الجفاف يهدد أشهى إفطار عراقي.. "قيمر السدة" جوهرة الجاموس العراقي
22 آذار 2026
عند الفجر، وعندما تستيقظ بلدة السدة على خوار الجواميس، ورائحة الحليب الطازج؛ يختلط صوت الماء بذكريات الأجداد، ويُصنع "قيمر السدة"، كما كان منذ قرون، بطقس يجمع النار والصبر والماء.
تضع سدة الهندية أعمدتها الخرسانية وبواباتها الحديدية على صدر الفرات، لتحبس وتطلق الماء في بلدة ضاجة بالحياة الشعبية كأي مدينة نهرية في العالم، تصطاد السمك وتشرب الحليب وتنام باكراً لتصحو على أشهر إفطار عراقي.
هناك، حيث يلتقي التاريخ بالماء، تعيد بلدة السدة في محافظة بابل حكاياتها كل صباح بروتين يحبه ضيوفها.
في قراها التي بقيت هادئة، لا يحتاج الناس إلى رنة هاتف منبّهة كي يستيقظوا، يكفي أن يرنّ خوار الجاموس من الحظائر القريبة، معلناً بداية يوم جديد. ومع الفجر الأول، ينطلق طقس عريق يتوارثه الآباء عن الأجداد منذ أكثر من قرن: صناعة “قيمر السدة”، ذاك الطبق الأبيض الكريمي الذي صار علامة فارقة في المائدة العراقية الصباحية.
طبق يعتني بالطعم قبل الشكل، فلا تتوقع أن تأتيك تلك القشدة الكريمية ملفوفة بطريقة “الرول” ومصففة بعناية، إنه ليس سوى مربع أبيض في صحن يدور فيه الحليب، مربع بطعم استثنائي.
لكن خلف الطعم الغني والرائحة المميزة، تختبئ قصة أثقلتها معاناة الجفاف وارتفاع أسعار الأعلاف. إنها حكاية الجاموس الفراتي الأصيل الذي يقاوم ليبقى، وحكاية مربيه الذين لا يملكون سوى صبرهم، وأحلامهم، وعرقهم الممتد مع مجرى النهر.
في الجانب الشرقي للمدينة التي استعارت تسميتها من سدتها التاريخية على نهر الفرات، وفي منطقة الزوية، ثمة بيت واحد هو المسؤول عن هذا المنتج، “بيت أم عبد الله” صانعة القيمر التي رحلت قبل عقدين، حيث تمتد الدروب الطينية الضيقة وينتهي الإسفلت، ويدلك إليه طريق ضيق يكفي مسير عجلة واحدة، يداعب نوافذها الجانبية القصب من جهة وأغصان الأشجار من جهة أخرى، حتى ينفتح الأفق إلى النهر ومزارع أكثر فسحة.

وفي مزرعة خضراء، كان الهواء خفيفاً وشمس الضحى ساطعة بدرجة أربعينية، عشرات الجواميس تتحرك بكسل، تمضغ وتتفحص بعيونها السود الصافية، وفي المنتصف يقف الحفيد مسلم عبد الله بين قطيعه من الجواميس الفراتية، غارساً عصاه في الأرض، مثل قائد بين جنوده.
يحمل مسلم إرث أجيال من الخبرة في تربية الجاموس وصناعة القيمر العراقي الأصيل، لكنه قلق على مستقبل سلالة الجاموس الذي توارثه، بسبب الجفاف الذي وصل إلى بلدة السدة رغم أنها “صدر مائي” كما يسميها أهلها.
“قبل سنتين، قبل أن يصبح الجفاف واقعاً، كنا خير من الله، كنا ننتج نحو 25 إلى 30 كيلوغراماً يومياً من القيمر. لكن الآن، بعد أن ضرب الجفاف، اضطررنا لبيع بعض الحلال لنتمكن من توفير العلف، حتى تعيش الباقيات”. هكذا بدأ حديثه وهو يتأمل القطيع بعينين لا تخفيان القلق والحب في الوقت نفسه. كانت ملامحه تعكس سنوات من التجربة، وفهماً عميقاً لكل تفصيل في حياة الجاموس.
مسلم ليس مربياً للجاموس فحسب، فقد أكمل دراسته في كلية الزراعة في الجامعة المستنصرية، ولطالما تذوق زملاؤه في بغداد طعم قيمرهم الفريد.

