تحت ظلال الشعلات.. لماذا يخشى أهل البصرة التنفس بعمق؟ 

لماذا يخشى بعض أهل البصرة التنفس بعمق؟ بينما تتزايد الشكاوى من تلوث الهواء، ما تزال بعض محطات رصد جودة الهواء في البصرة معطلة. يتتبع هذا المقال ما يقوله الأطباء والباحثون والسكان عن أسباب الأزمة وآثارها الصحية على الناس.

عبد الله السعدعبد الله السعد | 30 حزيران 2026

لم تعد رؤية بستان نخيل كثيف في البصرة أمراً سهلاً كما كان قبل عقود. فالمدينة التي ارتبط اسمها طويلاً بالنخيل وشط العرب والمساحات الخضراء، شهدت خلال العقود الماضية تحولات كبيرة غيّرت شكلها وبيئتها معاً. 

تكشف صور الأقمار الصناعية للمواقع نفسها على ضفتي شط العرب حجم هذا التحول. ففي حين تُظهر صور ثمانينيات القرن الماضي أحزمة كثيفة من النخيل تغطي مساحات واسعة من ضفاف النهر، تبدو المشاهد الحديثة أقل اخضراراً وأكثر جفافاً، بعد اختفاء مساحات كبيرة من الأشجار التي شكلت يوماً جزءاً من هوية المدينة ومناخها المحلي. 

لقطة جوية تبين كثافة أشجار النخيل على ضفتي مقطع من مقاطع شط العرب عام 1985، مصدر الصورة: Google Earth. 

لقطة جوية توثق الانحسار الشديد لأشجار النخيل على ضفتي المقطع ذاته من شط العرب عام 2023؛ إثر عمليات التجريف المستمرة، مصدر الصورة: Google Earth.

 لم يكن ذلك التحول بَصرياً فقط، فمع تراجع البساتين واتساع النشاط الصناعي والنفطي تغيَّر الهواء، الأكثر التصاقاً بحياة السكان. ففي مناطق عديدة من البصرة، ولا سيما القريبة من الحقول النفطية والمنشآت الصناعية، يتحدث السكان عن روائح خانقة وغبار دائم ومشكلات تنفسية أصبحت جزءاً من الحياة اليومية. وفي أقضية مثل الزبير والدير وعز الدين سليم والمدينة، تتكرر الشكاوى من الانبعاثات التي لا تهدأ، وسط مخاوف متزايدة من آثارها الصحية طويلة الأمد. 

ولا يحتاج كثير من السكان إلى مؤشرات جودة الهواء لمعرفة أن شيئاً ما تغير. فالسعال المتكرر وضيق التنفس والطبقات الرقيقة من الغبار التي تستقر يومياً على الأسطح في المنازل وعلى السيارات أصبحت مشاهد مألوفة بالنسبة إلى كثيرين. 

وتبدو آثار هذه التحولات أكثر وضوحاً داخل المستشفيات والعيادات الطبية. 

يقول الدكتور فراس النجم، المتخصص في طب الأطفال بمستشفى الموانئ التعليمي، إن هناك علاقة وثيقة بين تلوث الهواء وازدياد أمراض الجهاز التنفسي بين الأطفال، مشيراً إلى أن الدراسات الحديثة تتحدث عن زيادة تصل إلى 40 بالمئة في بعض الأمراض المرتبطة بالجهاز التنفسي، بما فيها الربو وحساسية القصبات والالتهابات الرئوية. 

ويضيف في حديث لجمار أن الغالبية العظمى من الأطفال دون سن الخامسة الذين يراجعون العيادات والمستشفيات يعانون من اضطرابات في الجهاز التنفسي، في بيئة تتداخل فيها آثار العواصف الترابية مع عوادم المركبات ومولدات الكهرباء والأنشطة النفطية. 

وفي قضاء الدير، يروي أرشد القناص لجمار قصة فقدان شقيقته بعد إصابتها بالسرطان، ويعزو ذلك إلى الانبعاثات المتصاعدة من الحقول النفطية القريبة من مناطق السكن. ورغم أن العلاقة المباشرة بين الحالات الفردية ومصادر التلوث تحتاج إلى دراسات متخصصة، فإن مثل هذه القصص تتكرر في أحاديث كثير من العائلات التي تعيش قرب المنشآت النفطية. 

وما يرويه السكان والأطباء لا يقتصر على الملاحظات الشخصية فقط. 

