عراقيون في آلة الذكاء الاصطناعي: وجوه ليست لنا، وكلمات عابرة
16 تشرين الثاني 2025
قد يكتب الذكاء الاصطناعي للعراقيين نصاً جميلاً، وقد يفبرك صورة تدمّر حياة امرأة أو رجل.. وهنا يبرز السؤال: أين تنتهي الحقيقة، وأين يبدأ الوهم؟
أقرأ نصاً جميلاً ومتماسكاً، يخلو من الأخطاء الإملائية والنحوية، فأستحضر أننا في القرن الحادي والعشرين، حيث يتيح لنا التطور التقني أن نرسل جملة واحدة إلى أداة للذكاء الاصطناعي، فنتلقى نصاً كاملاً نعتقد أنه يعبّر بدقة عمّا أردنا قوله، عندها يلحّ السؤال: هل كتب صديقي “فلان” هذا النص؟ أم أنّه من إنتاج ChatGPT؟
لكن الكتابة ليست وحدها التي تغيّرت، فالصور كذلك لم تعد مرآة للحظة، بل بوابة للتهديد والتزييف، فمع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، لا تُمحى بصمة المرء فقط من الكلمات، بل تُزرع صورته على جسدٍ لا يملكه، في مشهد لم يختره، ويُدان به دون أن ينطق.
من هنا ننطلق للسؤال عن كلمات ليست لنا، بقصص لم نعشها، ووجوهٍ لا تشبه أصحابها.

لا تُصاغ النصوص والمقالات من أفكار فقط، فهي تراكمات نجاحات وفشل وإحباط ومشاعر معقدة. ومن هذه الفكرة، بدا للكتّاب سابقاً أسلوبٌ يمكن تشخيصه من خلال قراءة فقرة واحدة من نصٍ عابرٍ لهم، فهو نتاج سنوات من المحاولات الفاشلة والناجحة. من خلال هذه التجارب، يبدأ الكاتب بقياس مدى نجاحه في إيصال رؤيته وأفكاره الحقيقية.
يصعب على نماذج الذكاء الاصطناعي التعبير عن معاناة كاتبٍ ما أو ذاكرته الإنسانية، فبعض المشاعر الإنسانية مثل الـ Nostalgia (الحنين إلى الماضي) هي مشاعر مركبة، تبدأ من طفولة الإنسان وشعوره في تلك اللحظة، ولا تنتهي بشعوره تجاه ما يواجهه في يومه. والمشاعر الإنسانية لا يُمكن للمرء أن يُشعِر بها الآخرين إلا إذا كتب مفردات دقيقة تعبّر عمّا في داخله، فالمسألة ليست إنتاجاً لمعنى جديد، بل هي تكريسٌ لما توصّل إليه الكاتب من خلال رحلته مع المشاعر المختلطة والذاكرة، التي قد تكون جزءاً من معاناة حقيقية لا تمثَّل بإجابات فورية ونموذجية. الذكريات ليست نموذجية.
لم تكن الكتابة يوماً وسيلةً للإنتاج فقط، بل هي فرصة لمعرفة الذات وترتيب الأفكار، فالكثير من الكتّاب لا يكتبون لأنهم يعرفون ما يريدون قوله، بل ليكتشفوه أثناء الكتابة.
الكتابة، والحال هذه، جزء من مراجعة الإنسان لذاته. وهنا يُقصي مستخدمو الذكاء الاصطناعي أنفسهم من فرصة اكتشاف الذات، ليجدوا أنفسهم قد توصّلوا لخلاصة مُرضية، متناسين عواقب إهمال قدرة العقل على التأمل والبحث في الذات وفي أفكار الآخرين، لسهولة الوصول إلى النتيجة “المثالية”.