عدد الجواميس المتبقية اليوم نحو 60 إلى 70 رأس جاموس، بعد أن كان القطيع يصل إلى نحو مئة وخمسين. يقول مسلم: “كل شيء تغير، الإنتاج قل، إحنا مضطرين لتوفير الأعلاف بأنواعها المختلفة: تبن جاف من الحنطة، نخالة، طحين، وحب القطن اللي يكثف الدسومة بالحليب، هذا كله نشتريه بأسعار عالية، لأن أكل الجواميس غالي كلش، بس لازم نحافظ على القطيع. ما عدنا غير نبيع دواب منها حتى نخدم الباقي، هذي الطريقة الوحيدة للحفاظ على القطيع”.
في تموز الماضي، أكدت وزارة الموارد المائية أن هذا العام هو الأكثر جفافاً منذ عام 1933، مبينة أن إيرادات نهري دجلة والفرات وصلت إلى 27 بالمئة فقط مقارنة بالعام الماضي، وأن مخزون المياه في السدود والخزانات انخفض إلى ثمانية بالمئة من قدرتها التخزينية، بنسبة تراجع بلغت 57 بالمئة عن العام الماضي.

هذا الموسم الجاف ضرب السدة أيضاً، فما كانت تسمى صدراً مائياً أصبحت الآن خاصرة مياه نتيجة تجزر الفرات، وهو ما أثر على حياة الجاموس المرتبطة كلياً بالماء.
الجاموس الفراتي
“هيييه ربااااع، هيه وووررد، تعاي تعاي”، هكذا ينادي مسلم بعض الجواميس وكأنه يخرج أصوات أسمائها من أحشائه، ليست باللغة أو اللهجة، هو نداء فقط، لكن بمخارج حروف مختلفة، لينقطع من ذيع اسمه من الجواميس عن الطعام ويرفع رأسه تلبية للمنادي.
يتوهج الفخر لدى الشاب حين يتحدث عن نوعية الجاموس: “القيمر الجيد أول نقطة يعتمد على نوعية الحلال، وحلالنا فراتي أصلي. وثانياً يعتمد على ما يأكله، سبحان الله، كما النحل عندما يكون أكله طبيعياً يصبح العسل جيداً، كذلك الجاموس بالنسبة للحليب. الجاموس لدينا هو الفراتي الأصلي، وهذه النوعية من الجاموس تُحدد طعم القيمر بشكل كامل”.
ويضيف: “نحافظ على هذه السلالة لأهميتها ولندرتها، فهي متوارثة منذ قرون، وتختلف كثيراً عن جاموس الأهوار في الشكل وطعم الحليب وكل شيء”.
أغلب الجواميس في ذلك الحقل لا يغطيها الشعر الكثيف، كائن أسود ضخم، قوي البنية ومفتول العضل، عينان سوداوان صافيتان ورمشان طويلان، قرنان هلاليان مائلان إلى الجوانب، ونظرات عاطفية فاحصة وأليفة.
يقول ثامر الخفاجي مدير زراعة بابل لجمّار: “إن هذا الجاموس أصله من الهند، حيوان شرق آسيوي رائع، رُبّي في العراق، ومردوده الإنتاجي عال جداً قياساً بالحيوانات الأخرى”.

ويضيف أن المحافظة تتميز بهذا الصنف من الجاموس، الذي يُعرف بنوعيته الجميلة وحجمه الكبير وغزارة عطائه.
الحليب الذي ينتجه هذا الحيوان يحُوّل إلى مشتقات مميزة وفريدة مثل قيمر السدة المعروف، إلى جانب الجبن الذي يعد من أبرز منتجاته، كما يوضح بفخر: “هذا الصنف من الجاموس يشكل جزءاً من هوية المحافظة الزراعية والغذائية”.
وعن أماكن تربية الجاموس في بابل، يشير الخفاجي إلى أنها تتركز بشكل رئيسي في سدة الهندية والعيفار، إضافة إلى مناطق متفرقة أخرى.
خريطة تواجد الجاموس في بابل هي ضفاف الأنهار، يؤكد مدير الزراعة: “يحتاج بشكل أساسي إلى الماء والبرك التي تمكّنه من السباحة، وهو ما يجعل البيئة المائية عاملاً حاسماً في استمرارية تربيته وإنتاجه”.

