“شنو قيمة البيت إذا مابيه مي؟”.. عن العطش في سنجار

"رجعنا حتى نبتدي من جديد ونحس بأمان، بس منو يتخيل حياة بلا مي؟" مقال عن معاناة أهالي سنجار من العطش والجفاف، فالمياه لا تصل إلى الأهالي رغم اكتمال شبكات التوزيع..

ليث حسينليث حسين | 11 آب 2026

يقف بركات خضر (38 عاماً) أمام باب بيته في حي آزادي بقضاء سنجار، حرارة الشمس تلفح وجهه، والغبار يتسلل من الأزقة. يقول وهو يرفع يديه مشيراً إلى صهريج المياه: “هاي المي نشتريها، نشتري كل أسبوع بخمسين ألف، وإحنا نكرف ونتدين حتى نكمل الشهر”. 

بركات واحد من مئات العائدين إلى حي آزادي في سنجار بعد سنوات من النزوح، قبل سنتين عاد مع عائلته أملاً في أن يبدأ حياة جديدة، لكن الحياة هنا بدت كأنها توقفت، وكأن الزمان نسي هذه الأحياء. 

يضيف: “من رجعنا سمعنا إنو خلص مشروع مي، وركبوا شبكة، وجابوا أنابيب، وشوهدت صهاريج كبيرة تشتغل. قلنا الحمد لله، أخيراً راح توصل المي للبيوت، ونرتاح من تعب الماي، بس للأسف، من يومها ولحد الآن، ما جانا من هاي الشبكة غير اسمها”. 

بركات يشير بيده نحو أحد الشوارع الفرعية حيث تمتد الأنابيب تحت الأرض، يقول: “الناس تشوف الشبكة موجودة، بس لا أحد يعرف إذا مربوطة فعلاً أو بس دفنوها والسلام، إحنا أصحاب البيوت نفتح الحنفية نسمع صوت هوا لا أكثر، كأن المي بس حلم أو سراب”. 

في فصل الصيف تصبح الحياة بلا ماء أكثر قسوة، يؤكد بركات: “الحر يشوي، وكلشي تحتاجه مي، الغسيل، الطبخ، الشرب، الاستحمام، ومع ذلك ماكو مي، ونعيش على الشراء، يعني لازم أحسب ألف حساب قبل ما أغسل أو أطبخ؛ لأن صهريج المي ما يوفي أسبوع، وبسعره نكدر نشتري خضرة ولحم، بس مجبورين”. 

حين يُسأل عن الحلول أو الوعود التي قُدمت للأهالي يبتسم بركات بمرارة ويوضح: “كل كم شهر يجينا وعد، يقولون الشبكة راح تشتغل قريباً، راح نكمل الربط، بس انتظروا شوية. بس هاي الشوية صارت سنوات من التعب والانتظار، المسؤولين يجون وقت الانتخابات”. 

بركات يشعر أن المشكلة أكثر من مجرد خدمات، ويقول بنبرة غاضبة ممزوجة بالحزن: “اللي ما عنده مي شنو راح يملك؟ يعني شنو قيمة البيت إذا ما بيه مي؟ إحنا نحاول نعيش، نرجع، نزرع، نبني، بس منو يساعدنا؟ التهميش مو بس فقر، التهميش وجع مستمر، كأنك ما موجود، كأنك شبح ساكن بمنطقة ما محسوبة”. 

لا تبدو أزمة المياه في سنجار خللاً خدمياً طارئاً، بل أزمة مزمنة تتداخل فيها آثار الجفاف، وتهالك البنية التحتية، والتلكؤ الإداري في تنفيذ المشاريع الحيوية. فبعد نحو عشر سنوات من عودة النازحين ما تزال سنجار تعيش العطش. 

“المي أغلى من كل شي.. وإحنا نشتري العيشة بالقطّارة”

في أحد أزقة حي ويران شار، تجلس أحلام حسن (41 عاماً) على عتبة دارها، تمسح العرق عن جبينها بمنديل قديم، وتقول بصوت متعب: “من رجعنا لهالحي قبل ثلاث سنين وأنا كل يوم أعيش حرب مع المي، نكضيها نركض ورا الصهاريج ونحسب الصطل كم لتر يكفي للطبخ والغسل، وكلشي محسوب علينا”. 

