لا يكف العراق عن إضافة أيام جديدة إلى تاريخه الوطني، إذ تطلق الحكومات المتعاقبة أياماً للاستقلال والسيادة والوفاء والنصر، وتمنحها أسماء وطقوساً وعطلاً، ثم تدعو العراقيين إلى الاحتفال بها.
بعض هذه المناسبات استمر سنوات قليلة، وبعضها تبدلت تسميته أو اختفى مع الحكومة التي أعلنته، فيما بقي المجتمع في الغالب خارج الحكاية التي أرادت السلطة تحويلها إلى ذاكرة وطنية.
آخرها “أيام السيادة” التي خصصت لها حكومة علي الزيدي أربعة أيام، احتفالاً بانتهاء مهمة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، الذي دخل العراق عام 2014 بطلب من حكومته، بعد انهيار أمني مكّن داعش من السيطرة على مساحات واسعة من البلاد.
وقد سبق للعراق أن احتفل بسيادته. ففي 30 حزيران 2009 أعلنت حكومة نوري المالكي “يوم السيادة الوطنية” بعد انسحاب القوات الأمريكية من المدن. ومع الانسحاب النهائي في 2011 ظهرت تسميات بينها “يوم الوفاء” و”يوم العراق”، وفي 2013 عُدّ الخروج من معظم أحكام الفصل السابع استعادة أخرى للسيادة. ثم اختير الثالث من تشرين الأول، ذكرى استقلال العراق ودخوله عصبة الأمم عام 1932، يوماً وطنياً.
المشكلة ليست في كثرة الأعياد، فالبلدان تحتاج إلى أيام تجمع سكانها حول قصة مشتركة تحوّل التاريخ إلى ذاكرة عامة. لكن المناسبة الوطنية تستمد قوتها من تجربة يعرف الناس معناها ويجدون لأنفسهم مكاناً فيها.
وهذا ما يصعب العثور عليه في أيام السيادة العراقية المتكاثرة. فالسلطة تختار في كل مرة “إنجازاً سياسياً” تمنحه معنى وطنياً، وتحاول إدخاله في ذاكرة البلاد. لذلك ترتبط المناسبة بالحكومة أكثر من ارتباطها بالمجتمع، وتضعف بتغير السلطة وحكايتها.
ويصل “يوم السيادة” الجديد وفي داخله نقص واضح، ذلك أن 30 أيلول لم يكن موعداً لانتهاء مهمة التحالف فحسب، بل موعداً أعلنته الحكومة لحسم ملف سلاح الفصائل، وكان يُفترض أن يجمع التاريخ بين خروج القوات الأجنبية وحصر القوة المسلحة بيد الدولة.
لكن الحكومة تراجعت عن موعد نزع السلاح، وانتقل الاستحقاق إلى حزيران 2027، ليسقط من المناسبة الجزء المتعلق بسلطة الدولة داخل حدودها.
تستطيع السلطة، والحال هذه، أن تحدد تاريخاً للاحتفال، وتمنحه أربعة أيام، وتملأ المؤسسات بالأعلام والشعارات، بيد أن الذاكرة الوطنية تحتاج إلى قصة يتبناها الناس من دون تعليمات، والسيادة إلى دولة تملك قرارها وسلاحها، قبل أن تملك يوماً للاحتفال بهما.
اشتركوا في النشرة البريدية لتصلكم كل اثنين.