
أستيقظ صباحاً وأنا أحلم بما سأغطيه في الأخبار، لا أرى حبيبي في الحلم، بل تتزاحم صور السياسيين والأحداث السياسية في رأسي، ليخلق عقلي الباطن سيناريو مشوقاً لها.
يبدأ روتيني بمخاوف واقعية، أحرص دائماً منذ الليل على شحن اللابتوب والهاتف، خشية أن تنقطع الكهرباء فجأة وتأتي بنبضة عالية “فيز وفيز” فتحرق أجهزتي.. ثم، “منو يكمل الجدول؟”
مع بداية الصباح، وأثناء استماعي للموسيقى، أتابع الأخبار المتكررة: مظاهرات، سرقات، فساد، تحرش، وقتل نساء لا ينتهي. المهمة اليومية لي هي البحث عن طريقة أكثر عدالة لأنقل هذه القصص، ولأوصل صوت الفئات التي لم تستطع إيصال صوتها.
من غرفتي الصغيرة في إحدى نواحي العراق، أبدأ العمل لساعات قد تصل أحياناً إلى تسع ساعات متواصلة. أحرر الأخبار، أنتشل الكلمة المتحيزة لأضع مكانها كلمة أكثر شمولاً. وسط هذا الاندماج، تتشاجر عائلتي كالعادة بين الساعة 12 والواحدة ظهراً، لكنني اكتسبت مهارة العمل تحت الضغط، وتحت العنف أحياناً.
أعيش في تناقض لم أخبر أحداً عنه أبداً. أكتب عن حقوق لم أحصل عليها بعد، لكنني أناضل بكتابتي من أجل نساء أخريات على الأقل، ولأذكّر نفسي بمعرفتي بحقي. أكتب عن نساء معنَّفات بينما أكون قد تعرضت أنا نفسي للعنف قبل نصف ساعة فقط من اجتماعات عمل مهمة!
أبقى في الطابق الثاني، حيث الحر الشديد الذي لا يتحمله حاسبي، إذ أُمنع من الذهاب للمقهى وحدي بوصفي امرأة، حتى لو انقطع الإنترنت بسبب الكهرباء أو العاصفة، وحتى لو احترق البيت. وبعد مشاجرات طويلة، صار يُسمح لي بـ”مزاجهم” أن أذهب إلى مكان أكثر راحة.
ورغم كل شيء، من هذه الغرفة الصغيرة أتحدث مع ناشطين، ومحامين، ونساء يحققن أحلامهن. صرت أعرف الكثير من الأفراد الفاعلين في المجتمع، مغنين، مطربين، نواب، ناشطين، وحتى كتّابي المفضلين والمترجمين والمترجمات. وأستطيع الحصول على رقم أي منهم، وبعضهم صار يرسل لي: “جمعة مباركة” و”صباح الخير”.
أتاح لي عملي فرصاً كثيرة للسفر وخوض التجارب، بعض هذه الفرص رفضتها عائلتي قبل موعد السفر بأيام. وأعيش تناقضاً كبيراً؛ إذ أُمنع من الذهاب إلى الطبيب أو السوق وحدي، لكن يُسمح لي أن أسافر أحياناً وحدي، مقابل “إغراءات مالية” ومساعدات هنا وهناك في البيت.
أحب عملي أكثر في فترة الدورة الشهرية؛ لأن جسدي يحظى بالاحترام وقتها، رغم أنني أشعر بالذنب إذا أخذت الإجازة التي تتيحها المؤسسة التي أعمل فيها، وهو الصراع الذي أعيشه بين ما تمنحني إياه المؤسسة من حقوق، وبين أصوات الموروث العائلي في رأسي، موروث لا يحترم جسد المرأة ولا يعتبر الدورة الشهرية سبباً للراحة أو مبرراً للغياب عن المدرسة.