أحلام نزحت مع عائلتها لسنوات، وعادت إلى حيّها بعدما ظنت أن العودة تعني حياة، لكن الحياة التي وجدتها في ويران شار لا تشبه الحلم الذي كانت تبنيه كل يوم في النزوح. 

صهاريج تبيع المياه الصالحة للشرب في مدينة سنجار، مصدر الصورة: الكاتب. 

تضيف أحلام: “رجعنا حتى نبتدي من جديد، نبني بيت، نفتح باب ونحس بأمان، بس منو يتخيل حياة بلا مي؟ حتى هاي البداية ما نكدر نعيشها صح”. 

تكمل وهي تشير إلى بيتها: “أغسل ملابس أطفالي بصطلين مي، وأبقي أدوّر كيف أخلّي شرب، وغسل، وطباخ بنفس الوقت، يعني نشتري المي كل أسبوع بأكثر من خمسين ألف دينار، إنت تتخيل بيت بيه خمس نفوس بلا مي؟” 

الضغط المالي الذي تسببه كلفة شراء الماء يثقل كاهل العائلات الفقيرة هنا، والوعود الحكومية لم تُحدث أي تغيير في الواقع، تتابع: “كل مرة نسمع: قريباً راح تشتغل الشبكة، قريباً راح تتغير الأمور، بس هذا القريب صار بعيد، وبكل صيف نحس إن إحنا نُعاقب لأنّا رجعنا”. 

في خضم هذا الفراغ الخدمي، تسجل الإحصاءات تراجعاً كبيراً في إنتاج المياه في مناطق حيوية، مثل كولا سوركان، التي كانت تُغذي أكثر من 70 بالمئة من سكان سنجار، ولم يتبقَ منها اليوم سوى بئر واحدة تعمل بشكل محدود، بعد أن جفّت أربع آبار بالكامل نتيجة شح الأمطار وتغيرات المناخ. 

الجفاف وأزمات التمويل 

تتزايد التساؤلات حول خطط الطوارئ الموضوعة للمنطقة، وأين ذهبت الأموال المخصصة لهذه الخطة، ولماذا تُركت أحياء كاملة بلا ماء رغم اكتمال الشبكات؟ 

في حديث لجمّار، أكد مهدي قاسم، مدير دائرة مياه سنجار، أن أزمة المياه التي تعاني منها سنجار وصلت إلى مستويات خطيرة، خصوصاً في ظل استمرار الجفاف ونقص التمويل، ما انعكس مباشرةً على حياة السكان في عدد من الأحياء، لا سيما حي آزادي وحي ويران شار، اللذين وصفهما بـ”الأكثر تضرراً على الإطلاق”، إذ لم تصلهما المياه منذ عودة الأهالي، رغم استكمال شبكة التوزيع داخلهما. 

وأوضح قاسم أن “الشبكة الداخلية للمياه في حي آزادي وحي ويران شار قد اكتملت فعلياً، إلا أن ضخ المياه متوقف بالكامل لسببين رئيسيين: الأول هو عدم توفر المياه الكافية من الآبار المغذية، والثاني هو تأخر صرف الأموال المخصصة لإعادة تأهيل تلك الآبار، رغم المطالبات المتكررة”. 

وأضاف: “رفعنا المشكلة إلى الجهات المعنية، وتم تخصيص مبلغ قدره 629 مليون دينار عراقي لمعالجة أزمة المياه في هذين الحيَّين، لكننا لم نستلم المبلغ، وهناك ذرائع إدارية تتعلق بكون الأرض غير مملوكة رسمياً لمديرية المياه، رغم أن البنية التحتية الخاصة بها تعود إلى أكثر من 11 عاماً، أي قبل دخول تنظيم داعش الإرهابي إلى المنطقة”. 

خزان مياه عاطل في مجمع حطين شمال سنجار بسبب حرب داعش، مصدر الصورة: الكاتب. 

وعن وضع المياه في بقية أحياء سنجار، أشار مدير الدائرة إلى أن حي روزهلات كان يحتوي على أربع آبار رئيسية، “لكن اليوم لم يتبقَ منها سوى بئرين فقط، وهذا لا يكفي لتغطية الحاجة الفعلية للسكان”. 

