تشاؤم وليس عدم.. لماذا يصعب إقناع العراقيين بأن القادم أفضل

مع كل حكومة جديدة، تتجدّد وعود الإصلاح ويستقبلها عراقيون بالشك والسخرية.. كيف تراكمت خيباتهم، وماذا يحتاجون ليصدّقوا أن حياتهم قد تتحسّن؟

جلجامش نبيلجلجامش نبيل | 25 تشرين الأول 2026

بعد خمسة أشهر من تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية، أُعلن في 16 تشرين الأول اكتمال التشكيلة الوزارية إثر مصادقة البرلمان على تعيين 11 وزيراً وثلاثة نواب لرئيس الوزراء، ليرتفع عدد الوزراء بهذا إلى 25 وزيراً.  

وعوضاً عن التفاؤل بإمكان حل المشكلات الراهنة وتجاوز الأزمات المتضافرة على العراق، لا سيما المالية منها في خضم إغلاق مضيق هرمز وتعذّر تصدير النفط وتراجع قيمة الدينار العراقي، قابلَ الشارع العراقي هذه الأنباء بتشاؤمه المعهود. ففي السنوات الأخيرة، أصبح من دأب المواطن العراقي التعامل مع التغيرات السياسية بمزيجٍ من السوداوية واللامبالاة، ممّا يثير أسئلة عن جذور هذه الظاهرة وما إذا كانت مبالغاً بها. 

تعكس حالة التشاؤم هذه فقدان الثقة بإمكان التغيير في ظل تفاقم الأزمات المالية والفساد والبطالة والمحاصصة، وتعذُّر التوصل إلى صيغة واضحة للعلاقة بين الولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، في عالمٍ يزداد استقطاباً على نحو جليّ. في ضوء هذه المعطيات، لا يمكننا عدّ التشاؤم نزعة ثقافية متجذّرة، بل هو استجابة عقلانية -وإن كانت محبطة- نتيجة تراكم تجارب لم تسفر فيها الوعود السياسية عن واقعٍ ملموس يمسّ حياة المواطنين.   

جعجعة بلا طحن 

مع كل حكومة تنهال على المواطن وعود الإصلاح وإنهاء الفساد وتحسين الخدمات وتوفير الوظائف، إلّا أن المواطن لا يقيس كفاءة الدولة بالخطابات أو أرقام الموازنات بقدر تركيزه على تجربته الحياتية اليومية في ظل تلك الحكومة. 

لا شك أن المواطن العراقي ميّال إلى الشكوى والانتقاد، ومنها سخريته من كثرة بناء الجسور في ظل حكومة محمد شياع السوداني، متناسياً أنها، على الرغم من لوثة الفساد التي أصابتها، تحلّ جزءاً من مشكلة الزحام المروري الناتج عن اكتظاظ الحواضر بالسكان، حيث يصبح كل إنجاز مادة للتندّر، بحق أو دون وجه حق، ويُحرّك بعض تلك الموجات خصوم المسؤول من داخل الحكومة نفسها، أو لنقل من داخل البيت السياسي الكبير. 

مع ذلك، لهذا التشاؤم جذورٌ واقعية، بدءاً من تأخير تشكيل الحكومة لأشهر طوال في أعقاب كل انتخابات، وبروز أسماء لم يسمع عنها أغلب المواطنين لتُبوَّأ مناصب عليا وفق آلية المحاصصة والنفوذ الحزبي والعائلي، بل وبروز طبقة سياسية ثرية توشك أن تؤكد تحوّل ديمقراطية العراق “الوليدة” إلى أوليغارشية متوحشة.  

في كل صيف تتجدد معاناة المواطن مع أزمة الكهرباء المزمنة، التي يُفترض أن تتوفر لتعينه على مواجهة الصيف اللاهب، مصطحبة معها شحّ المياه الذي يحوّل القيظ جحيماً لا يُحتمل. وفي السنوات الأخيرة، توسعت دائرة البطالة لتطال خريجي الكليات الطبية، فمنذ عام 2023، أصبح آلاف خريجي طب الأسنان في عداد العاطلين عن العمل، كما بدأ يتأخر تعيين خريجي الطب العامّ كل عام. وبينما تتحدث الحكومة عن ترهّل وتتعالى دعوات التقشّف، يُفاجأ المواطنون بحكومة تضم وزارات جديدة، منها وزارة الاقتصاد الرقمي والحوكمة، ووزارة السياحة والآثار بعد فصلها عن الثقافة، ووزارة الدولة لشؤون الأقليات في الحكومة الحالية، فضلاً عن رفع عدد نواب رئيس الوزراء إلى ثلاثة.  

