الشعبوية والزبائنية في المجتمع العراقي.. عن التمثيل السياسي والمؤسساتي والشخصانية

كيف يصير رجل الأعمال واجهة سياسية، والأكاديمي صاحب لقب بلا إنتاج معرفي، وطالب المشيخة شيخاً بماله وصلاته؟ يقرأ محمد عطوان أشكال النفوذ الجديدة في العراق، وصلتها بالشعبوية والزبائنية.

محمد عطوانمحمد عطوان | 11 تشرين الأول 2026

أحاول في هذه المقالة أن أعاين أخلاقيات الشعبوية التي أخذت تستحوذ على اهتمامات الأفراد والجماعات وتوجّه سلوكياتهم في المجتمع العراقي، سواء داخل مؤسسات الدولة الحديثة كالأحزاب والجامعات والقطاعات الاقتصادية ومؤسسات إنتاج الثقافة، أم داخل الهياكل التنظيمية التقليدية ذات الطبيعة العرفية مثل العشيرة. وأركّز هنا على الأخلاقيات السياسية والاقتصادية والثقافية والأكاديمية والعرفية، التي تحوّلت من أخلاقيات كانت تنتجها الطبقات الاجتماعية إلى أخلاقيات ينتجها المجال الشعبي العام. فلا تتجه المعاينة إلى الأخلاقيات المتجلية في الحركات السياسية ذات المسحة القومية والاشتراكية، بل إلى الأخلاقيات العامة التي تتبناها شخصيات فردية، وتنعكس في مواقفها وسلوكياتها، غالباً ضمن أطر جماعوية. 

أولاً: الشعبوية نزعة إلى “تحرير” الذوات المقموعة 

في الحقبة الشمولية، كانت الدولة تخضع لسياسات مركزية وتصورات أيديولوجية أحادية، ولذلك كان العراقيون يتحيّنون فرصة الخروج منها نحو دولة أكثر انفتاحاً على المشاركة والتمثيل. إلا أن النظام التوافقي أخفق في التطبيق بعد عام 2003، وأعقب ذلك استفراد بالسلطة على حساب مبدأ التعدد، أي ظهور النزعة السلطوية، وفقدانٌ للثقة بأداء المؤسسات الدستورية الرئيسة، فتصاعدت النزعة الشعبوية وهيمنت على المشهد السياسي والاجتماعي. ونتيجة لذلك، راح العديد من العراقيين يبخسون قيمة كل ما يتصل بالعمل المؤسسي الحديث الذي ناضلوا من أجله، إذ وجدوا أنفسهم، على أقل تقدير، عاجزين عن تشكيل حركة جماهيرية فاعلة وموحدة أيديولوجياً، أو حتى حركة شمولية إدماجية تعينهم على لمّ شعثهم ورأب صدعهم. 

وهكذا، لم تعد نسبة عالية من العراقيين 1 أحمد خضير حسين، الاهتمامات السياسية للشباب العراقي (استطلاع رأي)، عن سلسلة إصدارات مركز البيان والتخطيط، 2022.  تكترث بتلك المعايير أو الأخلاقيات الوظيفية التي كانت تصنفهم ضمن تراتبيات نسقية داخل المجتمع، فأخذوا يناهضون الأحزاب والبنى الوسيطة القائمة على الاختلاف، ويسعون إلى قسرها على التماثل، بصرف النظر عن دورها في تنظيم شروط التنافذ بين الطبقات. بمعنى آخر، فإن من كان يرى نفسه خارجاً عن التصنيف النخبوي، أو مغيّباً عنه، أو مستبعداً من التصنيف النسقي الطبقي الذي يرسم له حدود وظيفته، أخذ يقترح لنفسه وجوداً نخبوياً أو طبقياً بديلاً، متجاوزاً التصنيفات المعمول بها في البناء الاجتماعي السابق. 