لم يرثِ الشاعر محمد مهدي الجواهري أخاه جعفر بكلمات مثالية وهادئة، فلا نكاد نقرأ شيئاً من أبياته حتى نشعر بغضبه وحرقته وثورته. وكذلك لم يكتب السيّاب قصيدته “غريب على الخليج” من مشاعر وهمية، بل كتب ما شعر به حقاً، بمفردات وتعابير معقدة تعبّر عن تجربته الخاصة وحزنه العميق، حتى نكاد نسمع ارتجاف صوته وهو يقول:
“لتبكين على العراق
فما لديك سوى الدموع
وسوى انتظارك دون جدوى
للرياحِ وللقلوع”.
تترسخ هذه الأمثلة في وجدان القراء، حين يجدون كلمات تعبّر عن غضب وتوتر ومعاناة عاشها الكاتب أثناء كتابته وإلقائه للقصيدة، وهذا ما لا يمكن للذكاء الاصطناعي الخوض فيه، حتى لو أقنعته بذلك، وطلبت منه أن يتجسد بشخصيتك وحياتك.
بناء الثقة بين الكاتب والقارئ هو جزء أساسي من تاريخ الكاتب المميز، فلا يُحيل الشك إلى التفكير بعيداً عن نيّة الكاتب وتوجهه عندما نرى فيه ثباتاً حقيقياً وتراكماً واقعياً لما عمل عليه في حياته من إنتاج فكري أو ثقافي. إلا أن الذكاء الاصطناعي جعل من الصعب على الكتّاب الجدد اكتساب ثقة القرّاء، بسبب وجود كاتب آلي يعمل على صياغة كل شيء بشكلٍ مثالي.

سألتُ الذكاء الاصطناعي: “لماذا كتاباتك لا تشبه كتابات الإنسان؟”
فأجاب: “الكتابات التي أُنتجها -رغم أنها قد تكون منسقة، منطقية، ومتماسكة- تفتقر في كثير من الأحيان لشيء جوهري: الارتباك الإنساني. الإنسان لا يكتب فقط ليُبلِّغ، بل ليُفرِّغ، ليتنفّس، ليشتم أحياناً، أو ليغفر. الإنسان يتردد، يتلعثم، ويغير رأيه في منتصف الجملة، ينفعل، يتعب، ويخطئ، أنا لا أفعل ذلك”.
فالكتابة ليست مجرّد فعل لغوي، بل هي حوار داخلي بين التجربة والوعي. وإذا كانت الكتابة هي التعبير الأصدق عن الذات، فإن القراءة هي الولادة الثانية للنص، إنها إعادة تشكيل لمعناه من خلال وعي القارئ وتراكماته وانفعالاته الخاصة. لذلك، فمحاولة تعويض هذه العلاقة بنظام اصطناعي لا تُنتج سوى الانفصال عن الجوهر الإنساني للنص، والانتهاك لما يعبّر عنه الحوار الروحي بين الكاتب والقارئ؛ لأن القراءة ليست تلقياً سلبياً، بل هي فعلٌ جديدٌ يحمل من الكاتب نية، ومن القارئ حياة أخرى لها.
يصعب على هذه الخوارزميات إنتاج أفكار إنسانية وعاطفية، فهي تعمل بحسب نظام واحد مع الجميع. فهل من يبحث عن معلومة في Google ويجدها يصبح عالماً؟ كذلك الأمر في تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تكتب للمستخدمين، لا تجعل منهم كتّاباً.
في محاولة لفهم كيف يتعامل صنّاع المحتوى والمهتمون بالإعلام مع أدوات الذكاء الاصطناعي، تم توجيه استبيان إلى عينة محدودة من الكتّاب والصحفيين وصنّاع المحتوى، والمهتمين بمجالات الإعلام والثقافة الرقمية، وذلك بهدف رصد آرائهم الأولية حول هذه التحولات، وتحليل وعيهم تجاه استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى المكتوب والمرئي. وقد أظهرت نتائج الاستبيان، الذي شارك فيه 39 شخصاً، أن الغالبية جرّبوا هذه الأدوات، إلا أن 85 بالمئة منهم لا يؤمنون بقدرتها على التعبير عن التجربة الإنسانية بصدق.
عبّر المشاركون عن قلقهم من فقدان الهوية والأسلوب الشخصي في النصوص، ومن ضعف العاطفة والتشابه الكبير بين ما تنتجه هذه الأدوات، إلى جانب صعوبة تمييز النص البشري من الآلي.