لكن الأصعب في عملي هو الكتابة عن جرائم قتل النساء. فالانتماء إلى عائلة لا تتردد أبداً في قتل بناتها، بل تفتخر بذلك، يعني أنني مع كل خبر مقتل امرأة أتخيل أن الضحية القادمة هي أنا.
أتذكر مقتل ينار محمد، المرأة الشجاعة المدافعة عن حقوقنا، وكيف قُتلت برصاصتين في الرأس.. هل يمكن أن أكون مكانها يوماً ما وأُقتل أمام صبّة منزلنا؟
أتذكر مقتل كوثر، الفتاة ذات البشرة الناعمة والحجاب الأسود، وكيف غطينا قصتها.
الاتصالات، وكتابة تقريرين عنها، والتأكد من صورتها، وكتابة قصتها مع الغارديان، كانت الدموع في كل مكان.. كان قلبي يوجعني.
أفكر كيف ستقتلني عائلتي لو علمت أنني أقول كلمة “دورة شهرية” دون استحياء في اجتماعات الثلاثاء، يظل هذا هاجسي دائماً؟
حينما أسافر من مدينتي، يصيبني هلع عند الاقتراب من السيطرة الأمنية، ماذا لو أخذوا حاسبي؟ ماذا لو عرفوا أن هذه الفتاة بالحجاب والعباءة هي نفسها التي تكتب عنهم وتلاحقهم بالمساءلة؟ يرتجف جسمي من الرعب، وأحاول أن أنشغل بأصابعي أو قنينة الماء وأُخبّئ هاتفي.
بعد نهاية كل يوم، أشعر أنني كشخص كان يركض في مكانه. ورغم كل هذا أحب عملي جداً، وأشعر بأنني أصنع فارقاً حين أكتب خبراً، وأؤمن أنني إذا قُتلت يوماً، فسأكون على الأقل قد شاركت في صنع صحافة تكتب عن مقتل النساء بكل كرامة، ولي شبكة علاقات وزملاء وزميلات محبون سيفتقدونني.

من شروطي في البحث عن عمل أن يكون مستقلاً أولاً، وإبداعياً ثانياً. “باقي الأمور تترتب”، هذا ما يجول في دماغي.
عندما عملت كمصمم في الصحافة، كان هناك “أوفر ثينك” بأشياء كثيرة. وأول فكرة أتذكرها من هذه الأفكار: “هسة هذي شيسموها؟” مصمم صحفي؟ لا، “مو حلوة”.. صحفي مصمم؟ لا، هذه تسمية أغرب. لكن، هل أنا صحفي؟ بقي هذا السؤال في رأسي عالقاً. إذاً ما هو عملي كمصمم، وما هو عملي كصحفي؟
لم يكن التفكير بشأن عملي كمصمم صعباً. بعد بضعة اجتماعات وشروح، فهمت أن كل ما علي تقديمه هو شيء مكتوب، بطريقة بصرية جميلة ومساعدة على الفهم. وأنا أحدد الشكل النهائي لأي تصميم، علي أن آخذ في الحسبان رأي ما لا يقل عن سبعة أشخاص في المؤسسة، ثم أي متحدث أو شخص في المواد المكتوبة التي أصممها، وستأتي بعد ذلك الخوارزميات لتحدد عدد قراءات هذا المنشور قبل أن يُصمم أو يُكتب، ثم جمهور حساس غالباً وغاضب أحياناً. والمواضيع التي نصممها تجعلني أصلاً “أصفن” كثيراً.
التفكير في هذه المسؤولية بشكل يومي مرهق، ونتائجه قد تكون أكبر النجاحات أو مصيبة تقع بغير قصد. لكن المصائب لا تنتظر الشكوى، بل الحلول، وهذا ما تعلمته في رحلة العمل في جُمار. وأهم درس تلقيته كان “اقرأ المادة”، وهي من أكثر الجمل التي سمعتها خلال عملي في جُمار، ودائماً ما تأتي بعد ملاحظة تتعلق بلون تصميم المادة أو حجم الخط، ثم يعقبها استشهاد بإحدى الجمل في البوست الذي نُشر قبل يوم من النقاش.
