حماسة البداية ووهم الإنجاز.. لماذا يبدأ العراق من الصفر في كل مرة؟ 

كل حكومة تعلن بداية جديدة.. لكن أين تذهب البدايات السابقة؟ يتتبع هذا المقال كيف تتحول المشاريع المتعثرة والأزمات المتكررة إلى إنجازات جديدة، فيما تضيع الذاكرة المؤسسية بين الحكومات.

لميس جورجلميس جورج | 21 حزيران 2026

الأزمات تبدو مألوفة في العراق، وتُستعاد من ذاكرة قريبة دون تعديل جوهري. من أزمة الكهرباء التي تتكرر كل صيف، إلى وعود الإصلاح التي تتشابه في كل بيان حكومي، يعيش العراقي إحساساً غريباً، إذ يعيش مشاهد سبق أن عاشها، لكن هذا التكرار لا يقتصر على الأزمات فقط، بل يمتدّ إلى طريقة إدارة وتقديم “الإنجاز”.  

ففي كثير من الأحيان يُعاد تقديم تجارب ومشاريع قديمة على أنها مواليد جديدة، حتى إن كانت قد بدأت قبل سنوات، أو في ظل حكومة مختلفة. مثال ذلك مشاريع البنية التحتية الكبرى، التي غالباً ما تمتد عبر أكثر من دورة حكومية.  

مشروع ميناء الفاو الكبير، الذي طُرح منذ سنوات طويلة، شهد مراحل متقطعة من التوقف والاستئناف، قبل أن يُعاد تقديمه في كل مرة بوصفه إنجازاً راهناً للحكومة القائمة، مع أن جذوره تعود إلى حكومات سابقة، وخططه وُضعت منذ أكثر من عقد. ورغم أن المشروع امتدّ عبر أكثر من حكومة، فغالباً ما يُقدَّم في الخطاب السياسي بوصفه إنجازاً جديداً، لا نتيجة مسار طويل من التخطيط والتعثر. 

الأمر نفسه يتكرر في قطاع الطاقة. مشاريع الربط الكهربائي، سواء مع دول الجوار أو ضمن خطط تطوير الشبكة الوطنية، تُعلَن أكثر من مرة وتتأخر لسنوات، ثم تعود لتُطرَح كاختراق جديد، رغم أنها امتداد لسياسات ومفاوضات بدأت في حكومات سابقة. 

حتى في المشاريع الخدمية داخل المدن، مثل إنشاء المستشفيات أو شبكات الطرق، يمكن تتبع نمط مشابه، إذ يوضع حجر أساس في حكومة، فيتوقف أو يتباطأ في حكومة لاحقة، ثم يقام افتتاح احتفالي في حكومة ثالثة، دون إشارة واضحة إلى التسلسل الكامل للمشروع. وهنا، لا يُمحى الفشل والفساد والهدر الذي مر به المشروع فحسب، بل يُعاد تشكيل الذاكرة بحيث يبدو كل إنجاز وكأنه منفصل عن سياقه. 

وذلك يمثّل مشكلة مؤسساتية، فحين لا تتوفّر ذاكرة مؤسسية واضحة لأي مشروع فمن الممكن عندها للمشروع أن يُنسب لمن يعلِن عنه، وحتماً لن يُذكَر من أخّره وعطّله وتسبب بإهدار المال العام فيه. وهكذا، تتحول التجربة من عملية تراكمية إلى مادة لإعادة التسويق السياسي. 

المشكلة الأعمق هنا أن هذا النمط لا يسمح بتقييم حقيقي للأداء. فإذا لم يُعترف بأن مشروعاً ما تأخر لسنوات، أو أنه مرّ بمراحل تعثر، فلن يكون هناك دافع لمعالجة أسباب هذا التعثر. وإذا لم يُنسب العمل إلى سياقه الكامل فلن يكون هناك فهم دقيق لحقيقة النجاح أو الفشل.  

في ملف الكهرباء، مثلاً، لا يمكن فصل الخطط الحالية عن عقود من السياسات المتراكمة، التي شملت استيراد الطاقة، ومحاولات تطوير الإنتاج المحلي، ومشاريع لم تكتمل في ظل ظروف أمنية وسياسية عصيبة. ومع ذلك، غالباً ما تُطرح كل خطة جديدة وكأنها بداية الحل، دون مراجعة جدّية لما سبقها.  

السؤال هنا ليس فقط “لماذا تتأخر المشاريع؟” بل “لماذا لا يُعترف بتأخّرها كجزء من التجربة؟” و”لماذا لا يتحول هذا التأخّر إلى درس يُبنى عليه؟”  

جزء من الإجابة يرتبط بطبيعة النظام السياسي، حيث يصبح الإنجاز أداة للتنافس بين القوى أكثر منه نتيجة لعمل تراكمي مشترك. في هذا السياق، ليس من مصلحة أيّ طرف أن يسلّط الضوء على دور من سبقه، أو أن يعترف بأن ما يقدمه اليوم هو امتداد لما بدأه غيره.  