ففي ظل هذا التوجه، اتجه العراقيون إلى الحطّ من قيمة أخلاقيات العمل المؤسسي والنفور من مفاهيم النخبة. ولعل ذلك كان تعبيراً عن انزعاجهم القديم من مواصلة العيش في ظل قيم ومفاهيم طبقية لم تجلب لهم سوى سياسات التمييز والإنكار والعزل ومناهضة التعددية. ثم جاء انخراطهم في الشعبوية شجباً لتلك الأخلاقيات التي شرعنت الإفقار والتجريد المتعمدَين في السلطة والإدارة، واستعادةً “للروح الموضوعي”، بالتعبير الهيغلي، في قطاعات اجتماعية واسعة كانت منبوذة، وتمكيناً لها من قول ما تريد بصوت عالٍ بغية أن تمثّل ذاتها وتغيّر واقعها. 

ومن المرجّح أن هذا هو ما أتاح المجال أيضاً أمام تأويل مقولات حداثية، مثل الاعتراف والتمثيل والتعددية، لا بوصفها مقولات حقوقية وثقافية وسياسية أساسية في النظم التمثيلية، وإنما بوصفها مقولات تقود، في نظرهم، إلى الانقسام والتناحر. 

ثانياً: الشعبوية نزعة مناهضة للوسيط الطبقي 

ولكي تكتسب الخطابات الحاكمة، من منظور الشعبوية، صفة الأخلاقية، يتعين عليها الاصطفاف إلى جانب الجماهير، في مقابل الخطابات المنحازة إلى مصالح النخب. وانسجاماً مع ذلك، جرى إفراغ الفضاء العام من كل ما له صلة بالمؤسسات الوسيطة؛ تمهيداً لإنشاء علاقة تمثيلية مباشرة مع الجماهير، وقد جرى ذلك بتغييب فعالية هذه المؤسسات لحساب حضور الزعامات الفردية الجديدة؛ ولذلك، حُوّلت هذه المؤسسات برمتها إلى مجرد قنوات تنظيمية شكلية تُدار من موقع أعلى. 

كانت وظيفة الأحزاب الحديثة تمكين الأكثرية السياسية من مواجهة الطبقات المتنفّذة داخل المجتمع والسلطة. غير أنها، بفعل التجريف الذي لحق بها، فتحت باباً خلفياً أمام دخول ممثلي الشعبوية الجدد، الأمر الذي مكّن هؤلاء الممثلين من احتواء نضال الأكثرية وتحويله إلى نضال يخدم نزوعات شخصانية. وبذلك، حلّت الشعبوية محل النخبوية بوصفها النقيض لقيم التعددية والتسامح والديمقراطية، وعلى هذا الأساس، أصبح تقويض البنى الوسيطة، أو الاستيلاء عليها، أو التخلص منها، أمراً حتمياً، بعدما جُرّدت من وظيفتها التنظيمية ذات الطابع التقدمي الطبقي. 

وضمن هذا المناخ الذي أعقب اجتثاثها، لم تعد ثمة جدوى من استمرار الحياة الحزبية، بخاصة بعدما تراجعت وظيفتها الاجتماعية لتحل محلها الوظيفة الشعاراتية الشخصانية لتلك الزعامات، الأمر الذي دفع الحزبيين إلى التخفف من صفتهم التنظيمية والتعبوية، فصاروا يتقلبون بين وجهين من وجوه العلاقة السياسية القائمة على الاستلاب: فتارة تراهم حزبيين تحكمهم مقتضيات الانتماء والتنظيم، وتارة أخرى أتباعاً مطيعين يقودهم زعيم ذو قدرات كاريزمية فريدة، سواء كان زعيماً أيديولوجياً أو دينياً أو زعيم ميليشيا. ولم يكن ثمة مناص من تحويلهم إلى جمهور متلقٍّ خارج الممارسة الحزبية، وهو ما يمثل غاية الفرضية الشعبوية في الحكم، حين تقترح صيغاً تمثيلية مباشرة عابرة للبنى المؤسسية التقليدية. 

ولذلك، نلاحظ أن أي مساءلة للسلطة ستكون في الحقيقة مساءلة للأحزاب العاملة قبل غيرها، باعتبارها البنى الأكثر تعرضاً للحساب في الفضاء الشعبوي. فبدلاً من أن تتجه هذه المساءلة إلى تقويض شرعية صاحب السلطة الفعلي، الرابض خلف هذه البنى الحزبية والمنشئ لشكل العلاقة التمثيلية الجديدة، فإنها ستتجه إلى تقويض سلطة الممثلين السياسيين التقليديين نواباً ووزراء ومديرين في المناصب الإدارية العليا، وبرامجهم وهياكلهم الحزبية وبناهم الطبقية، أي إنها تتجه في المحصلة إلى تقويض سلطة النخب والمؤسسات والبرامج والسياسات. 

