الطريق إلى العجز

تَعِد حكومة علي الزيدي بوظائف جديدة، وتراهن على إيرادات لم تتحقق، وتقترض لتغطية العجز.. لكن إلى متى يستطيع العراق تحمّل هذه السياسة؟

جمارجمار | 2 تشرين الثاني 2026

تواصل حكومة علي الزيدي إغراق العراق بالديون، فيما تحاول الإيحاء بعكس ذلك عبر نفي الاقتراض من دول محددة، متجاهلةً ما تتضمنه مسودة موازنتها من قروض وحوالات خزينة وسندات لتمويل العجز، ومن دون أن تكشف للمواطنين حجم الديون التي سيتحملونها وشروطها وكيفية تسديدها. 

وبينما يستمر اقتراض الحكومة، يتحمل العراقيون كلفة خفض قيمة الدينار، الذي منح الحكومة دنانير أكثر مقابل دولارات النفط، وقلّص قدرتهم الشرائية، ليجدوا أنفسهم يدفعون من معيشتهم الحالية ومن مواردهم المقبلة المخصصة لتسديد الديون وفوائدها، من دون إعلان واضح عن السياسة النقدية والمالية للأعوام القادمة، أو إتاحة نسخة رسمية من مشروع موازنة 2027 لتتيح لهم معرفة ما يُقرَّر بأسمائهم. 

ويمتد هذا الغموض إلى الإيرادات التي تستند إليها التطمينات الحكومية، إذ تفترض الأرقام المتداولة للموازنة تصدير أربعة ملايين برميل يومياً، فيما بلغ المعدل الذي أعلنه وزير النفط في تشرين الأول 3.4 ملايين، بفارق يعادل نحو 19 تريليون دينار سنوياً عند السعر وسعر الصرف المفترضين في المسودة، ما يعني أن تعثّر تحقيق هذه الزيادة وحده سيترك نقصاً كبيراً في الأموال التي تبني الحكومة إنفاقها عليها. 

ولبلوغ صادرات قدرها أربعة ملايين برميل يومياً، مع تلبية الاستهلاك الداخلي، يحتاج العراق إلى رفع إنتاجه إلى نحو خمسة ملايين برميل أو أكثر، وهي زيادة لا يستطيع تحقيقها سريعاً أو بقرار منفرد، إذ تتطلب تفاهمات مع الشركات المنتجة واستثمارات لتوسيع قدرات الإنتاج والنقل والتصدير، إلى جانب التوافق ضمن “أوبك+” واستقرار المنافذ وانتهاء أزمة مضيق هرمز، ما يجعل بناء الإيرادات عليها مرهوناً بشروط يتجاوز بعضها قدرة الحكومة على التحكم، فيما يبقى صافي ما يصل إلى الخزينة مرتبطاً بأسعار البيع وكلف النقل. 

وتُبنى هذه التوقعات فوق فجوة مالية قائمة، بلغت نحو 33.6 تريليون دينار حتى آب الماضي، في حين لم تتجاوز الإيرادات 45.3 تريليوناً مقابل إنفاق بلغ 78.9 تريليوناً. 

تتعامل هذه السياسة الاقتصادية مع الإيرادات المأمولة بوصفها موارد متحققة، فتُنشئ في مقابلها التزامات دائمة، وتتوسع فيها لاسترضاء الفئات الغاضبة، كما في الحديث البرلماني عن إضافة 200 ألف وظيفة إلى موازنة 2027، ليصبح الإنفاق محكوماً، والحال هذه، بالحاجة السياسية إلى التهدئة، فيما تُترك القدرة على تمويله لشروط اقتصادية يصعب ضمانها، ويتولى الاقتراض تغطية المسافة بين الاثنين، ناقلاً كلفة شراء الرضا في الحاضر إلى مستقبل تضيق فيه القدرة على الوفاء بهذه الالتزامات.  

وفي اقتصاد مثل الاقتصاد العراقي، يعتمد على النفط ويستهلك الإنفاق الجاري معظم موارده، قد تستنفد هذه السياسة خلال سنوات معدودة مساحة المناورة المالية، ليصبح أي تراجع في الإيرادات مدخلاً إلى انهيارات تبدأ بالعجز عن دفع الرواتب وإدامة الخدمات، وتمتد إلى أسس الاستقرار الاجتماعي والسياسي. 

اشتركوا في النشرة البريدية لتصلكم كل اثنين.

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم