يمكن قراءة التصريحات السياسية بوصفها وثائق ثقافية مصغّرة. فهي لا تكشف فقط ما يفكر به السياسي، بل تكشف أيضاً الأنساق الذهنية التي تحكم نظرته إلى السلطة والأزمة والمجتمع. وحيث يتداخل الديني بالطائفي، والسياسي بالرمزي في العراق، تكتسب بعض العبارات أهمية تتجاوز مناسبتها المباشرة؛ لأنها تتيح قراءة البنية الثقافية التي يُعاد من خلالها تفسير الفشل وتبرير السلطة وحشد الجمهور.
المقدس في السياسة
في عام 2016 قال رجل الدين والقيادي في المجلس الأعلى جلال الدين الصغير، خلال خطبة جمعة تناولت الأوضاع الاقتصادية: “النستلة مو ضرورية”، في إشارة إلى ضرورة تجاوز المجتمع للكماليات وسط حالة تقشف مالي. وبعد خمس سنوات، وفي حوار تلفزيوني، قالت النائبة مها الدوري: “إسرائيل لن تسمح بتطوير مدينة الصدر”. وفي العام نفسه، وخلال مؤتمر انتخابي في محافظة ميسان، قال رئيس منظمة بدر هادي العامري: “لم يسمحوا لنا بأن نقدم الخدمة لهذه المحافظات لأننا أتباع الحسين”. ثم جاء تصريح زعيم عصائب أهل الحق قيس الخزعلي أثناء مفاوضات تشكيل الحكومة عام 2022، بأن “أنفاس الزهراء كانت حاضرة أثناء تشكيل الحكومة”.
قد تبدو هذه التصريحات متفرقة في موضوعاتها وسياقاتها، لكنها تكشف أنماطاً متشابهة في التفكير عند شيعة السياسة في البلاد -ويُرجى الانتباه إلى أننا نتحدث عمّن في السلطة أو المشتركين كممثلين للمجتمع الشيعي، وهذا لا يعني أنهم الوحيدون الذين يطلقون تصريحات من هذا النوع- فبعض العبارات التي تُقال في مقابلة أو مؤتمر أو خطبة لا تقتصر أهميتها على معناها المباشر، بل تكشف الطريقة التي يفهم بها السياسي الشيعي الأزمة والسلطة والمسؤولية، كما تكشف اللغة التي يجري من خلالها تفسير الفشل، وتبرير التعثر، وإضفاء الشرعية على القرارات السياسية.
تكتسب هذه التصريحات أهمية إضافية في العراق، حيث يتداخل السياسي بالديني، والرمزي بالمؤسساتي، والتاريخي بالراهن. لذلك يمكن النظر إلى بعض العبارات السياسية بوصفها نصوصاً ثقافية مصغّرة، تختزن رؤى كاملة عن المجتمع والدولة وآليات الحكم.
حين قال جلال الدين الصغير “النستلة مو ضرورية”، بدا التصريح لكثيرين تعليقاً عابراً على ظروف اقتصادية صعبة، غير أن العبارة تكشف طريقة خاصة في مقاربة الأزمة الاقتصادية. فالمشكلة تظهر في هذا الخطاب على مستوى الاستهلاك الفردي والعادات اليومية، فيما تتراجع الأسئلة المتعلقة بالسياسات العامة وإدارة الموارد والاختلالات البنيوية في الاقتصاد.

ويؤدي هذا النوع من الخطاب إلى نقل مركز النقاش من المؤسسات إلى الأفراد. فبدلاً من توجيه الاهتمام إلى أسباب التضخم أو البطالة أو سوء الإدارة، ينصب نقاش بعض سياسيي الشيعة على سلوك المواطن وقدرته على التقشف، وتتحول الأزمة الاقتصادية إلى قضية أخلاقية تتعلق بطريقة الإنفاق والاستهلاك، بينما تتراجع مسؤولية الدولة -التي يتشاركون حكمها مع القوى السياسية الممثلة للمكونات الأخرى- عن معالجة أسبابها العميقة.