يستذكر مسلم زيارة خبير كردي ثمانيني رافقه وفد من منظمة الأغذية والزراعة “الفاو”، حيث أُعجب بسلالة الجاموس الفراتي التي يمتلكونها، معتبراً إياها “أجود أنواع الجاموس”. ويشير بفخر إلى جاموسة تجاوز عمرها 20 عاماً، مؤكداً أن قرون الجاموس المتشابهة علامة على نقاء السلالة واستمرارها: “تشوف قرونها كلها متشابهة، ماكو وحدة نازلة وحدة صاعدة، تبقى متقاربة، إحنا نسميه (أكور)، هذا دليل أنها سلالة واحدة.. هذه جاموسة عمرها 20 سنة لا تزال قوية ومنتجة”. ينظر بحب إلى الدابة التي رافقت طفولته حتى أصبح أباً.
الجفاف
لكن نقص الماء أصبح تهديداً حقيقياً لهذا الحيوان الرائع، يقول الشاب الثلاثيني: “الجفاف أثر علينا بشكل كبير، الماء أصبح نادراً، الجاموس يحتاج كمية كبيرة منه ليظل حياً وإنتاجه مستمر. نحن نحاول توفير الماء في كل مكان متاح لدينا، وننشئ مستنقعات صغيرة، ننظفها، ونُسبِّح الحيوان لنخفف عنه حرارة الصيف”.
ويواصل: “إذا لم نتدخل سيستمر تأثير الجفاف على إنتاج الحليب، وسيصبح الحفاظ على هذا التراث أكثر صعوبة”. مضيفاً بحسرة: “المستقبل غير جيد بالنسبة للجفاف، وكل يوم يصبح الوضع أصعب على الحلال، فالماء يشكل 75 بالمئة من إنتاج الحليب، وأي نقص يؤدي لتراجع إنتاج القيمر بشكل ملحوظ”.
وعن إنتاج الجاموس، يوضح مسلم: “من شهر التاسع (أيلول) وفوق يبدأ التكاثر، لكن في بداية الصيف الإنتاج يقل، لذلك يكون القيمر متوفراً أكثر في الشتاء من الصيف. في الصيف، نضطر لبيع الشفج والبجر والحولية لتوفير الأكل”. لافتاً إلى أن “الجاموسة تنتج حوالي 15 كيلوغراماً يومياً، لكن الجودة تعتمد على الرعاية والأكل المناسب”.
مصنع حليب يمشي
أما أعلاف الجاموس فتختلف باختلاف الموسم، يقول مسلم: “في الشتاء: تبن جاف، نخالة، طحين، حب القطن، وبرسيم، أما في الصيف: جت عراقي وذرة ونخالة”.
ويعد العراق موطناً مهماً لحيوان الجاموس، حيث يتركز أغلبه في البيئة الأهوارية الجنوبية، التي يعدها كثيرون الموئل الأصلي له قبل الهند، فالآثار تشير إلى وجود الجاموس في بلاد وادي الرافدين من خلال الرسوم التي تعود إلى 4600 عام، لكن جذور هذا الحيوان الممتدة في التاريخ لم تحمه من خطر الانقراض، بسبب التغير المناخي وقلة الموارد المائية التي يشهدها العراق.

مدير زراعة بابل يرى أن “مهمة الحفاظ على هذه الثروة مسؤولية حكومية، لذلك ندعو إلى دعم مربّي الجاموس، لأن هذا الحيوان ممكن أن ينقرض في العراق”. لافتاً إلى أن “المديرية لديها جولات ميدانية أسبوعية على المربين من قبل قسم الثروة الحيوانية، والأطباء البيطريين في مستشفى البيطري للعناية بهذا الحيوان”.
قيمر السدة
مسلم الذي يتذكر قليلاً عن جدته التي كانت تقضي ساعاتها بين الحليب والدخان والنار، توارث خطوات صناعة القيمر، فالعملية كما يرويها: “نحلب الجاموس في وقتين، صباحاً عند الخامسة، ومساء عند الخامسة أيضاً. الحليب الصباحي نحتفظ به في المجمدات لتبريده، فالتبريد أهم شيء، لأن أي تأخير يؤدي إلى فساد الحليب. عصراً نخلط حليب الصباح مع الحليب المسائي، ثم نضعه في الصفاري، وهي قدور خاصة توضع على النار بطريقة تقليدية. نستخدم خشبة خاصة من أغصان أشجار التكي للطرق، لا نستخدم أدوات حديدية مثل الجفجير، (يشدد بأصبعه منبهاً)، لأن ذلك يضر بطعم القيمر”.
“نطرق الحليب ساعة كاملة، ثم نغطيه بسلة مصنوعة من أغصان الرمان، ونتركه ست ساعات على الهواء، حتى تتكون طبقة القيمر على السطح. صباح اليوم التالي، نأخذ القيمر ونضعه في طبقة سطحية ليطفو فوق الحليب المتبقي، الذي يسمى الحليب الراجع، ويُستخدم لصناعة الجبن. هذه الطريقة موروثة عن أجدادي، من جدتي إلى أمي، ونحن نحافظ على هذه الصناعة كتراث عراقي أصيل”.