لا شك أن حديث الحكومة عن موجبات الترشيق وصعوبة توظيف المزيد من الخريجين حقيقي، لكنه يصطدم بمثل هذه الزيادات في كابينة الوزراء والمستشارين لأسباب تتعلق بالمحاصصة الحزبية والطائفية والعرقية، فضلاً عن تعذّر حل المجموعات المسلحة خارج إطار الدولة أو إلغاء امتيازات رؤساء العشائر ومهجّري رفحاء وغيرهم لأسباب انتخابية صرفة. يصبح هذا العامل رئيساً مع تراجع سعر صرف الدينار العراقي أمام الدولار، والتخوّف من تخفيض رواتب الموظّفين، أو صرف الرواتب كل 45 يوماً. لمثل هذه الأمور موجبات تتعلّق بإغلاق مضيق هرمز بسبب الحرب الإيرانية-الأمريكية، لكن المواطن البسيط يشعر بأنه مطالَب وحده بتحمّل تبعة هذه الحرب.  

بحسب تقرير الباروميتر العربي عن العراق، الصادر في كانون الأول 2024، عدّ 24 بالمئة من العراقيين الهموم الاقتصادية ضمن أولوياتهم. وبينما تقلّ هذه النسبة عمّا هي عليه في الأردن (57 بالمئة) وتونس (49 بالمئة) ولبنان (33 بالمئة)، يبقى العامل الاقتصادي حاسماً في غياب رضا العراقيين عن وضعهم الراهن.  

في المؤشر ذاته، عبّر 41 بالمئة من العراقيين عن نمو الفجوة وانعدام المساواة في الوظائف والأجور، في انخفاض عن 52 بالمئة من العراقيين في تقرير عام 2022. ولا تزال البطالة شبحاً يطارد الشباب العراقي، وكانت أولى أولويات 45 بالمئة من العراقيين، بحسب التقرير في عام 2024، رغم أن إحصائيات هيئة الإحصاء ونظم المعلومات الجغرافية العراقية تقول إن البطالة الإجمالية كانت في حدود 16.8 بالمئة في عام 2024، في انخفاض عن 20.4 بالمئة عام 2016 في خضم الحرب ضد تنظيم داعش، وعن 17.6 بالمئة عام 2014، لكن هذه الأرقام أصبحت من التاريخ بعد صفعة الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران وما تبعها من إغلاق المضيق وتراجع الاقتصاد العالمي. 

في مؤشر الباروميتر العربي، كان تفشّي الفساد الهم الأول للعراقيين بنسبة 33 بالمئة منهم، بينما بلغت النسبة 29 بالمئة في لبنان، الذي ينتهج سياسة المحاصصة أيضاً، ولسياساته الخارجية نهج يعمل على الابتعاد عن محور إيران.  

ووفق المؤشر، عبّر 80 بالمئة من العراقيين المستطلَعة آراؤهم عن اعتقادهم بأن الفساد مستشرٍ في الهيئات والمؤسسات الحكومية المحلية والبلدية، وقد تعزّز هذا الاعتقاد بعد الكشف عن قضية عدنان الجميلي، وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية ورئيس شركة نفط الشمال، حيث كشفت التحقيقات إثر اعتقاله عن امتلاكه 98 مليار دينار عراقي و11 مليون دولار أمريكي، فضلاً عن 70 عقاراً و21 مركبة وثلاثة كيلوغرامات من الذهب. رغم هذه الجهود واعتقال نواب ورؤساء كتل بارزين في قضايا فساد، فإن الأزمة الاقتصادية مستمرة لدرجة أن هذه الجهود أضحت في نظر المواطن دليلاً على تجذّر الفساد لا بادرة أمل في إمكان القضاء عليه. مع ذلك، وبحسب الباروميتر العربي، فإن هناك تحسناً في ثقة المواطنين بجهود الحكومة في مكافحة الفساد، حيث عبّر 42 بالمئة عن ثقتهم بهذه الجهود عام 2024، بزيادة 14 نقطة عن عام 2022.  

تكرار التجارب  

لم يكن العراقيون متشائمين على الدوام، إذ عبّرت شرائح واسعة منهم عن تفاؤلها بسقوط نظام البعث في نيسان 2003، وإن عكست ثنائية التشاؤم/التفاؤل تلك انقساماتٍ طائفية وعرقية هي الأخرى. تحدّث بعض العراقيين آنذاك عن مشروع مارشال على غرار ما حدث في ألمانيا في أعقاب الحرب العالمية الثانية. 

بحسب دراسة أعدتها مؤسسة غالوب، فإن العراقيين كانوا متفائلين بخصوص التحوّل الديمقراطي وتحسّن الخدمات العامة عام 2004، لكن ذلك التفاؤل تآكل بحلول عام 2007 في أعقاب العنف الطائفي الذي تفجّر، حيث آمن 45 بالمئة من العراقيين فقط بأن البلد يسير في الاتجاه الصحيح. وفي ذروة الحرب ضد تنظيم داعش عام 2016، لم يعتقد سوى 14 بالمئة من العراقيين بأن البلد في طور التحسّن، فيما سيطرت على الأغلبية مخاوف الانهيار الأمني والصعوبات الاقتصادية. لكن المؤسسة تشير إلى أن التفاؤل قد تصاعد مجدداً في شباط 2024، مع اعتقاد أكثر من 50 بالمئة من العراقيين بأن البلد يشهد تحسناً، لترتفع النسبة إلى 52 بالمئة مطلع عام 2025. يُعزى هذا الارتفاع في الثقة إلى تحسّن الأمن والاستثمار في البنى التحتية ومحاولات تحقيق التوازن في العلاقات الخارجية. 