ومن هنا، يواجه الزعيم ذو النزعة الشعبوية النخب والمؤسسات الوسيطة وامتيازاتها، بدعوى أنها تُقصي شرائح اجتماعية واسعة عن التمثيل وتحرمها من حقوقها. وإذا ما رأينا، في هذا السياق، أن وصفة الشعبوية جاءت لتذود عن حقوق تلك الشرائح، وأنها تنقد سياسات النظام ومؤسساته ونخبه ووسائل إعلامه، فإن مواجهة هذه القوى تبدو جزءاً من خطابها المناهض للوسائط التقليدية. ولأجل ذلك يبني هذا الزعيم علاقة سياسية مخاتلة مع تلك الشرائح الشعبية، فلا ينشد تحريرها من السياسات الحكومية والحزبية، بل يعيد بدلاً من ذلك ربطها به مباشرة. ويتيسر له ذلك بفضل قدرته الفائقة على المناورة بين السياسة المؤسسية الرسمية وسياسة الشارع، بما يتيح له حرية التنقل بين الأطر التقليدية للعمل الحكومي ومتطلبات الحشد الجماهيري خارجها. 

وبهذا التوجه تُفرَّغ الأحزاب والمنظمات المدنية من فاعليتها التعبوية ومضمونها الأيديولوجي، لحساب تنامي النزعة الشخصانية المحمولة على أخلاقيات غرائزية قائمة على التطهّر والتماثل، أخلاقيات لا صلة لها بالنقد ولا بالنقد الذاتي، ولا بالأفكار ولا بالأفكار المضادة. 

ولا يتوقف الأمر عند تجريف الحياة الحزبية، بل يمتد إلى تعطيل العمل بالأدوات الديمقراطية التمثيلية كالتفويض والانتخابات، إذ يسعى الزعيم الشعبوي إلى إقامة حوار مباشر مع الجمهور عبر آليات اختزالية مثل الاستفتاء، أو عبر فضاءات اجتماعية ودينية تتجاوز السياسة المؤسسية كصلاة الجمعة. ولماذا الاستفتاء أو حتى صلاة الجمعة؟ لأن الجمهور، في المسائل التي يراها ضرورية، يتوق إلى رؤية ذاته متراصّة ومتماثلة، ملتفّة حول زعيم أوحد، يربط أفرادها برابطة تمثيلية عاطفية، أو يظهر بوصفه صوتاً خطابياً لا يمسّه الخطأ. وهكذا، يستطيع استنهاضهم بعيداً عن تأثير أي فاعلية تنظيمية؛ لأنه يتخيل صلته بالجماهير مباشرة، من دون حاجة إلى مرشحات أو وسائط، انطلاقاً من نأيه عن الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني والنخب، بل حتى عن الإعلام والصحافة المستقلة. 

ثالثاً: اقتصاديون بأقنعة سياسية 

وفي المقاربة الاقتصادية، لا يدخل الفاعل الاقتصادي السوق بوصفه فاعلاً مستقلاً، يعتمد في نشاطه على رأس المال الخاص والكفاءة والمنافسة والطلب، وإنما يجد نفسه مضطراً إلى البحث عن ظهير سياسي يحمي نشاطه ويفتح له أبواب الدولة: عقوداً حكومية، وتراخيص، وإعفاءات، وتمويلاً، وحماية من المنافسين، وتسهيلات مصرفية، أو وساطات تربطه بشبكات القرار. 

ولذلك، فهو غير متحرر من موجّهات السلطة السياسية، بل تابع لها ولمصالحها وغاياتها. وإذا كانت هذه التبعية محكومة بغايات شعبوية، فإن هذه الغايات تصبح هي المحدد الفعلي لوجهة الموارد، بدلاً من المعايير الاستثمارية أو التنموية الحاكمة للإنتاج. وعليه، لا يُنتظر من العملية الإنتاجية أن تفضي إلى مردود يرفد التنمية داخل الدولة أو خارجها، بقدر ما تنصرف إلى تحويل جزء كبير من الموارد المالية المخصصة للإنتاج والاستثمار إلى يد السياسي المتحكِّم في مسار العملية السياسية والاقتصادية معاً. 

