1998، كان يَفصل بيتَنا بشارع البدالة ركوبُ سيّارة نقل عام، 18 راكباً تُسمّى وقتها “الخَرسة”، حتى أصِلَ إلى شارع 20 بالبياع، هناك جنتي: تسجيلات كاظم الساهر. ينسدل البوستر اللامع على واجهة المحل الزجاجية المضاءة بشمس صيف بغداد اللاذع، يزهو في قلبها نجمي المفضل مرتدياً بدلة سوداء بربطة عنق قاتمة مرصّعة بدوائر بيضاء، مائلاً برأسه مع نظرة ساهمة تليق بعاشق هائم وزلف طويل بحافّة حادّة.
مكبّرات الصوت تصدح وتعيد بلا توقف “فراشة جئت أُلقي كحل أجنحتي”.
لا أتذكر ثمن الشريط، لكن أسبوعيّتي في ورشة تصليح الثلاجات لم تكفني وقتها، فجاءت معونة الأمهات. وضعت الكاسيت في المسجّل، لم تغب شمس ذلك النهار حتى حفظتُ الأغاني كلها. كاظم الساهر شيء أليفٌ في حياتنا، إنّه جزءٌ من البيت، مثل ألبوم صور العائلة، وضوء النافذة، و”كشكول” اليوميّات الذي نضعه تحت المخدة قبل النوم.
لقد أرّختُ مرحلة من طفولتي وبواكير الشباب بتاريخ أغنياته، طبع الرجل وجداننا، نحن أبناء الحارات الخارجة من نيران الحرب والحرمان. بصوته أحببنا “غزال وما يصيدونه”، ورقصنا على “يا ليل لا تنتهي”، وودّعنا “تريد أودعك يالعزيز”، وخُذِلنا “بعد الحبّ”. كان سرير منامي من خشب الساج الهنديّ بمسند مستطيل وحافة عريضة، حوّلتها إلى رفٍ ضمّ كاسيتات الساهر كلها. إحدى عقوبات والدي إذا “سوّيت مكسورة” أن ينفي الكاسيتات إلى مكان مجهول.
تباريتُ مع أولاد المدرسة بصور أغلفته النادرة، أو بوستر اختفى سريعاً من السوق. كانت عبارة “وحلمت بأن تتزوجني بنت السلطان” أول عبارة غزل أتجرأ على نطقها أمام حبيبتي، زوجتي لاحقاً. وأُظن أنني عرفت منه شخصياً، لا من غيره، وأنا ابن التاسعة، أننا محاصرون ” قل لهم يا سندباد.. قل لهم يا ميكي ماوس”.
كنت قد عرفت كاظم الساهر لأوّل مرّة نهاية الثمانينيات مع أغاني “جرة الحبل”، “تريد أذكرك إذا ناسي”، “سلمتك بيد الله”. لقد مرّ اليوم 35 عاماً على أول لقاء بيننا عبر مذياع أميّ “القيثارة”. عمر من الحكايات والمنعطفات.
قد يكون أبناء جيلي جيل الثمانينيات وكذلك جيل السبعينيات أكثر من ارتبطوا بناظر “مدرسة الحب”. لقد كنّا نؤرّخ حياتنا ومنعطفاتها مع كاسيتات كاظم، كان رمزاً نقلده في الموضة وقصة الشعر وطريقة الكلام وبوزات الصور. شاب نحيل يشبهنا، من حي شعبي يشبه أحياءنا، عائلة تشبه قصتُها قصصَ أهلنا، يصعد منصات المجد وتُغرم به النساء. لقد كان “سوبر مان عراقي”!
استثناء عراقي
لو عرفنا أن أول أغنية لكاظم الساهر “ورد العشك” صدرت عام 1981، وأول ألبوم “شجرة الزيتون” عام 1984، يكون قد مر اليوم 45 عاماً على مشواره الغنائيّ؛ ما يجعله صاحب أطول تجربة موسيقية غنائية متواصلة في تاريخ العراق الحديث.
