في غربي بغداد، غيّرت طبيبة بيطرية سعر علبة علاج Fenbendazole (فينبيندازول)، وهو مضاد للطفيليات والديدان عند الحيوانات، من 10 آلاف دينار إلى 15 ألفاً، بناءً على تعليمات مدير العيادة، وشمل ذلك عديداً من الأدوية.
وبالتوازي، على الضفة الأخرى من العاصمة العراقية، تملك سَحَر مشغلاً لصناعة الأزياء، أغلب مدفوعاته بالدينار العراقي، عدا الأقمشة التي تأتي بها من سوق الشورجة وسط بغداد. اضطرت سَحَر إلى الاتفاق مع العمال الأجانب على دفع أجورهم بسعر ثابت يبلغ 150 ألف دينار مقابل كل 100 دولار، لتفادي الارتفاع المتوقع للدولار الذي تشتريه من السوق السوداء لدفع الرواتب.
رغم أن غالبية المدفوعات الداخلية في العراق، من أجور العمل إلى إيجارات السكن وأسعار المواد وغيرها، تكون بالدينار العراقي، فإن ذلك لا يسري على كل القطاعات والمهن. قليلة هي العقود التي توقَّع بالدولار، ومنها عقود العمال الأجانب وبعض العقارات، خصوصاً التجارية التي تؤجر بالدولار، لكن هذا لم يحمِ الأسواق العراقية من الارتباك ما إن قررت الحكومة خفض سعر الدينار مقابل الدولار.
صادق، الذي يعمل محاسباً في شركة لاستيراد الأجهزة الإلكترونية، يؤكد أن مدفوعات الشركة للعمال والكهرباء وإيجار المقر كلها بالدينار، لكن المواد المستوردة كانت تُشتَرى وفق سعر الصرف السابق على المنصة، وما إن تغيّر السعر حتى اضطرت الشركة إلى تغيير أسعار المواد، ففي اليوم نفسه، بدأ قسم المبيعات بتغيير أسعار أجهزة الراوتر والكابلات وغيرها من البضائع الموجودة في المخازن؛ لتأمين شراء البضاعة المقبلة وفق سعر الصرف الجديد.
ينسحب ذلك على جميع البضائع التي يستوردها العراق، بما فيها المواد الغذائية ومواد البناء والملابس والإلكترونيات والأثاث والسجائر، وحتى بعض المواد المصنعة محلياً، التي تدخل في صناعتها مواد أولية مستوردة. لذا وبعد القرار بساعات، صار الحديث عن ارتفاع الدولار حاضراً في المقهى والسوق، وحتى في غرفة الضيافة التي تجمع أقرباء وأصدقاء، ولا يقتصر أثر هذا التغيير على من يشتري الدولار من السوق السوداء أو يستورد البضائع بنفسه، فالمستهلك الذي يتعامل بالدينار وجد نفسه أمام أسعار جديدة، من دون أن يكون طرفاً في قرار الصرف أو قادراً على التحكم فيه.

أقرت الحكومة خفض سعر صرف الدينار، وفق تصريح رئيس الوزراء، بعد أن وضعت بين خياراتها تخفيض رواتب الموظفين بنسبة 35 بالمئة عبر الادخار الإجباري، أو صرف الرواتب كل 45 يوماً بدلاً من 30 يوماً؛ لتجنب الاقتراض الخارجي في ظلّ الأزمة الاقتصادية التي دخلها العراق بسبب الصراع الإقليمي، واعتماده على تصدير النفط الذي لم يعد مستقراً كما كان.
اختارت الحكومة، بدلاً من هذه الخيارات، خفض سعر الدينار أمام الدولار بنسبة 12 بالمئة، وهي نفسها نسبة انخفاض قيمة رواتب الموظفين مقابل الدولار، من دون أن يتغير رقم الرواتب، وهذا يشبه خيار صرف الرواتب كل 45 يوماً.
أمي تخبرني أنها كانت تشتري أربع بيضات بألف دينار، لكن أبو محمد، صاحب الدكان في الحي الذي نقطنه، باعها خلال اليومين اللذين تليا تغيير سعر الصرف بيضتين بألف دينار. وينطبق الأمر على علبة معجون الطماطم التي اعتاد إيليا ابن أخي أن يأتي بها بألف دينار، إذ عاد إلى جدّته قائلاً: “بيبي، انطيني بعد 500 القوطية بألف ونص”.