أما الخطر الأشد حضوراً فقد كان الصور والفيديوهات المفبركة. فقد قال 36 مشاركاً إن صورة واحدة مصنوعة بالذكاء الاصطناعي قد تكون كافية لتدمير حياة إنسان في العراق، خاصةً في بيئات محافظة لا تملك وعياً كافياً بهذه التقنية. وصنّف المشاركون “الابتزاز الجنسي” و”تشويه السمعة الاجتماعية” و”إقصاء النساء من الفضاء العام” بوصفها أكثر المخاطر المترتبة على استخدام الـ Deepfake.
وبالنسبة للمشاركات النساء، أظهرت النتائج أن القلق ليس مجرد احتمال نظري، بل هو خوف حقيقي تعيشه العديد من النساء، إذ قالت 13 مشاركة إن مجرد احتمال فبركة صورة لهن قد يشكل تهديداً مباشراً على حياتهن وسمعتهن، في مجتمع قد لا يمنحهن فرصة الدفاع عن النفس لإثبات البراءة الرقمية.

عبّر بعض المشاركين في الاستبيان عن آرائهم بوضوح حول أثر الذكاء الاصطناعي في التعبير الإنساني. كتب أحدهم: “كشخص يعشق الكتابة اتقزز من فكرة أن يستعمل الشخص أدوات الذكاء الاصطناعي لأي شيء أكثر من التدقيق اللغوي (والذي بحد ذاته لا يساعد في تنمية مهارة الشخص في التعرف على اخطاءه) ويصنع او يحول الناس إلى اتكاليين أكثر على التكنولوجيا”.
وقالت مشاركة أخرى: “ارى بأنها خالية من المشاعر والعاطفة، لاتشبه السرد البشري الذي يضع فيه روحه وصدقه ورؤيته للواقع والأحداث بعينه”.
وكتب أحدهم: “يمكن التفكير به أشبه بمساعد مدير التحرير”.
وفي وصف موجز لحالة التكرار وفقدان التفرّد: “النصوص تصبح متشابهه”.
لكن الذكاء الاصطناعي ليس شراً مطلقاً، فقد ساعد آلاف الطلبة والباحثين والكتّاب على تنظيم أفكارهم، والبحث، وتحسين المهارات. هو أداة، كغيرها من الأدوات، تعتمد فائدتها على من يستخدمها وغاية استخدامها، فالخطورة ليست في وجوده، بل في جعله بديلاً عن التجربة والذات، عوضاً عن كونه مساعداً وامتداداً لذواتنا.
في مقابل النصوص المصقولة، هناك اليوم وجوه مشوَّهة، ليست لأصحابها.
لا تقتصر قدرات الذكاء الاصطناعي على الكتابة فحسب، فالإنسان قادر اليوم على إنتاج صور ومقاطع مزيفة من خلال تقنية الـ Deepfake، وقد فتحت هذه التقنية أبواباً جديدة لانتهاك النساء، خصوصاً عندما تُستخدم لتركيب وجوههن على مشاهد جنسية أو صور إباحية.
بدأت بعض الدول تتعامل مع هذه الظاهرة قانونياً. ففي آذار 2025، أقرت إسبانيا مشروع قانون يُجرّم عدم تمييز المحتوى المصنوع بالذكاء الاصطناعي عن المحتوى الحقيقي، بهدف الحد من الـ Deepfake.
وفي الولايات المتحدة وحدها، وثّقت مجموعة American Sunlight Project أكثر من 35 ألف حالة تزييف عميق تستهدف أعضاء في الكونغرس، كان 25 من أصل 26 منهم نساء، وظهرت صورهن المفبركة على مواقع إباحية.
وتكمن الخطورة الأكبر حين تتجذر هذه الظاهرة في بيئاتٍ محافظة، مثل المجتمع العراقي، حيث يندر الوعي بهذه التقنيات، وتُقدَّم الصورة المفبركة كدليل قاطع لا يقبل التأويل.
