“كمال لم يعد كما كان”.. رحلة القط في العراق بين العيادات الوهمية

من خلال رحلة قطّ بين العيادات البيطرية في العراق، يكشف هذا المقال واقعاً مضطرباً من ضعف الرقابة والعيادات الوهمية وغياب المساءلة، في قطاع يُفترض أن يحمي الحيوانات لا أن يضاعف معاناتها..

جود غيثجود غيث | 21 تموز 2026

في تمام الساعة العاشرة من صباح يوم الجمعة -عطلتي الأسبوعية الوحيدة- كنت جالساً مع طبيبي النفسي، أفتح له أبواباً من خوفي لم أجرؤ على طرقها من قبل.  

تحدّثنا طويلاً عن الموت، لا من باب أن يكون نهايتي، بل من ناحية الفقد. قلت له إنني لا أخاف الموت بقدر ما أخاف أن أفقد من أحب: حبيبتي، أصدقائي، وقطي كمال. 

أول قيلولة لكمال في منزله الجديد، مصدر الصورة: الكاتب.

جلسة كاملة قضيتها في وصف تلك الرهبة، وتفنيدها، وتفكيكها. قال لي الطبيب إن ما أعيشه هو نتيجة “قلق مفرط”، وإن “كل تلك الأمور سيناريوهات بعيدة الحدوث”، وإن لا شيء حقيقي يهدّد من أحبهم. حاولت أن أصدّق، ولو لأيام قليلة. 

كمال لم يكن مجرد قطّ، كان ثمرة إصرار طويل لإقناع عائلتي بوجوده في البيت. رأيته أول مرة في صورة أرسلها لي صديقي، كانت أمه قد وضعت مجموعة من الصغار، لكن عيني تعلقت به وحده.  

كان ذا شعر طويل أسود يميل إلى الرمادي، ونوعه مهجّن. حين جاء إلينا كان هادئاً، ودوداً، يحاول استمالة والديّ اللذين لم يرحّبا بفكرة وجوده في البداية. ومع الوقت، صار فرداً من العائلة، مدللاً ومشاكساً، يقفز بين الغرف، ويعبّر عن وجوده بكل الطرق الممكنة، وكأنه يعلم أنه أصبح محبوباً لدى الجميع. 

كان ينام إلى جواري أغلب الليالي، أو على الكراسي والأكياس التي يحب دفأها وملمسها. لم يكن يترك فرصة إلا تطفّل فيها على طعامنا، يمدّ رأسه بفضول وهدوء، كأنه واحد منّا على المائدة.  

ومع مرور الأيام، تعلّم أن يعبّر عن ملله وغضبه بطريقته الخاصة. حين أغيب طويلاً بسبب العمل، كان يقفز ويفتح باب غرفتي بنفسه، ثم يبعثر أغراضي وكأنه يقول: “لماذا تركتني؟” لذلك صرت أقفل الغرفة قبل خروجي، وأترك له أحد قمصاني القديمة على الأريكة، ينام عليه حتى أعود، وكأنه يذكّره بي حين أغيب. 

حين خرجت من جلسة العلاج النفسي وذهبت لأضع طعاماً لكمال، وجدت أن مخاوفي لم تكن خيالاً. رفض الطعام ليومين متتاليين، وبدا خاملاً بعينين لا تشبهان عينيه. منذ تلك اللحظة، بدأت رحلة شاقة بين العيادات البيطرية. 

خلال تلك الأيام، زرت ست عيادات مختلفة. كل عيادة قدّمت تفسيراً مختلفاً لحالته: واحدة قالت إنه مجرد “قط دلوع”، وأخرى اقترحت أن “أحرمه من الطعام حتى يرضخ”، وثالثة وصفت مكملات غذائية باهظة الثمن يلجأ إليها أصحاب الحيوانات عندما تتقدم قططهم في السن، أو بعد التعقيم، أو في حالات النقاهة والأمراض المزمنة، أو عند اعتماد طعام منزلي الصنع. وهي وسائل مسانِدة للتغذية، لا تغني عن التشخيص أو العلاج الطبي للحالات المرضية. لكن بدا أن هدف العيادات من تلك الزيارات هو الاستفادة المادية أكثر من إنقاذ حياة حيوان مريض. 

حين طلبت فحوصات محددة -مثل تحليل دم أو فحص فيروسي- قوبلت بتجاهل أو سخرية، وكأن كمال ليس أكثر من رفاهية يمكن الاستغناء عنها. 

