البقجة المالية

جُمّارجُمّار | 5 نيسان 2025

لجأت الحكومة العراقية إلى السحب من أموال “أمانات الضرائب” لتأمين رواتب نيسان والأشهر المقبلة؛ وفسّر مسؤولون القرار بأنه “إجراء احترازي” تحسّباً من تكرار سيناريو “سرقة القرن” التي نُهب فيها أكثر من 3 مليارات دولار، بتواطؤ مسؤولين بارزين لم يُحاسب منهم أحد.

لكن الواقع يُشير إلى أزمة أعمق من مجرد التحوّط.

يعاني العراق من نقص حاد في السيولة المالية، في وقت تراجعت فيه أسعار النفط إلى ما دون 60 دولاراً للبرميل، بينما يحتاج البلد إلى بيع البرميل بأكثر من 90 دولاراً لتغطية الرواتب والإنفاق التشغيلي. هذا الانكشاف الحاد على تقلبات السوق، في غياب أي خطة مالية أو أدوات حماية، ووسط عدم إقرار موازنة عام 2025، يجعل المشهد أكثر هشاشة مما يبدو.

الأموال التي يُسحب منها اليوم، هي احتياطات مصارف و”أمانات ضريبية” تعود لشركات ومؤسسات، وكان يجب أن تُخصّص لمشاريع خدمية واستثمارية تدعم الاقتصاد المحلي، وبتحويلها لتسديد الرواتب يتشكّل واقعاً خطيراً بأكل الدولة من جسدها، وتأجيل الانهيار بدفعات مؤقتة.

ومع اقتراب الانتخابات، تزداد المؤشرات سوءاً.

المنطق الاقتصادي بدأ يخضع لظاهرة الزبائنية السياسية، إذ تتسع دوائر التعيينات الحكومية بدل ضبطها، ويُستخدم المال العام لتوسيع شبكة الولاءات، خصوصاً من قبل رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، الذي وظّف أكثر من مليون شخص في عامين فقط، ويواصل إدارة حملة توظيف تُقرأ بوضوح كتمهيد للبقاء في السلطة عبر صناديق الاقتراع.

هذه التجربة جُرّبت سابقاً، وأدت إلى أعباء مالية تستنزف الدولة على المدى البعيد، حتى لو ارتفعت أسعار النفط مؤقتاً.

في خلفية هذا المشهد، تحذّر تقارير محلية ودولية من انهيار قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها، إن استمر الإنفاق العشوائي والتوظيف السياسي بلا ضوابط. فالأزمة لم تعد أزمة ظرف، بل مسار طويل من تفريغ الدولة من أدواتها، ومن غياب أي إرادة لبناء سياسة مالية عادلة ومستدامة.

الحال هذه العراق لا يتعامل مع المال العام كموازنة تضبط الأولويات، بل كبقجة تُفتح وتُفرغ وفق الحاجة أو المصلحة، وتُملأ فقط حين تسنح الفرصة.

لكن “البقجة المالية” بدأت تفرغ فعلاً، وإعادة ملئها لن تكون بهذه السهولة.

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media