لم يسبق لمطرب ولا مطربة من العراق الاستمرار في الإنتاج الموسيقي والظهور والتنافس على مدى أربعة عقود صعبة ومليئة بالتحولات السياسية والاجتماعية والذوقيّة في البلاد والمنطقة العربية كما حدث مع الساهر. الشخصية العراقية ميّالة إلى الراحة، ما إن يُحقق العراقي، على الأغلب، قدراً من النجاح العملي والاستقرار المادي حتى يكتفي، من دون رغبة بقطع أشواط جديدة من المغامرة.
تخلى الساهر عن هذه العادة العراقية، وظل على مدار العقود الأربعة معتكفاً على مَشغله الفنيّ بدأب باهر: ألبومات مستمرة، حفلات حول العالم، أغانٍ “سينغل”، كليبات. لقد صنع الرجل بناءً فريداً وظاهرة تراكمية تستحق الإعجاب والحفاوة. وها هو يقارب الـ70 بإصدار جديد يضم 18 أغنية، وهو رقم قياسي بين ألبوماته، كأنه في تحدٍ مع الزمن.
ينتمي الساهر جيلياً إلى ما بعد الأغنية العربية الكلاسيكية، التي لم يكتف باستعادة تقاليدها، لكنه وضع ألحانه في منطقة وسطى بين الطرب الكلاسيكي والأغنية المعاصرة.
فضلاً عن موهبته، كاظم موسيقي أكاديمي. درَس الموسيقى ودرّسها، وهو صاحب وعي بالبناء الموسيقي، ورأي جريء في تغيير قوالبه، ولديه اهتمام واضح بالتوزيع، وبالفرقة الموسيقية، والآلات، والعمل الأوركسترالي، وبالصورة المسرحية للأغنية.
لطالما تأملتُ قوة صوت الساهر المتمثلة في التحكّم في النبرة، وفي المد، وفي الانتقال بين المناطق الصوتية، وفي قدرته على إبقاء صوته داخل الشخصية الشعرية للنص. وأنا أكتب المقالة وجدت ملاحظة كتبتها بالقلم الجاف على الغلاف الداخلي لكاسيت “الحب المستحيل”: “كاظم يغني العاطفة من دون أن يفقد تماماً إحساسه بالمقام والبناء الموسيقي”.
بدا لي الساهر منذ البواكير مختلفاً في الغناء عن أنماط الغناء العراقي السائدة. في الوقت الذي كان فيه الغناء السبعيني في ذروة سطوته، جاءت الثمانينيات بغناء يتخفّف من المقدمات الطويلة والمقاطع اللحنية المتنوعة، ليواكب موجة التحديث العربية، ويقدم أغانيَ بحدود خمس أو ست دقائق، كان نجمها الأول محمود أنور. لكنّ البيئة اللحنية العراقية آنذاك تكاد تكون واحدة، وبالتالي متشابهة أو مألوفة، لسبب بسيط: أن ملحني الفترة السبعينية كانوا ما يزالون فاعلين ومهيمنين على الأصوات الجديدة، وهم ملحنون معدودون على أي حال، مع استثناءات بسيطة ظهرت مع جيل الحرب.
جاء كاظم الساهر من جهة مختلفة تماماً. لقد قدّم الرجل نفسه، منذ البداية، بوصفه ملحناً ومغنياً معاً. كان غلاف ألبومه الأول “شجرة الزيتون” -من تسجيلات النورين في مملكة البحرين، بلونه الوردي- تتصدّره عبارة بالخط العريض: غناء وألحان كاظم الساهر.
نحن إذاً أمام بيئة لحنية جديدة، شابّة ومثقفة، وذات طبيعة خاصة، تقتحم المشهد الغنائي العراقي. وهذه الملاحظة الأهم في فهم ظاهرة الساهر، التي يغفلها الكثير ممن تناولوا تجربته في الكتابة. ظلّ كاظم على مدار تاريخه يوسّع من تأثير “بيئته اللحنية” ويغذّيها من تجربته الشخصية، حتى صارت هوية موسيقية تنطبع بطابعه الشخصي وصار لها تأثير واسع ومريدون ومقلدون.