لم أفهم تلك العبارة دائماً، أعرف أن المحرر يحاول أن يريني شيئاً كان يجب أن أركز عليه أثناء القراءة. لكن لم أعلم ما هو الشيء المميز في هذه الجملة الذي يجعلني أغير قراراً مصيرياً في حياة هذه اللوحة، كاللون أو حجم الشخصية الأساسية، ما قد يغير عندي أغلب قياسات وأماكن باقي العناصر التي وضعتها بإتقان لإكمال نظرتي الإبداعية. لكن بالنسبة للمحرر، وضع لون زهري أو لون فاقع مع خبر “ثقيل” قد يكون “صعب شوية”.
الفنان الذي بداخلي لا يرى الألوان بطريقة سطحية. على سبيل المثال، في حالة الطوارئ في الولايات المتحدة يمكن أن يوضع على الطريق مثلث طوارئ بلون زهري أو برتقالي فاقع، وقد استُخدمت هذه الألوان في بعض الأزياء العسكرية في الحرب العالمية الثانية، وهذا أغرب وأسوأ. ولطالما رأيت اللون الزهري لوناً يدل على القلق والتحذير، إلى أن دار نقاش حاد بعض الشيء بعد نشر أحد البوستات على السوشيال ميديا، وكان يتحدث عن إحدى مشكلات المرأة في المجتمع، واستخدمت اللون الزهري كنوع من أنواع التحذير ولفت الانتباه إلى أهمية قراءة هذا البوست.
كان النقاش حول كيفية استخدام هذا اللون ومدى ملاءمته للصورة النمطية السائدة، إلى جانب اعتبارات وأسباب منطقية أخرى. وعندما قرأت التعليقات، كان هناك كثير ممن يوافقون زملائي الرأي في هذا الموضوع. لا توجد قاعدة ثابتة أو مرجع قاطع لمعرفة ما إذا كان استخدام اللون هذا مناسباً أو لا، فالأولوية يجب أن تكون لتقديم المعلومة بوضوح، من أجل إيصالها إلى الجمهور دون إثارة تساؤلات حول “مظهر” هذه المعلومة، وكلما قللنا من “ملاعيب العيد” كمصممين، وركزنا على المعلومة، كان ذلك أفضل.
فهمت أن مهمتي الأولى هي أن أدعم المعلومة لكي تصل إلى القارئ بطريقة تسهّل فهمها. لا أخفي أن هذا قد يكون صعباً أحياناً، فكيف لي أن أصمم بوست عن أسعار البقالة المرتفعة، وعنوان البوست “الصمون حيصير 5 بألف” أو ما شابه، دون أن أضع الفنان سعدون الساعدي جالساً على صمونة شهية مأكول أحد “أكماعها”. لكن الإبداع الحقيقي هو كيف أستطيع إيصال شعور العائلات التي كانت تدفع 30 ألف دينار عراقي شهرياً ثمن الصمون، وتدفع الآن أكثر من 60 ألفاً.
انتهى النقاش بجملة: “البوست نصفه كتابة ونصفه تصميم”.
لم أرَ الألوان كما كنت أراها ثانيةً، وكأن الألوان بدأت تتكلم بأكثر من لغة وبأكثر من طريقة.
وما زلت أسأل نفسي كلما قابلت شخصاً جديداً وودت أن أعرّف بنفسي: “هل أنا صحفي؟”

لطالما خضت تجاربي في الحياة بدافع التجربة وحدها، والعمل في جُمار كان أحدها، والأعز لديّ.
ما زلت أذكر حين قرأت منشور التقديم على العمل. تأملت طويلاً في المؤهلات المطلوبة، لكن ما أثار قلقي لم يكن خوفي من الرفض، فأقل ما يمكن أن يحصل هو ألا يتم قبولي. رحت أفكر في عالم الصحافة، والقصص والأخبار المأساوية التي يفرضها واقع العراق، من التضييق على الحريات إلى جرائم القتل.
