كم مرة سيخذل المجتمع النساء الإيزيديات؟ ..عن “أم وصفي” وأخريات

اختطفها داعش وقتل زوجها وسباها مع بناتها، ثم قدّم الإعلام قصتها كـ"قصة نجاح" للإسلام.. عن "أم وصفي" وإيزيديات أخريات والخذلان الذي لم ينتهِ بانتهاء الأسر.

نوروز سنجارينوروز سنجاري | 30 تموز 2026

واجه الضمير الإنساني صدمة موجعة في أحد أيام تموز الملتهب هذا، حين قدمت قناة محلية في محافظة الأنبار قصة ناجية إيزيدية كقصة نجاح للمحافظة. ليست القضية أن امرأة إيزيدية أعلنت اعتناقها الإسلام بعد اختطافها على يد تنظيم داعش الإرهابي، فذلك شأن شخصي لا يملك أحد حق مصادرته، بل القضية هي أن هذه القصة قُدمت للرأي العام من دون أيّ محاولة جادة للإجابة عن الأسئلة الأساسية: إذا كانت هذه المرأة ضحية سبي فكيف تمتعت بحرية كاملة في التعبير عن نفسها؟ وكيف امتلكت القدرة على اتخاذ قرار كهذا؟ وهل يمكن أصلاً الحديث عن “اختيار” بعد أكثر من عقد على الإبادة والعنف الجسدي والنفسي؟ 

القصة قدمتها الإعلامية سرور الدليمي في تقرير مصوّر لبرنامج “حلقة وصل”، سردت خلاله حكاية “أم وصفي”، التي اختطفها تنظيم داعش هي وبناتها بعد أن قتلت عناصره زوجَها في آب 2014، وتمحور التقرير حول اعتناق أم وصفي للإسلام بإرادتها، حسبما قالت. 

المشكلة ليست في قول المرأة إنها اعتنقت الإسلام بإرادتها بعد سنوات من المعاناة وعدم القناعة، بل في عجز هذه القناة التلفزيونية، وكل شخص شارك في صناعة هذا العرض، عن إدراك أن تقديم الناجية من الإبادة الجماعية لا يمكن أن يكون بمعزل عن سياق الإبادة التي ارتكبها تنظيم داعش الإسلامي المتطرف ضد المكوّن الإيزيدي في سنجار شمالي نينوى. 

يكمن الخطأ الأخلاقي في تقديم قصتها، في المقام الأول، كقصة “اعتناق للإسلام” أو “نجاح إنساني”، مع تجريدها من سياقها المأساوي وتهوين حجم الجريمة التي كانت “أم وصفي” وآلاف من النساء الإيزيديات ضحية لها. فهي قبل كل شيء ناجية من الإبادة الجماعية للإيزيديين ومن أسر داعش لها ولبناتها، والتقرير ترك التفاصيل هذه. 

بعد 12 عاماً من الأسر والسبي الذي تعرّضت له الإيزيديات كـ”أم وصفي”، يستحيل النظر إلى قضايا الهوية والدين والانتماء من زاوية مبسّطة تحت شعار “الحرية الشخصية”. فعادةً يمرّ الناجون من الإبادات الجماعية والانتهاكات المطوّلة بتحولات نفسية واجتماعية عميقة أثناء تكيّفهم للبقاء على قيد الحياة في ظلّ ظروف قاسية.  

وعلى الرغم من أن تجربة كلّ ناجٍ فريدة بحد ذاتها، فقد وثّق علماء النفس منذ زمن طويل ظواهر مثل التعلّق الناتج عن الصدمة وما يُعرف بمتلازمة ستوكهولم، التي قد يُطوّر الضحايا فيها ارتباطات عاطفية تجاه المجرمين أو يتماهون معهم، كآلية للتكيف والنجاة.  

هذا لا يعني أن معتقدات المرأة أو خياراتها الحالية غير صحيحة، بل يُؤكد على ضرورة تعامل الصحفيين والجمهور مع مثل هذه الحالات بحساسية شديدة ودقة. فتقديم اعتناقها المزعوم للإسلام على أنه قرار شخصي مباشر وحر، دون الاعتراف بالآثار الدائمة للإكراه والأسر وقتل رب الأسرة والصدمة والسنوات التي قضتها في بيئة اجتماعية مختلفة تنظر إليها كشيء أقل قيمة، يبسط الحقائق النفسية المعقدة التي يواجهها الناجون من الإبادة الجماعية. 

