عن “الحقبة الاشتراكية” في العراق وما يُرسَم من نهايات لها 

هل كان العراق اشتراكياً فعلاً؟ في هذا المقال يعود حيدر سعيد إلى تاريخ الدولة العراقية ليفكك واحداً من أكثر المفاهيم تداولاً والتباساً، ويقرأ ما الذي قصده رئيس الوزراء، علي فالح الزيدي، حين أعلن السعي إلى مغادرة "العقلية الاشتراكية".

حيـدر سعيـدحيـدر سعيـد | 26 حزيران 2026

(1) 


في أواخر الستينيات من القرن العشرين، نشر الأكاديمي الأمريكي مالكوم كير -الذي كان رئيس الجامعة الأمريكية في بيروت، واغتيل فيها عام 1984 وهو بهذا المنصب، في سياق الحرب الأهلية في لبنان حينئذ- دراسة مهمة عن “الاشتراكية العربية”، حاجج فيها بأن تعبير “الاشتراكية”، المستعمل في الأدبيات العربية منذ الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، لا يطابق بالضرورة ما تعنيه كلمة “Socialism” (التي تُرجمت عربياً إلى “الاشتراكية”) في الأدبيات الأوروبية، حيث نشأ المفهوم في الفكر السياسي1

وبخلاف ما يعنيه مصطلح “Socialism” في الأدبيات الأوروبية، الذي يعني -على نحو الدقة- نظاماً اقتصادياً قائماً على أساس الملكية العامة لوسائل الإنتاج (economic system characterized by the social ownership of the means of production)، وبخلاف الظهور الأول لمصطلح “الاشتراكية” في الصحافة العربية حين كانت تغطي أحداث كومونة باريس “1871”2، الذي كان قريباً من وعي معناه الأوروبي، فصكّ المصدرَ الصناعي “الاشتراكية” من كلمة “اشتراك”، التي تعني التشارك في الملكية، وبخلاف فئة قليلة جداً من النخبة العربية، ولا سيما من داخل الدائرة الشيوعية -بحسب ما يحاجج كير- ممن كانت تعي المفهوم في استعماله الأوروبي، خضعت دلالة هذا المصطلح إلى تحولات أخذته بعيداً عن معناه الأصلي، فكانت غالبية الأدبيات العربية تستعمله بمعان أخرى، ليست بالضرورة قريبة أو حافّة من المعنى الأصلي، ومن هذه المعاني الثورة الاجتماعية، والعدالة الاجتماعية، والإصلاح، وسوى ذلك. ويشمل هذا الحكم مجموعة من كبار النهضويين العرب، من قبيل فرح أنطون، وشبلي شميل، وسلامة موسى، وسواهم ممن استعمل تعبير “الاشتراكية” منذ أواخر القرن التاسع عشر، بل إنه يشمل كذلك أحزاباً وتنظيمات سياسية عربية جعلت الاشتراكية أحد أهدافها. 

وفي وقت لاحق لظهور مصطلح “الاشتراكية” في الفضاء التداولي العربي بالتأويل المختلف عن أصل استعماله الأوروبي، على نحو ما شرحت فيما تقدم، ظهرت في العالم العربي -ولعلي أتحدث عن مشرقه تحديداً- نزعة دولتية، تجعل جوهر النضال السياسي إقامة دولة كفوءة، تتولى تنظيم المجتمع، وتتحمل مسؤولياتها في خدمته. 

وقد لاحظتُ حين درستُ جماعة الأهالي، التي ظهرت في العراق في النصف الأول من ثلاثينيات القرن العشرين، أن هذه النزعة طبعت الجيلَ الذي خلف الجيل المؤسس لدولة المشرق، الجيل الذي تشكل وعيُه السياسي في كنف الدولة الناشئة، وهو يختلف عن الجيل المؤسّس في أنه لا يقتصر -كما يفعل هذا الأخير- على الاستقلال ورسم حدود الدولة وكيانها وشرعيتها في النظام العالمي، بل على الدولة نفسها من حيث هي آلة حكم. 