قدّم الساهر موضوعات وأفكاراً تشبه روحه، وتنطبع بشخصيته. يكمن سرّها في صدقها الإنساني، وحساسيتها الشديدة للتجربة الذاتية، وبكونها نتاج تفكير طويل في جِدّة الجملة الموسيقية مع الحفاظ على روح الأصالة.
وفي ظل غناء عراقي يسيطر على هويته الحزن والكآبة والدموع، رفض الساهر بجرأة هذا المنطق، واختار منظومة أغانٍ تعتمد الغزل الشفيف والرقّة وتمجيد المرأة، منطقٌ لم يعتده المستمع العراقي الذي تعوّد أن يرتبط الحب بالفراق أو الهجر أو البكاء الطللي. لا يغنّي الساهر البواكي، ولا يميل إلى النواحات، منظوره عن الحب يتركز على الغزل، وتدليع النساء، والطواف في عوالمهن.
طوّر الساهر ألحانه الآتية من تأثّر مرجعي بالكلاسيك العراقي والمصريّ، وأغناها باقتراحات تستثمر الروح العصرية، وجمل تتفاعل مع النص الشعري درامياً، مع كثافة في الانتقالات المقامية المدروسة، مدفوعة بروح متمردة على قوالب الدرس المقامي ودساتير الانتقالات الفرعية للمقام الواحد داخل الأغنية. خلطة ساحر جمعت الشجن بالبهجة والآه بالمسرّة، وجدت صداها في جمهور صدّق الساهر ومنحه نفسه تدريجياً.
ليس سهلاً على عراق الثمانينيات، بمؤسّساته الرسمية التي تقبض على دائرتي الإذاعة والتلفزيون بيد من حديد، أن تثبت نفسك، وتتخطى الأسوار العالية لتوصل صوتك، وهذا كان التحدي الأول فنياً.
خمس سنوات صعبة بين ألبومه الأول والألبوم الثاني كانت ساحة لإثبات الذات والوقوف على القدمين في غابة الأصوات الغنائية العراقية، حيث انقسم المشهد وقتها بين ما يقدّمه طالب القره غولي وبين محاولات فاروق هلال مع الفرق الغنائية وبرامج اكتشاف الأصوات.
أحسب أن السنوات الخمس تلك، بين 1984 وموعد إصدار ألبوم “غزال” عن مؤسّسة النظائر/ الكويت 1989، كانت حاسمة في تحول مشروع الساهر من مرحلة إثبات الذات إلى مرحلة النجاح والانطلاق.
حقّق الألبوم نجاحاً منقطع النظير، تصدّرت “عبرت الشط” و”لدغة الحيّة” ساعات الاستماع، وكانتا جواز مرور الساهر إلى الخليج وبلاد الشام. أغنيتان شعبيتان، خفيفتان، عراقيتان جداً. لكن الساهر وضع إلى جانب تسع أغان عراقية قصيدة “لو كان قد أضناك” لأسعد الغريري. لقد بدأ الملحن داخل الساهر يجرّب ويمهّد ويختبر استقبال الأذن، وقتها، لسماع القصيدة العربية من جديد، بعد 12 سنة على غياب عبد الحليم حافظ. بدا الأمر لافتاً، ويشي بمطرب يحمل مشروعاً، وهذه أولى البوادر.
الخطوة الثانية المهمة، والتي برهنت على خصوصية البيئة-الهويّة اللحنية الساهرية التي بدأت ملامحها في الظهور، ألبومه الصادم عام 1991، عام الانهيار العسكري في حرب الخليج، الذي حمل أغنية واحدة لا غير، “لا يا صديقي”، أطول أغنية في تاريخ الغناء العراقي، والتجربة التي لم تُسمع ولم تُدرّس بعناية حتى الآن.