ومثلما أن هذه الظاهرة ليست عراقية خالصة، وتعايشها جميع الشعوب في الجوار، وتزداد وطأتها بعد خيبات آمالٍ كبيرة، فإن هذا التشاؤم أو التفاؤل لا يسير في خطٍ ثابت، بل يتغيّر متفاعلاً مع المعطيات. لكن ردود الفعل السلبية في العموم انعكاس لتكرار الوعود دون نتائج ملموسة، وتقلّبات المشهد السياسي الإقليمي، وقمع التظاهرات المتكرّر، وآخرها عام 2019، وتفشّي البطالة، فضلاً عن فقدان الفاعلية السياسية. ففي كل دورة انتخابية، يشعر المواطن بأنه ينتخب أعضاءً للبرلمان، لكن الرئاسات الثلاث مسألة بعيدة عنه، وتخضع في العموم للمحاصصة الحزبية والطائفية، والتوافقات السياسية، والرضا الإقليمي، بل وحتى المال السياسي. من شأن هذا المناخ أن يُفقد المواطن الثقة في العملية السياسية مع تكرار التجربة نفسها رغم تغيّر الوجوه. في ظل هذا، تصبح الوعود الجديدة سبباً إضافياً للشك عوضاً عن كونها مصدراً للأمل. 

 وبحسب الباروميتر العربي، نجد أن غياب الثقة في إمكان الإصلاح السياسي شامل عبر الأجيال، إذ إن الفرق بين الشباب (18-29 عاماً) والأجيال الأكبر سناً (فوق 30 عاماً) محدود، مع ميل الأجيال الأكبر إلى فقدان ثقتهم في إيجاد وسائل فاعلة للتغيير. وعن حكومة السوداني مثلاً، وجد التقرير أن 45 بالمئة من المستطلَعة آراؤهم يثقون بأدائه، مقابل 35 بالمئة يثقون بمصطفى الكاظمي في عام 2022. في الوقت نفسه، بقيت الثقة بالقيادات الدينية أعلى (48 بالمئة)، يليها الثقة بالزعماء العشائريين (39 بالمئة)، ثم الرئيس العراقي السابق عبد الرشيد لطيف (34 بالمئة) عام 2024.  

تشاؤم لم يصل عتبة العدمية  

مع ذلك، قد لا يعكس التشاؤم وصول العراقيين إلى حد العدمية السياسية، بل يمكن وصف الحالة بالعجز السياسي المتعلّم، أي إنه تشاؤم نابع من توقّع استمرار المشكلات، مع استمرار الاهتمام بالسياسة، ومراقبة تشكيل الحكومة، وانتقاد المرشحين، والمطالبة بالتغيير.  

وبينما تغلب سمة التشاؤم على الحوار المرتبط بالسياسة في العراق، فإن المجتمع متنوّع المشارب، وهناك اليائس الذي لم يعد يعلّق على الشأن السياسي، والمستاء المفرط في النقد على الدوام، والناقم لأسباب حزبية فئوية، وهذه حال الكثير من قوى المعارضة السلبية حول العالم، وهناك المستفيد الممجّد للوضع لأسباب شخصية، والآخر المرتبط بدعم النظام مهما حدث لأسباب أيديولوجية، ويميل الصنف الأخير إلى تزويق كل القرارات، بما فيها الانتحارية، في سبيل ما يعدّه نصرة لقضاياه.  

ختاماً، للتشاؤم العراقي جذورٌ واضحة تكمن في شكل العملية السياسية، وغياب الفاعلية الفردية للمواطن في الاختيار، وتفشّي الفساد والبطالة في صفوف الخرّيجين، وسوء الخدمات العامة، وشيوع الانتماءات الثانوية على حساب المواطنة، لكنه في النهاية تشاؤم لم يصل حدّ العدمية، ولا يسير في خط واحد، بل يتأثّر بالوضع الاقتصادي والسياسي المحيط، ولا يزال في الإمكان عكسه عبر إصلاحاتٍ ملموسة يمسّها الفرد في حياته.   

  • تُنشر المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية “نيريج”. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

كاتب ومترجم عراقي مستقل مقيم في تركيا، يكتب في مجالات السياسة والتعليم والفن والأدب، وحقوق المرأة، ونشرت مقالاته مواقع عربية وأجنبية. نشر رواية بعنوان “صراع الأقنعة” (2016) وترجم كتاب “الصناعات الإبداعية في سوريا: التغييرات والتكيف” إلى اللغة الإنجليزية (2020).