الانسحاب من “أوبك”.. هل يستخدم العراق الورقة الخطأ في معركة الحصة النفطية؟ 

هل يملك العراق فعلاً رفاهية مغادرة "أوبك"، أم أنه يستخدم التهديد بالانسحاب للضغط من أجل حصة أكبر؟ هذه المادة تشرح لماذا تبدو معركة العراق الحقيقية مع المنظمة معركة حصة لا معركة انسحاب، ولماذا قد تكون الورقة التي يلوّح بها أخطر من المكاسب التي يريد انتزاعها.

عماد حسينعماد حسين | 1 تموز 2026

في 25 حزيران 2026، أطلق المتحدث باسم وزارة النفط العراقية سليم الركابي تصريحاً أربك أسواق الطاقة العالمية، قال فيه: “على المنظمة زيادة مستوى الإنتاج للعراق، وبخلافه سيكون هناك قرار بخصوص البقاء في المنظمة أو الخروج منها”. وفي أقل من 24 ساعة، تحولت هذه الجملة إلى عنوان رئيسي في رويترز وفرانس برس وسكاي نيوز، وبدأ محلّلو الطاقة في العواصم الكبرى يتساءلون: هل يُقدم العراق فعلاً على مغادرة المنظمة التي وُلدت في عاصمته قبل 66 عاماً؟ 

يتطلب البحث عن الإجابة فهماً لطبيعة اللحظة العراقية بكل تعقيداتها، اقتصادياً وجيوسياسياً ونفطياً. فما يبدو للوهلة الأولى قراراً سيادياً جريئاً ينكشف عند التمحيص أنه مزيج من الضغط المالي الخانق، وحسابات واشنطن القادمة، وتوظيف أزمة إقليمية لانتزاع مكاسب داخل منظمة باتت تعاني من تصدعات عميقة. 

ما الذي حدث فعلاً في 48 ساعة؟ 

ما جرى بين الأربعاء والجمعة يوحي نسبياً بحركة مدروسة أكثر مما توحي به الفوضى الظاهرة، حيث بدأت الشرارة من مقابلة أجرتها الصحفية هادلي غامبل مع رئيس الوزراء علي الزيدي -أول مقابلة صحفية له منذ توليه المنصب- حين لمّح إلى إمكانية إعادة النظر في علاقة بغداد مع أوبك، على غرار ما فعلته الإمارات في نيسان الماضي.  

ورغم أن المقابلة الكاملة لم تُبث فور تسجيلها، فإن مقتطفاً مقتضباً نشرته الصحفية كان كافياً لإشعال فتيل التكهنات في أسواق الطاقة العالمية. فسارعت وكالة رويترز إلى التقصي، ونقلت عن مسؤولين عراقيين رفيعي المستوى أن بغداد “تدرس جميع السيناريوهات المتاحة” إذا لم يُرفع سقف إنتاجها فتصديرها بشكل ملموس، وإن كان الخيار المفضل لديها يظل البقاء داخل المنظمة. 

الرد الرسمي جاء سريعاً وفيه تناقض لافت، حيث نفت وزارة النفط أن يكون الانسحاب خياراً مطروحاً على طاولة الحكومة، ثم عاد المتحدث ذاته ليؤكد لوكالة فرانس برس أن على المنظمة رفع حصة العراق “وبخلافه سيكون هناك قرار”. وفي اليوم التالي، الجمعة 26 حزيران، انقلبت النبرة تماماً حين أعلنت الوزارة عن وجود “تفاهم رفيع المستوى” داخل أوبك، يأخذ بعين الاعتبار الظروف الاستثنائية للعراق، وأن المنظمة شرعت فعلاً في استعادة الكميات التصديرية تدريجياً. 

48 ساعة من التصعيد والتراجع والتلميح والنفي، وهو نمط يعرفه جيداً من تابع المفاوضات النفطية عن كثب. التهديد أدى وظيفته جزئياً، وانتُزع اعتراف بـ”الظروف الاستثنائية” في وقت قياسي. لكن اللافت حقاً ليس ما حدث داخل أوبك، فهناك خيطٌ آخر يسري في عمق المشهد، يمتد من بغداد إلى واشنطن. 