تزامنت الدولتية مع الاشتراكية بعض الوقت، وإن كانت قد أعقبتها في الظهور، بل إنها تقاطعت معها في بعض الأحيان، غير أن الأكيد أن الدولتية نبعت من مصادر فكرية وأيديولوجية غير المصادر التي نبعت منها الاشتراكية. 

ولا أنفي أن بعض حالات التقاطع حدث داخل دائرة اليسار الذي يعتنق الاشتراكية، الأمر الذي أنتج فهماً يرادف -على نحو ما- بين الدولتية والاشتراكية، أو يجعلهما قريبتين ويتعامل معهما من جهة أنهما ينتميان إلى دائرة مفهومية واحدة. وفي تقديري، عمّقت التجربة السوفيتية هذا الفهم، إذ انطلقت من فهم أن الدولة هي الأداة الضرورية لتحقيق الاشتراكية، وأن الوصول إليها يحتاج إلى “رأسمالية الدولة” أداةً في الانتقال التدريجي نحو الاشتراكية، بحسب ما اختار لينين، وسط سجال على هذا الموضوع، وخلافٍ بين رفاقه الماركسيين والاشتراكيين البلاشفة، وداخل التراث الماركسي الذي يسبق الثورة البلشفية3

غير أن الأمر ذهب أبعد حين حلّت “رأسمالية الدولة” محل الاشتراكية، فأصبحت الدولة، أو النخبة الحزبية الحاكمة، تملك وسائل الإنتاج من دون أن تحقق “ملكية عامة”. هذا التحليل قدّمه المنظر الاشتراكي الثوري البريطاني توني كليف، الذي حلّل الدولة الستالينية4

وبكلمة، اختزلت الدولتيةُ الاشتراكيةَ وابتلعتها. وأنا أحاجج بأن لكل من الاشتراكية والدولتية حقلاً مفهومياً مختلفاً، يتقاطعان في بعض الأحيان، نعم، ولكن كلاً منهما يمكن أن يصل إلى نتائج تختلف عمّا يصل إليه الآخر على نحو جذري. 

وسنرى لاحقاً كيف أن ما تركته الحقبة السوفيتية من ظلال وحمولات ظل يؤثر في كيفية فهم “الاشتراكية” واستعمالها وتداولها وتطبيقها. 

(2) 

هل شهد العراق الحديث حقبةً اشتراكية؟ 

لا أعني بهذا السؤال الدعوات إلى “الاشتراكية”، بأي معنى كان لها، أو الحركات الفكرية والسياسية والأيديولوجية، الحاملة لفكرة إقامة نظام اشتراكي، بل أقصد قيام دولة تتبنى “الاشتراكية” وتتخذ إجراءات، بأي قدر كان، لتحقيقها. 

إذا كان من الممكن الإجابة على السؤال المتقدم بالإيجاب، فيمكن القول إنه قد يصدق على الحقبة الجمهورية منذ قيامها في 1958، مروراً بعهودها وتنويعاتها، الحقبة العارفية، وحقبة البعث على نحو أساسي. وهذه الأخيرة، التي شكّلت المساحة الكبرى من جمهورية ما قبل 2003، لا يمكن التعامل معها بوصفها قطعة تاريخية واحدة، فهي شهدت في هذا المجال وغيره تنوعات وتغيرات، إن لم أقل تحولات وانعطافات. 

شهدت الحقبةُ الجمهورية محاولات للقضاء على أشكال من الملكية الخاصة وبناء “ملكية عامة”. وقد تكرّس الأمر في حقبة البعث، الذي قدّمنا بأنه كان المساحة الكبرى تاريخياً في هذا المجال. 