أما حيّا قادسية ونوروز، فهما يحتويان على بئرين نشطتين، لكن “المستوى المائي لا يلبّي الحد الأدنى من الطلب”، بحسب قوله. 
وأشار قاسم إلى أن الكارثة الكبرى تتعلق بمنطقة كولا سوركان، التي كانت تُعدّ المصدر الرئيسي للمياه في سنجار، حيث اعتمد عليها أكثر من 70 بالمئة من السكان. 

قبل سنوات، كانت كولا سوركان تحتوي على خمس آبار نشطة، أما اليوم فلا يعمل منها سوى بئر واحدة فقط، الجفاف أثّر بشدة على المنطقة، وأدى إلى توقف شبه كامل للضخ، مما فاقم الأزمة بشكل غير مسبوق. 

وحول حي النصر، أوضح قاسم أن المشكلة هناك “تتفاقم يوماً بعد يوم”، لكنه أكد أن الأمل لا يزال قائماً بسبب استمرار تشغيل أربع آبار هناك، وهي تعمل حالياً بشكل مقبول نسبياً، مع وجود خطة لتحسين كفاءتها. 

وفي ختام حديثه أكد رفع تقارير مفصلة إلى محافظة نينوى، مرفقة بالمقترحات الفنية والحلول العاجلة المطلوبة، لكن لم تصل أي استجابة رسمية.  

السكان يعانون، والدائرة تعمل بالإمكانيات المتاحة، لكن بدون تمويل واستجابة سريعة من الجهات العليا تبقى الأزمة مرشحة للتصاعد. 

لا تقتصر أزمة المياه في سنجار على أحيائها الحضرية فحسب، بل تمتد بأذرعها إلى القرى والمجمعات السكنية المنتشرة شمال وجنوب القضاء، حيث تتضاعف المعاناة مع غياب المشاريع التنموية وتهالك البنى التحتية الأساسية.  

في هذه المناطق، غالباً ما يتحول الماء إلى عبء يومي تفرضه الجغرافيا والنسيان الإداري، فالعديد من العائلات يعتمد على الشراء المنتظم لصهاريج المياه الصالحة للشرب؛ بسبب ملوحة المياه الواصلة من الشبكات المحلية أو عدم صلاحيتها للاستهلاك البشري.  

وبينما تسجل بعض القرى نسب وصول منخفضة جداً، تعيش مجمعات بأكملها منذ عقود دون أن تتذوق قطرة من ماء نقي يخرج من “حنفية”. 

بيانات دولية عن سنجار وجفافها 

تشير تحليلات أممية ومحلية إلى أن نينوى الغربية، وفيها قضاء سنجار، من أكثر المناطق العراقية تضرراً من التغير المناخي، مع تراجع ملحوظ في معدلات هطول الأمطار خلال السنوات الماضية، الأمر الذي أدى إلى انخفاض مناسيب المياه الجوفية وجفاف عدد من الآبار. 

وبحسب تقارير منظمات دولية، من بينها FAO، فإن قضاء سنجار يواجه شحاً مائياً حاداً؛ نتيجة الاعتماد شبه الكلي على مصادر مياه غير مستدامة، وسط غياب مشاريع فعالة لحصاد المياه أو تطوير البنية التحتية. 

تقرير للبنك الدولي عام 2022 أشار إلى أن أكثر من 60 بالمئة من سكان المناطق الهامشية في نينوى لا يحصلون على مياه شرب منتظمة، في ظل تدهور شبكات التوزيع وتراجع كفاءة الآبار، مع تصنيف مناطق مثل سنجار ضمن أولويات التدخل. 

أما برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) فيحذر من آثار ارتفاع درجات الحرارة في العراق، حيث تسارعت وتيرة التبخر ونقص التغذية الجوفية، ما يُفاقم أزمة المياه في مناطق مثل كولا سوركان ودوكري. 

وتُظهر بيانات المجلس النرويجي للاجئين (NRC) أن أكثر من 74 بالمئة من الأسر العائدة إلى سنجار بين 2020 و2023 لا تمتلك وصولاً يومياً أو منتظماً لمياه الشرب، ما يجعلها تعتمد على صهاريج مكلفة تُثقل ميزانياتها وتؤثر في أمنها الغذائي. 