وتتمثل هذه الرؤية في تصريح النائب مصطفى سند بوصفه نموذجاً لخطاب سياسي يعيد توجيه عبء الأزمة من الدولة إلى المجتمع، فحين يطلق عبارة: “شكو بيها إذا الموظفين ضحوا برواتبهم؟ 300 ألف تجيبلك عزة وكرامة”، فإن هذا العبارة ليست مجرد رأي اقتصادي؛ فهي تحمل تصوراً كامناً عن العلاقة بين السلطة والمواطن.
فالخطاب هنا لا يناقش أسباب الأزمة ولا بنية الإنفاق ولا مسؤولية الإدارة، بل ينقل النقاش إلى مستوى أخلاقي: المواطن الجيد هو الذي يضحي. وكأن معيار الوطنية أو الكرامة يصبح القدرة على التنازل عن الحقوق أو القبول بالتقشف؛ إذ تُعاد صياغة الأزمات بوصفها امتحاناً لأخلاق المجتمع لا لكفاءة الدولة، فبدلاً من السؤال: لماذا توجد أزمة؟ أو أين ذهبت الموارد؟ وما دور السياسات العامة؟ يتحول السؤال إلى: لماذا لا يضحي المواطن؟ وهذا التصريح ينتج سردية مفادها: المجتمع مسؤول عن تجاوز الأزمة أكثر من الدولة نفسها.
أما تصريح مها الدوري بأن “إسرائيل لن تسمح بتطوير مدينة الصدر” فيقدم نموذجاً مختلفاً لتفسير التعثر. فالحديث هنا لا يدور حول خطط التنمية أو كفاءة الإدارة أو أولويات الإنفاق، بل حول فاعل خارجي يمتلك قدرة واسعة على التأثير في مسار الأحداث المحلية.
وتكشف هذه الصيغة حضوراً قوياً لثقافة المؤامرة داخل الخطاب السياسي. فالإخفاق يُفسَّر من خلال قوة خارجية قادرة على تعطيل التنمية ومنع الإنجاز، بينما تتراجع الأسئلة المتعلقة بأداء المؤسسات والفاعلين المحليين. وبهذه الطريقة يتحول الخارج إلى إطار تفسيري دائم للأزمات، ويغدو الفشل نتيجة متوقعة لتأثير قوى تفوق قدرتها قدرة الدولة والمجتمع على المواجهة.
فحين يُقال إن ما جرى “مؤامرة”، يصبح الفاعل الحقيقي غامضاً وخارجياً، وتصبح المحاسبة مؤجلة أو غير ضرورية، وكأن الخطاب يقول ضمنياً: “لسنا مسؤولين عن الهزيمة؛ لأننا كنا ضحايا خطة أكبر منا”، وهنا تتحول الدولة من فاعل إلى ضحية. والمفارقة أن الدولة، التي يُفترض أن تكون الجهة المسؤولة، تتحول داخل هذا الخطاب إلى طرف متضرر مثل المواطن، فتصبح اللغة السياسية: “لم نفشل، بل تم التآمر علينا”، وهذا التحول، ثقافياً، يعيد تعريف السلطة كجهة تستحق التعاطف لا المساءلة.

كما تكشف عبارة هادي العامري نمطاً آخر من أنماط الخطاب السياسي، يقوم على استدعاء الهوية الدينية لتفسير الإخفاقات والعقبات السياسية.
والحال هذه، فالتعثر في هذا الخطاب لا يرتبط بالأداء أو الإدارة أو طبيعة القرارات المتخذة، بل يُقدَّم بوصفه نتيجة استهداف للجماعة التي ينتمي إليها الفاعل السياسي. وتتحول الأزمة إلى جزء من سردية مظلومية أوسع، تتجاوز الحدث المباشر وتربطه بصراع رمزي وثقافي يمتد إلى ما هو أبعد من المجال السياسي.
كما تمنح هذه السردية الفاعل السياسي مساحة أوسع للتحرك بعيداً عن النقد المباشر. فحين يُعاد تفسير الاعتراض على الأداء ضمن إطار الهوية يكتسب النقاش حساسية إضافية، وتتراجع الأسئلة المتعلقة بالكفاءة والإنجاز أمام الأسئلة المرتبطة بالانتماء والولاء والتمثيل.