ما معنى أن يغامر مطرب، في ثالث ألبوم له، وسط مزاج تشيع فيه آنذاك الأغنية الشعبية، قصيرة الزمن بسيطة الكلمات، بإصدار أغنية تضم قصيدة من 85 بيتاً بالعامية العراقية بطول 47 دقيقة؟
إنها روح الموهبة التي تتحدى لتثبت أنّ الغناء الجيّد يُسمع ويؤثر في المستمع على اختلاف عمره وتجاربه. طافت الأغنية على بحر من الجمل الموسيقية المبتكرة، والانتقالات النغمية المعاصرة، والجهد الاستثنائي في الأداء والتوزيع، وحققت معادلة بدت مستحيلة: الإمساك بمستمع لساعة كاملة بلا ملل.
لم تخدم ظروف الحرب الأغنية، سُرّبت وسط فوضى أخبار الانفجارات، لكنها كانت الملمح العراقي المضاد في سنة دامية. هل كان مصادفة أن يكون ختامها: “اصرخ، يا ضمير، اصرخ بوجه اللي يظلم”؟
أيام الحصار الاقتصادي، كانت نجاحات الساهر تشكّل اختراقاً رمزياً لشعور العراقي بالإحباط والخذلان. شبابٌ مسجون بين قضبان الدكتاتورية والعزلة الدولية، محروم من السفر والتفاعل مع محيطه والعالم. انتقل الشعور بالنبذ لاإرادياً إلى نفوسنا نحن الجيل المتطلع إلى حياة صاخبة تفور بالأحلام والنجاحات.
رأيت في لقطة الساهر على المسارح الكبرى تلاحقه عدسات الفضائيات والمجلات العربية لحظة انتصار شخصي على الشعور بالخيبة، تماماً مثل لقطات أهداف أحمد راضي وليث حسين وعلاء كاظم في الدوري القطري، بعد موافقة الاتحاد العراقي على احتراف لاعبي العراق 1993.
ها هم عراقيون مثلنا يحققون أحلامهم، لسنا وحيدين أيها العالم!
ترسيخ المشروع
مع دخول تسعينيات القرن العشرين، بدأت الأغاني السريعة وموسيقى البوب والغناء الشعبي تسحب البساط من مطربي الغناء الملتزم، وارثي تقاليد الغناء السبعيني، ليس في العراق فحسب بل في مجمل الوطن العربي. وصارت موجة “لولاكي” و”أحبج يا سميرة” تصعد على شواطئ علي الحجار وياس خضر وحسين نعمة. اكتملت الصورة مع ظهور تلفزيون الشباب في العراق، الذي فتح الباب على مصراعيه أمام الجميع ليغني كلَّ شيء تقريباً بلا ضوابط أو لجان استماع، فانهارت بورصة الذائقة النغمية لدرجة إصدار “عبود خطبوله مرة، يلا حيو حيو”.
في هذه الأجواء المضطربة كان كاظم الساهر يخطط ويمهّد لإحداث نقلة حاسمة في مشواره، من الأغنية الشعبية إلى القصيدة الطربية. ويبدو أنه أدرك حساسية المغامرة، فكان حذراً وأصدر الأعمال تدريجياً؛ لاختبار المستمع وجسِّ نبضه، ثم تعويده وصنع قاعدة جماهيرية تدريجياً. وفي نظرة فاحصة، سنرى أن الساهر أصدر قصيدتين فقط خلال ست سنوات، هما “لو كان قد أضناك” و”إني خيرتك فاختاري”، أتبعهما بأربع أغانٍ في سنتين: “في مدرسة الحب” و”زيديني عشقاً” و”أشهد” و”أنا وليلى”، أي أطلق ست أغانٍ فقط خلال عشر سنوات، وهو برهان واضح على أن الرجل يمهّد لما يصنع، وأن هناك منظومة تعرف ما تفعل.
نجحت المحاولة، جعل كاظم من الفصحى خياراً جماهيرياً في الأغنية العربية من دون أن تبدو بالضرورة نخبوية أو مدرسية، وربما يكون هذا أهم مساهماته من الناحية التاريخية.
ليس بسيطاً أن تنجح قصيدة فصحى في سوق الغناء العربية بذروة عصر الفيديو كليب والطقطوقات الخفيفة، كان الأمر ينطوي على موقف جمالي في حد ذاته.
