعد كأنه يحدث لشخص آخر.

حل الصمت والخجل من اللعب محل هذه الألعاب، وسط هذا الكم الهائل من الموت والخوف، يجب أن نكبر لتتم الإجابة عن أسئلتنا، لذا تركنا كل الألعاب وركضنا خلف أجوبة لأسئلة مثل: لماذا مات فلان، لماذا هُجر الجار، لماذا قتلوا أب صديقتي المقربة، ولماذا اختفت إسراء قبل أن أودعها؟!

الطائفية 2006 

كنت في الـ13 من عمري حين بدأ الجميع يهرب للنجاة، بعضهم إلى سوريا وبعضهم إلى الأردن، لم تكن المغادرة حدثاً مفاجئاً بل سلسلة من الوداع الصامت، بيوت تُغلق دون يقين بالعودة، وأحاديث تُقال بصوت منخفض وكأن الجدران تسمع، بقينا نحن رغم رغبتنا في الرحيل.

أمي وجدت نفسها فجأة وحيدة بعد هجرة إخوتها وأختها، كانت تقف في البيت كأنها تحرس ما تبقّى، لا تعرف إن كانت تحميه أم تودّعه ببطء. أما نحن الأطفال، أنا وإخوتي، فكان علينا أن نتأقلم مع فكرة أن اللعب يمكن أن يحدث في عزلة، وأن الضحك يجب أن يكون أخف، وأن الخروج لم يعد حقاً بل مخاطرة.

الفراغ الذي تركه الراحلون كان أكثر من مجرد غياب أشخاص، كان غياب حياة كاملة تحيط بنا دون أن ننتبه لها. أصبح البيت فجأة أهدأ مما يحتمل، وما تلا رحيل الجيران والأقارب كان أشد قسوة، لأننا لم نتعلم فقط كيف نعيش بدونهم، بل كيف نعيش مع الخوف، الخوف الذي لا يأتي دفعة واحدة، بل يتسرّب ببطء، يدخل من الأبواب والنوافذ ومن قصص الآخرين، الخوف من أن يأتي دورنا، أن يُطرق بابنا كما طُرقت أبوابهم، أن نصبح نحن الحكاية التي تهمس بها البيوت، أن نُحمل نحن أيضاً في سيارات لا نعرف إلى أين تذهب.

عمل فني: عاطف الجفال

تعلمنا أن نراقب كل شيء، أصوات الخطوات في الشارع، حركة السيارات، الوجوه الغريبة، وحتى صمت الليل، تعلمنا أن نقرأ الخوف في عيون الكبار قبل أن يُقال، وأن نفهم ما لا يُقال أصلاً، أن نتصرّف بحذر داخل بيتنا كما لو أنه ليس آمناً، أن نخفض أصواتنا، ألّا نسأل كثيراً، أن ننتظر دائماً، لأن الانتظار كان الشكل الوحيد الممكن للحياة، لم نعد أطفالاً نلعب، بل أطفال يتدرّبون على النجاة، وكأن الطفولة كانت مرحلة يمكن تجاوزها بسرعة إذا لزم الأمر.

كبرنا ونحن نشهد تمزيق الملابس عند فقد الأبناء، وصراخ الجيران عند تهديدهم وتهجيرهم قسراً، وأصواتهم التي تقابلها بيوت موصدة، لا صوت ولا حتى نظرة من خلف الستائر، النجاة كانت تعني أن تنظر بعيداً، أن تتظاهر بأن ما يحدث لا يعنيك، أن تقول في داخلك “معلينه بأحد”، جملة صغيرة لكنها كانت كافية لتبرير الصمت وحماية ما تبقّى من الحياة، حتى وإن كان الثمن هو التخلّي عن الآخرين.

مشاهد عديدة، اختفى بعضها، وبعضها يختبئ هنا وهناك ينتظر تحفيزاً، لكن هناك صور ترفض أن تختفي، مثل ذلك الرجل المقتول قرب المدرسة، كنت في عمر الـ12، تناقلت الطالبات خبر مقتله بعد ساعة من وصولنا إلى المدرسة، ومُنع الجميع من حمله كعقاب فوق عقاب قتله، تُرك مرمياً على الأرض بـ”دشداشته” البنية، وغُطي جزؤه العلوي بـ”كارتونة”. بقي في مكانه متروكاً حتى خروجنا ظهراً من المدرسة، كان لا يزال كما هو، الناس تمر من حوله كأنه غير موجود، المحلات حوله تبيع بضائعها والمشترون يناقشون في الأسعار ويتشاركون الأحاديث وحتى الضحكات، وكأن تلك “الكارتونة” التي لم تخفِ سوى وجهه قد أخفته بالكامل، فلا أحد هنا يراه.

وصلت إلى البيت وصرت أراه كلما أغلقت عينيّ محاولة النوم، أعُدّ إلى المئة حتى أغفو. لكن لم أكن أتخيل أنني سأستمر في تخيل ذلك المشهد من الزاوية نفسها، أتخيل حتى ملامح وجهه التي لم ألمحها حينها. كل يوم، ولأشهر، كان يقف هناك عند زاوية مقتله يحوم في مكانه، كأن الزمن توقف هناك، وأنا وحدي من أتحرك.