وعلى الرغم من اختلاف هذه التصريحات في موضوعاتها، فإنها تشترك في خصائص متقاربة. فالمسؤولية تنتقل باستمرار إلى طرف آخر؛ مرة إلى المواطن، ومرة إلى الخارج، ومرة إلى خصوم يستهدفون جماعة بعينها. كما تميل الأزمات المعقدة إلى الظهور في صورة تفسيرات مبسطة يسهل تداولها وتكرارها.
ولا تكمن أهمية هذه العبارات في مضمونها الآني فقط، بل في ما تكشفه من أنماط تفكير متكررة داخل الثقافة السياسية العراقية. فهي تكشف ميلاً إلى إدارة الأزمات عبر إنتاج التفسيرات والتبريرات، وإعادة تأويل الوقائع بطريقة تحافظ على تماسك السردية السياسية القائمة. ومن هنا يمكن التعامل مع هذه التصريحات بوصفها مفاتيح لفهم بنية أوسع، تتداخل فيها السلطة بالهوية، والسياسة بالرموز، والتفسير بالتبرير.
ويظهر هذا التداخل بوضوح أكبر في تصريح قيس الخزعلي خلال مفاوضات تشكيل حكومة محمد شياع السوداني، حين قال إن “أنفاس الزهراء كانت حاضرة أثناء تشكيل الحكومة”. فهذه العبارة ليست مجرد توصيف سياسي لعملية تفاوضية معقدة، بل نقل للحدث من المجال السياسي إلى المجال الرمزي، لتمنحه معنى يتجاوز الحسابات الحزبية والتوازنات المعتادة.
ويستدعي هذا الخطاب شخصية فاطمة الزهراء بوصفها رمزاً دينياً مركزياً في الوجدان الشيعي، ويمنح عملية تشكيل الحكومة بعداً روحياً ومعنوياً. وهكذا تكتسب العملية السياسية شرعية إضافية من خلال ارتباطها برمز مقدس يتمتع بحضور واسع داخل الوعي الجمعي.
وتكشف العبارة أيضاً عن استمرار حضور المقدس داخل المجال السياسي العراقي. فالأحداث السياسية لا تُقدَّم دائماً باعتبارها نتاجاً للمفاوضات والتحالفات والتسويات، بل تحاط أحياناً بسرديات رمزية تمنحها معنى أعمق وقدراً أكبر من المشروعية والقبول الشعبي.
ويؤدي هذا النوع من الخطاب وظيفة سياسية وثقافية في الوقت نفسه. فهو يعزز الارتباط العاطفي بين الجمهور والنتائج السياسية، ويمنح السلطة غطاءً رمزياً إضافياً، كما يساهم في إعادة تشكيل فهم الجمهور للأحداث من خلال لغة تستحضر الرموز الدينية الأكثر تأثيراً وحضوراً.
حكم عمر وعبد الزهرة
تبلغ هذه الظاهرة مستوى أكثر وضوحاً حين يُستدعى التاريخ الديني والطائفي بصورة مباشرة داخل الخطاب السياسي المعاصر. ففي خضم التصعيد السياسي الذي سبق انتخابات 2026 قال جلال الدين الصغير: “تريدون عبد الزهرة يرجع يخدم عمر؟” وتبدو العبارة للوهلة الأولى جزءاً من سجال انتخابي عابر، لكنها تحمل كثافة رمزية كبيرة تتجاوز معناها المباشر.
فاسم “عبد الزهرة” لا يُستدعى هنا بوصفه اسماً لشخص بعينه، بل بوصفه علامة على هوية جماعية. وفي المقابل، يتحول اسم “عمر” إلى رمز لجماعة أخرى. وبذلك تنتقل المنافسة السياسية من ساحة البرامج والمواقف إلى ساحة الرموز والهويات، حيث يُعاد تعريف العلاقة بين الجماعات، وهنا الشيعة والسنة، من خلال صور تاريخية مشحونة بالمعاني والانفعالات.