إلى جانب ذلك، يسهم غياب الشفافية في تعميق هذه المشكلة؛ فالمعلومات المتعلقة بالمشاريع، من حيث الكلفة، والمدة الزمنية، ومراحل التنفيذ، لا تكون دائماً متاحة بشكل واضح، وهذا الغموض يسمح بإعادة صياغة القصة أكثر من مرة وفقاً للحاجة السياسية.  

في المقابل، يحتفظ المواطن بذاكرة مختلفة، ذاكرة مليئة بالوعود الكاذبة والفساد والتأخير وضعف الجودة، ويلاحظ التناقض بين الإعلان والواقع. لكنه، في كثير من الأحيان، لا يمتلك الأدوات التي تمكّنه من تتبع التفاصيل أو محاسبة المسؤولين بشكل فعال. وهكذا، تبقى الذاكرة الشعبية حاضرة، لكنها غير قادرة على فرض نفسها كمرجع في السرد الرسمي. 

الدول التي تنجح لا تخلو من الأخطاء أو التأخير، لكنها تمتلك القدرة على توثيق تجربتها، والاعتراف بمسارها الكامل، بكل ما فيه من نجاح وإخفاق. وفي هذه الدول، لا يُحتفل بافتتاح المشروع فقط، بل يُفهم كعملية بدأت بفكرة، ومرت بمراحل، وتعلمت من عثراتها.  

أما في العراق، فغالباً ما يُختزل كل ذلك في لحظة الإعلان أو الافتتاح، فيُقدَّم “افتتاح المشروع” كحدث منفصل، لا كجزء من مسار طويل. وبهذا، لا تضيع فرصة التعلم فقط، بل يُعاد إنتاج وهم أن كل بداية جديدة يمكن أن تنجح بمعزل عما سبقها. 

المشكلة في جوهرها ليست في قلة المشاريع، ولا حتى في تأخّرها، بل في غياب القدرة على تحويل هذا المسار المتعثر إلى معرفة. وفي هذا الإطار، يُصبح إصلاح طريقة التعامل مع التاريخ الإداري ضرورة. فتوثيق المراحل، والاعتراف بالأخطاء، وربط كل إنجاز بسياقه الزمني، هي شروط أساسية لبناء ثقة حقيقية بين الدولة والمجتمع.  

ولا تقتصر آثار هذا النمط على المجال السياسي أو على علاقة الدولة بمواطنيها، بل تمتد إلى الطريقة التي تنظر بها المؤسسات الدولية إلى العراق نفسه. فحين تغيب الذاكرة المؤسسية، ويصبح كل مشروع أو خطة اقتصادية معزولاً عن سياقه السابق، يصعب بناء صورة مستقرة عن اتجاه الدولة وقدرتها على إدارة الأزمات وتراكم الخبرات. 

وفي هذا السياق، جاء قرار وكالة “موديز” بخفض النظرة المستقبلية للعراق من مستقرة إلى سلبية. فالوكالة لم تتحدث عن أزمة مالية آنية فحسب، بل أشارت إلى مجموعة من المخاطر المتراكمة المرتبطة بالحرب الإقليمية، واضطراب صادرات النفط، والضغوط التي تواجه المالية العامة. وفي مثل هذه التقييمات، لا تُقاس دولة مثل العراق بحجم مواردها، بل بقدرتها على إدارة تلك الموارد والتعامل مع الصدمات بصورة يمكن التنبؤ بها. 

فحين تُخفض النظرة المستقبلية رغم بقاء التصنيف نفسه، فإن الرسالة لا تتعلق بالحاضر فقط، وإنما بمستوى الثقة في إدارة المستقبل، وأثر هذا التصنيف لا ينعكس على السمعة المالية للدولة وحدها، بل على كلفة الاقتراض، وجاذبية الاستثمار، وقدرة العراق على الحصول على التمويل بشروط أفضل. 

وهنا تتقاطع ملاحظات المؤسسات الدولية مع المشكلة التي تظهر داخل العراق نفسه. فالدولة التي تجد صعوبة في توثيق مسار مشاريعها، والاعتراف بمراحل تعثرها، تجد صعوبة مماثلة في بناء سردية اقتصادية متماسكة ومقنعة حول المستقبل. ولذلك لا تبدو المشكلة مرتبطة بندرة الموارد أو قلة المشاريع بقدر ارتباطها بضعف القدرة على تحويل التجارب المتراكمة، بما فيها الإخفاقات، إلى معرفة مؤسسية وسياسات أكثر استقراراً. 

  • تُنشر المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية “نيريج”. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

صحافية عراقية مقيمة في أستراليا، حاصلة على بكالوريوس إعلام من جامعة بغداد. تكتب التحقيقات والتقارير والمحتوى التحليلي، وتهتم بالقضايا الاجتماعية والثقافية وحقوق الإنسان.