غير أن عصام الخفاجي في أطروحته الرائدة عن “رأسمالية الدولة الوطنية”، التي تناولت النظام الاقتصادي في حقبة البعث وطبيعة علاقته بالمجتمع، أثبت أن ما قُدّم بوصفه نظاماً اشتراكياً هو في الحقيقة نظام “رأسمالية الدولة”، مستعيراً هذا المفهوم من الأدبيات الماركسية -التي قَدّمتُ الإشارة إليها وإن على نحو عابر- وأن عمليات التأميم كانت سيطرة للدولة أو الفئة الحزبية القليلة الحاكمة على القطاع العام، لتكون هي مالكةَ رأس المال، فتعمل على تراكم رأسمالي، من دون أن تتمكن من إبداع ملكية عامة لوسائل الإنتاج5. ومن ثم، لم يكن التأميم سيطرة فعلية للأمة كما يوحي المصطلح، بل كانت السيطرةُ للدولة مالكة رأس المال، ولكن، باسم الأمة. 

كان نظام رأسمالية الدولة يعتمد في واحدة من استراتيجياته الأساسية في الحالة العراقية على ما تقدّمه الدولة للمجتمع من سلع وخدمات، تشتري بها خياراته السياسية. ومن ثم، كان عراق السبعينيات، الذي يوصف بأنه “اشتراكي”، هو النموذج النمطي للدولة الريعية القمعية. 

ومع ذلك، وكما قدّمتُ بأن حقبة البعث لم تكن قطعة تاريخية واحدة، لم يكن النموذج الريعي شكلاً واحداً متماسكاً يتمتع بالقوة والكفاءة نفسها في سائر حقبة البعث وسنواتها الـ35، بل كان يشهد تغيرات مع تغيرات السياق السياسي وتطوراته التي عاشها نظام البعث. وفي صدارة ذلك حرب إيران في الثمانينيات، التي تركت أعباء قاسية على الدولة، فقدت معها جزءاً مهماً من كفاءتها في توزيع الريع على المجتمع. 

كان هذا، إلى جانب ضغوط غربية، وتحديداً أمريكية، على نظام صدام حينئذ لاتخاذ إصلاحات ليبرالية وهو في طريقه لأن يكون حليفاً للغرب، هو العامل الرئيس لأن يتخذ النظام في العام 1987 سلسلة إجراءات، سمّاها “ثورة إدارية”، كانت في جوهرها شكلاً من أشكال الخصخصة، إذ جرى تحويل مجموعة من المنشآت المملوكة للدولة، أي القطاع العام، إلى ما يُعرف بـ”القطاع المختلط”، الذي يتشارك فيه القطاع الخاص مع الدولة. وهو الأمر الذي أفسّره هنا تفسيراً سياقياً مرتبطاً بمتغيرات سياقية، كأعباء حرب إيران والضغوط الغربية، ويمكن تفسيره تفسيراً بنيوياً كذلك، إذا استعملنا الإطارَ الذي وضعه الخفاجي، الذي رأى أن أحد السيناريوهات التي يمكن أن تتحرك نحوها رأسماليةُ الدولة هو أن تنمّي بنفسها قطاعاً خاصاً، تتحالف معه أو تدعمه، وستبقى هي الأساس في وجوده، إذ سيظل مشروطاً بها على الدوام6

ومع التسعينيات وحصارها ازداد ضعف الدولة، لتكف عن جلّ ما كانت تقوم به وتقدّمه للمجتمع، في إطار علاقتها الزبائنية به، التي وفّرها النموذج الدولتي – الريعي الذي تشكّل في السبعينيات، ولتنمو داخل المجتمع العراقي -من ثم- ظواهرُ، كلها من نتائج ضعف الدولة، بحسب ما أقدّر، ولا مجال للوقوف عندها هنا، سوى أن نشخّص أن تسعينيات العراق لا تزال صندوقاً أسود، ثمة مساعٍ يسيرة لمقاربتها، ولكنها تستحق المزيد والمزيد من البحث، ولا سيما أن نظام ما بعد 2003 أقيم عليها، على ما تبقى منها وأشلائها. 