فبحسب تقرير شركة IQAir المتخصصة برصد جودة الهواء، احتل العراق المرتبة الـ11 بين أسوأ دول العالم من حيث جودة الهواء خلال عام 2025، فيما تجاوزت مستويات الجسيمات الدقيقة الحدود الموصى بها من منظمة الصحة العالمية بأكثر من سبعة أضعاف. 

تصنيف العراق في المرتبة الـ11 ضمن الدول الأسوأ في جودة الهواء عام 2025، المصدر: IQAir. 

  وتشير دراسة أكاديمية للأستاذة المساعدة الدكتورة إسراء موفق رجب، الباحثة في قسم الجغرافيا بكلية التربية في الجامعة المستنصرية، إلى أن تلوث الهواء أصبح من أكثر التحديات  البيئية تعقيداً في العراق، بسبب سرعة انتشاره وعدم اقتصار تأثيره على مناطق المصدر فقط، بل امتداده إلى المناطق المجاورة والبعيدة

لكن السؤال الأهم في البصرة لا يتعلق بوجود التلوث من عدمه، بل بمصدره. 

فكيف تحولت المدينة التي عُرفت بالنخيل وشط العرب إلى واحدة من أكثر مدن العراق شكوى من الهواء الملوث؟ 

تمتلك البصرة الإجابة في باطن أرضها. فبحسب دراسة أعدها ريبين صمد عبد الله وبناز محمد زار من جامعة أربيل التقنية، تضم المحافظة 15 حقلاً نفطياً، بينها 10 حقول منتجة، وتملك احتياطيات تتجاوز 65 مليار برميل، أي ما يعادل نحو 59 بالمئة من إجمالي الاحتياطي النفطي العراقي. 

كما يبلغ إنتاجها نحو 3.35 ملايين برميل يومياً، وهو ما يمثل قرابة 79 بالمئة من إجمالي الإنتاج النفطي في البلاد. 

وترى الدراسة أن العمليات النفطية تمثل أحد أبرز مصادر تلوث الهواء في البصرة، ولا سيما في المناطق القريبة من الحقول النفطية، حيث تتصاعد الانبعاثات الناتجة عن الاستخراج وحرق الغاز المصاحب والأنشطة المرتبطة بالصناعة النفطية. 

ويتفق باحث متخصص في جامعة البصرة مع هذا الاستنتاج، موضحاً أن مشكلة تلوث الهواء في المدينة ليست نتيجة عامل واحد، بل حصيلة تفاعل معقد بين النشاط النفطي والظروف المناخية وضعف البنية التحتية البيئية. 

ويقول في حديث لجمار إن عمليات استخراج النفط وحرق الغاز المصاحب تمثل المصدر الرئيس للجسيمات الدقيقة والمركبات السامة، بينما تساهم درجات الحرارة المرتفعة والظروف  المناخية القاسية في تسريع التفاعلات الكيميائية التي تزيد من تدهور جودة الهواء. 

ويضيف أن الاقتصاد العراقي يعتمد بصورة شبه كاملة على عائدات النفط، وهو ما يجعل معالجة الآثار البيئية للصناعة النفطية أكثر تعقيداً من مجرد فرض غرامات أو  إصدار تعليمات؛ لأن المصدر الذي يمول الدولة هو نفسه المصدر الذي يُصدر نسبة كبيرة من الانبعاثات التي يشكو منها السكان. 

ومن هنا تبرز مفارقة البصرة. فالمحافظة التي تنتج ما يقارب أربعة أخماس نفط العراق، وتوفر جزءاً كبيراً من الإيرادات التي تعتمد عليها الدولة، هي نفسها المحافظة  التي يضع الباحثون والأطباء والنشطاء النشاط النفطي فيها على رأس مسببات تلوث الهواء. 

وعود أكثر من الحلول 

لا تبدو أسباب تلوث الهواء في البصرة غامضة أو مجهولة بالنسبة إلى الجهات الرسمية. فالتقارير البيئية والدراسات الأكاديمية وشكاوى السكان تتفق منذ سنوات على  المصادر الرئيسة للتلوث، وفي مقدمتها حرق الغاز المصاحب والأنشطة النفطية ومواقع الطمر الصحي ومبازل المياه الآسنة وعوادم المركبات. لكن معرفة المشكلة لم  تؤدِ حتى الآن إلى حل جذري لها. 

يقول شكر العامري، رئيس اللجنة المالية والإدارية في مجلس محافظة البصرة، إن التلوث الناتج عن حرق الغاز والعمليات النفطية يعد أحد أبرز مصادر تلوث الهواء في  المحافظة، مشيراً إلى أن الحكومة المحلية عملت خلال السنوات الماضية على دراسة أسباب المشكلة، من خلال ورش عمل ومؤتمرات شارك فيها متخصصون وخبراء. 