التسويق
تحدث مسلم أيضاً عن التسويق والطلب على القيمر: “لدينا محل في السدة ولدينا مكان آخر لتسويق القيمر في مفرق سدة-مسيب، ومنطقتنا معروفة على مستوى القيمر”.
وعند سؤاله عن وصول القيمر إلى بغداد، كما تعلن محالّ عن توفره هناك؟ ردّ مسلم بأن: “كل متذوق لقيمرنا يزور بغداد ويجربه هناك يكتشف أن الطعم مختلف. نحن حافظنا على سلسلة التحضير منذ عهد جدي المولود عام 1920، وحتى جدي الرابع كان يعمل القيمر قبلنا”.

بالنسبة لمسلم وعائلته فإن القيمر ليس مجرد صناعة، إنه تاريخ وتراث حقيقي، وليس منتجاً غذائياً فقط، بل عمل اجتماعيّ حيّ، تُسهم فيه العائلة كلّها من الفجر حتى المساء، ويتوارثه الأبناء كعلامة على الانتماء.
الزبائن يعرفون طريقهم إلى البيت قبل أن تفتح المحالّ أبوابها، وبعضهم يقطع عشرات الكيلومترات ليحصل على حصّته الأسبوعية.
وفي المناسبات الدينية والمواسم الزراعية يرتفع الطلب، حتى يصبح القيمر عملة رمزية للمكان، يُهدى كما يُهدى الذهب، فكل طبقة قيمر تُباع تحمل قصة جاموس معين، وماء نهر معلوم، وحكاية بيت لا يزال أفراده يبدأون الفجر بالحليب والدخان والنار والذاكرة.
ومنكم/ن نستفيد ونتعلم
هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media
اقرأ ايضاً
تضع سدة الهندية أعمدتها الخرسانية وبواباتها الحديدية على صدر الفرات، لتحبس وتطلق الماء في بلدة ضاجة بالحياة الشعبية كأي مدينة نهرية في العالم، تصطاد السمك وتشرب الحليب وتنام باكراً لتصحو على أشهر إفطار عراقي.
هناك، حيث يلتقي التاريخ بالماء، تعيد بلدة السدة في محافظة بابل حكاياتها كل صباح بروتين يحبه ضيوفها.
في قراها التي بقيت هادئة، لا يحتاج الناس إلى رنة هاتف منبّهة كي يستيقظوا، يكفي أن يرنّ خوار الجاموس من الحظائر القريبة، معلناً بداية يوم جديد. ومع الفجر الأول، ينطلق طقس عريق يتوارثه الآباء عن الأجداد منذ أكثر من قرن: صناعة “قيمر السدة”، ذاك الطبق الأبيض الكريمي الذي صار علامة فارقة في المائدة العراقية الصباحية.
طبق يعتني بالطعم قبل الشكل، فلا تتوقع أن تأتيك تلك القشدة الكريمية ملفوفة بطريقة “الرول” ومصففة بعناية، إنه ليس سوى مربع أبيض في صحن يدور فيه الحليب، مربع بطعم استثنائي.
لكن خلف الطعم الغني والرائحة المميزة، تختبئ قصة أثقلتها معاناة الجفاف وارتفاع أسعار الأعلاف. إنها حكاية الجاموس الفراتي الأصيل الذي يقاوم ليبقى، وحكاية مربيه الذين لا يملكون سوى صبرهم، وأحلامهم، وعرقهم الممتد مع مجرى النهر.
في الجانب الشرقي للمدينة التي استعارت تسميتها من سدتها التاريخية على نهر الفرات، وفي منطقة الزوية، ثمة بيت واحد هو المسؤول عن هذا المنتج، “بيت أم عبد الله” صانعة القيمر التي رحلت قبل عقدين، حيث تمتد الدروب الطينية الضيقة وينتهي الإسفلت، ويدلك إليه طريق ضيق يكفي مسير عجلة واحدة، يداعب نوافذها الجانبية القصب من جهة وأغصان الأشجار من جهة أخرى، حتى ينفتح الأفق إلى النهر ومزارع أكثر فسحة.