يعكس التقرير التلفزيوني إخفاقات أوسع نطاقاً في كيفية تعامل العراق مع الناجين الإيزيديين بعد أكثر من عقد على الإبادة الجماعية. فبينما هيمنت قصة امرأة واحدة على النقاش العام، لا يزال هناك المئات من الإيزيديات المفقودات، بالإضافة إلى الإيزيديين النازحين والمحرومين من الدعم الكافي. ولا يزال العديد من الناجين والناجيات يكافحون للحصول على وثائق رسمية لهم أو لأطفالهم، أو الحصول على الرعاية الصحية، أو إعادة التأهيل النفسي، أو تحقيق العدالة في الجرائم المرتكبة ضدهم. 

وبدلاً من التركيز على هذه التحديات العالقة، يتحدث البرنامج عن روايات قد تعزز النتائج التي سعى تنظيم داعش إلى فرضها، ألا وهي طمس الهوية الإيزيدية وتطبيع تبعات الإبادة الجماعية من منطلق أن الإيزيديين كفار أو على دين خاطئ. 

مسؤولية العراق، كمجتمع أولاً وحكومة ثانياً، لا تكمن في الاحتفاء بآثار النجاة، بل في مواجهة الظروف التي أتاحت ظهور مثل هذه القصص في المقام الأول، وضمان معاملة الناجيات بكرامة، مع مراعاة سياقهم التاريخي، والتزام حقيقي بالعدالة والمساءلة. 

لم تقتصر معاناة “أم وصفي” على مقتل زوجها واختطافها هي وبناتها واحتجازهن كرهائن لدى داعش، بل إن المجتمع وجد في تصريحها بأنها تُعامل معاملة حسنة مناسبة للاحتفال، دون التساؤل عما إذا كانت قضية اختطافها واستعبادها قد خضعت للتحقيق القانوني اللازم، وما إذا كانت قد تلقت مساعدة حقيقية، مع أخذ حالتها النفسية والعاطفية في الاعتبار. 

لقد تعرّضت “أم وصفي” لظلم متعدد الأوجه: اختطافها واستعبادها أولاً، ثمّ تجاهل من قابلتهم خلال العقد الماضي لهذا الظلم الذي يستدعي الإبلاغ عنه ومعالجته، ثم تعرضت للخيانة مرة أخرى من قبل سلطات الأنبار المتورطة في أوراقها المذكورة في التقرير التلفزيوني، حيث لم تُبلِّغ السلطات المختصة بقضيتها كناجية إيزيدية مفقودة، ثم تعرضت للخيانة مجدداً عندما رأى رواد مواقع التواصل الاجتماعي قصتها انتصاراً للإسلام، وهنأوها على اعتناقه، بينما شجبوا الديانة الإيزيدية ووصفوها بالوثنية. كل هذا يُظهر طبقات الجمود المختلفة في مجتمعنا العراقي الذي يعاني أمراضاً حقيقية ويحتفل بما هو نتاج الاستعباد والإرهاب الصريح. 

بدأت خيانة المجتمع لأم وصفي يوم اختطفها داعش، لكنها لم تنتهِ بتحريرها. فقد استمرت حين عجزت مؤسسات الدولة عن التعامل مع قضيتها بوصفها قضية ناجية من الإبادة، واستمرت عندما تحولت قصتها إلى مادة إعلامية، ثم بلغت ذروتها عندما احتفل جزء من الرأي العام بما قد يكون أحد أكثر الآثار مأساوية للإبادة الجماعية، بدل أن يسأل كيف ولماذا وصلت هذه المرأة إلى هنا أصلاً. 

كان من واجب البرنامج أن يتحقق أولاً من وضع المرأة القانوني، وأن يسأل عن ظروف اختطافها، وأن يستعين بخبراء في الصدمات النفسية أو ممثلين عن الجهات المختصة بشؤون الناجيات، بدل الاكتفاء بسرد قصة شخصية منفصلة عن سياقٍ ضخم وتاريخي وكارثي. فالصحافة ليست مجرد نقل للروايات، بل مسؤولية أخلاقية في كيفية تأطيرها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بناجيات من جريمة إبادة جماعية واسترقاق حقيقي. وسؤالي الأخير هو: كم مرة يمكن أن تخان المرأة وتُهجّر وتُستغل؟ 

  • تُنشر المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية “نيريج”. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

صحفية متخصصة بالقضايا السياسية والأمنية والاجتماعية الكردية، حاصلة على شهادة الماجستير في السياسة والعلاقات الدولية.