وفي هذه المقاربة بالتحديد، يمكن معاينة الطريقة التي تمتص بها الزبائنية الموارد المالية المخصصة للإنتاج أو الاستثمار، وكيف يُعاد توزيع الفائض منها لتنفيذ مشاريع تنموية متدنية الجودة، أو تُدوَّر الأموال، على الأرجح، بين المستفيدين. ولذلك، غالباً ما تتمدد الزبائنية عبر علاقات استثمارية ملتبسة أو مشبوهة، تختلط فيها المصالح الخاصة بالغايات السياسية، فيما تكون المصلحة العامة هي الخاسر الأكبر. 

ولكن، لماذا نقول إن العلاقة بين الاقتصادي والسياسي قائمة على شكل من أشكال الزبائنية؟ ذلك لأن الاقتصادي، الذي يُعد الطرف التابع للسياسي في هذه المعادلة، ينعم بالحماية التي يوفرها له صاحب السلطة، لكنه يتحول في المقابل إلى حامٍ له ومسوّق دعائياً وتعبوياً ضمن الصيغة السياسية المعمول بها. فالزبائنية بالمحصلة توليفة نفعية من السياسيين والبيروقراطيين ورجال الأعمال، يرتبطون فيما بينهم بعلاقات مصلحية متبادلة وفّرها لهم الواقع السياسي للدولة، القائم على شكل من أشكال المحاصصة الهوياتية للنفوذ والريع النفطي. 

لذلك، وتبعاً لطبيعة التكوين الاجتماعي القائم بين الفئات المتنافسة على التمثيل داخل السلطة، وللتكوين الطبقي المتوقع ظهوره بفعل الإنتاج، تكون قدرة الفاعلين الاقتصاديين على تطوير تقاليد طبقية ضعيفة، وقابليتهم للتأثير الإيجابي في علاقات الإنتاج السائدة محدودة، فلا يجد أيٌّ من طرفي هذه العلاقة مصلحة في تغيير نظام العلاقات أو إعادة تنظيمه على نحو قد يهدّد المصالح التي نشأت في ظله. 

وبلغة ماركسية: ليس من مصلحتهم تكوين تقاليد طبقية تعزز فاعلية الجدل الاجتماعي حول علاقات الإنتاج، وإنما من مصلحتهم مساندة السلطة السياسية والحفاظ على موقعهم داخل دائرة مغلقة تتيح لهم الاستمرار في مزاولة نشاطهم. 

وعليه، قد يكون الفاعل الاقتصادي نافعاً في مسائل تتعلق بسياسات جهوية محدودة، لا بسياسات تنموية ذات طابع وطني، فقد يوفر فرص عمل محدودة لشرائح اجتماعية لا تبلغ الحاجة إليها الحجم نفسه، أو يوزع أعمالاً فرعية ومقاولات صغيرة على أبناء عشيرته أو منطقته السكنية أو المنطقة التي يزاول فيها عمله. وقد يتبرع ببناء مدرسة أو جامع أو حسينية أو ملعب رياضي، أو يسهم في تعبيد طريق محلي، أو يقدم مساعدات مالية للأسر المحتاجة، أو يدعم المهرجانات والمناسبات الدينية. وقد يستخدم جزءاً من أرباحه في مشاريع عامة صغيرة يكون أثرها مرئياً. غير أن المفارقة تكمن في تحويله المنفعة الاقتصادية إلى علاقة سياسية أو جماهيرية. 

وهذا النمط من الممارسات الاقتصادية لم يكن متجذراً في الواقع، بل هو نتاج اجتماعي آني، ظهر عرضاً ثم تشكّل على نحو طفيلي، مستمداً قوته من السلطة، ومتغذياً على الريع الذي توزعه الدولة عبر صفقات سياسية مشبوهة. 

والمفارقة أن معظم العاملين في هذا الوسط الملتبس من رجال أعمال وتجار ومصرفيين يتحدرون من بيئات طبقية متدنية، إذ تشير سِيَرهم وثقافاتهم وهوياتهم إلى خلفيات معاشية وتربوية هامشية، إلا أن الدعم السياسي الذي تلقوه أتاح لهم الانتقال إلى مواقع نافذة قريبة من دوائر صنع القرار، فأصبحوا في المحصلة نتاجاً للعلاقة الزبائنية المتعاضدة. 