في ظل هذا الواقع، يتحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة تدمير صامتة، تهدد حياة النساء ووجودهن السياسي والاجتماعي، دون أن تترك لهن حتى فرصة الدفاع عن النفس أو النجاة. لا تُمنح المرأة فرصة لشرح ما حدث، لأن مفهوم “الشرف” في كثير من البيوت لا يعترف بالبراءة الرقمية، فصورة واحدة تكفي لتحطيم حياتها، وإقصائها من المجال العام، أو لإيذائها جسدياً، وربما لإنهاء حياتها.
تظهر هذه “الأدوات” وكأنها تفتح آفاقاً للإبداع، لكنها في بعض الأحيان تفتح أبواباً للخراب إذا لم نفهمها فهماً صحيحاً. فما الذي يميّزنا حقاً كبشر؟ قدرتنا على الكتابة أم على الشعور؟ على إنتاج الصور أم على رؤية الحقيقة؟

فكلما تطوّرت أساليب الكتابة ضمن خوارزميات الذكاء الاصطناعي، صار دفاعنا عن الكتابة الإنسانية ينطلق من مقاومة عاطفية لحماية ما نسمّيه بـ”روح الكاتب”. وربما نهزأ في المستقبل من هذه المقاومة، كما نهزأ اليوم من فكرة مقاومة Google أو الآلة الطابعة حين ظهرت.
لكن ما يجب ألّا ننساه هو أن الآلات لا تخجل، ولا تخاف، وأن الصور لا تعتذر، ويصعب على النصوص المصنوعة أن تريح الكاتب، أو أن تحمل وزن خسارته وشعوره بالندم.
فالكتابة كانت، وستبقى، وسيلة الإنسان ليعبّر عن وجوده ويقول: كنت هنا، ورأيت ذلك، وشعرت به. فالكتابة بلا ذكريات، يصعب ترسيخها في ذاكرة القارئ.
ومنكم/ن نستفيد ونتعلم
هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media
اقرأ ايضاً
سحب على المكشوف.. عن الدَّين الداخلي الذي يربك الحاضر ويهدد القادم
09 ديسمبر 2025
السكراب.. حرب التهريب الخفية بين المافيات الكبيرة والتجار الصغار
07 ديسمبر 2025
قصب إيران لبناء المضايف في أهوار العراق: كيف يهدد الجفاف "هندسة سومر"؟
04 ديسمبر 2025
"الخبز صار حسرة على الفلاح".. قصة الخسارة الموجعة في نينوى
02 ديسمبر 2025
أقرأ نصاً جميلاً ومتماسكاً، يخلو من الأخطاء الإملائية والنحوية، فأستحضر أننا في القرن الحادي والعشرين، حيث يتيح لنا التطور التقني أن نرسل جملة واحدة إلى أداة للذكاء الاصطناعي، فنتلقى نصاً كاملاً نعتقد أنه يعبّر بدقة عمّا أردنا قوله، عندها يلحّ السؤال: هل كتب صديقي “فلان” هذا النص؟ أم أنّه من إنتاج ChatGPT؟
لكن الكتابة ليست وحدها التي تغيّرت، فالصور كذلك لم تعد مرآة للحظة، بل بوابة للتهديد والتزييف، فمع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، لا تُمحى بصمة المرء فقط من الكلمات، بل تُزرع صورته على جسدٍ لا يملكه، في مشهد لم يختره، ويُدان به دون أن ينطق.
من هنا ننطلق للسؤال عن كلمات ليست لنا، بقصص لم نعشها، ووجوهٍ لا تشبه أصحابها.

لا تُصاغ النصوص والمقالات من أفكار فقط، فهي تراكمات نجاحات وفشل وإحباط ومشاعر معقدة. ومن هذه الفكرة، بدا للكتّاب سابقاً أسلوبٌ يمكن تشخيصه من خلال قراءة فقرة واحدة من نصٍ عابرٍ لهم، فهو نتاج سنوات من المحاولات الفاشلة والناجحة. من خلال هذه التجارب، يبدأ الكاتب بقياس مدى نجاحه في إيصال رؤيته وأفكاره الحقيقية.