تحاول الحكومة ضبط الأسعار في السوق، لكن ذلك شبه مستحيل. أحد تجار الشورجة أوقف توزيع بضاعته إلى حين اعتياد الناس الأسعار الجديدة. ويشير التاجر إلى أن الغلاء لا يتعلق بالدولار وحده، فإجراءات رفع الرسوم الكمركية تثقل كاهل التجار والمواطنين أيضاً. بعد أن كان نقل “المترية”، أي المتر المربع من حجم البضاعة، يكلف 160 دولاراً، بات يكلف نحو 450 دولاراً. ومع سعر الصرف الحالي، صار من المستحيل عليه إبقاء الأسعار كما هي. وحين يعيد التاجر احتساب كلفة البضاعة، يرتفع سعر الحذاء الرياضي ذي الجودة الرديئة من 15 ألفاً إلى 22 ألف دينار.

انخفضت كتلة رواتب الموظفين مقابل الدولار، وهو ما يمنح الحكومة مساحة أوسع للإيفاء بالتزامات الإنفاق التشغيلي. ويتزامن ذلك مع انخفاض صادرات النفط إلى نحو 2.34 مليون برميل يومياً في آب، مقارنة بأكثر من 3.6 مليون برميل يومياً قبل الحرب.
في هذه الحالة، لم يتضرّر المواطن من انخفاض قيمة راتبه مقابل الدولار فحسب، وإنما من ارتفاع الأسعار أيضاً. وحاول مواطنون الخروج في تظاهرة بساحة التحرير رفضاً للقرار، لكن القوات الأمنية منعت التظاهرة، ما اضطرهم إلى نقلها إلى ساحة الفردوس في بغداد. لم تُعِد التظاهرة سعر الصرف إلى ما كان عليه، لكن المواطنين يريدون تحركاً حكومياً لضبط الأسعار بطريقة لا تجعل “رواتبهم سحگ”، حسب التعبير الشعبي.
في خضمّ ذلك، يستغل متنفذون هذا الارتفاع لصناعة أزمات تخدم أهدافاً معينة. فمع قرار رفع سعر الصرف، قررت الخطوط الجوية العراقية رفع أسعار التذاكر بنسبة 25 بالمئة دون تبرير أو بيان، رغم أنها لا ترتبط بالدولار مباشرة. ويقول موظف في الشركة إن جهات تحاول إفلاس الخطوط وعرضها للبيع، وإنها استغلت ارتفاع سعر الصرف لرفع أسعار التذاكر. وترتب على ذلك انخفاض عدد الرحلات اليومية من 60-70 رحلة إقلاع إلى 15 رحلة بتاريخ 10 تشرين الأول.
ارتفع سعر تذكرة إسطنبول مثلاً من 572 ألف دينار إلى 856 ألفاً، ما أدى إلى إقلاع طائرة شبه فارغة إلى إسطنبول، كما أقلعت أخرى على متنها أربعة ركاب فقط إلى القاهرة.
ويأتي ذلك، بحسب الموظف، في محاولة لإفلاس الشركة وبيعها لاحقاً، رغم تظاهر موظفي الخطوط سابقاً رفضاً لعمليات البيع.
وقد أصبح خفض قيمة الدينار ذريعة لرفع أسعار خدمات من المفترض أنها لا تتأثر مباشرة بتقلبات الصرف. ولم تواجَه هذه الممارسات بإجراءات حكومية حتى الآن، ولا نعرف إن كانت قد حدثت في أماكن أخرى غير الخطوط الجوية العراقية، رغم تأكيدات الحكومة أنها تتابع السوق لضبط الأسعار.
منذ صدور قرار تغيير سعر الصرف، لم يعد العراقي بحاجة إلى متابعة نشرات الاقتصاد ليلمس آثاره، يكفي أن يذهب إلى الدكان، أو يسأل عن سعر سلعة اعتاد شراءها. في التفاصيل اليومية الصغيرة يظهر أثر تغير سعر الصرف، كما يظهر عجز الحكومة عن ضبط السوق، إلى جانب ذلك تمتدّ أصابع الفساد إلى المؤسسات وأسعار الخدمات، في وقت تتهم فيه الحكومة المضاربين بارتفاع قيمة الدولار في السوق إلى 164 ألف دينار مقابل كل 100 دولار أو أكثر.
تطالب أمي أن يرفع أبي المصروف الشهري بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية، أبي الذي تضرر من انخفاض قيمة راتبه يرى أن مطالبها غير قابلة للتحقق، وهذا النقاش لا يدور بين أفراد عائلتي فحسب، إنه نقاش بات مفتوحاً في البيوت العراقية. فهل لمطالب أُمّي وحجج أبي آذان حكومية صاغية؟
- تُنشر المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية “نيريج”.