وبهذا المعنى، فإنهم يمثلون صيغة سياسية رمزية جديدة لإعادة النظر في مفهوم الهوية بين الجماعات العراقية، فقد جسّد وجودهم صيغة شعبوية لتفكيك النسق الطبقي الناظم لتداخل الجماعات وتمايزها. 

رابعاً: مثقفون وأكاديميون باعتمادات زائفة 

كذلك، فإن “المثقفين”، أو المشتغلين في موضوعات الثقافة ممن يصعب توصيفهم بالمثقفين أو مقاربتهم وفق الصور الشائعة للمثقف، يسعهم في المجال الشعبوي الاشتغال فيما يشبه الثقافي، من دون أن يتطلب ذلك منهم التزاماً أو دربة أو مقاربة نظرية عميقة لما ينتجون. ومع ذلك، يغدون بهذا المعنى “مثقفين فاعلين”، بصرف النظر عن أي حكم قيمي يطالهم. 

لقد نما وجودهم نتيجة إخفاق القيم النخبوية المتمثلة في الديمقراطية والمواطنة والتعددية وسيادة القانون والتحرر ونبذ الشخصانية، أي إنهم نشأوا في ظل تراجع هذه القيم المعرفية الكاشفة لآليات إنتاج المجال، فكان وجودهم بمثابة زائدة تاريخية أو ثؤلولٍ ناتئ في جسد الثقافة العراقية ومثقفيها. ولذلك ازدروا ما عند النخب، مع الإبقاء على شيء من أدواتهم، لا للارتقاء بالشعبي إلى مستوى النخبوي، بل لخفض ما هو نخبوي إلى مستوى الشعبي. 

وهم، وإن أبقوا لأنفسهم مقاماً نخبوياً بحكم حلولهم في الموقع النافذ، يظلون شعبويين من حيث الخطاب والرؤية؛ لأن مادتهم المنتَجة لا تكتسب قيمتها من أصولها المعرفية، ولا من قدرتها على الاشتغال ضمن نظام القيم الاجتماعية الذي أُنتجت فيه، بل من صدى تمثيلها الشعبي قبل أي شيء آخر. فقيمتها تأتي من حجتها الخطابية التي تلقى استجابة لدى الجمهور، ومن قدرتها على تمثيل صوته ومشاعره ومظالمه، ما دامت الإرادة العامة، في تصور روسو، لا تخطئ. 

وهكذا يبدو نتاجهم المعرفي متعارضاً مع نتاجات النخبة، فعندما يشتغل الشعبوي على صناعة المعنى يجعل رؤاه قابلة للتداول والقبول، بخلاف رؤى النخبوي الذي لا يرى الشعب معياراً لصلاح القيم. 

لذلك، يركز هؤلاء “المثقفون” على الموضوعات المباشرة التي تخص شؤون الجماعة الإثنية، فيضخمون مثلاً مظلوميتها، ويحذرون من محاولات حرمانها من التمثيل السياسي أو الثقافي، إذ ثمة دائماً، في نظرهم، غبن ينبغي رفعه. فتأتي مساهماتهم انفعالية ويومية أكثر منها تأملية وفكرية، ويعبّرون عنها بلهجة دارجة وأسلوب حكائي وعظي ووسائط بصرية وحسية سريعة الانتشار. ويبدون في سلوكهم أقرب إلى المواجهة والصدام مع النخب والمؤسسات منهم إلى طرح الحجج المعرفية التي تخاطب العقل وتنأى عن السجال. 

وأحياناً يلجأون إلى تعقيد مفتعل في كتاباتهم، حين يحيلون إلى الفلاسفة فيما يكتبون، حتى لو لم يكونوا مطلعين على مؤلفاتهم أصلاً، فيستعينون عوضاً عن ذلك بهواتفهم الذكية؛ لاستدعاء النفيس والنادر من الأفكار والمقولات، وتوظيفها بيسر في دعم ما يودون طرحه، فيوهموننا، بذلك، بامتلاكهم مهارات بحثية في الاقتباس والاستخلاص والتوظيف. 