وفي مزرعة خضراء، كان الهواء خفيفاً وشمس الضحى ساطعة بدرجة أربعينية، عشرات الجواميس تتحرك بكسل، تمضغ وتتفحص بعيونها السود الصافية، وفي المنتصف يقف الحفيد مسلم عبد الله بين قطيعه من الجواميس الفراتية، غارساً عصاه في الأرض، مثل قائد بين جنوده.
يحمل مسلم إرث أجيال من الخبرة في تربية الجاموس وصناعة القيمر العراقي الأصيل، لكنه قلق على مستقبل سلالة الجاموس الذي توارثه، بسبب الجفاف الذي وصل إلى بلدة السدة رغم أنها “صدر مائي” كما يسميها أهلها.
“قبل سنتين، قبل أن يصبح الجفاف واقعاً، كنا خير من الله، كنا ننتج نحو 25 إلى 30 كيلوغراماً يومياً من القيمر. لكن الآن، بعد أن ضرب الجفاف، اضطررنا لبيع بعض الحلال لنتمكن من توفير العلف، حتى تعيش الباقيات”. هكذا بدأ حديثه وهو يتأمل القطيع بعينين لا تخفيان القلق والحب في الوقت نفسه. كانت ملامحه تعكس سنوات من التجربة، وفهماً عميقاً لكل تفصيل في حياة الجاموس.
مسلم ليس مربياً للجاموس فحسب، فقد أكمل دراسته في كلية الزراعة في الجامعة المستنصرية، ولطالما تذوق زملاؤه في بغداد طعم قيمرهم الفريد.

عدد الجواميس المتبقية اليوم نحو 60 إلى 70 رأس جاموس، بعد أن كان القطيع يصل إلى نحو مئة وخمسين. يقول مسلم: “كل شيء تغير، الإنتاج قل، إحنا مضطرين لتوفير الأعلاف بأنواعها المختلفة: تبن جاف من الحنطة، نخالة، طحين، وحب القطن اللي يكثف الدسومة بالحليب، هذا كله نشتريه بأسعار عالية، لأن أكل الجواميس غالي كلش، بس لازم نحافظ على القطيع. ما عدنا غير نبيع دواب منها حتى نخدم الباقي، هذي الطريقة الوحيدة للحفاظ على القطيع”.
في تموز الماضي، أكدت وزارة الموارد المائية أن هذا العام هو الأكثر جفافاً منذ عام 1933، مبينة أن إيرادات نهري دجلة والفرات وصلت إلى 27 بالمئة فقط مقارنة بالعام الماضي، وأن مخزون المياه في السدود والخزانات انخفض إلى ثمانية بالمئة من قدرتها التخزينية، بنسبة تراجع بلغت 57 بالمئة عن العام الماضي.

هذا الموسم الجاف ضرب السدة أيضاً، فما كانت تسمى صدراً مائياً أصبحت الآن خاصرة مياه نتيجة تجزر الفرات، وهو ما أثر على حياة الجاموس المرتبطة كلياً بالماء.
الجاموس الفراتي
“هيييه ربااااع، هيه وووررد، تعاي تعاي”، هكذا ينادي مسلم بعض الجواميس وكأنه يخرج أصوات أسمائها من أحشائه، ليست باللغة أو اللهجة، هو نداء فقط، لكن بمخارج حروف مختلفة، لينقطع من ذيع اسمه من الجواميس عن الطعام ويرفع رأسه تلبية للمنادي.
يتوهج الفخر لدى الشاب حين يتحدث عن نوعية الجاموس: “القيمر الجيد أول نقطة يعتمد على نوعية الحلال، وحلالنا فراتي أصلي. وثانياً يعتمد على ما يأكله، سبحان الله، كما النحل عندما يكون أكله طبيعياً يصبح العسل جيداً، كذلك الجاموس بالنسبة للحليب. الجاموس لدينا هو الفراتي الأصلي، وهذه النوعية من الجاموس تُحدد طعم القيمر بشكل كامل”.
ويضيف: “نحافظ على هذه السلالة لأهميتها ولندرتها، فهي متوارثة منذ قرون، وتختلف كثيراً عن جاموس الأهوار في الشكل وطعم الحليب وكل شيء”.
أغلب الجواميس في ذلك الحقل لا يغطيها الشعر الكثيف، كائن أسود ضخم، قوي البنية ومفتول العضل، عينان سوداوان صافيتان ورمشان طويلان، قرنان هلاليان مائلان إلى الجوانب، ونظرات عاطفية فاحصة وأليفة.
يقول ثامر الخفاجي مدير زراعة بابل لجمّار: “إن هذا الجاموس أصله من الهند، حيوان شرق آسيوي رائع، رُبّي في العراق، ومردوده الإنتاجي عال جداً قياساً بالحيوانات الأخرى”.