وتكشف هذه العبارة قدرة الخطاب السياسي على استحضار الماضي وإعادة تشغيله داخل الحاضر. فالتاريخ لا يحضر بوصفه مادة للتأمل أو الفهم، بل بوصفه مخزوناً رمزياً جاهزاً للتعبئة السياسية، وتتحول الذاكرة الجماعية إلى مورد انتخابي يُستخدم لإثارة المخاوف وتعزيز الاصطفافات وإعادة رسم الحدود بين “نحن” و”هم”.
كما تكشف العبارة عن توظيف الأسماء والرموز الدينية في إنتاج خطاب سياسي قائم على الاستثارة العاطفية. فالمتلقي لا يتعامل مع الأسماء بوصفها إشارات لغوية محايدة، بل بوصفها علامات محمّلة بتاريخ طويل من التأويلات والانقسامات والسرديات المتنافسة، ومن خلال هذا الاستدعاء يتحول الجدل السياسي إلى صراع رمزي حول الهوية والانتماء والتمثيل.
وتكمن أهمية هذا النوع من الخطاب في أنه لا يصف الواقع السياسي فحسب، بل يساهم في إنتاجه. فكل استدعاء من هذا النوع يعيد تنشيط الحدود الطائفية داخل المخيال العام، ويمنحها حضوراً جديداً في النقاش السياسي المعاصر، وهكذا يتحول التاريخ إلى فاعل يومي في تشكيل المواقف والاصطفافات والخيارات الانتخابية.

ولا تقتصر عملية استدعاء المقدس على توظيف الرموز التاريخية والطائفية، بل تمتد أحياناً إلى صناعة شرعية رمزية لشخصيات سياسية معاصرة. ومن الأمثلة اللافتة على ذلك ما قالته النائبة عالية نصيف، في أيار 2026، عن رئيس الوزراء المكلف علي فالح الزيدي: “إنه بعمر النبوة”، في إشارة إلى أن عمره يوافق العمر الذي بُعث فيه النبي محمد.
وقد يبدو التصريح للوهلة الأولى تعبيراً عفوياً عن التفاؤل أو الإعجاب، لكنه يكشف آلية رمزية متكررة في الخطاب السياسي العراقي. فالعمر البيولوجي يتحول من مجرد رقم إلى علامة تحمل دلالات دينية وأخلاقية مرتبطة بلحظة تأسيسية مركزية في الوعي الإسلامي.
ويمنح هذا الربطُ السياسيَ معنى يتجاوز موقعه التنفيذي أو الإداري. فالإشارة إلى عمر النبوة تستدعي ضمنياً معاني الرسالة والبداية والصفاء الأخلاقي والقيادة التاريخية، وبذلك تكتسب الشخصية السياسية رصيداً رمزياً إضافياً لا يرتبط ببرنامجها أو أدائها أو تجربتها العملية، بل بقربها الرمزي من لحظة مقدسة في الذاكرة الدينية.
ويكشف هذا النوع من الخطاب أيضاً عن أزمة أعمق تتعلق بمصادر الشرعية داخل المجال العام العراقي. فبدلاً من بناء الشرعية على الإنجاز أو الكفاءة أو قوة المؤسسات، يجري اللجوء إلى الرموز الدينية الكبرى بوصفها مصدراً سريعاً للمعنى والقبول. وكلما ضعفت ثقة المجتمع بالمؤسسات ازداد حضور الرمز بوصفه بديلاً يمنح الطمأنينة ويعوض نقص الثقة السياسية.
كما تساهم هذه اللغة في رفع السياسي من مستوى المسؤول العام إلى مستوى الشخصية الرمزية. فبدلاً من النظر إليه بوصفه فاعلاً سياسياً يخضع للتقييم والمساءلة، يُقدَّم داخل إطار معنوي مشبع بالإيحاءات الدينية والأخلاقية، ومع الوقت يصبح النقد أكثر حساسية؛ لأن صورة السياسي لم تعد ترتبط بوظيفته وحدها، بل بما يحيط بها من رموز ومعانٍ إضافية.