يصعب على نماذج الذكاء الاصطناعي التعبير عن معاناة كاتبٍ ما أو ذاكرته الإنسانية، فبعض المشاعر الإنسانية مثل الـ Nostalgia (الحنين إلى الماضي) هي مشاعر مركبة، تبدأ من طفولة الإنسان وشعوره في تلك اللحظة، ولا تنتهي بشعوره تجاه ما يواجهه في يومه. والمشاعر الإنسانية لا يُمكن للمرء أن يُشعِر بها الآخرين إلا إذا كتب مفردات دقيقة تعبّر عمّا في داخله، فالمسألة ليست إنتاجاً لمعنى جديد، بل هي تكريسٌ لما توصّل إليه الكاتب من خلال رحلته مع المشاعر المختلطة والذاكرة، التي قد تكون جزءاً من معاناة حقيقية لا تمثَّل بإجابات فورية ونموذجية. الذكريات ليست نموذجية.
لم تكن الكتابة يوماً وسيلةً للإنتاج فقط، بل هي فرصة لمعرفة الذات وترتيب الأفكار، فالكثير من الكتّاب لا يكتبون لأنهم يعرفون ما يريدون قوله، بل ليكتشفوه أثناء الكتابة.
الكتابة، والحال هذه، جزء من مراجعة الإنسان لذاته. وهنا يُقصي مستخدمو الذكاء الاصطناعي أنفسهم من فرصة اكتشاف الذات، ليجدوا أنفسهم قد توصّلوا لخلاصة مُرضية، متناسين عواقب إهمال قدرة العقل على التأمل والبحث في الذات وفي أفكار الآخرين، لسهولة الوصول إلى النتيجة “المثالية”.
لم يرثِ الشاعر محمد مهدي الجواهري أخاه جعفر بكلمات مثالية وهادئة، فلا نكاد نقرأ شيئاً من أبياته حتى نشعر بغضبه وحرقته وثورته. وكذلك لم يكتب السيّاب قصيدته “غريب على الخليج” من مشاعر وهمية، بل كتب ما شعر به حقاً، بمفردات وتعابير معقدة تعبّر عن تجربته الخاصة وحزنه العميق، حتى نكاد نسمع ارتجاف صوته وهو يقول:
“لتبكين على العراق
فما لديك سوى الدموع
وسوى انتظارك دون جدوى
للرياحِ وللقلوع”.
تترسخ هذه الأمثلة في وجدان القراء، حين يجدون كلمات تعبّر عن غضب وتوتر ومعاناة عاشها الكاتب أثناء كتابته وإلقائه للقصيدة، وهذا ما لا يمكن للذكاء الاصطناعي الخوض فيه، حتى لو أقنعته بذلك، وطلبت منه أن يتجسد بشخصيتك وحياتك.
بناء الثقة بين الكاتب والقارئ هو جزء أساسي من تاريخ الكاتب المميز، فلا يُحيل الشك إلى التفكير بعيداً عن نيّة الكاتب وتوجهه عندما نرى فيه ثباتاً حقيقياً وتراكماً واقعياً لما عمل عليه في حياته من إنتاج فكري أو ثقافي. إلا أن الذكاء الاصطناعي جعل من الصعب على الكتّاب الجدد اكتساب ثقة القرّاء، بسبب وجود كاتب آلي يعمل على صياغة كل شيء بشكلٍ مثالي.

سألتُ الذكاء الاصطناعي: “لماذا كتاباتك لا تشبه كتابات الإنسان؟”
فأجاب: “الكتابات التي أُنتجها -رغم أنها قد تكون منسقة، منطقية، ومتماسكة- تفتقر في كثير من الأحيان لشيء جوهري: الارتباك الإنساني. الإنسان لا يكتب فقط ليُبلِّغ، بل ليُفرِّغ، ليتنفّس، ليشتم أحياناً، أو ليغفر. الإنسان يتردد، يتلعثم، ويغير رأيه في منتصف الجملة، ينفعل، يتعب، ويخطئ، أنا لا أفعل ذلك”.