حلم وصول المياه إلى “الحنفية” 

وسط حرارة الصيف اللاهبة في مجمع دوكري، شمال قضاء سنجار، يقف عيسى قاسم (28 عاماً) أمام خزان الماء البلاستيكي في حوش منزله، يملأه بصبر من صهريج صغير جاء تواً إلى الحي، يقول: “من يوم وعينا وإحنا نشتري المي، هذا مو شي جديد علينا، آباءنا من سكنوا المجمع سنة 1975 وهم يشترون مي الشرب، وإحنا كملنا الطريق بعدهم وما تغير شي”. 

أحد سكان سنجار يعبئ خزان المياه على سطح منزله، مصدر الصورة: الكاتب.

في دوكري، كما في عشرات القرى والمجمعات التابعة لسنجار، لا تتوقف أزمة المياه عند الانقطاع، بل تتجاوزها إلى غياب الصلاحية، يشرح قاسم لجمار: “بعض الشوارع يجيها مي من الشبكة، بس المي مالح أو مُرّ ما ينشرب، يعني حتى لو توفر ما ينفع. لازم كل يومين تقريباً نشتري صهريج للمي الصالح للشرب، وهذا يكلّفنا حوالي 15 ألف دينار، خصوصاً بالصيف لما يخلص المي بسرعة”. 

تتكرر معاناة السكان في سنجار بسبب المياه التي لا تصل، وإن وصلت فهي غير صالحة للشرب، وبسبب الوعود التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ، وبين صمت الجهات المعنية وتأخر المعالجات، تترسخ القناعة بين السكان بأن المشكلة أكبر من مجرد خلل في الشبكات، إنها انعكاس مباشر لأزمة مناخية مركبة تتسع رقعتها عاماً بعد آخر. 

تبدو الملامح الأولى لـ”هجرة مناخية” تلوح في الأفق، حيث يهدد الجفاف بإعادة إنتاج النزوح، ولكن هذه المرة ليس نتيجة صراع أو احتلال، بل بسبب ندرة الموارد الطبيعية وغياب مشاريع الحصاد المائي والاستجابة السريعة. 

سنجار مهددة بهجرة مناخية  

في ظل تصاعد أزمة المياه وشح الموارد المائية في سنجار، حذّر علي عمر، معاون محافظ نينوى، من تداعيات بيئية واجتماعية خطيرة تهدد مستقبل المنطقة وسكانها، مؤكداً أن سنجار تُعدّ واحدة من أكثر المناطق تضرراً من التغيّرات المناخية في محافظة نينوى، وأن الأزمة باتت تُشكّل “صداعاً دائماً” لدى الإدارة المحلية. 

وأوضح عمر أن قضاء سنجار يعتمد بشكل كامل على المياه الجوفية من الآبار الارتوازية، بعكس مناطق أخرى في نينوى تتغذى من الأنهار أو المشاريع الحكومية الكبرى.  

يقول لجمّار إنّ انخفاض منسوب المياه الجوفية، إلى جانب شح الأمطار والتغيرات المناخية المتسارعة، أدّى إلى خروج عدد كبير من الآبار عن الخدمة، وهو ما عمّق الأزمة ووسع رقعتها في المدينة والقرى المحيطة بها. 

وكشف عمر عن أن المحافظة عقدت عدة اجتماعات رسمية مع المنظمات الدولية من أجل إيجاد حلول مستدامة، مشيراً إلى أن منظمة UNOPS قدّمت برنامجاً يتضمن حفر عشر آبار جديدة في قضاء سنجار ضمن خطة استجابة طارئة، لكنّ الإجراءات التنفيذية، كما يبدو، لا تزال في مراحلها الأولى. 

وفي رسالة تحذيرية قال معاون المحافظ إن التحرك السريع يجب أن يحدث لإيجاد حلول حقيقية وجذرية؛ لأن سنجار قد تشهد هجرة عكسية بسبب المناخ لا بسبب الإرهاب هذه المرة. 

وفق تقديرات غير رسمية، فإن إجمالي الأمطار في سنجار لعام 2026 تجاوز 500 ملم، لكن شح المياه لم يتغير، ولم تُستثمر الأمطار بالطريقة الصحيحة، ليبقى العطش والجفاف يلاحقان سنجار وسكانها.  

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

ليث حسين، صحفي عراقي عمل مع مؤسسات صحفية عربية ودولية، وتركز كتاباته على قضاء سنجار وما يشهده من تحولات.
بمشاركة