(3) 

أدافع دائماً عن فكرة لا أملّ من تكرارها، وهي أن الغزو الأمريكي للعراق ومشروع تشييد نظام بديل عن نظام صدام استندا، بدءاً، إلى رؤية نيوليبرالية، صمّمها الأمريكان أو التيار السائد داخل الإدارة الأمريكية حينئذ، التي كانت مسؤولة عن  اتخاذ قرار الغزو وإسقاط النظام وإدارة الأوضاع ما بعد الحرب، وأعني تحديداً تيار المحافظين الجدد وبعض شخصياته النافذة المؤثرة، التي كان جزء مهم منها واقعاً تحت تأثير التنظير النيوليبرالي، سواء بمصادره الفلسفية (ليبرتارية روبرت نوزيك)، أو نسخته البرنامجية التي وضعها ما يُعرف بـ”مدرسة شيكاغو في الاقتصاد”، ومنظروها الأساسيون هم ملتون فريدمان، وجورج ستيغلر، ومن أعقبهما من اقتصاديي جامعة شيكاغو.  

يرى هذا النمط من التنظير أن المجتمعات البشرية تميل بطبيعتها إلى اختيار أنظمة الحرية، وأن الدولة تقيّد هذه النزعة، ما يجعلها منتجةً للاستبداد بذاتها، وأنه ينبغي الركون إلى قدرة الأسواق على تنظيم النشاط الاقتصادي، فالحرية الاقتصادية هي التي ستفضي إلى الحريات السياسية، ولن تتحقق أنظمة الحرية والديمقراطية إلا بإضعاف الدولة، أو تحديد دورها إلى مجموعة من الوظائف التي يعتقد هذا التيار أنها أساسية ولا مناص عنها، وصولاً إلى الصيغة/ الهدف، التي يُطلَق عليها في الأدبيات النيوليبرالية “دولة الحد الأدنى Minimal State”. والنيوليبرالية، من ثم، معادية للاشتراكية (أشكال الملكية العامة)، وللدولة، أو تدخلاتها في أقل التقديرات7

من هنا، لم يكتف هذا التيار، الذي اتخذ قرار الغزو، بتفسير الاستبداد العراقي من منظور الاقتصاد السياسي والنموذج الريعي، بل إنه وضع الدولة نفسها مصدراً للاستبداد. وبسبب ذلك، كانت خطته للانتقال الديمقراطي في العراق والخروج عن حالة الاستبداد تستند إلى إضعاف الدولة وتقوية المجتمع بإزائها. ومن يقرأ الوثائق والتصورات التي وُضعت لمسار الانتقال في العراق سيكتشف أن خطط معالجة مشكلة الريعية، والنظام الاقتصادي، وعلاقة الدولة بالثروة، والقطاع العام، وحدود دعم الدولة، والصناعة، والتجارة، والأنشطة الاقتصادية المختلفة، وسياسات الضرائب، والمجتمع المدني، إنما تتبنى رؤية من هذا النوع، رؤية تتجاوز فكرتَي “التوافقية” و”اللامركزية”، اللتين أزعم أنهما كانتا الركنين الجوهريين في الرؤية الأمريكية للانتقال في العراق، لتصل إلى جوهر فكرة الدولة نفسها. 

غير أن هذه “الخطة النيوليبرالية” لعراق ما بعد الاستبداد لم تمضِ بيسر، وإن كانت قد تركت آثاراً واضحة، فقد واجهت مقاومةً من النخبة العراقية التي تصدت للحكم. وفي تقديري، لم تنبع هذه المقاومة من موقف مدافع عن الدولة، بل كانت ثمة خشية من أن تؤدي الإجراءات النيوليبرالية ورفع دعم الدولة إلى سخط اجتماعي عام، في مجتمع شكّلت الدولتية ثقافته السياسية، وألِف أنها كيان داعم، وإن كان قد افتقد ذلك في حقبة الحصار في التسعينيات، إلا أن تلك الحقبة لم تضع منطق السوق بديلاً لدور الدولة، وقد كان هذا مستحيلاً طبعاً، في حين أن التهديد الذي تحمله الخطط النيوليبرالية لعراق ما بعد 2003 هو أن يغيب دور الدولة الداعم ويتحكم منطق السوق. 

