كرم المسؤولين العراقيين

يتبرع رئيس الوزراء لبناء مستشفيات وشراء دواء، ويبني وزير الكهرباء المدارس.. عن "كرم" بلا شفافية، ودولة تعالج أزماتها بتبرعات مسؤوليها..

جمارجمار | 21 أيلول 2026

تبرّع رئيس الوزراء علي فالح الزيدي بـ47 مليار دينار لترميم خمسة مستشفيات في بغداد، وأضاف إليها مليوني دولار لشراء دواء لم تستطع وزارة الصحة توفيره بسبب غياب التخصيص المالي. وبعد أيام، أعلن وزير الكهرباء علي سعدي وهيب بناء أربع مدارس نموذجية على نفقته الخاصة، لتأتي المبادرة، بحسب وزارة التربية، ضمن سياق التبرعات الوطنية لدعم القطاعات الحيوية. 

تستحق المساهمة في بناء مدرسة أو ترميم مستشفى، والحال هذه، التقدير، لكن حجم هذه التبرعات وهوية أصحابها ينقلانها من نطاق العمل الخيري إلى صميم النقاش عن إدارة الدولة والمال والسلطة. 

ذلك أن المتبرعَين يتوليان منصبين تنفيذيين رفيعين، وأحدهما يقف على رأس هرم السلطة، والمبالغ المعلنة ليست محدودة، إذ يقارب تبرع رئيس الوزراء وحده خمسين مليار دينار عند احتساب المبلغ المخصص للدواء. غير أن كليهما لم يقدّم، قبل تسلّمه السلطة أو بعدها، كشفاً شفافاً عن ثروته ومسارات تكوينها، كما لم تُعلَن إجراءات لمعالجة تضارب المصالح بين شركاتهما ومؤسسات الدولة التي راكما أموالهما عبر التعاقد معها. 

هذه الشفافية لا تنتقص من قيمة التبرع، وإنما تمنحه المعنى الذي تحاول البيانات الرسمية إضفاءه عليه. فالمال الذي يقدمه مسؤول للدولة لا يمكن فصله عن موقعه فيها، ولا عن علاقاته التجارية السابقة والحالية، ولا عن قدرته على التأثير في العقود والقرارات والإنفاق العام. 

المشكلة الأخرى أن التبرعات بدأت تُقدَّم بوصفها حلاً لأزمات تقع في صميم مسؤولية الحكومة. فترميم المستشفيات وتوفير الأدوية وبناء المدارس ليست أعمالاً طارئة تنتظر كرم الأفراد، بل واجبات دائمة يُفترض أن تُموَّل عبر الموازنة، وفق خطط معلنة وأولويات قابلة للرقابة والمحاسبة. 

بيد أن عجز وزارة الصحة عن تخصيص أموال لدواء يحتاجه مواطنوها، وبقاء خمسة مستشفيات من دون تمويل للترميم، وانتظار المدارس الطينية مبادرة شخصية من وزير، يؤكد غياب نظام يضمن استمرار الخدمات بصرف النظر عن “سخاء” المسؤول الموجود في المنصب. أما صورة المتبرع وبيانات الشكر فلا تعالجان هذا الخلل، بل تكشفانه بوضوح أكبر. 

اشتركوا بالنشرة البريدية لتصلكم كل اثنين.

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم