كيف تحول العراق إلى ساحة لضربات دول الجوار؟

تركيا وإيران وأمريكا وإسرائيل، وأخيراً السعودية، دول مختلفة نفّذت ضربات عسكرية داخل العراق بحجة: "الدفاع عن النفس".. يتتبع هذا المقال القاعدة غير المكتوبة التي جعلت البلاد ساحة مفتوحة لضربات الجيران..

عماد حسينعماد حسين | 3 آب 2026

طائرات القوى الإقليمية والدولية لم تعد تحتاج منذ عقدين ونيّف إلى تصريح مرور فوق الأجواء العراقية، إذ تكتفي هذه الدول في الغالب ببيان لاحق يبرّر ما جرى. تركيا فعلتها في الشمال، وإيران فعلتها في كردستان، وإسرائيل فعلتها أكثر من مرة، وفي 29 تموز المنصرم، انضمت السعودية إلى هذه القائمة، معلنة رسمياً وللمرة الأولى تنفيذ ضربة عسكرية داخل الأراضي العراقية بالتنسيق مع القيادة المركزية الأمريكية “سنتكوم”. لم يكن الحدث بحد ذاته مفاجئاً من حيث الشكل، فالعراق اعتاد أن يكون مسرحاً لا طرفاً في مثل هذه العمليات، إلا أن المفاجئ كان اسم الفاعل الجديد المضاف إلى قائمة طويلة من الفاعلين، وما يكشفه ذلك عن قاعدة غير مكتوبة باتت شبه راسخة في التعامل مع الجغرافيا العراقية. 

استهدفت الضربات مواقع تابعة لفصائل مسلحة في تسع محافظات، وهي بغداد وديالى وكربلاء وكركوك والبصرة ونينوى وواسط وصلاح الدين وبابل، وأعلنت هيئة الحشد الشعبي أن حصيلتها (في سبع محافظات) بلغت 20 قتيلاً و32 جريحاً من عناصرها، وهو رقم لم تؤكده أو تعدله أي حصيلة رسمية مستقلة من جهة حكومية عراقية محايدة. جاءت الضربات، بحسب البيان السعودي الرسمي، رداً على استهداف منشآت نفطية في المنطقة الشرقية والرياض قبل يومين من وقوعها، حين أعلنت وزارة الدفاع السعودية اعتراض وتدمير عدد من الطائرات المسيّرة التي قالت إنها انطلقت من الأراضي العراقية. 

القاعدة غير المكتوبة 

تناولت التغطية الإعلامية الواسعة لهذا الحدث خرقه للسيادة العراقية، وردود الفعل الرسمية في بغداد، وموقعه ضمن سياق التصعيد الإقليمي الممتد بين واشنطن وطهران منذ أشهر، غالباً عبر ثنائية جاهزة تقابل بين الاعتداء والدفاع عن النفس. لكن يبقى السؤال الأعمق عالقاً دون إجابة كافية: لماذا يتحول العراق، مرة تلو أخرى، إلى الفضاء الأسهل لتفعيل عقيدة قانونية بعينها، بصرف النظر عن هوية الطرف المهاجم في كل مرة؟ وماذا يكشف الغموض المحيط بهذه الضربة تحديداً عن الطريقة التي تُتخذ بها مثل هذه القرارات، حين يلتقي القانون الدولي بحسابات الردع الإقليمي وهشاشة القرار السيادي الداخلي في اللحظة نفسها؟ 

استندت الرياض في تبرير ضربتها إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، الخاصة بحق الدفاع المشروع عن النفس، مؤكدة عبر وزارة خارجيتها أنها لا تسعى إلى التصعيد، وأنها تحتفظ في الوقت نفسه بحق الرد في الوقت والمكان اللذين تراهما مناسبَين. هذه ليست المرة الأولى التي تُستدعى فيها هذه المادة تحديداً لتبرير عمليات عسكرية داخل الأراضي العراقية، فقد وظّفتها تركيا مراراً لتبرير عملياتها المتكررة ضد مواقع حزب العمال الكردستاني في شمال العراق على مدى سنوات، ولجأت إليها إيران أكثر من مرة لتبرير ضرباتها على مواقع في إقليم كردستان، ونفّذت إسرائيل بدورها ضربات داخل الأراضي العراقية استندت في تبريرها إلى منطق مماثل. 

الفارق هنا في هذه الضربة أنها كانت المرة الأولى التي تُعلن فيها الرياض رسمياً وبشكل صريح مسؤوليتها المباشرة عن عملية عسكرية داخل الأراضي العراقية منذ عام 1991 (حيث شاركت حينها بشكل رسمي ضمن تحالف دولي مكون من 30 دولة لتحرير الكويت من الغزو العراقي، ونفّذت برفقة دول التحالف أكثر من 100 ألف طلعة جوية خلال 42 يوماً كان جزء منها داخل الأراضي العراقية)، وهو ما يوسّع فعلياً دائرة الدول التي تجد في العراق فضاءً قانونياً متاحاً لتفعيل حق الدفاع عن النفس. 

كل حالة من الحالات السابقة حملت مبرراً مختلفاً في ظاهره، بين ملاحقة تنظيم مسلح، والرد على استهداف مصالح استخبارية، وضرب شبكات تهريب سلاح، واشتركت جميعاً في جوهر واحد يتمثل في غياب رادع فعلي يجعل كلفة الاختراق أعلى من عائده المتوقع لدى الطرف المنفّذ.  

لماذا العراق تحديداً؟ 

يفسَّر جزء من الإجابة على هذا السؤال بازدواجية بنيوية داخل الدولة العراقية نفسها لا علاقة مباشرة لها بالفاعل الخارجي في كل مرة. فالدولة رسمياً هي صاحبة القرار السيادي والاحتكار النظري للسلاح، وفي الوقت نفسه يطرح فاعلون مسلحون موازون أنفسهم علناً كحُماة فعليين للبلاد، ويشككون في قدرة المؤسسة الرسمية على الردع.  

عقب الضربات، أصدرت “المقاومة الإسلامية في العراق” بياناً وجّهت فيه رسالة مباشرة للحكومة، متسائلة عمّا ستفعله في مواجهة الدعوات لنزع سلاح الفصائل، ومانحة الجهات الحكومية مهلة محددة حتى السابع من آب الجاري لإثبات قدرتها على “الاقتصاص ممن سفك دماء الشهداء” بدلاً من الفصائل، مع تلويح صريح بأن ردها القادم على واشنطن قد ينال أدواتها في السعودية. يوثّق هذا الخطاب وجود مركز قرار مسلح موازٍ يتحرك بمنطقه الخاص، ويصعّب على بغداد أن تقدّم نفسها كطرف قادر على ردع الاختراقات الخارجية بشكل مقنع أمام جيرانها وشركائها الدوليين، أو حتى شريحة شعبها الرافضة لوجود الفصائل المسلحة. 

في المقابل، اقتصرت أدوات الرد الرسمي العراقي على مسار رمزي، فعقد مجلس الأمن الوطني اجتماعاً طارئاً برئاسة رئيس الوزراء علي الزيدي، وأصدر بياناً بالإدانة والاستنكار، وشكّلت الحكومة لجنة تحقيق فنية للتحقق من مزاعم انطلاق الهجمات من الأراضي العراقية، ووجّهت وزارة الخارجية بالتحرك الفوري دولياً وإقليمياً. لكن لم تتضمن هذه الأدوات أي إشارة إلى مسار قانوني ملزم، كتقديم شكوى رسمية أمام مجلس الأمن الدولي أو أي هيئة دولية أخرى.  

ثمة بعدٌ اقتصادي يضاف إلى هذه المعادلة. حيث كان من المفترض أن تشهد الأيام التالية للضربات أول زيارة رسمية لرئيس الوزراء علي الزيدي إلى الرياض منذ توليه منصبه في شهر أيار الماضي، في محطة كانت تُقرأ ضمن مسار أوسع لإعادة دمج العراق اقتصادياً في محيطه الخليجي عبر ملفات استثمارية وتجارية قيد النقاش منذ أشهر، لكن تأجلت الزيارة فور وقوع الضربات السعودية. 

من ضرب فعلاً؟ 

تكمن نقطة أساسية تُضعف صلابة العقيدة القانونية نفسها في هذه الحالة تحديداً، تتمثل في غموض الفاعل الأصلي الذي استهدف المنشآت السعودية قبل الضربة بيومين. حيث اكتفى البيان السعودي الأول، الصادر عن المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع اللواء الركن تركي المالكي، بوصف عام يتحدث عن “مسيرات لميليشيات إرهابية تابعة لإيران انطلقت من الأراضي العراقية”، دون تسمية فصيل بعينه. في حين أصدرت “المقاومة الإسلامية في العراق” (وهو تجمع مسلح يضم الفصائل العراقية الرافضة لتسليم السلاح، على رأسهم حركة النجباء وكتائب حزب الله وكتائب سيد الشهداء) بياناً نفت فيه صراحة أي ضلوع لها في الحادثة، معتبرة أن الاتهامات السعودية تهدف إلى التغطية على العجز في مواجهة الضربات اليمنية التي أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عنها بشكل منفصل في اليوم نفسه. بينما جاءت الرواية الثالثة عبر تقارير وكالة رويترز، التي أشارت، نقلاً عن تقييمات سعودية وتقييمات شركاء إقليميين، إلى أن جماعة الحوثي نفّذت الهجمات من الأراضي العراقية بالتنسيق مع فصائل مسلحة عراقية، بما يعكس تنسيقاً متنامياً بين فصائل متحالفة إقليمياً لا عملية منفردة. 

في الحالة العراقية-السعودية يبقى تحديد الفاعل الأصلي هنا محل نزاع بين ثلاث روايات متوازية، دون أن يوقف ذلك تنفيذ ضربة فعلية بعد يومين اثنين فقط من الحادثة الأولى، وهو ما يكشف أن الحاجة العملية لتفعيل حق الرد تتجاوز أحياناً شرط اليقين الذي يفترضه المنطق القانوني نفسه. 

تخدم كل رواية من الروايات الثلاث موضوعياً موقف صاحبها. فتمنح الرواية السعودية العامة، التي لم تُسمِّ فصيلاً بعينه، الرياض هامش مناورة واسعاً في اختيار الأهداف لاحقاً دون التقيد بدقة استخبارية معلنة. فيما تُبرئ رواية “المقاومة الإسلامية” التي تُحمّل الحوثيين المسؤولية الكاملة ساحتها أمام الرأي العام العراقي والإقليمي، بصرف النظر عن دقتها المطلقة. وتنسجم رواية التنسيق المشترك التي نقلتها رويترز مع منطق تقاسم الأدوار بين أذرع مختلفة في ساحات متعددة، وتبقى في الوقت نفسه تقييماً استخبارياً غير مؤكد بأدلة علنية دامغة. وبالمحصلة يجد المتابع والمراقب الدولي على حد سواء نفسه أمام ثلاث حقائق متوازية لا سبيل لحسمها بشكل قاطع في المدى المنظور، ويصبح أي حكم نهائي بشأن الجهة التي بدأت فعلاً أقرب إلى الترجيح السياسي منه إلى اليقين الوقائعي. 