تُحسب له مقاربة موضوعات جريئة في قصائده، لا أعني شعر الغزل الحسي، لكن لننظر إلى قصيدة مثل “أكرهها وأشتهي وصلها، وإنني أحب كرهي لها!” من منّا يصدق أن كلمات كهذه يُكتب لها النجاح؟ لقد منحها الساهر سحره الخاص.
الانتقال السلس من الأغنية الشعبية إلى القصيدة الفصحى حمل في طياته تحوّلاً في الذائقة السمعية، والذائقة الثقافية أيضاً. فالشاب العراقي الذي كان يسمع الأغنية الشعبية العراقية صار يسمع نزار قباني ويبحث عن دواوينه، وقد يتحول إلى قارئ أدب في النهاية. إن واحدة من وظائف المغني المفقودة في زماننا هي أن يكون وسيطاً بين الأدب والجمهور.
صحيح أننا لا يمكننا اختزال تجربة الساهر في قصائد نزار قباني -رغم أن الأخير كان مؤثراً أساسياً في تشكيل صورته الفنية- لكن العلاقة بينهما منحت الساهر ما كان يحتاجه وقتها في مرحلة صعوده: نصاً شعرياً حديثاً، واضح الإيقاع، شديد القابلية للغناء.
لكنه بالمقابل قدّم قصائد قباني إلى الجيل الجديد، ووضعها في حُلّة عصرية متجدّدة زادتها نضارةً وتألقاً.
كاظم عراقياً
منذ 1980، اقتصرت أخبار العراق على الحرب والعنف وأرقام الضحايا. قليل من استطاع اختراق هذه السطوة النمطية ليُظهر صورة أخرى للعراقيّ. وبدلاً عن العراقيّ الجندي، والعراقيّ المقتول، والمحاصر، ظهر على هيئة موسيقيّ مطرب، شاعر، وفرقة موسيقية، بدت كعائلة عراقية تجوب العواصم عاكسةً صورة الحياة والأمل وشيئاً من المقاومة.
المطرب الإنسان مرهف المشاعر شاهد بلاده مقتولة بين الجبهات ورائحة البارود وقيود الحصار. كانت بعض أغاني الساهر وقتها انعكاساً للحالة النفسية والاجتماعية، مع دخول مفردات مثل الهجرة والسفر والغربة على واقع الأسرة العراقية. لم يستطع المغترب الرافديني أن يقاوم دموعه وهو يسمع الساهر صادحاً بكلمات كريم العراقي:
سلامي على اللي حاضر معانا
سلامي على اللي خالي مكانه
موال “الغربة” تحديداً شكّل ظاهرة هزّت بعمق الموجات الأولى من المغتربين العراقيين الذي فُجعوا بخسارة الأهل والوطن معاً. قال لي أحد أصدقائي المغتربين شمال أوروبا في رسالة على “واتساب” مرة: “لقد كان نواح كاظم في موال الغربة سكاكيناً تلجمنا من مكان، وضماداً يداوينا من مكان آخر في الوقت نفسه”.
يدنيا إنتِ الحرمتيني من أهلي
سكنت الغُرُب.. من غصباً عليّة
أدك يا باب وأسأل من عليكم
ضعف صبري وزماني خان بيّة
الشيء ذاته ينطبق على أغانٍ عالجت موضوعات اجتماعية ولو بشكل عرضي مثل: “معلم على الصدمات“، “باب الجار“، “استعجلت الرحيل“، “ما عندي الماس وقصر”، “رحال“، ناهيك عن أغنيات دخلت في صميم المعاناة العراقية وجراحها إبّان الحصار مثل “تذكر”.
كثيرٌ من أغنيات الساهر وقتها عاشت حياة ثانيةً داخل الذاكرة العراقية في الداخل والخارج، فصارت مساحة مشتركة بين الوطن والمنفى، وشكّلت جزءاً من الأرشيف الاجتماعي للبلاد.
لحظة النجاح الساهري عربياً فارقة؛ لأنها تزامنت، تقريباً، مع اشتداد قبضة الحصار (1994-1995). ففي وقت كان فيه العراق يتآكل سياسياً واقتصادياً، كان عراق آخر يزداد حضوراً فنياً وإعلامياً. بدا الأمر كأحد أشكال مواجهة الاندثار. هذه الوظيفة الرمزية ستصبح أكثر وضوحاً بعد 2003.
صورة الحرب والاحتلال والعنف والانقسام واجهها الساهر بأعمال موسيقية حمل بعضها بعداً رسالياً. زاد نشاط الساهر في الأغاني الوطنية بعد احتلال البلاد، واجب كان يدفعه لمواكبة مصائر أبناء وطنه. لعبت أغاني الساهر الوطنية على الدوام دوراً في تسليط الضوء على الفجيعة العراقية التي عانت الإهمال والتعتيم، لنتذكر “بغداد لا تتألمي”، “The war is over now”، “we want peace”، “سلام عليك”، “عراقنا حبيبنا”، “يا وطني يسعد صباحك”، “شباب العراق”، “تعالي أقبل وجهك”، “الرعاة والنار”، “أوبريت العودة” بمناسبة عودة العراق إلى بطولة الخليج العربي لكرة القدم.
غنائياً، كان أبرز ما قدّم الساهر لبلاده أنه وسّع من مساحة استماع الأغنية العراقية، حتى باتت مادة للتداول الإعلامي والطلب الجماهيري. اعتاد العراقيون، تاريخياً، أن يسمعوا لهجتهم وأنغامهم داخل العراق، مع استثناءات نسبية تحقّقت للغزالي وسعدون جابر. لكنّ الساهر عبر الشخصية الخاصة لأغنيته لحناً وشعراً وموضوعاً جعل اللون العراقي منافساً، بل فرضه كأحد مصادر التجديد النغمي في الأغنية العربية.
لقد صارت بعض الخصائص اللحنيّة العراقية جزءاً من ذائقة عربية أوسع، مما مهد الطريق لعراقيين بعده ليجدوا الطريق معبداً.
كاتالوغ الساهر
كل ما سبق لم يعف الرجل من سهام النقد والجدل، والنقد القاسي عادة عراقية راسخة.
مشكلة من ينتقد الساهر أنه غالباً غير مستوعب أنه مشروع فني متكامل، مشروع له سماته الخاصة وتاريخه التراكمي ومنظومته، بل حتى تقويمه الخاص (كما أوضحنا في التدرج بطرح أغاني القصائد). ولهذا يقعون كل مرة في خطأ التعامل مع المشروع الكلي من خلال جزئيات ثانوية لا يحالفها الاستمرار.
فمرة يقارنونه بأسماء غنائية عراقيّة، كحاتم العراقي في التسعينيات، ورضا العبد الله أوائل الألفية الثانية، ثم ماجد المهندس بعدها، مقارنات للاستهلاك الصحافي والإثارة ليس إلا، تماماً كالأحاديث بين حين وآخر عن تراجع شعبيته وانخفاض مشاهدات أغانيه أمام شباب تحقّق أغانيهم أرقاماً فلكية.
من الضروري فحص صحة المقارنة ومنطقيتها. فعلى مدار العقود الثلاثة الماضية، وفي فترات زمنية متباينة، كان هناك مطربون قدّموا ألبومات حقّقت نجاحات واسعة وقتها، مثل حاتم العراقي منتصف التسعينيات مثلاً، أو هيثم يوسف في ألبوم “أمير الحب” عام 2000، كما أن في العراق، على الدوام، مطربين أصدروا أغنيات نالت شهرة وشعبية منقطعة النظير فاقت بعض أغاني كاظم الساهر في سنتها، لكن هذا النجاح لا يجعل هذا المطرب أو تلك الأغنية أهم من الساهر وأغانيه.