ويضيف أن المحافظة تتميز بهذا الصنف من الجاموس، الذي يُعرف بنوعيته الجميلة وحجمه الكبير وغزارة عطائه.
الحليب الذي ينتجه هذا الحيوان يحُوّل إلى مشتقات مميزة وفريدة مثل قيمر السدة المعروف، إلى جانب الجبن الذي يعد من أبرز منتجاته، كما يوضح بفخر: “هذا الصنف من الجاموس يشكل جزءاً من هوية المحافظة الزراعية والغذائية”.
وعن أماكن تربية الجاموس في بابل، يشير الخفاجي إلى أنها تتركز بشكل رئيسي في سدة الهندية والعيفار، إضافة إلى مناطق متفرقة أخرى.
خريطة تواجد الجاموس في بابل هي ضفاف الأنهار، يؤكد مدير الزراعة: “يحتاج بشكل أساسي إلى الماء والبرك التي تمكّنه من السباحة، وهو ما يجعل البيئة المائية عاملاً حاسماً في استمرارية تربيته وإنتاجه”.

يستذكر مسلم زيارة خبير كردي ثمانيني رافقه وفد من منظمة الأغذية والزراعة “الفاو”، حيث أُعجب بسلالة الجاموس الفراتي التي يمتلكونها، معتبراً إياها “أجود أنواع الجاموس”. ويشير بفخر إلى جاموسة تجاوز عمرها 20 عاماً، مؤكداً أن قرون الجاموس المتشابهة علامة على نقاء السلالة واستمرارها: “تشوف قرونها كلها متشابهة، ماكو وحدة نازلة وحدة صاعدة، تبقى متقاربة، إحنا نسميه (أكور)، هذا دليل أنها سلالة واحدة.. هذه جاموسة عمرها 20 سنة لا تزال قوية ومنتجة”. ينظر بحب إلى الدابة التي رافقت طفولته حتى أصبح أباً.
الجفاف
لكن نقص الماء أصبح تهديداً حقيقياً لهذا الحيوان الرائع، يقول الشاب الثلاثيني: “الجفاف أثر علينا بشكل كبير، الماء أصبح نادراً، الجاموس يحتاج كمية كبيرة منه ليظل حياً وإنتاجه مستمر. نحن نحاول توفير الماء في كل مكان متاح لدينا، وننشئ مستنقعات صغيرة، ننظفها، ونُسبِّح الحيوان لنخفف عنه حرارة الصيف”.
ويواصل: “إذا لم نتدخل سيستمر تأثير الجفاف على إنتاج الحليب، وسيصبح الحفاظ على هذا التراث أكثر صعوبة”. مضيفاً بحسرة: “المستقبل غير جيد بالنسبة للجفاف، وكل يوم يصبح الوضع أصعب على الحلال، فالماء يشكل 75 بالمئة من إنتاج الحليب، وأي نقص يؤدي لتراجع إنتاج القيمر بشكل ملحوظ”.
وعن إنتاج الجاموس، يوضح مسلم: “من شهر التاسع (أيلول) وفوق يبدأ التكاثر، لكن في بداية الصيف الإنتاج يقل، لذلك يكون القيمر متوفراً أكثر في الشتاء من الصيف. في الصيف، نضطر لبيع الشفج والبجر والحولية لتوفير الأكل”. لافتاً إلى أن “الجاموسة تنتج حوالي 15 كيلوغراماً يومياً، لكن الجودة تعتمد على الرعاية والأكل المناسب”.
مصنع حليب يمشي
أما أعلاف الجاموس فتختلف باختلاف الموسم، يقول مسلم: “في الشتاء: تبن جاف، نخالة، طحين، حب القطن، وبرسيم، أما في الصيف: جت عراقي وذرة ونخالة”.
ويعد العراق موطناً مهماً لحيوان الجاموس، حيث يتركز أغلبه في البيئة الأهوارية الجنوبية، التي يعدها كثيرون الموئل الأصلي له قبل الهند، فالآثار تشير إلى وجود الجاموس في بلاد وادي الرافدين من خلال الرسوم التي تعود إلى 4600 عام، لكن جذور هذا الحيوان الممتدة في التاريخ لم تحمه من خطر الانقراض، بسبب التغير المناخي وقلة الموارد المائية التي يشهدها العراق.

