في أول جلسة لحكومته، استعار رئيس الوزراء علي الزيدي واحدة من أكثر العبارات السياسية تداولاً في العقود الأخيرة، وهي منسوبة إلى أنطونيو غرامشي، المفكر الإيطالي الذي اشتهر بتحليلاته عن الهيمنة والسلطة، وكتب أبرز أعماله من داخل السجن في عهد موسوليني، عن عالم قديم يحتضر وآخر جديد يكافح من أجل الولادة. لكن المشكلة لم تكن في الاستعارة نفسها، بل في ما جرى حذفه منها، وفي الوجهة التي أُخذت إليها.
أمام وزرائه، قال الزيدي في كلمة وصفها الإعلام بـ”الغاضبة”: “إن الإصلاح الاقتصادي الحقيقي يبدأ من تغيير طريقة التفكير، لا من تغيير الوجوه”، مضيفاً أن العراق يعيش بين اقتصادين: “اقتصاد قديم يرفض أن يموت، واقتصاد حديث يرفض أن يولد”، قبل أن يعلن أن المرحلة المقبلة ستشهد التخلص من الاقتصاد القديم والانطلاق نحو “اقتصاد السوق”.
الجملة مألوفة بما يكفي لإثارة الانتباه؛ الإيقاع نفسه، والتوتر نفسه بين عالم يحتضر وآخر لم يولد بعد. لكن الاستعارة من صاحب “دفاتر السجن” تبقى ناقصة؛ فالعبارة الأشهر المرتبطة بغرامشي، والمتداولة على نطاق واسع في مواقع التواصل الاجتماعي كما في الأبحاث الأكاديمية، لا تتوقف عند هذا الحد، بل تضيف الجزء الأهم: “وفي هذا الفراغ تظهر الوحوش”.

حذف “الوحوش” من الحالة العراقية لا يُعد تفصيلاً بلاغياً؛ فالمشكلة لا تتعلق بالاقتباس نفسه فقط، بل بما أُريد له أن يحمله. فالعراق، اقتصادياً وسياسياً، لا يبدو قصة انتقال نظيف بين نموذجين واضحين، بل مساحة مكتظة بقوى هجينة، ومؤسسات نصف ميتة، ومصالح متضاربة، ودولة لا تعمل بوصفها دولة مكتملة الوظيفة، وسوق لا تعمل كسوق بالمعنى التقليدي.
والاقتصاد الذي يُقدَّم اليوم بوصفه نموذجاً قديماً يحتضر، ليس بنية مجهولة أو بعيدة عن الزيدي وطبقته التي تتحدث عن إصلاحه، بل هو النموذج نفسه الذي تشكّلت داخله شبكات النفوذ والأعمال والسلطة خلال العقدين الماضيين.
فالزيدي نفسه، الذي يحضّر لجنازة الاقتصاد، يُعد أحد أكثر الشخصيات المُعبِّرة عنه. فأقدم شركة مسجلة باسمه تعود إلى عام 2009، في السنوات التي شهدت توسعاً كبيراً في الاقتصاد المرتبط بالأحزاب بعد 2003، قبل أن يصعد من عالم التحويلات المالية عبر شركة “الجنوب للتحويل المالي”، التي تحولت لاحقاً إلى “مصرف الجنوب الإسلامي” عام 2016، برأسمال بدأ من 100 مليار دينار وقفز لاحقاً إلى أكثر من 510 مليارات، مع موجودات تجاوزت 906 مليارات دينار وفق تقارير المصرف.
وبالتوازي، توسعت شبكة أعماله لتشمل شركات في المقاولات والطاقة والغذاء والعقار والخدمات، بينها “الأويس” التي تحولت إلى شركة مساهمة خاصة برأسمال قدره 99 مليار دينار، و”العاصم للاستثمارات العقارية” بـ25 ملياراً، و”شركة التعاون الغذائي” (هايبرماركت) بـ15 ملياراً، إلى جانب شركات أخرى في الطاقة والنفط والصناعات والزراعة.
فالاقتصاد الذي يُقدَّم اليوم بوصفه نموذجاً محتضراً هو نفسه البيئة التي تشكّل داخلها صعود الزيدي، اقتصادياً أولاً ثم سياسياً. والمفارقة لا تتوقف عند الزيدي نفسه، بل تمتد إلى تركيبة حكومته، مع تسليم وزارة الكهرباء، وهي واحدة من أكثر مؤسسات الدولة ارتباطاً بالعقود والإنفاق العام منذ 2003، إلى علي وهيب، نجل أحد أبرز الأسماء المرتبطة بالشبكات الاقتصادية للأحزاب.