خارطة المستفيدين 

بالاطلاع على المشهد من منظور واسع، يمكن رصد عدة أطراف استفادت موضوعياً من نتائج هذه الضربة، بصرف النظر عن نية منفّذيها المعلنة. يتعلق الاحتمال الأول بمسار التقارب السعودي-العراقي، الذي كان يُفترض أن يشهد محطته الرمزية الأبرز عبر زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي للرياض، وتأجلت هذه الزيارة فور وقوع الضربات، ما يمنح أي طرف غير راغب في تقدّم هذا المسار، داخلياً كان أو إقليمياً، فرصة عملية لتأخيره دون تحمّل كلفة سياسية مباشرة لهذا التأخير. 

يتصل الاحتمال الثاني بالفصائل المسلحة نفسها، التي وجدت في الحادثة فرصة لتعزيز خطاب رفض تسليم السلاح، عبر تصويره كضرورة أمنية قائمة في مواجهة عجز مؤسسي عن الحماية، وهو ما عكسه بيان “المقاومة الإسلامية في العراق” الذي منح الحكومة مهلة زمنية محددة لإثبات قدرتها على الردع. 

يخصّ الاحتمال الثالث أطرافاً في الرياض ترى في مثل هذه الضربات وسيلة لإرسال رسالة ردع غير مباشرة إلى طهران عبر أذرعها الإقليمية، دون الدخول في مواجهة مباشرة معها، خصوصاً في ظل التصعيد الأوسع الذي شهدته الأشهر الأخيرة بين الجانبين الأمريكي والإيراني، وما نتج عنه من ضربات إيرانية داخل الأراضي السعودية. 

سيناريوهات مقبلة 

تتجه الأحداث اللاحقة للضربة السعودية-الأمريكية على الأرجح نحو أحد أربعة مسارات محتملة، استناداً إلى المعطيات السابقة. يتمثل المسار الأول في تكرار النمط نفسه، وهو ما بدأت مؤشراته تتحقق فعلياً خلال أقل من أسبوع واحد على ضربة تموز. فقد أبلغ مسؤول أردني رفيع، بحسب ما أكدته “سي إن إن” بالعربية، الجانب العراقي بعزم عمّان الرد عسكرياً على أي هجمات تشنها فصائل موالية لإيران انطلاقاً من الأراضي العراقية ضد المملكة. وفي اليوم نفسه، أفادت مصادر إعلامية بأن سوريا انضمت إلى الأردن والسعودية في توجيه تحذيرات مماثلة لبغداد، مفادها أن أي هجوم جديد ينطلق من الأراضي العراقية لن يمر دون رد.  

فيما يقوم المسار الثاني على احتواء هادئ للتوترات عبر قنوات دبلوماسية غير معلنة بين بغداد والرياض وواشنطن، بما يسمح باستئناف مسار التقارب الاقتصادي والسياسي بعد فترة تأجيل مؤقتة، دون أن يعترف أي طرف رسمياً بمسؤوليته الكاملة عمّا جرى. 

بينما يفتح المسار الثالث الباب أمام استثمار داخلي للحادثة من قبل الفصائل المسلحة، التي تستغل المهلة التي منحتها للحكومة من أجل تعزيز موقعها التفاوضي في ملف السلاح، بما يعمّق الفجوة بين مؤسسة الدولة الرسمية ومراكز القوة الموازية داخل البلاد. 

كما يرتبط المسار الرابع بتجميد ممتد لمسار التقارب السعودي-العراقي لفترة أطول من المتوقع، ليس بالضرورة نتيجة قرار سياسي مباشر من أي من الطرفين، وإنما كأثر جانبي لتراكم انعدام الثقة الناتج عن تضارب الروايات الثلاث حول الحادثة نفسها، التي لم تُحسم حتى الآن. 

يبقى الثابت الوحيد وسط هذه المسارات الأربعة أن العراق، للمرة التي لا تُحصى منذ أكثر من عقدين، وجد نفسه ساحة لحدث قررته أطراف أخرى خارج حدوده، بينما بقيت أدواته الخاصة لحماية سيادته أقرب إلى الخطاب المُعلن منها إلى الفعل الملموس على الأرض. 

  • تنشر المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية “نيريج”. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

كاتب عراقي.