إنهم يُلقون عن كواهلهم عبءَ تصفّح المراجع الثقيلة وإزاحة الغبار عنها، فيلجأون إلى برامج البحث الذكية، ويسألونها عمّا قاله هذا الفيلسوف أو ذاك، لتأتيهم، في طرفة عين، بما يريدون من أفكار ومقولات. وهذا ما تعرضه وسائل التواصل الاجتماعي، بل ما ينتجه فضاء الأكاديمية عموماً، الذي يحفل بنماذج من كتابات أولئك “المثقفين” والأكاديميين الذين يستسهلون توظيف المقولات الفلسفية، إذ يطالعوننا بما يشبه الكتابة الاحترافية، وما يشبه البحث المعرفي القائم على فرضيات منهجية. 

وينسحب الأمر كذلك على المشتغلين في مجال المعرفة الأكاديمية، ممن لا يتطلب وصولهم إلى المواقع الإدارية العليا في مؤسسات التعليم والبحث العلمي إلا نهجاً ذرائعياً، يتيح لهم شغل المناصب التي تتحكم في توجيه نظام القيم الأكاديمية للجامعة: سياسات إدارية متساهلة، وتشريعات مواتية للسلطة، ومناهج تبسيطية، ومشاريع تعبوية مرتبطة بخطاباتها. 

ويصبح متاحاً لهم عندئذ الحصول على المناصب والألقاب والشهادات العليا، دون التقيد بما يتطلبه امتلاك أدوات المعرفة الحقة، فهذه السياسات البديلة تتيح لهم، متى شاءوا، الاقتراب من الجماهير واستمالتها وسوقها وتوجيهها، ما دامت المسألة قائمة على مجرد قناعات أخلاقية تبسيطية لإدراك نظام العالم، أي قناعات تتيح لهم وضع ما هو عامي في موازنة طبقية مع ما هو نخبوي. 

ولا يقف الأمر عند استسهال استعمال المعرفة، وإنما يمتد إلى وجود شخصيات حاملة لشهادات عليا في الجامعات، لا علاقة لها بعناوين الشهادات التي تحملها سوى أنها معطوفة على أسمائها، من دون أدنى اشتغال معرفي حقيقي يضع أصحابها في موضعهم. ولذلك، تكشف قابلياتهم الذهنية عن ضآلة إزاء ما قرنوا به أسماءهم؛ إذ تنعدم صلتهم السياقية بموضوعاته، وتضعف استعداداتهم الذهنية لإدراكه. 

هؤلاء لا يسكنهم سوى هاجس تقويض ما يُسمّى شروط الحامل الطبقي، الذي كان يحفظ للفئات الاجتماعية مراتبها، أي هاجس خرق النسق الطبقي الذي يصف التنويعات الاجتماعية المنتظمة فيه، من طبقات وفئات وأصناف وشرائح، بما يمكّن الأفراد، على اختلاف مرجعياتهم الطبقية واستعداداتهم الثقافية والمعرفية، من النفاذ إلى مقامات لا يستحقونها. 

وكذلك يسكنهم هاجس إفراغ الشهادات، بوصفها اعتمادات علمية، من مضمونها المعرفي، فلم تعد غايتها ما تتمخض عنه من معرفة وعلم، بل ما تمنحه من مكانة اجتماعية تراتبية، وما تحققه من “مجد” شخصي. وهكذا تنتقل وظيفة الشهادة من كونها تصنيفاً نظرياً يفيد في تحديد العنوان الوظيفي الذي يشغله حاملها، إلى مجرد وجاهة شكلية تؤدي مهاماً أخرى تتجاوز الوصف المعياري التقليدي الذي وُضعت من أجله. 

خامساً: شيوخ بنزعات شعبوية 

من المعلوم أن زعامة شيخ العشيرة داخل عشيرته لا تتحقق إلا بالتوارث، أي بالعلاقة التي تربطه بأسلافه من الشيوخ. فالعلاقات التراتبية القائمة على هرمية يتربع على رأسها شيخ آتٍ بالتوارث هي المعيار المعتمد لإدارة المصالح القرابية المتداخلة بين أفراد العشيرة ورأسها، إذ لا يبدو ممكناً النظر إلى العشيرة بوصفها بنية تنظيمية تنبثق سلطتها من عمليات التمثيل الديمقراطي عبر آليات الانتخاب أو الاختيار؛ ما دامت الزعامة الشرعية للمشيخة لا تُكتسب، في أصلها، بهذه الآليات. 