السبب ليس في النجاح اللحظي وقتها، بل في الحجم الكليّ للأعمال. الحجم التراكمي للألبومات والأغاني يضع صاحبه في تصنيف معين، ويحيطه بهالة حصانة آتية من ضخامة المشروع واتساعه. كاظم بات خارج قائمة المنافسة أساساً، إن من ينافس كاظم الساهر عليه أن ينافس كاتالوغاً كاملاً من الألبومات، فالرجل يُصدر هذه السنة ألبومه الـ27. وقد كان نصيب كثير من الأسماء التي طُرحت للمقارنة أنها توقفت أو تعثرت أو غابت.
كاتالوغ الساهر هذا يمكن تصنيفه إلى مراحل، ولكل مرحلة خصائصها. فهناك ساهر الثمانينيات، وكاظم التسعينيات، وكاظم الألفية، وكاظم العقد الأول من الألفية. وبإمكاننا أن نذكر لكل مرحلة من المراحل أغانيَ لا تزال الناس تحفظها وترددها وتطلبها.
صومعة الساهر
سمتان أساسيتان طبعتا تجربة كاظم الساهر طوال مشواره الذي يناهز النصف قرن وهما: العصامية الفنيّة، والانكفاء إلى الذات. وثمة تداخل عضوي بين السمتين. كافح الساهر لإثبات جودة البيئة اللحنية التي يقدّمها للمستمع، وعزّزها بعاملَي الدراسة الأكاديمية (ست سنوات في معهد الدراسات الموسيقيّة ببغداد)، والثقافة الشخصية، الأدب عامة والشعر خاصةً، فهو قارئ للشعر العربي وكاتب أغان.
اجتهد الساهر كثيراً، قدّم أغنيات في المسرح العسكري، أوبريتات، تترات مسلسلات تلفزيونية، تجربة في التمثيل، جاب المدن العراقية بحفلات غنائية محدودة الريع. بدا أن هذا الشاب النحيل، الخجول، الطموح، مصمم على أن يسمعه العراقيون، وقد كان ذلك.
السمة الثانية، وأراها سلاحاً ذا حدين، هي الانكفاء إلى الذات. عُرف عن الساهر بُعده عن النمط الشائع لحياة المطربين، الرجل لا يسهر، ولا يظهر في الأماكن العامة، وله مجموعة أصدقاء محدودة ومحصنة ضد الاختراق. بدا أن الساهر يحيط نفسه بصومعة شديدة التحصين إزاء ما يثبّط المواهب الغنائية من سلوكيات اجتماعية وعلاقات تبدّد الوقت وتستهلك الموهبة.
الانكفاء إلى الذات ساعد الساهر في التركيز على تجربته، والمثابرة، وتقديم الألبومات بمواعيد شبه ثابتة، والاستعداد البدني لجولات غنائية طويلة ومرهقة. لكنّ هذه السمة تحديداً هي ما أُخذت عليه لاحقاً وحاصرته بدعاوى شحّة التحولات الفنية، والتكرار، وعدم التجديد في أسماء شعراء أغنياته.
يحتاج الفنان إلى عزلة مثمرة، إلى حصانة يصغي فيها بصفاء إلى ذاته. كاظم فنان حقيقي، وموسيقي موهوب، وعزلته الإيجابية دلالة ذكاء مهني؛ لأنها منحته القدرة على رؤية المشهد من أعلى، والتعالي على صغائر المعارك الصحفية والانشغال بالردود في بيئة فنية شديدة التحاسد مثل البيئة الفنية.
لكن عزلة الساهر حدّت من مرونة التنويع في خياراته الشعرية. يحتاج الجيل الجديد من الشعراء الشباب حتى يصلوه إلى عبور حقل حسّاس من المحيطين به. الوصول إلى كاظم صعبٌ، وهذه الصعوبة حرمت أمّة الساهريين من أجيال كان يمكن لها تجديد قاموس الأغنية الساهرية. أليس كذلك؟
الجمهور الناقد الناقم
تجربة غنية بالتحولات والتقاطعات كتجربة كاظم الساهر لا تزال، رغم امتدادها لأكثر من أربعة عقود، في حاجة إلى دراسة نقدية موسيقية متخصصة، تضعها في سياقها الفني والتاريخي. والمفارقة أن العراق، الذي يضج بالصحف والمجلات والمنابر الثقافية، لم يمنح الساهر، في حدود ما نعرف، ملفاً نقدياً يوازي حجم حضوره وتأثيره، أو يتعامل معه بوصفه ظاهرة موسيقية وثقافية تستحق التحليل.