كان حالي حال الكثيرين ممن يتألمون عند قراءة مقال أو سماع الأخبار، فصرت أتجنب متابعة الأخبار؛ لأنني خائفة ويرعبني كل ما يحدث في مجتمعنا، أعاني من شعور دائم بعدم الأمان، تلاحقني الكوابيس كل ليلة، كان الجهل يمنحني شعوراً، ولو مؤقتاً، بالطمأنينة الزائفة، خاصة أن “ما بيدي شي أسوي”.
لأختار ما أريد في حياتي، تجرأت على قول “لا” في وجه والدي، فكان الرد غضباً وشعوراً بالنفي والنبذ. عبّرت عن أفكاري لصديقاتي من جيلي، فجاء الجواب أقرب إلى الشتيمة. حينها قررت أن لا مزيد من القراءات، ولا مزيد من محاولة فهم هذا الواقع البائس.. أبتعد وأعيش بسلام وإن كان وهماً.
ثم جاء ذلك اليوم من آب الحار، بعد أن أُتيحت لي فرصة الانضمام إلى جُمار، كتبت حينها لنفسي رسالة بخط يدي كما كنت أفعل دائماً؛ لتهدئة مخاوفي ومواساة نفسي، وبعد أن قُبلت في العمل، حدث ما كنت أخشاه فعلاً.

كنت أبلل حاسبي بالدموع وأنا أقرأ، وأسلّم المادة التي يطلبها مديري وعيناي تذرفان. أقرأ عن تلال المخطئات وأفكر بما حدث لهن، أشاهد قبورهن، إنه القتل بذريعة “الشرف”. ثم عانيت الأرق، وقضيت ليالي طويلة دون نوم؛ لأن الفتاة التي قتلها أخوها كانت تحمل اسمي نفسه، إذ تلقّيت ملفاً بعنوان “مقتل كوثر“. ما الفرق بين كوثر تلك وبيني؟
نعيش في البقعة الجغرافية نفسها، ونخضع للعقلية المجتمعية نفسها، لست أفضل حالاً منها. هل يجب أن أشعر بالامتنان لأن الصدفة أنقذتني بينما تعرضت هي للقتل وعاشت الرعب والألم حتى اللحظة الأخيرة؟
لم تغادرني الدموع يوماً، كما لم تغادر ذاكرتي شهادات الناجيات الإيزيديات، اللواتي روين مأساتهن وسط التعذيب والاغتصاب، ومحاولاتهن لملمة حياتهن.
وحين طلبت مني مديرتي الكتابة عن نساء فقدن الحضانة، شعرت أن جسدي تصلب وتيبس وتجمد وأنا أستمع إلى قصة إحداهن. كانت “نور” قريبة من عمري، كان صوتها رقيقاً وهي تسرد لي مأساتها، إذ تزوجت وهي طفلة، وكان زوجها يكبرها بـ15 عاماً، تحدثت لي عن الاغتصاب الذي تعرضت له على يد زوجها، وخوفها اليوم على ابنتها من أن تواجه المصير نفسه في ظل قوانين المدونة الجعفرية.
لم أستطع أن أجد كلمات تعبّر عما حدث معها. شعرت أنني سأظل إلى الأبد عاجزة عن سرد قصتها ونقلها بالطريقة التي روتها لي، وما زالت قصتها تؤرقني كل ليلة.
كيف أحوّل كل ذلك الألم إلى كلمات؟ كيف نمنحها صوتاً؟ هل سأكون قادرة على نقل شعورها بالخيبة والخذلان؟
ثم تساءلت: ما الفرق بيني وبين تلك النساء؟ كان يمكن أن أكون نور، أو كوثر، أو واحدة من كثيرات غيرهما.