انفجار سوق الحرية 2008 

وصلت إلى الـ15 من عمري، ولم يتغير شيء سوى أنني أصبحت أكبر وخوفي أصبح أوضح. دوّى انفجار هزّ المنطقة، أبي لا يجيب على الهاتف، الناس تركض نحو مصدر الصوت. وقفت عند باب المنزل، نصف جسدي يريد الخروج ونصفه الآخر يتمسّك بالداخل، لأنني لا أريد أن أعرف أكثر مما أعرف، كلمة واحدة كانت كافية: انفجار. في تلك اللحظة قطعت وعداً على نفسي بأنني لن أنجب أطفالاً في هذا البلد، لن أسمح لروح أخرى أن تعيش هذا الخوف، أن تنظر إلى والدها كل مرة يخرج فيها وكأنها المرة الأخيرة.

عاد أبي، لكن المنطقة امتلأت بشوادر وبيوت العزاء، بأصوات القرآن والتعازي، وبسؤال لا جواب له: كم مرة سنهرب من عزرائيل؟ كم مرة سنفلت منه؟ كيف؟

هل أستطيع أن أطلب من كل أفراد عائلتي ألّا نخرج أبداً؟ كان القلق يلازمني عند خروج أبي أو أمي، أو حتى إخوتي ليلعبوا في الشارع أمام المنزل، لكني أكتمه بهدوء ولا أستطيع مشاركته مع أحد. على مدى تلك السنوات، كنت كل ليلة أبيت فيها مع عائلتي كاملة لا ينقص من أفرادها أحد أشعر بأن الحظ يرافقنا، لكن الخوف من الغد يعود مجدداً.

لحقت هذه الأحداث أحداثاً أخرى، لكنني لم أعد أتذكر الحرب بترتيبها وإنما بما تركته داخلي. الذاكرة لا تحفظ التسلسل، بل الأثر، وحتى بعد أن غادرت، وبعد محاولات طويلة لفهم تلك الطفلة ثم المراهقة ثم الشابة، ومحاولة التخفيف من الهلع الذي يسكن الجسد قبل العقل، ظننت أنني عبرت كل ذلك، أن الحدود يمكن أن تفصل بيني وبين ما حدث، أن المكان الجديد يمكن أن يمنحني حياة مختلفة، لكن ما نحمله لا يبقى خلفنا، بل يرافقنا أينما ذهبنا.

لم يكن ما عشناه حالة استثنائية، ولا حكاية عائلة واحدة، فلهذه الفوضى أسماء كثيرة، دراسات ومصطلحات تحاول تفسير ما حدث لنا ونحن أطفال، أقرأها الآن فأشعر بالغضب بقدر ما أشعر بالراحة. في دراسة للباحث عبد الكريم العبيدي عن الصحة النفسية للأطفال في العراق، يروي أن سنوات العنف والنزوح وفقدان العائلة وعدم الاستقرار صنعت جيلاً كاملاً مثقلاً بالقلق والخوف.

في بغداد، حيث كنت، يظهر اضطراب ما بعد الصدمة لدى 14 بالمئة من الأطفال، وفي الموصل يصل إلى 30 بالمئة، ويرجَّح أن 37 بالمئة من أطفال الموصل يعانون من اضطرابات نفسية.

لم أكن أعرف هذه الأرقام، لكنني أعرف ما تعنيه، كنت أعرف الرجل الممدّد قرب المدرسة، كنت أعرف صوت الانفجار، وأعرف كيف يبدو الخوف في عيني أمي، القلق والاكتئاب والمشاكل السلوكية ليست سوى أسماء لاحقة، أما ما حدث فعلاً فهو أن الطفولة انكسرت، ويقول الباحثون إن هذه التأثيرات تستمر حتى البلوغ، وربما لهذا لم ينتهِ شيء.

كيف أثّرت فينا الحروب كأطفال؟ لم يكن هناك ملجأ، ولا مكان يمكن العودة إليه، ولا حتى داخل العائلة شعور ثابت بالحماية، لأن الجميع كان خائفاً، الجميع كان يحاول النجاة، نشأنا ونحن نرى أهلنا يواجهون ما نواجهه دون أن يمتلك أحد القدرة على طمأنتنا، لذلك تعلّمنا مبكراً أن الأمان ليس حالة ثابتة، بل مجرد محاولة مؤقتة يمكن أن تنهار في أي لحظة.

الأمان الوهمي، كما أسميه الآن، أن نبحث عن يوم عادي، يوم ممل، بلا أخبار حرب، بلا خوف، بلا اتصالات متكررة للاطمئنان، بلا ذاكرة تفتح أبوابها فجأة على مشاهد قديمة، أن نعيش دون عقلية النجاة، دون أن نحسب دائماً ما الذي يمكن أن نحمله معنا إذا اضطررنا إلى الرحيل، ألّا نعيش ونحن نراقب الباب.

بدأ عام 2026 بمسيّرات وصواريخ وأصوات “درونات”. لست في بغداد، لكنني أسمعها في آذان عائلتي هناك، أتصل بهم، يحاولون تحويل ما يحدث إلى “نكتة”، أعرف أن ذلك جزء من مقاومة الخوف، محاولة صغيرة لاستدعاء الأمان، لكنه لا يأتي، ما يأتي هو شعور آخر، خوف الفقد، يعود أكبر، أثقل، لا يهدأ.

فكرت بجدتي، كم حرب شهدت؟ أبناؤها، ثم نحن، الجيل الثالث، ومن بعدنا، تمنّيت لو أن جيلاً واحداً فقط يمكن أن يعيش عمره كاملاً دون حرب، دون أن يتعلّم مبكراً كيف ينجو، شعرت بذلك الغضب في صدري، متى سنشفى؟ وكيف ورثنا كل هذا؟ وكيف سنورّثه. الحرب لا تنتهي، تنتقل فقط.

عمل فني: عاطف الجفال