بعد أسابيع من التجوال بين العيادات، تبيّن أن ما واجهته ليس حالة فردية. كثير من الأطباء البيطريين أكدوا أن هذه الظاهرة متكررة في محافظاتٍ عدّة.  

تقول د. ليليان، طبيبة بيطرية وناشطة وصاحبة عيادة ليليان البيطرية، إن هذه الممارسات ليست نادرة، بل تتكرر في عدد من العيادات بأشكال مختلفة: تجاهل الفحوص والتحاليل الأساسية، والاكتفاء بالتخمين بدل التشخيص العلمي، والوصف العشوائي لأدوية باهظة الثمن دون حاجة حقيقية. 

وتضيف أن بعض الأطباء يقللون من شأن الحالات المرضية، ويواجهون قلق المالكين بالاستخفاف أو التعليقات الساخرة، بينما يغيب الالتزام بمتابعة الحالة بعد العلاج أو تقييم فعالية الدواء. في المقابل، يعتمد آخرون على “الخبرة الشخصية” بدل الالتزام ببروتوكولات طبية حديثة، ما يجعل العلاج أقرب إلى التجريب منه إلى الممارسة العلمية. 

وترى د. ليليان أن هذه الظواهر تعكس مشكلة أوسع تتعلق بضعف الرقابة البيطرية وتحول بعض العيادات إلى مشاريع تجارية، تُقدَّم فيها مصلحة الربح على مصلحة الحيوان وصحته. 

تقول: “تجربتنا ويا العيادات غير المؤهلة أو الأشخاص اللي يشتغلون بدون شهادة دائماً تكون محبطة ومؤذية للحيوان؛ لأن أغلبهم ما عندهم علم كافٍ ولا أدوات صحيحة، وهذا يسبب تأخيراً في التشخيص أو حتى مضاعفات خطيرة”. 

وتضيف أن العيادة المؤهلة لا يمكن أن تكتفي بالفحص السريري فقط، بل يجب أن تتضمن الحد الأدنى من المعدات، مثل جهاز CBC لتحليل الدم، وأجهزة أشعة أو سونار، وأدوات تعقيم دقيقة. تقول: “لما ما تتوفر هذه الأجهزة، الطبيب يضطر يعتمد على التخمين، وهذا يوقفنا بمكان واحد وما يخلي مهنة الطب البيطري تتطور”. 

تفاوت بين المدن والأطراف 

يوم الجمعة، حين تغلق أغلب العيادات أبوابها، تدهورت حالة كمال بسرعة مقلقة. كان حزيناً على نحو لم أره من قبل، عيناه نصف مغمضتين وصوته لا يكاد يُسمع. لم يعد يقترب مني كما اعتاد، بل ظلّ يختبئ في الزوايا، كعادة القطط عندما تمرض أو تقرب الموت. كان جسده واهناً، يتحرك ببطء شديد، ثم يتقيأ كل ما في معدته، كنت أراه يحاول أن يتماسك، ينهض ليمشي قليلاً ثم يسقط من الإعياء.  

اضطررت لاستخدام سيارات الأجرة كل يوم. كمال في حضني، ملفوف ببطانية، وأنا أحاول أن أهدئه كلما بدأ يرجف أو يتقيأ. أغلب السائقين كانوا محقّين في غضبهم؛ فقد تقيأ كمال في سياراتهم أكثر من مرة، وبعضهم رفض أن يكمل الطريق. كنت أبدّل السيارات تحت الشمس، أحمله وأنا أسمع أنفاسه المتقطعة وأخشى أن يتوقف عن الحركة. 

في بعض الأيام كنت أضطر لإعطائه محلولاً وريدياً في البيت، محاولاً أن أمدّه ببعض القوة قبل أن نخرج. كنت أتصل بعيادات قريبة تعدني بأنها ستنتظرني، لكن حين أصل أجد الأبواب مغلقة، والهواتف لا يجيب عليها أحد.   

وجدت عيادة واحدة مفتوحة تبعد 35 دقيقة عن منزلي​     ​. الطبيب هناك قال بقلق إن المرض “في مراحل متقدمة”، وإن العلاج كان يجب أن يبدأ قبل أسبوع. بدأنا العلاج المغذّي اليومي، لكن كمال لم يتحسن. 

تواصلت مع صديقتي ليلى (اسم مستعار)، الطبيبة البيطرية حديثة التخرج، التي رجحت منذ البداية أن الحالة ليست التهاب معدة عادياً بل فيروس. قالت إنّ التهاب المعدة عادةً ما يرافقه إسهال أو إمساك واضح، ورائحة مميزة في الإخراج، بينما ما وصفته لها لم يكن كذلك.  