فالكتابة ليست مجرّد فعل لغوي، بل هي حوار داخلي بين التجربة والوعي. وإذا كانت الكتابة هي التعبير الأصدق عن الذات، فإن القراءة هي الولادة الثانية للنص، إنها إعادة تشكيل لمعناه من خلال وعي القارئ وتراكماته وانفعالاته الخاصة. لذلك، فمحاولة تعويض هذه العلاقة بنظام اصطناعي لا تُنتج سوى الانفصال عن الجوهر الإنساني للنص، والانتهاك لما يعبّر عنه الحوار الروحي بين الكاتب والقارئ؛ لأن القراءة ليست تلقياً سلبياً، بل هي فعلٌ جديدٌ يحمل من الكاتب نية، ومن القارئ حياة أخرى لها.
يصعب على هذه الخوارزميات إنتاج أفكار إنسانية وعاطفية، فهي تعمل بحسب نظام واحد مع الجميع. فهل من يبحث عن معلومة في Google ويجدها يصبح عالماً؟ كذلك الأمر في تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تكتب للمستخدمين، لا تجعل منهم كتّاباً.
في محاولة لفهم كيف يتعامل صنّاع المحتوى والمهتمون بالإعلام مع أدوات الذكاء الاصطناعي، تم توجيه استبيان إلى عينة محدودة من الكتّاب والصحفيين وصنّاع المحتوى، والمهتمين بمجالات الإعلام والثقافة الرقمية، وذلك بهدف رصد آرائهم الأولية حول هذه التحولات، وتحليل وعيهم تجاه استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى المكتوب والمرئي. وقد أظهرت نتائج الاستبيان، الذي شارك فيه 39 شخصاً، أن الغالبية جرّبوا هذه الأدوات، إلا أن 85 بالمئة منهم لا يؤمنون بقدرتها على التعبير عن التجربة الإنسانية بصدق.
عبّر المشاركون عن قلقهم من فقدان الهوية والأسلوب الشخصي في النصوص، ومن ضعف العاطفة والتشابه الكبير بين ما تنتجه هذه الأدوات، إلى جانب صعوبة تمييز النص البشري من الآلي.
أما الخطر الأشد حضوراً فقد كان الصور والفيديوهات المفبركة. فقد قال 36 مشاركاً إن صورة واحدة مصنوعة بالذكاء الاصطناعي قد تكون كافية لتدمير حياة إنسان في العراق، خاصةً في بيئات محافظة لا تملك وعياً كافياً بهذه التقنية. وصنّف المشاركون “الابتزاز الجنسي” و”تشويه السمعة الاجتماعية” و”إقصاء النساء من الفضاء العام” بوصفها أكثر المخاطر المترتبة على استخدام الـ Deepfake.
وبالنسبة للمشاركات النساء، أظهرت النتائج أن القلق ليس مجرد احتمال نظري، بل هو خوف حقيقي تعيشه العديد من النساء، إذ قالت 13 مشاركة إن مجرد احتمال فبركة صورة لهن قد يشكل تهديداً مباشراً على حياتهن وسمعتهن، في مجتمع قد لا يمنحهن فرصة الدفاع عن النفس لإثبات البراءة الرقمية.

عبّر بعض المشاركين في الاستبيان عن آرائهم بوضوح حول أثر الذكاء الاصطناعي في التعبير الإنساني. كتب أحدهم: “كشخص يعشق الكتابة اتقزز من فكرة أن يستعمل الشخص أدوات الذكاء الاصطناعي لأي شيء أكثر من التدقيق اللغوي (والذي بحد ذاته لا يساعد في تنمية مهارة الشخص في التعرف على اخطاءه) ويصنع او يحول الناس إلى اتكاليين أكثر على التكنولوجيا”.
وقالت مشاركة أخرى: “ارى بأنها خالية من المشاعر والعاطفة، لاتشبه السرد البشري الذي يضع فيه روحه وصدقه ورؤيته للواقع والأحداث بعينه”.