لكن المسألة ليست في توصيف هذا الاقتصاد بوصفه محتضراً، فهذه حقيقة يعرفها العراقيون منذ سنوات، بل في معنى إعلان الرغبة في دفنه، ومن سيتحمل كلفة ذلك؛ لأن هذا الاقتصاد، بكل تشوهاته البنيوية وريعيته وفساده، لا يرتبط فقط بالنخب السياسية والاقتصادية، بل بشبكة اجتماعية واسعة من الموظفين والمتقاعدين والعائلات والمواطنين الذين صار الإنفاق الحكومي، بشكل مباشر أو غير مباشر، جزءاً من بقائهم الاقتصادي اليومي.
وتصبح عبارة “اقتصاد السوق” أكثر التباساً مما تبدو عليه في الخطاب السياسي. فهذا ليس مفهوماً اقتصادياً جديداً في العراق، بل مصطلح تكرر على امتداد العقدين الماضيين، منذ السنوات الأولى التي أعقبت 2003، حين دخلت مفردات مثل الانفتاح الاقتصادي، والخصخصة، وتقليص دور الدولة إلى القاموس السياسي العراقي بوصفها لغة للتحديث والإصلاح.
لكن حضور هذه المفردات الطويل لم يُنتج تحولاً اقتصادياً حقيقياً، بقدر ما أنتج خليطاً غير محسوم بين دولة ريعية، وسوق مشوهة، وقطاع خاص يعتمد على عقود الوزارات.
والحال هذه، يصبح “اقتصاد السوق” عنواناً فضفاضاً أكثر منه سياسة واضحة المعالم. فقد يعني تقليص دور الدولة الاقتصادي، أو إعادة هيكلة القطاع العام، أو خصخصة تدريجية لمؤسسات الدولة وبيع أصولها، أو تحرير الدعم والأسعار. وقد يكون، ببساطة، إعادة تدوير لمفردات إصلاحية تكررت في العراق طوال العقدين الماضيين من دون أن تستقر على نموذج اقتصادي محدد.
والمعضلة لا تكمن فقط في الكلفة الاجتماعية لهذا التحول، وما قد يتركه من أثر على المجتمع ودخله وحياته اليومية، بل في البنية السياسية التي تعد به؛ لأن الاقتصاد العراقي الحالي ليس خللاً عارضاً، بل أحد منتجات الطريقة التي أُدير بها العراق طوال العقدين الماضيين.
فالدولة الريعية، والتوظيف السياسي، واقتصاد العقود، وشبكات الوسطاء، والاعتماد الاجتماعي الواسع على الإنفاق العام، ليست أعطاباً طارئة، بل جزء من الآلية التي اشتغل بها النظام نفسه بوصفه نظاماً لإدارة السلطة والموارد معاً.
وخلال هذه السنوات، لم تُعامَل الدولة بوصفها مؤسسة إنتاج وتنظيم فقط، بل بوصفها الخزان الاقتصادي الأكبر في البلاد، تُوزَّع عبره الوظائف والعقود والمواقع والامتيازات، وتُدار من خلاله التوازنات السياسية والاجتماعية.
وليس تفصيلاً أن الجزء الأكبر من الموازنات العراقية خلال السنوات الأخيرة ظل يذهب إلى الإنفاق التشغيلي، من رواتب ودعم والتزامات جارية، أكثر مما يذهب إلى بناء اقتصاد منتج أو بنية تنموية مستدامة، فيما ظل جزء مهم من الإنفاق الاستثماري يتحرك داخل شبكة المقاولات والشركات المرتبطة باقتصاد الدولة نفسه، أي البيئة ذاتها التي تشكّلت داخلها نماذج صعود مثل نموذج الزيدي.
ومن داخل هذه البنية تشكّل الاقتصاد الذي يجري التحضير لإعلان جنازته.

ولهذا، فإن السؤال لا ينحصر في إرادة الإصلاح، بل فيما إذا كان النظام الذي أنتج هذه البنية يملك فعلاً القدرة، أو حتى الرغبة، في تجاوزها.
فما يواجهه العراق لا يبدو مجرد أزمة نموذج اقتصادي، بل أزمة نظام كامل يُظهر منذ سنوات علامات إنهاك واضحة من دون أن ينهار فعلاً. وفي المقابل، لم يُسمح لأي جديد أن يتشكل بسهولة؛ فكل محاولة لطرح أفق سياسي أو اجتماعي مختلف كانت تُواجَه، بدرجات متفاوتة، بالعنف أو الاحتواء أو الإبطاء المنهجي، كما حدث مع انتفاضة تشرين 2019 وما سبقها من حراكات، حين ظهرت بوادر خطاب مختلف خارج القواعد القائمة، قبل أن يُدفع تدريجياً إلى الاستنزاف والتفكيك.
والزيدي، الذي أهمل في اقتباسه الجزء المتعلق بـ”الوحوش”، لا يبدو خارج هذه اللحظة بقدر ما يبدو أحد تعبيراتها السياسية الواضحة. فصعود شخصية آتية من قلب البنية الاقتصادية والسياسية التي تشكّلت بعد 2003، إلى رئاسة حكومة تتحدث عن دفن الاقتصاد القديم، لا يوحي بقطيعة مع مرحلة الاحتضار، بقدر ما يوحي بأن أحد رجالها يتولى إدارتها.
وإذا كان ثمة جديد يُفترض أن يولد فعلاً، فإن ذلك لا يرتبط فقط باحتضار القديم، بل بانجلاء وحوشه أيضاً.