بناءً على الأعراض، رجّحت أن يكون الفيروس المسبّب هو “الكاليسي”، والإصابة به شائعة بين القطط، خصوصاً الصغيرة منها. إلا أنّ الطبيبة تراجعت جزئياً عن هذا الاحتمال حين علمت أنّ كمال مُلقّح، لكنها أوضحت أنّ اللقاح لا يمنع العدوى تماماً، بل يخفّف من شدّتها، وأنّ بعض القطط المُلقّحة تظهر عليها أعراض خفيفة يصعب ملاحظتها؛ مثل الجروح الصغيرة داخل الفم، التي تجعل الأكل مؤلماً فتتوقف عن تناول الطعام تدريجياً. 

اقترحت ليلى أن أجري له فحص سونار للتأكد من عدم وجود إمساك أو انسداد، لكنني لم أجد أي عيادة في المدينة توفّر هذا النوع من الفحوصات حينها، وبعدها نصحتني بإجراء اختبار الفيروسات؛ لأن علاج الالتهاب الهضمي عادةً بطيء لكنه آمن، بينما العدوى الفيروسية أسرع وأخطر وتحتاج إلى تدخّل عاجل. 

شرحت لي أن البروتوكولات العالمية تفرض إجراء فحص شامل: تحليل دم، وفحص فيروسات، وأحياناً تصوير بالأشعة. وأكدت أنه “حتى لو جانت الأعراض واضحة، يبقى تأكيدها بالفحوصات هو الأساس؛ لأن أي خطأ أو تأخير يغير مصير الحيوان”. 

في أثناء بحثي عن سبب ندرة الفحوصات البيطرية المتقدمة، كالسونار مثلاً، بدأت ألاحظ تفاوتاً كبيراً بين العيادات التي زرتها. بعضها يفتقر إلى أجهزة أساسية، وأخرى تُدار بإمكانات محدودة، مما جعلني أتساءل عن سبب هذا التباين، وهل يعود إلى نقص في الموارد أم إلى طبيعة السوق نفسها. 

يوضح د. أسعد الموسوي، صاحب عيادة النرجس البيطرية ومسؤول مستشفى النجف البيطري، أن التباين بين العيادات يرتبط أيضاً بطبيعة المناطق. ففي أطراف المدن، يتركز الاهتمام على تربية الأبقار والدواجن والحيوانات الحقلية لأغراض اقتصادية، بينما في مراكز المدن تزداد عيادات الحيوانات الأليفة كالقطط والكلاب.  

يقول: “هذا الاختلاف ينعكس على مستوى الخدمة، فعيادات الأطراف قد تكون أقل تجهيزاً بسبب طبيعة الحالات التي تستقبلها، بينما عيادات المراكز مطالبة بتجهيزات أدق لتشخيص أمراض القطط والكلاب”. 

ويشرح أن البروتوكول الصحيح يبدأ من أخذ تاريخ الحالة المرضية من المربي، ثم الفحص السريري، وبعدها الفحوصات المختبرية: قياس الحرارة، ومعدل النبض والتنفس، وفحوصات الدم والإفرازات. يقول: “من دون هذه الخطوات يكون التشخيص غير مكتمل، وقد يقود إلى أخطاء خطيرة”. 

كان كمال ضحية تلك الأخطاء، تأخُّر العلاج جعل حالة كمال تتدهور بسرعة، وأدخله في دوامة من الأدوية غير المناسبة والتشخيصات المرتبكة. في البداية، أجرينا له فحص الفيروس “كت”، بجهاز يُظهر الإصابة بعلامة واضحة بجانب اسم الفيروس، لكن الطبيب الذي قرأ النتيجة أخطأ في تفسيرها. قال إن كمال مصاب بـ”الطاعون”، مرض خطير ومُعدٍ للبشر، ونصحني بإبرة “رحمة” لإنهاء حياته قبل أن يشكّل خطراً على أفراد المنزل.  

كانت الصدمة قاسية، لكني رفضت الفكرة تماماً، وأصررت على أخذ صورة من نتيجة الفحص. بعد بحث طويل، اكتشفت أن الطبيب قرأ التشخيص من شاشة الحاسوب قراءة خاطئة، بالإضافة إلى أن الطاعون غير معدٍ للبشر أساساً.  

