تتسع رقعة الحرب الإقليمية بسرعة، ومع كل يوم يقترب العراق أكثر من التحول إلى إحدى ساحاتها المباشرة. فالهجمات المتبادلة والضربات المتقطعة داخل البلاد، ونشاط الفصائل المسلحة، كلها تضع العراق في موقع ملتبس: ليس طرفاً معلناً في الحرب، لكنه لم يعد بعيداً عنها أيضاً.
في الأوساط السياسية العراقية يسود اعتقاد بأن الحفاظ على مستوى الصراع الحالي داخل العراق يُعد بحد ذاته نوعاً من النجاة. فالقوى السياسية تخشى أن يؤدي أي تصعيد إضافي إلى انحدار سريع نحو مواجهة أوسع قد تعجز الدولة عن احتوائها، لذلك تحرص على خطاب متوازن يدين أطراف النزاع جميعها ويدعو إلى التهدئة من دون الانخراط في أي محور إقليمي.
لكن هذه المعادلة تبدو هشة. فالفصائل المسلحة التي تنفذ هجمات متزايدة ضد مواقع مرتبطة بالمصالح الأمريكية لا تبدو منخرطة في حوار سياسي فعلي مع القوى الحاكمة.
تزداد هذه الفجوة في ظل التحولات التي شهدتها إيران بعد مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، وهي تحولات ما زالت آثارها تنعكس على شبكة القوى المرتبطة بها في المنطقة. ومع إعادة ترتيب مراكز النفوذ هناك، تبدو بعض الفصائل أكثر استقلالاً في قراراتها الميدانية في العراق، ما يقلل قدرة الوسطاء التقليديين على ضبط الإيقاع.
في الوقت نفسه يلوح خطر اقتصادي كبير. فالعراق الذي يعتمد على النفط لتمويل موازنته، تشير تقديرات إلى أن إنتاجه وتصديره النفط تراجعا بنحو 90 بالمئة، بينما لا تسمح البدائل المتاحة بتصدير أكثر من 20 بالمئة من الطاقة التصديرية المعتادة بأفضل الأحوال.
وحتى هذه الكمية المحدودة تواجه عقبات سياسية. فالممر الأكثر قابلية للاستخدام يمر عبر خط كركوك – جيهان عبر إقليم كردستان، لكن الخلافات بين بغداد وأربيل ما تزال قائمة. وقد أضافت أربيل شروطاً جديدة إلى المفاوضات، بعضها يتعلق بالوضع الأمني في الإقليم ومكاسب سياسية أخرى، فيما تصاعدت السجالات بين الطرفين في الإعلام.
ويتقاطع هذا التوتر مع أزمات سياسية أخرى. فالقوى الكردية لم تتوافق بعد على مرشح لرئاسة الجمهورية، بينما يعاني الإطار التنسيقي الشيعي من حالة جمود واضحة؛ إذ تشير مصادر سياسية إلى أن اجتماعاته الأخيرة لم يحضرها أكثر من ستة أعضاء من أصل 12 عضواً.
وفي ظل هذا المشهد، تميل كثير من القوى السياسية إلى خيار الإبقاء على الوضع كما هو عليه حتى تتضح نتائج الحرب الإقليمية. لكنها سياسة تقوم على تأجيل الأزمات أكثر مما تعالجها، في بلد يعيش اليوم حرباً تتوسع، وهدفها الأساسي تغيير شكل المنطقة وإدارتها!