ربما هنا تحديداً تغير شيء ما بداخلي. لم يختفِ الخوف، لكنني صرت أشد حرصاً على سماع أصواتهن، وقراءة كل ما يصلني من قصصهن، ثم أندفع لكتابتها. نسمع القصص، ونتأذى، ونغضب، وأخيراً “صار بيدي شي”.
وربما لهذا أنا اليوم هنا. العمل الذي بدأته وأنا خائفة على صحتي النفسية تحوّل إلى متنفس للتعبير عن واقعي أنا. لا أختلف كثيراً عن تلك النساء، أعيش مثلهن، حيث أقاتل ألف مرة لأجل كلمة “لا”، وأخوض جدالاً طويلاً لأنني، ببساطة، أود الخروج من المنزل.
خضت معارك كثيرة دفاعاً عن أبسط حقوقي، من اختيار ما أود أن أرتدي، إلى وضع مرطب بشرة، واستخدام أحمر شفاه. عشت سنوات وأمي تراني أقل قيمة وأضعف لأنني أنثى. تعرضت للتحرش، وواجهت أحكاماً كثيرة طالت حتى إلى نبرة صوتي!
لم تعد القصص التي أقرأها ونغطيها على موقعنا، أو تلك التي كتبتها وسأكتبها بعيدة عني كما كنت أظن. حين أقرأ عن امرأة تخوض معركة لأجل حق بسيط، فأنا لا أقرأ عن “أخرى” تماماً، أقرأ وأكتب عن شيء أعرفه، عشته، وما زلت أعيشه.
أستيقظ كل صباح وأنا أحلم بالشمس التي تشرق على قلبي وتمنحني الأمان. أحلم، مثل كثيرين، بأن نحيا بأمان، وربما هذا ما يجعلني أنتمي إلى جُمار، لم يشتمني أحد لأنني عبّرت عن رأيي ودافعت عن حقوقي، بل وجدت من يشجعني على الكتابة ويقدم لي دعماً ومساحة لأقول ما أريد أن أقوله بصوت مرتفع، وجدتُ نافذة صغيرة تمرر ضوءاً إلى قلبي، وإن كان خافتاً!

انضممت إلى جمار قبل ثلاثة أشهر فقط، وفي هذه الفترة القصيرة تعلمت الكثير، وتغيرت نظرتي إلى العالم والمجتمع كصحفي.
في معظم المؤسسات الصحفية التي عملت معها سابقاً لم أوقع عقداً للعمل، ولذلك عندما وقعت عقداً يشرح حقوقي وواجباتي والمهام التي يجب أن أقوم بها بوضوح كان الأمر بالنسبة لي جزءاً من تجربة مختلفة وأكثر مهنية. وما وجدته في جمار لم يكن مجرد انضباط إداري أو مهني، بل بيئة عمل متكاملة.
في الوقت نفسه، وجدت أن جمار يشبه أسرة صغيرة. هناك دعم كبير بين أفراد الفريق وتعاون حقيقي، خصوصاً مع الأعضاء الجدد، من دون تكلف أو حواجز بسبب الفوارق العمرية أو الوظيفية، فعندما يحتاج أحد إلى المساعدة، يجد الآخرين حاضرين للمساعدة والنقاش وتقديم الملاحظات.
ومن أكثر الأمور التي لفتت انتباهي كثرة الاجتماعات والنقاشات داخل المؤسسة. فخلال الأشهر الثلاثة الماضية، شاركت في عدد من الاجتماعات يفوق ما شاركت فيه طوال سنوات عملي السابقة في الصحافة. لكن الأهم بالنسبة لي أن هذه الاجتماعات لم تكن شكلية، بل كانت مهمة وبناءة ومرتبطة بالعمل، وتنتهي بأفكار وقرارات ونتائج يمكن ملاحظة أثرها على أرض الواقع.
هذه التجربة جعلتني أكتشف أن العمل الصحفي لا يتوقف عند كتابة الخبر أو إعداد المادة، بل يحتاج إلى نقاش مستمر، ومراجعة، وتبادل للآراء، وعمل ضمن فريق. وهذا من أكثر الأشياء التي تعلمتها خلال وجودي في جمار.