فقبيل لقائه المرتقب بالرئيس الأمريكي في منتصف تموز، أعلن الزيدي تخصيص نصف مليون برميل من النفط العراقي للسوق الأمريكية؛ لتعويض النقص في الاحتياطي الأمريكي جراء اضطرابات الحرب. هذه الحركة لا تُقرأ معزولةً عن التلميح بمغادرة أوبك، فإدارة ترامب رحّبت بانسحاب الإمارات، وتاريخياً لا تخفي واشنطن ارتياحها لأي إضعاف لمنظمة تعتبرها أداةً لرفع أسعار النفط على المستهلك الأمريكي. فأصبحت بغداد اليوم تلعب بورقتين في وقت واحد: الضغط على أوبك من الداخل، والتقرب من واشنطن من الخارج. 

الأرقام تكشف حجم مغامرة الانسحاب 

لفهم حجم المخاطرة التي ينطوي عليها الانسحاب من أوبك يكفي النظر إلى رقم واحد: 84 دولاراً للبرميل. هذا هو الحد الأدنى الذي يحتاجه العراق لتحقيق التوازن في موازنته العامة وفق تقديرات صندوق النقد الدولي، وهو رقم لم يقترب منه سعر النفط منذ أشهر (باستثناء أشهر الحرب التي انخفضت خلالها صادرات العراق حتى توقفت تقريباً). فكيف يكون الوضع حين تنفجر حرب أسعار في سوق مفتوحة؟ 

التاريخ القريب يملك الإجابة. في آذار 2020، حين رفضت روسيا التنسيق مع أوبك في خفض الإنتاج، ردّت المملكة العربية السعودية برفع طاقتها الإنتاجية دفعةً واحدة من 9.7 ملايين برميل يومياً إلى 12.3 مليون برميل، فانهارت أسعار النفط بنسبة 65 بالمئة في ربع واحد فقط، ووصل سعر العقود الآجلة الأمريكية في لحظة تاريخية إلى ما دون الصفر. صمدت روسيا ثلاثة أشهر قبل أن تعود إلى طاولة التفاوض، لكنها صمدت لأنها تمتلك صندوق ثروة سيادياً تجاوزت قيمته 150 مليار دولار، وإيرادات غير نفطية تُشكّل نصف موازنتها. العراق لا يملك أياً من هذين الرصيدين. 

يتجسد الاعتماد العراقي على النفط يومياً في رواتب 4.5 ملايين موظف حكومي و2.9 مليون متقاعد، فضلاً عن غالبية المواطنين الذين يعتمدون على البطاقة التموينية المموّلة من الخزينة ذاتها. إيرادات النفط تُشكّل أكثر من 90 بالمئة من الموازنة العامة، وأي انخفاض في السعر ينعكس فوراً على قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الأساسية. وقد كشفت بيانات الموازنة الحالية عن فجوة مالية قدرها 24 تريليون دينار بين الإيرادات والنفقات، في ظل أسعار نفط لم تبلغ بعد مستوى التعادل المطلوب. 

والأشد وطأةً هو الواقع الإنتاجي الراهن. فقبل اندلاع الأزمة مع إيران كان العراق يُصدّر نحو 3.4 ملايين برميل يومياً عبر موانئه الجنوبية، يمر 90 بالمئة منها عبر مضيق هرمز. لكن حين أُغلق المضيق لأكثر من أربعة أشهر تهاوى الإنتاج من 4.3 ملايين برميل يومياً إلى ما دون 1.9 مليون برميل في آذار الماضي؛ أي إن العراق خسر أكثر من نصف طاقته الإنتاجية في أسابيع. وبينما تعافت بعض المؤشرات عقب توقيع مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن، لا تزال الجراح الهيكلية في البنية التحتية النفطية طازجة. 