هذا الغياب النقدي ترك فراغاً سرعان ما شغلته منصات التواصل الاجتماعي. فصعد إلى الواجهة مدوّنو السوشيال ميديا، وهواة التحليل الموسيقي، وبعض المتذوقين، ليتولوا بدرجات متفاوتة من المعرفة والمنهجية مهمة قراءة تجربة الساهر وتفسيرها. ومن هنا نشأت وفرة من المواد المصوّرة، ولا سيما على منصات الفيديو، تتفاوت في مستواها العلمي وقيمتها النقدية، فمنها ما يقترب من التحليل الموسيقي الجاد، ومنها ما يكتفي بالانطباع أو المعلومة المتداولة.
لا تكمن المشكلة في أن هذه القراءات صادرة عن الهواة، فبعضها كشف عن معرفة موسيقية، وفتح شهية الجمهور للاستماع التحليلي. المشكلة أن غياب المؤسسة النقدية المتخصصة جعل هذه المواد تؤدي، في أحيان كثيرة، وظيفة النقد نفسها من دون أن تخضع بالضرورة لمعاييره وأدواته، فأصبح المتلقي أمام سوق واسعة من التأويلات، يصعب فيها التمييز بين المعرفة والانطباع، وبين التحليل والترويج.
وعلى هامش هذه الظاهرة، وبفعل قوة شخصية الساهر الفنية -الذي صنع بمرور الوقت من جمهوره طبقة تتفاعل مع تجربته- تعددت الآراء حول أعماله، وإن ظلت هذه الآراء، في كثير من الأحيان، انطباعية.
هذه ظاهرة طبيعية ومفهومة في تجربة أي مطرب واسع الشعبية، غير أنها تتخذ في حالة الساهر أحياناً شكلاً أكثر حساسية؛ إذ يمكن أن تتحول محبة الفنان إلى نوع من الرقابة على الخطاب حوله، بحيث يصبح الرأي النقدي الذي لا ينسجم مع مزاج جمهوره عرضة للهجوم، قبل أن تتاح له فرصة أن يناقش.
وقد اختبرتُ شيئاً من ذلك بنفسي حين قررت في إحدى حلقات برنامجي الثقافي “البرج العاجي” تقديم حلقة خاصة عن كاظم الساهر، وتواصلتُ مع أساتذة أكاديميين متخصصين في المقامات الموسيقية للمشاركة في الحلقة. كان أحد مصوري البرنامج ساهرياً قُحّاً، وحين سمع أثناء التصوير بعض الآراء التي لم تعجبه قال لي صراحة: “جمهور الساهر كبير، ولا يقبل بهذا الكلام، وستتعرض لموجة هجوم لن تستطيع التعامل معها”.
تفهمتُ دوافع صديقي المحب. لكنني توقفت عند ما هو أبعد من الحادثة نفسها: كم من كاتب أو ناقد قد يتردد مرة ومرتين قبل أن يكتب فكرة لا تعجب جمهور كاظم؟ وكم من رأي قد يُختصر أو يُحذف أو لا يُكتب أصلاً لأن صاحبه يتوقع مسبقاً رد فعل الجمهور؟ هنا تصبح المحبة، دون قصد، قيداً على الفنان نفسه.
الفنان الكبير يحتاج إلى جمهور يتيح لتجربته أن تُقرأ وتناقش ويُختلف حولها، لا مجرد حراس لصورته. المحبة مطلوبة، بل هي أحد أجمل ما تمنح الجماهير لفنانها، لكنّ قيمتها تكتمل حين لا تتحول إلى حاجز أمام الرأي المختلف. فالتجارب الفنية تنمو بتعدد القراءات، وبالاختلاف الذي يتيح لها أن تُرى من زوايا جديدة، وأن تتكامل وتتطور.