في حوار تلفزيوني مطلع تموز 2026، قال رئيس ائتلاف دولة القانون، نوري المالكي، إن الصدمة التي أحدثتها حملة رئيس الوزراء علي الزيدي (صولة الفجر) تشبه قضية الإمام الحسين التي أيقظت الأمة بعد فقدانها الثقة، معتبراً أن المجتمع، كما احتاج آنذاك إلى صدمة أعادت إليه وعيه وأطلقت ثورة التوابين والمختار، يحتاج اليوم إلى صدمة مماثلة لاستعادة ثقته بالعملية السياسية.
يمكن تحليل هذا التصريح بوصفه نموذجاً واضحاً لتسييس المقدس أو استدعاء الرمز الديني لإضفاء الشرعية على الخطاب السياسي، إذ يقيم المالكي علاقة تشابه بين حملة سياسية واستشهاد الإمام الحسين وما أعقبه من تحولات تاريخية. ويهدف هذا التشبيه إلى نقل الحملة من مستوى الإجراء الحكومي إلى مستوى الحدث التاريخي المفصلي، مستثمراً الرصيد الرمزي للإمام الحسين، ولا سيما في شهر محرّم، مما يمنح المشروع السياسي بعداً أخلاقياً وتاريخياً، فتغدو شرعيته مستمدة من سلطة الرمز الديني أكثر من استنادها إلى القانون والدستور.
وتتمثل الرسالة الضمنية في أن المجتمع كما احتاج إلى صدمة كربلاء لاستعادة وعيه، فإنه يحتاج اليوم إلى هذه الحملة ليستعيد ثقته. ويمثل ذلك نموذجاً متكرراً في الخطاب السياسي العراقي، حيث تُستدعى الرموز الدينية لتأطير المواقف السياسية، فيتحول المقدس إلى مورد رمزي يمنح الخطاب قوة إقناعية داخل مجتمع يحتل فيه الدين مكانة مركزية.
تدوير المقدس والرموز الدينية والتاريخية
تكشف الأمثلة السابقة، على اختلافها، عن حضور نمط متكرر في الثقافة السياسية العراقية، يقوم على إعادة تدوير الرموز الدينية والتاريخية داخل المجال السياسي. فالمقدس لا يظهر بوصفه منظومة قيم وأخلاق عامة فحسب، بل بوصفه مورداً رمزياً يُستخدم في تفسير الأزمات، وتبرير الإخفاقات، وحشد الأنصار، وإنتاج الشرعية، وتعزيز المكانة المعنوية للفاعلين السياسيين.
ولا يتعلق الأمر بصدق المعتقدات الشخصية أو عمق الإيمان الديني لدى أصحاب هذه التصريحات، فهذه مسألة مختلفة تماماً. ما يهم هنا هو وظيفة الخطاب نفسه والطريقة التي تُستخدم بها الرموز الدينية والتاريخية في بناء المعنى السياسي. فالكلمات لا تعمل بوصفها أوصافاً محايدة، بل بوصفها أدوات لإعادة تشكيل الواقع وتوجيه فهم الجمهور له.
ولهذا لا تكمن المشكلة في تصريح منفرد أو عبارة عابرة، بل في البنية الثقافية التي تسمح بتكرار هذه الأنماط ومنحها شرعية التداول والتأثير. فحين تصبح المؤامرة تفسيراً جاهزاً للتعثر، والمظلومية تفسيراً للفشل، والمقدس مصدراً للشرعية السياسية، تتراجع اللغة المؤسسية القائمة على المسؤولية والمحاسبة والكفاءة، ويزداد حضور اللغة الرمزية التي تدير الأزمات عبر إعادة تفسيرها أكثر مما تسعى إلى حلها.
ومن هنا يمكن النظر إلى هذه التصريحات بوصفها نوافذ صغيرة على عقل سياسي أوسع؛ عقل ما زال يجد في التاريخ والهوية والمقدس أدوات أكثر فاعلية من البرامج والسياسات والمؤسسات في تفسير الواقع وصناعة الشرعية وحشد الجمهور.
- تُنشر المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية “نيريج”.