“ليش وجه الأطفال مبين؟” لاحظت أن الفريق يسائل بعضه عن أخلاقيات الصحافة، وأن أموراً ربما كنت أراها عادية أو تمر أحياناً من دون انتباه تحظى بأهمية كبيرة لدى الفريق.
مثلاً، حماية خصوصية القاصرين، والانتباه إلى اللغة الشاملة وغير المتحيزة، والتوازن في استخدامها، وحماية خصوصية الأفراد بصورة عامة، وعدم تعريض أي شخص للخطر بسبب مادة صحفية. كذلك هناك اهتمام واضح بالحقوق، سواء حقوق الأشخاص الذين نتناول قضاياهم أو حقوق المواد والمصادر، وغير ذلك من التفاصيل التي تشكل جزءاً أساسياً من العمل الصحفي المسؤول.
ومن الأمور التي أحبها أننا لا نتعامل مع القضايا باعتبارها مسلمات. هناك دائماً محاولة للبحث عما وراء الخبر والقضية، وفهم أسبابها، وتفكيكها، ومعرفة تأثيرها في المجتمع، بدلاً من الاكتفاء بنقل ما حدث فقط.
الصحافة العراقية عانت طويلاً من ارتباط كثير من المؤسسات بمصالح سياسية أو مالية، وتحولت بعض وسائل الإعلام إلى ما يشبه الدكاكين التي تخدم جهات محددة أكثر مما تخدم الجمهور. لكن هنا لا يقرر شخص واحد ما نكتبه، ولا نسعى لإرضاء ممول أو مسؤول أو حزب، ولا توجد جهة تفرض علينا ما يجب أن نكتبه أو الطريقة التي نتناول بها القضايا. نكتب ما نراه مناسباً، وفق المعايير المهنية والأخلاقية التي نؤمن بها.

“سدي النت وتعاي”.. فن التهرب من العمل الأونلاين
أستمع إلى خالي وهو يعجز للمرة الألف عن فهم عملي وما أفعل. أضحك، كما أفعل عادةً؛ لأنني تخليتُ عن محاولة شرح التالي لأحد: عزيزي خالي، أعمل في الصحافة، أكتب عن البلاد وللبلاد، أُعدّ المشاريع وألاحق الفرص، عبر الإنترنت، لصالح جمار، هذا ما تفعله عندما تكون مدير مشاريع.
لا يفهم أحد عملي لأنه “أونلاين”، وعدم الفهم يرافقه الاستخفاف، بالتالي، من الطبيعي أن أمرّ بالمواقف التالية:
جدتي: “وإذا عندج شغل؟ كليلهم فصل النت وتعاي ويانا للعرس.”
أنا: “بيبي من يفصل نت البيت عادي أشترك شريحة وأكمل.”
جدتي: “وهم شمدريهم؟”
أنا:..
صديقتي: “يعني ما يصير نطلع نتغدى الثلاثاء؟”
أنا: “لا عندي اجتماع.”
صديقتي: “افتحي الاتصال كليلهم ما أكدر أحجي بس أسمع.”
أضحك كثيراً على مثل هذه المحادثات، وأتفهمها. لا أتوقع من مجتمع تعوّد العمل المكتبي والبصمة الصباحية أن يتقبّل فكرة أن تعمل عبر الإنترنت وأن تحترم أمانة العمل، وأن تجلس أمام حاسوبك لثماني ساعات بشكل جاد، دون أن “تفتح الاتصال” وتذهب، كما فعل الجميع أيام أزمة كوفيد-19 في المحاضرات الجامعية.

بدأتُ العمل في جمار منذ عامين ونصف؛ إيماناً بمهمته أولاً، ولأن فكرة العمل في الصحافة عبر الإنترنت أثارت حماسي ثانياً. أثناء كتابتي للنص أدركتُ أنني أعرف جمار منذ منتصف عمره، وأنني أتذكر بداياته التي لا تشبه ما وصل إليه اليوم. لكن هذا لا يعني أنني أستطيع الإفصاح عن عملي دائماً.