في هذا السياق، يصبح التحذير الذي أطلقه الباحث منقذ داغر، ووزير النفط الأسبق جبار اللعيبي، ورئيس الوزراء الأسبق عادل عبد المهدي -على تفاوت منطلقاتهم- في خلاصته: العراق اليوم ليس في موقع من يستطيع أن يخوض حرب أسعار. فالدولة التي تقترض من بنوكها الحكومية لدفع الرواتب الشهرية لا تملك ترف المواجهة مع كبار المنتجين في سوق مفتوحة، وما بدا قراراً جريئاً قد يتحول في لحظة واحدة إلى كارثة اقتصادية ذاتية الإشعال. 

الفرصة التي لا يراها أحد 

وسط ضجيج التهديد بالانسحاب والردود المتسارعة، غابت عن معظم التحليلات نقطة جوهرية أشار إليها وزير النفط الأسبق جبار اللعيبي، وهي أن انسحاب الإمارات من أوبك في أيار 2026 لم يُضعف العراق داخل المنظمة، إنما فتح أمامه نافذة استراتيجية نادرة لم تتح له من قبل. 

الإمارات كانت ثالث أكبر منتج داخل أوبك، وكانت حصتها الإنتاجية المقررة تبلغ 3.2 ملايين برميل يومياً ضمن اتفاق أوبك+، في حين كانت طاقتها الإنتاجية الفعلية تصل إلى 4.85 ملايين برميل يومياً، وهو التناقض الذي دفعها في نهاية المطاف إلى الخروج بحثاً عن مرونة أكبر. خروجها أحدث فراغاً حقيقياً في هيكل المنظمة، فراغاً لا يُملأ بالتمني بل بالتفاوض المدروس. 

والعراق هو المرشح الطبيعي الأول لاستيعاب جزء من هذا الفراغ؛ لسبب موضوعي بسيط وهو أنه يمتلك ثاني أكبر احتياطي نفطي بين أعضاء أوبك بعد السعودية، إذ تبلغ احتياطياته المؤكدة أكثر من 145 مليار برميل وفق بيانات 2025، ما يجعله المرجع الأول حين يُعاد رسم خارطة الحصص داخل المنظمة. ومنطق التوزيع العادل يقول إن من يملك الاحتياطي الأكبر يستحق الحصة الأعلى. 

والتوقيت هنا حاسم. فأوبك أطلقت بالفعل عملية مراجعة شاملة للطاقات الإنتاجية المستدامة لكل دولة عضو، بالتنسيق مع شركة استشارية دولية مستقلة، ومن المقرر الانتهاء منها قبل نهاية عام 2026 لتُستخدم أساساً في تحديد مستهدفات الإنتاج لعام 2027. هذه المراجعة هي النافذة الحقيقية التي يجب على بغداد أن تستثمرها؛ لأنها تمنح العراق مسوّغاً فنياً وقانونياً لطلب حصة أعلى، مدعوماً بأرقام الاحتياطي والطاقة الإنتاجية الفعلية لا بالضغط السياسي وحده. 

والمفارقة هنا أن التهديد بالانسحاب قد يُضعف الموقف العراقي في هذه المراجعة تحديداً. فالدول التي تُقدّم نفسها شريكاً غير موثوق أو رأساً للانشقاق داخل التحالف لا تحصل عادةً على أفضل الشروط على طاولة التفاوض. المنظمة تمنح المزيد لمن يُثبت التزامه، لا لمن يلوّح بالخروج ثم يتراجع في اليوم التالي. 

ثمة فرصة أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في بناء تحالف داخلي في أوبك مع الدول التي تشعر هي الأخرى بأن حصصها لا تعكس طاقتها الفعلية، ونيجيريا والكويت وليبيا نماذج واضحة على ذلك. فبدلاً من التهديد المنفرد الذي يعزل بغداد، يمكن لتكتل من المنتجين المتضررين أن يُشكّل ثقلاً تفاوضياً حقيقياً يصعب تجاهله، في مراجعة مقررة أصلاً ومؤطرة فنياً. 