وربما لا تزال القيم العشائرية ترى أن الشيخ هو الذي يتحدر من السلسلة التقليدية لبيت المشيخة، بصرف النظر عن كفاءته أو عما يملكه من وسائل لاستمالة أفراد العشيرة إلى نصرته. فالبنيان الوراثي للمشيخة، وما يمثله من رأسمال رمزي في نظام العشيرة، هو ما يؤكد وحدتها وقرارها ويمنحها تعريفاً لذاتها. كما يشكل هذا البنيان أحد عوامل القوة التي يمكن الاستناد إليها في تقدير مستوى الانسجام والتوافق الداخلي للعشيرة. 

ويمكن القول إن الحديث عن العشيرة هو حديث عن معطى رمزي يتغذى، ابتداءً، على شيء من قيم الشعبوية، فالقبيلة أو العشيرة يعتمد وجودها على فكرة التناصر، بما تفترضه من رابطة قرابية تجمع أسراً كبيرة، وتتوحد حول تصور معين يحفظ لها تماسكها. ولعل أهم تصور توحيدي فيها هو المشيخة، بما تمثله من بعد رمزي للتوارث، ومن رأسمال تتأسس عليه مكانة العشيرة أو القبيلة. 

ولكننا، ضمن هذه المقارنة، لا نستطيع الذهاب بعيداً في وصف التأييد العشائري الجماعي لشيخ العشيرة واحتسابه تأييداً شعبوياً؛ فالعلاقة مبنية في الأساس على شيخ وأفراد يرتبطون بعلاقات قرابة عادية، تقوم بينهم معادلة أساسها التواضع الجماعي على قبول الشيخ المتحدر سلالياً من بيت المشيخة. لذلك، فإن وصف “الشيخ” عرفياً ينصرف إلى الشخص المتحدر من بيت المشيخة فحسب، ولا ينطبق المعنى ذاته على شخص غريب دخيل لا يتمتع بهذا الامتياز. 

ومن هنا يمكننا، على وجه التحديد، أن نؤسس لفهم الأسباب التي أفضت إلى “النزوع الشعبوي”، لا إلى الشعبوية ذاتها، الذي أخذ يتنامى داخل بنية العشيرة مع ظهور عناوين جديدة من شيوخ لا يستندون إلى اعتبارات سلالية، وينازعون الشيخ الوراثي في الامتيازات التي كان يتفرد بها. 

فالمعيار الذي يمنح هؤلاء الشيوخ الجدد مكانتهم لا يقوم على النسب، وإنما على جهود متصلة بمصالح يوفرها الراغب في المشيخة لأفراد العشيرة حين يلبي حاجاتهم المادية. فالمال الذي ينفقه طالب المشيخة على أفراد العشيرة بغية مساعدتهم يمكن أن يتحول إلى مصدر جديد للمكانة والوجاهة، ثم إلى رأسمال اجتماعي ورمزي ينافس ما كان حكراً على الشيخ الوراثي. 

كما أن الارتباط بالسلطة السياسية يُمكِّن طالب المشيخة (شيخ التسعينات، شيخ الصحوات، شيخ المقاولات، شيخ الفيسبوك) من صناعة الامتيازات وإعادة توجيه المكانة الاجتماعية في سلم التراتبية العشائرية، من خلال ما تتيحه هذه السلطة من علاقات نفوذ وخدمات. ومن ثم، فإن بناء علاقة مع عناوين السلطة، من نواب ووزراء ومسؤولين محليين أو حزبيين، يمثل رافعة اجتماعية ووجاهة تعينه على بلوغ عرش المشيخة، ولا سيما حين يترجم نفوذه السياسي إلى خدمات، فيتحول معها الامتياز السياسي إلى مكانة اجتماعية، ثم تتحول هذه المكانة إلى نفوذ عشائري. 