ويضيف أن مجلس المحافظة رفع توصية لتفعيل مواد قانونية تفرض غرامات على الشركات غير الملتزمة بالمعايير البيئية، على أن توظف هذه الأموال في دعم  المستشفيات الحكومية ومراكز علاج الأمراض السرطانية. 

كما يشير إلى وجود خطة زمنية أُعدت بالتنسيق مع شركة نفط البصرة ووزارة النفط، تهدف إلى خفض معدلات التلوث وتقليل عمليات الحرق خلال عامي 2028 و2029. 

غير أن الخطط الحكومية المعلنة لا تبدد القلق في محافظة تتكرر فيها الشكاوى نفسها منذ سنوات. فبينما تتحدث السلطات عن خفض الانبعاثات مستقبلاً، يرى ناشطون وخبراء أن آثار التلوث تظهر في حياة السكان اليومية، وأن وتيرة المعالجة ما تزال أبطأ من حجم المشكلة. 

وفق دراسة أعدتها الباحثة حنان جميل عاشور لصالح دائرة البحوث والدراسات النيابية، فإن العمليات الاستخراجية للنفط ما تزال من أبرز مصادر تلوث الهواء في البصرة؛ بسبب ما ينتج عنها من انبعاثات ومواد كيمياوية مسرطنة مرتبطة بعمليات الحرق والاستخراج. 

وفي الوقت نفسه، يواصل السكان الحديث عن تزايد أمراض الجهاز التنفسي وانتشار المخاوف المرتبطة بالأمراض المزمنة والسرطان، في ظل شعور واسع بأن التحسن  الموعود ما يزال بعيداً عن الواقع. 

بالنسبة إلى الناشط المدني عمار سرحان، لم تعد القضية تتعلق بمؤشرات جودة الهواء أو التقارير العلمية فقط، بل بما يراه الناس يومياً في أحيائهم ومستشفياتهم. 

ويقول إن الشعلات النفطية أصبحت جزءاً من المشهد المعتاد حول المدينة، فيما تراجعت البساتين التي كانت تمنح البصرة شيئاً من توازنها البيئي، مضيفاً أن الأهالي يشعرون بأنهم يدفعون من صحتهم ثمن الثروة التي تنتجها المحافظة. 

وبحسب مهدي التميمي، مدير مكتب مفوضية حقوق الإنسان في البصرة، سجلت المحافظة خلال السنوات الماضية مستويات تلوث مرتفعة جداً، ولا سيما في مركز المدينة والمناطق المحيطة بالمنشآت النفطية. 

ويقول في حديث لجمار إن قراءات جودة الهواء تتراوح بصورة متكررة بين “المقبول” و”السيئ” و”غير الصحي”، مضيفاً أن الحكومات المتعاقبة أطلقت وعوداً عديدة لتحسين الوضع  البيئي، من دون أن تنعكس هذه الوعود بصورة ملموسة على حياة السكان. 

لكن التميمي يشير إلى مشكلة أخرى تتعلق برصد الهواء وجودته، إذ يشير إلى أن عدداً من محطات الرصد البيئي في البصرة ما يزال معطلاً، الأمر الذي يحد من القدرة على مراقبة التلوث بصورة دقيقة ومستمرة، في وقت تتزايد فيه  المخاوف من انعكاساته الصحية. 

وتشير مفوضية حقوق الإنسان إلى أن حرق الغاز ومواقع النفايات ومبازل المياه الملوثة تمثل مصادر دائمة للانبعاثات، فيما تسجل المؤسسات الصحية زيادة مستمرة في  أمراض الجهاز التنفسي. 

وبين الخطط الحكومية والوعود المتكررة والدراسات التي تحذر من التلوث، تبقى آثار الأزمة أكثر وضوحاً في قصص العائلات التي تعيش قرب الحقول النفطية. فبالنسبة إلى أرشد القناص، الذي فقد شقيقته بعد صراع مع السرطان، لا تُقاس أزمة الهواء في البصرة بمؤشرات الجودة أو نسب الانبعاثات، بل بالأشخاص الذين غابوا وبالمخاوف التي ما تزال تسكن آلاف العائلات. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

كاتب مستقل، مهتم بالشأن السياسي والاقتصادي. نشرت مقالاته في مواقع مختلفة.
بمشاركة