وكتب أحدهم: “يمكن التفكير به أشبه بمساعد مدير التحرير”.
وفي وصف موجز لحالة التكرار وفقدان التفرّد: “النصوص تصبح متشابهه”.
لكن الذكاء الاصطناعي ليس شراً مطلقاً، فقد ساعد آلاف الطلبة والباحثين والكتّاب على تنظيم أفكارهم، والبحث، وتحسين المهارات. هو أداة، كغيرها من الأدوات، تعتمد فائدتها على من يستخدمها وغاية استخدامها، فالخطورة ليست في وجوده، بل في جعله بديلاً عن التجربة والذات، عوضاً عن كونه مساعداً وامتداداً لذواتنا.
في مقابل النصوص المصقولة، هناك اليوم وجوه مشوَّهة، ليست لأصحابها.
لا تقتصر قدرات الذكاء الاصطناعي على الكتابة فحسب، فالإنسان قادر اليوم على إنتاج صور ومقاطع مزيفة من خلال تقنية الـ Deepfake، وقد فتحت هذه التقنية أبواباً جديدة لانتهاك النساء، خصوصاً عندما تُستخدم لتركيب وجوههن على مشاهد جنسية أو صور إباحية.
بدأت بعض الدول تتعامل مع هذه الظاهرة قانونياً. ففي آذار 2025، أقرت إسبانيا مشروع قانون يُجرّم عدم تمييز المحتوى المصنوع بالذكاء الاصطناعي عن المحتوى الحقيقي، بهدف الحد من الـ Deepfake.
وفي الولايات المتحدة وحدها، وثّقت مجموعة American Sunlight Project أكثر من 35 ألف حالة تزييف عميق تستهدف أعضاء في الكونغرس، كان 25 من أصل 26 منهم نساء، وظهرت صورهن المفبركة على مواقع إباحية.
وتكمن الخطورة الأكبر حين تتجذر هذه الظاهرة في بيئاتٍ محافظة، مثل المجتمع العراقي، حيث يندر الوعي بهذه التقنيات، وتُقدَّم الصورة المفبركة كدليل قاطع لا يقبل التأويل.
في ظل هذا الواقع، يتحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة تدمير صامتة، تهدد حياة النساء ووجودهن السياسي والاجتماعي، دون أن تترك لهن حتى فرصة الدفاع عن النفس أو النجاة. لا تُمنح المرأة فرصة لشرح ما حدث، لأن مفهوم “الشرف” في كثير من البيوت لا يعترف بالبراءة الرقمية، فصورة واحدة تكفي لتحطيم حياتها، وإقصائها من المجال العام، أو لإيذائها جسدياً، وربما لإنهاء حياتها.
تظهر هذه “الأدوات” وكأنها تفتح آفاقاً للإبداع، لكنها في بعض الأحيان تفتح أبواباً للخراب إذا لم نفهمها فهماً صحيحاً. فما الذي يميّزنا حقاً كبشر؟ قدرتنا على الكتابة أم على الشعور؟ على إنتاج الصور أم على رؤية الحقيقة؟

فكلما تطوّرت أساليب الكتابة ضمن خوارزميات الذكاء الاصطناعي، صار دفاعنا عن الكتابة الإنسانية ينطلق من مقاومة عاطفية لحماية ما نسمّيه بـ”روح الكاتب”. وربما نهزأ في المستقبل من هذه المقاومة، كما نهزأ اليوم من فكرة مقاومة Google أو الآلة الطابعة حين ظهرت.
لكن ما يجب ألّا ننساه هو أن الآلات لا تخجل، ولا تخاف، وأن الصور لا تعتذر، ويصعب على النصوص المصنوعة أن تريح الكاتب، أو أن تحمل وزن خسارته وشعوره بالندم.
فالكتابة كانت، وستبقى، وسيلة الإنسان ليعبّر عن وجوده ويقول: كنت هنا، ورأيت ذلك، وشعرت به. فالكتابة بلا ذكريات، يصعب ترسيخها في ذاكرة القارئ.