مدير زراعة بابل يرى أن “مهمة الحفاظ على هذه الثروة مسؤولية حكومية، لذلك ندعو إلى دعم مربّي الجاموس، لأن هذا الحيوان ممكن أن ينقرض في العراق”. لافتاً إلى أن “المديرية لديها جولات ميدانية أسبوعية على المربين من قبل قسم الثروة الحيوانية، والأطباء البيطريين في مستشفى البيطري للعناية بهذا الحيوان”.
قيمر السدة
مسلم الذي يتذكر قليلاً عن جدته التي كانت تقضي ساعاتها بين الحليب والدخان والنار، توارث خطوات صناعة القيمر، فالعملية كما يرويها: “نحلب الجاموس في وقتين، صباحاً عند الخامسة، ومساء عند الخامسة أيضاً. الحليب الصباحي نحتفظ به في المجمدات لتبريده، فالتبريد أهم شيء، لأن أي تأخير يؤدي إلى فساد الحليب. عصراً نخلط حليب الصباح مع الحليب المسائي، ثم نضعه في الصفاري، وهي قدور خاصة توضع على النار بطريقة تقليدية. نستخدم خشبة خاصة من أغصان أشجار التكي للطرق، لا نستخدم أدوات حديدية مثل الجفجير، (يشدد بأصبعه منبهاً)، لأن ذلك يضر بطعم القيمر”.
“نطرق الحليب ساعة كاملة، ثم نغطيه بسلة مصنوعة من أغصان الرمان، ونتركه ست ساعات على الهواء، حتى تتكون طبقة القيمر على السطح. صباح اليوم التالي، نأخذ القيمر ونضعه في طبقة سطحية ليطفو فوق الحليب المتبقي، الذي يسمى الحليب الراجع، ويُستخدم لصناعة الجبن. هذه الطريقة موروثة عن أجدادي، من جدتي إلى أمي، ونحن نحافظ على هذه الصناعة كتراث عراقي أصيل”.

التسويق
تحدث مسلم أيضاً عن التسويق والطلب على القيمر: “لدينا محل في السدة ولدينا مكان آخر لتسويق القيمر في مفرق سدة-مسيب، ومنطقتنا معروفة على مستوى القيمر”.
وعند سؤاله عن وصول القيمر إلى بغداد، كما تعلن محالّ عن توفره هناك؟ ردّ مسلم بأن: “كل متذوق لقيمرنا يزور بغداد ويجربه هناك يكتشف أن الطعم مختلف. نحن حافظنا على سلسلة التحضير منذ عهد جدي المولود عام 1920، وحتى جدي الرابع كان يعمل القيمر قبلنا”.

بالنسبة لمسلم وعائلته فإن القيمر ليس مجرد صناعة، إنه تاريخ وتراث حقيقي، وليس منتجاً غذائياً فقط، بل عمل اجتماعيّ حيّ، تُسهم فيه العائلة كلّها من الفجر حتى المساء، ويتوارثه الأبناء كعلامة على الانتماء.
الزبائن يعرفون طريقهم إلى البيت قبل أن تفتح المحالّ أبوابها، وبعضهم يقطع عشرات الكيلومترات ليحصل على حصّته الأسبوعية.
وفي المناسبات الدينية والمواسم الزراعية يرتفع الطلب، حتى يصبح القيمر عملة رمزية للمكان، يُهدى كما يُهدى الذهب، فكل طبقة قيمر تُباع تحمل قصة جاموس معين، وماء نهر معلوم، وحكاية بيت لا يزال أفراده يبدأون الفجر بالحليب والدخان والنار والذاكرة.