وعليه، لم يعد تصيّر الشخص العادي شيخاً متوقفاً على النسب وحده، بل على القدرة على حل الخصومات العشائرية وإنهائها، الأمر الذي يُكسبه شرعية عملية غير مستندة إلى النسب. وغالباً ما يبدأ هذا المسار من تمثيل طالب المشيخة لـ”فرع” أو “فخذ” داخل العشيرة، فهو قد لا ينازع في البداية على تمثيل العشيرة كلها، وإنما يبني قاعدة له داخل جزء منها، ثم يوسع تدريجياً ادعاءه بالتمثيل العشائري. وبعد أن يراكم هذا الرصيد الرمزي، يصبح بإمكانه أن يستبدل بقاعدة المشيخة القائمة على مقولة: “أنا شيخ لانتمائي إلى سلالة من الشيوخ” قاعدة أخرى تقول: “أنا شيخ لأنني أحظى بتأييد الجماعة، ولأنني أستطيع تمثيلها وقضاء حوائجها”. 

بهذا المعنى، يمكن أن يتصدع بنيان المشيخة القديم بفعل معطيات مصلحية تفكّ رابطة النسب، لمصلحة علاقة جديدة قائمة على القرب من أفراد العشيرة وتحقيق حاجاتهم المادية والاجتماعية. وهنا تتخذ الشعبوية داخل البنية العشائرية شكلاً خاصاً، إذ لا تعني إلغاء المشيخة، وإنما إعادة تعريف مصدر شرعيتها: من شرعية تستمد قوتها من السلالة إلى شرعية تستمد قوتها من الجماعة. وبذلك، لم تعد المشيخة حكراً على السلالة التي تتوارثها، بل أصبح بمقدور “شيوخ طارئين” أن ينازعوا “الشيوخ الأصليين” في احتكار شرعية تمثيل العشيرة والتحدث باسمها، الأمر الذي أسهم في تجزئة العشيرة وتوزعها على مشيخات متعددة، لكل منها ادعاء مختلف في تمثيل الجماعة. 

وخلاصة القول أن إخفاق تجربة النظام السياسي التوافقي بعد 2003، والفساد، وتقهقر البنى المدنية، أسهمت جميعها في تقويض العمل المؤسسي الحديث، وكذلك في تقويض بعض البنى العرفية التقليدية الناظمة داخل المجتمع. وعوضاً عن ذلك، اتجهت الشعبوية في ممارساتها إلى تبني قيم التماثل، وإضعاف البنى القائمة على الاختلاف، متجاوزة بذلك الوسائط التنظيمية والحوامل الطبقية. 

وهو ما جعلني أرى جماعات من السياسيين والمشتغلين في النشاط الاقتصادي والمثقفين والأكاديميين وشيوخ العشائر تتبنى قيم الشعبوية على حساب القيم النخبوية السابقة. فقد كان تكوينهم وتأهيلهم وممارستهم للعمل القيادي متعارضاً مع ما استقر عليه العمل المؤسسي في المجالات السياسية والثقافية والجامعية والاقتصادية، بل العرفية، وكأن وجودهم الأساسي ارتبط بفكرة نقض قيم المؤسسة الإدارية السابقة وقيم المجتمع، ومحاولة إيجاد بدائل قيمية تحل محل ما هو قائم. 

في الختام، الشعبوية لم تكن مجرد استجابة لظروف مرحلة ما بعد 2003، إنها نمط قيمي أخذ يعيد تشكيل علاقة الأفراد والجماعات بالمؤسسات، من خلال إضعاف القيم التي كانت تمنح العمل السياسي والاقتصادي والثقافي والأكاديمي، بل والاجتماعي، معاييره وشرعيته، وإحلال قيم جديدة محلها، تقوم على التمثيل السياسي المباشر، والشخصانية، والزبائنية، وتراجع الوسائط المؤسسية. 

  • تنشر المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية “نيريج”. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

أكاديمي وكاتب عراقي متخصص في الفكر السياسي المعاصر، وأستاذ في جامعة البصرة، حاصل على الدكتوراة في العلوم السياسية من جامعة بغداد. صدرت له عدّة أبحاث وكتب، من بينها "أصل الطيبة: نقد الهوية المصطنعة للبصريين"، و"تحوّلات السلطة في المدينة العراقية الحديثة"، و"صور الآخر في الفكر السياسي العربي المعاصر"، و"شيعة العراق: المرجعيات والأحزاب".