ما الذي يجب على العراق فعله؟ 

إذا كانت المعطيات السابقة تُجمع على أن الانسحاب من أوبك خيار مكلف لا تتحمله بغداد في ظروفها الراهنة، فالسؤال الأجدى هو “ما الاستراتيجية التي تُحقق للعراق مكاسب حقيقية دون أن تُعرّضه لمخاطر لا طاقة له بها؟” 

الجواب يبدأ من واشنطن لا من فيينا. 

زيارة الزيدي المرتقبة التي سيلتقي فيها ترامب في منتصف تموز تمثل فرصة دبلوماسية استثنائية، شرط أن تُوظَّف بذكاء. وتخصيص نصف مليون برميل للسوق الأمريكية خطوة بالاتجاه المضمون؛ لأنها تضع العراق في موقع الشريك النفطي الموثوق لا الخصم. لكن المطلوب أبعد من مجرد صفقة تجارية، المطلوب أن تستخدم بغداد الثقل الأمريكي دعماً لمطالبها داخل أوبك، لا بديلاً عنها. واشنطن لديها نفوذ واسع في معادلات الطاقة العالمية، وحين تُبدي إدارة ترامب دعمها لزيادة إنتاج العراق داخل المنظمة يتحول الملف من خلاف ثنائي بين بغداد وأوبك إلى ضغط دولي منسّق لا يمكن تجاهله. 

في الوقت ذاته، لا يمكن لأي استراتيجية نفطية أن تنجح دون معالجة الهشاشة الهيكلية التي تجعل العراق رهين ممر مائي واحد. فتطوير مسارات تصدير بديلة -كخط الأنابيب نحو ميناء بانياس السوري الذي بدأ العراق فعلاً بتصدير الوقود عبره بالناقلات الحوضية، أو الربط مع الأردن نحو البحر الأحمر- ليس ترفاً استراتيجياً إنما ضرورة وجودية. فالقدرة التفاوضية داخل أوبك ترتبط ارتباطاً مباشراً بقدرة الإنتاج والتصدير الفعلية، ومن لا يملك منفذاً بديلاً لا يملك ورقة ضغط حقيقية. 

خلاصة المشهد أن العراق يحتاج إلى استراتيجية نفطية متعددة المسارات ترتكز على التفاوض الفني داخل أوبك بأدوات موضوعية، والدعم الدبلوماسي الأمريكي كرافعة خارجية، وبناء تحالف مع المنتجين المتضررين لتكوين ثقلٍ جماعي، وتنويع مسارات التصدير لتوفير ضمانة هيكلية. أما التهديد بالانسحاب المنفرد فهو أداة تستنزف الرصيد التفاوضي لبغداد دون أن تُضيف إليه شيئاً. 

إن الرهان الحقيقي لبغداد ليس في الخروج من المنظمة، إنما في انتزاع حصة عادلة داخلها بأسعار مناسبة لا منهارة، حصة تعكس 145 مليار برميل من الاحتياطيات المؤكدة، وعقوداً من الحرمان القسري من الإنتاج، وأضراراً موثقة ألحقتها ظروف استثنائية لم تكن يوماً من صنع بغداد. هذا المطلب مشروع ويُمكن الدفاع عنه بالأرقام والحجج الفنية، وأوبك نفسها أقرّت ضمنياً بذلك حين أطلقت مراجعتها الشاملة للطاقات الإنتاجية. 

القرارات المصيرية التي تُتخذ تحت ضغط الأزمة نادراً ما تكون هي القرارات الصحيحة. والعراق الذي صمد في وجه تحديات أكبر من هذه يستحق استراتيجية نفطية بعيدة المدى، لا تهديداً يُثير الأسواق اليوم ويُنسى غداً. 

  • تُنشر المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية “نيريج”. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

كاتب عراقي.