أن تكتب عن قضايا الفساد، وأن تتابع القوانين، وأن تسأل لماذا يحدث كل هذا، يعني أن تكون موضع شك، وهذا لا يقتصر على الغرباء فقط، بل قد يصل إلى عائلتك. شقيقي يعتقد أنني أكره الدولة؛ ببساطة لأنني صحفية بالمقام الأول. بالنسبة له، يجب أن أنتهج مسار “أنا وابن عمي على الغريب”، وأن أُجمّل صورة البلاد بدلاً من التساؤل أمام الجميع: لماذا لا تحصل النساء على حقوقهن؟ أو لماذا لا تصل الجامعات العراقية إلى التصنيفات العالمية؟ أو لماذا أشمُ رائحة قذرة في مياه الاستحمام؟
وهكذا، يعرفني كل شخص بمهنة مختلفة. أنا كاتبة، ومترجمة، ومحررة، ومديرة مشاريع لأولئك الذين أثق بهم. وفي أحيانٍ أخرى، أنا مُدرِّسة، لا شأن لها بهذا كله.
لكن الحقيقة أنني كل هؤلاء في جمار، هنا تعلمتُ الكتابة والترجمة والتحرير. وفي أيام الحرب، عندما تنقطع الكهرباء ويتوقف الإنترنت لدى أحدنا، تعلمت كيف أحل محل زميل أو زميلة، مهارة حل الأزمات التي لطالما سمعتُ عنها فهمتها هنا. فالحرب لا تداهم المستشفيات ومخافر الشرطة فقط، بل تداهم الصحافة أولاً. هنا فهمتُ معنى أن “الوقت بفلوس”، جميعنا ننتقل من خبر إلى آخر بسرعة تفوق أحياناً المطلوب، لنتأكد: هل هذا حقيقي؟ هل هذا خبر كاذب؟ هل هذا مولد بالذكاء الاصطناعي؟

إذا نُفِّذ هذا القرار الحكومي، أياً كان، ما الذي سيحدث للشعب العراقي؟ ونحن، الفريق الذي يسكن العراق، كيف ننجو؟ كيف نعمل حين يأتي الصيف وتنقطع الكهرباء لأن العراق بلا غاز؟ وكيف سنعمل في الشتاء حين تداهمنا العواصف والأمطار فتنقطع الكهرباء لأننا بلا بنى تحتية مهيئة؟ هل تأكدنا من سلامتنا عند السفر في حال أرادت السلطة تفتيش أجهزتنا؟ هل هذه المجموعة آمنة لإبلاغها أننا نعمل في الصحافة، وأننا لا نقول “عاش الريس” لننجو؟
كيف سنعمل إذا لم نتأكد من النجاة غداً؟ وإذا توقفنا نحن عن البحث والكتابة، هل سيأتي من يبحث بدلاً عنا؟ أهناك من يطرح سؤالاً تلو الآخر على الدولة ويطالبها بالإجابة بإلحاح مستمر؟
عامين ونصف من البحث والكتابة، تعلمتُ أن الصحافة لا تعني نقل الخبر فحسب، بل تفسيره. أتذكر جملة زميلتي دائماً: “كون الي ما يقرأ صحافة والمحلل السياسي اثنينهم يفتهمون المنشور”. نادراً ما أجد مكاناً يخلو من الطبقية عند كتابة الخبر. هذا الحرص على الشرح الدائم ووضع الأخبار في سياقاتها دفعني لفهم الكثير، وتعلم الكثير عن العراق، عني، عن حقوقي المزعومة، هذا ما أحبه في جمار.
ولكن لا يهم، لنعد إلى النقطة الأولى، هو “إحنا شنشتغل؟”
* تُنشر هذه المادة بمناسبة الذكرى الرابعة لتأسيس جُمار.