خلال تلك الفترة، تعرّض كمال لتجارب طبية أرهقته أكثر مما ساعدته. كميات المحاليل الوريدية كانت تعطى بلا حساب، والدم سُحب منه حتى تورّمت أطرافه، وانخلعت “الكانيولا” أكثر من مرة. صار كمال يخاف من أي لمسة، يموء ويرتجف كلما رأى طريق العيادة، ويرفض الأكل والشرب، ويصبح عدوانياً تجاه أي محاولة لعلاجه. 

كمال يتلقى العلاج الوريدي في إحدى العيادات، مصدر الصورة: الكاتب. 

 بعد أسابيع من المعاناة، وبصعوبة شديدة، وجدنا طبيباً ماهراً وافق على زيارتنا في المنزل. كان إنساناً طيباً، متعاطفاً، يعتني بكمال يومياً ويعطيه العلاج والمحاليل بهدوء وصبر، حتى أنه رفض تقاضي أي أجر. بفضل جهوده وتجاوب كمال البطيء بدأت حالته تستقر شيئاً فشيئاً. عاد يأكل من يدي، ويموء بصوتٍ خافت حين أقترب، وكأن الحياة تتسرّب إليه. 

كمال بعد أسبوع من شفائه، حُلقت يداه من أجل “الكانيولا”، مصدر الصورة: الكاتب.

المخالفات والرقابة 

وسط فوضى البحث عن علاج، واجهت صدمة أخرى لا تقلّ قسوة عن مرض كمال نفسه. الطبيبة التي كنت أضع ثقتي فيها منذ سنوات لم تكن ​​طبيبة أصلاً، بل صيدلانية بانتظار التعيين. أما أربع عيادات أخرى قصدتها فتبين أن أصحابها يواجهون دعاوى قضائية لانتحال ال​مهنة. 

بحسب مصادر تحدثت بشرط عدم الكشف عن هوياتها، فإن بعض أصحاب هذه العيادات الوهمية يرتبطون بأحزاب وشخصيات سياسية نافذة، ما يمنحهم غطاءً يحول دون المساءلة. رفضت المصادر ذكر أسماء العيادات أو حتى أسماء أصحابها خوفاً من الملاحقة، مؤكدة أن محاولات كشف هذه الشبكات تواجَه بالتهديد أو الترهيب. 

في تلك الأيام، لم يكن الخطر محصوراً في مرض كمال، بل يمتد إلى شبكة فساد تتخفّى خلف لافتات “الرحمة بالحيوان”، وتعمل بلا رقابة حقيقية. كنت أتنقّل بين العيادات وأنا أحمل قطّي المريض، لكن شيئاً فشيئاً أدركت أن الخطر لم يكن داخل جسده فقط، بل في منظومة كاملة جعلت حياة الحيوان وصاحبه في مهبّ الإهمال والاحتيال. 

تؤكد د. ليليان أن هذه الكوارث تتكرر يومياً: “هواية حالات تجينا للعيادة بعد ما يكون الحيوان متعرض لضرر كبير بمكان آخر، سواء باستخدام علاج خاطئ، أو عمليات جراحية بلا شروط تعقيم، أو حتى تشخيصات عشوائية”. 

أما د. أسعد الموسوي فيقول إن هذه المخالفات موجودة بالفعل، ويتم التعامل معها عبر نقابة الأطباء البيطريين واللجان المختصة. لكنه يضيف: “إجراءات النقابة مرضية إلى حد ما، لكنها ما تكفي. ملف الدخلاء متراكم من سنوات، ويحتاج تعاون الأمن الاقتصادي والجريمة المنظمة للسيطرة عليه. محاسبة هؤلاء ما ممكن تصير بجهة واحدة فقط”. 

عندما حاولت بنفسي الحصول على إحصائيات دقيقة تواصلت مع نقابة الأطباء البيطريين مرات عدة، لكن لم أتلقَّ أي رد. الأمر نفسه حصل مع مكافحة الجريمة، الجهة التي يُفترض أن تكون شريكاً أساسياً في المحاسبة، لكن لم يأتِ أي جواب. 

في النهاية، وبعد أسابيع من الترحال والقلق، تعافى ​​كمال، لكنه لم يعد كما كان، صار يخاف من الطرقات والغرباء وحتى مني أحياناً. أما أنا، فما زلت أرتجف كلما مرض أو خمل.  

كمال الآن، المصدر: الكاتب.

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

مدوّن وكاتب من النجف، يهتم بقضايا حقوق الإنسان والحيوان والشؤون البيئية.
بمشاركة