ثم تطور موقف النخبة العراقية الحاكمة من الإجراءات النيوليبرالية، من خشيتها من أن تفضي إلى سخط اجتماعي عام، إلى أن تتحول الدولتية وإجراءاتها إلى أداة للسيطرة على المجتمع. تطورت هذه النزعة في حقبة المالكي، ولا سيما في ولايته الثانية (2010 – 2014). 

وإذا كانت دولة الخدمات، التي شهدها العراق في السبعينيات وشطر من الثمانينيات، وكانت من سمات النموذج الدولتي – الريعي، لم تعد موجودة، أو فشلت النخبة الحاكمة في إعادة بنائها، بعد الضرر الكبير الذي لحق بها في التسعينيات، والسياق النزاعي والدامي والعنيف الذي رافق عمليات بناء الدولة ما بعد 2003، فإن الريعية العراقية ما بعد هذا التاريخ شهدت نموذجاً مختلفاً بالكامل عن ريعية السبعينيات، إذ تحولت الدولة إلى مجرد جهاز لإعادة التوزيع المالي للريع، بما يضمن السيطرة التي كانت توفرها الريعية التقليدية، وإن اختلف الأسلوب الزبائني بين الاثنين. من هنا، وبسبب ذلك، وحاجة النظام الحاكم إلى أدوات للبقاء، جرى توسيع غير مسبوق للقطاع العام. والمقصود بـ”توسيع القطاع العام” هنا زيادةُ أعداد الموظفين الحكوميين، وزيادة ما يُنفَق عليهم من رواتب من أجل ذلك، من دون أي معنى آخر، لا توسع في مؤسسات الدولة العامة، ولا في خدماتها، ولم تمتد الخدمات القائمة لتصل إلى شرائح اجتماعية، أو قطاعات لم تكن تصل إليها، بل إنها انحسرت وتراجعت كمّاً ونوعاً. 

بدأت إجراءات التوسع في التوظيف منذ العام 2005، لترتفع أعداد الموظفين من نحو مليون ومئتي ألف عشية الغزو الأمريكي للبلاد8، إلى نحو أربعة ملايين و600 ألف، بحسب ما أدلى به رئيس الوزراء محمد شياع السوداني أواخر العام 2025 9. ويشمل هذا الرقم منتسبي الأجهزة الأمنية. وهناك، بحسب السوداني نفسه، نحو ثلاثة ملايين متقاعد مدني وعسكري، ليتجاوز عدد المواطنات والمواطنين العراقيين الذين يتسلمون رواتب من الدولة ثمانية ملايين، إذا أدخلنا في الحساب، إلى جانب الموظفين ومنتسبي الأجهزة الأمنية والمتقاعدين، المتعاقدين والمشمولين بشبكة الحماية الاجتماعية. 

ومهما تكن من تفسيرات وتبريرات لهذه الزيادة، وفي صدارتها النمو الديموغرافي للشعب العراقي، والحاجة إلى استيعاب الشباب الداخلين إلى سوق العمل، فإن المعطى الذي يمكن الاتفاق عليه هو أن هناك زيادة غير مسبوقة في أعداد الموظفين، وتضاعفاً لا يمكن تفسيره من خلال الوتيرة المعتادة للنمو الديموغرافي. 

بات التوظيف غاية بذاته. وبات المطلب أو الحلم الذي يحدّد مسعى شطر غير قليل من الشباب العراقيين هو الحصول على وظيفة في إحدى مؤسسات الدولة، من دون التفكير بالقيمة الإنتاجية لهذه الوظيفة، بل في إطار تضامن عام على أن القطاع العام مترهل ومحدود القيمة. وقد لاحظنا سابقاً أن مفهوم “البطالة” شهد تحولاً في الثقافة السياسية للعراقيين ومدركاتهم، فلم يعد يعني افتقاد فرصة العمل، بل افتقاد العمل في الدولة10. وهذا في سياق تنامي ما يعرف بـ”الاقتصاد غير الرسمي”، أو “غير المنظم”11، الذي بات يستقطب نحو 55 بالمئة من العاملين، بحسب تقديرات صندوق النقد الدولي. وبسبب ذلك بات “التوظيف الحكومي” شعاراً ترفعه التنظيمات السياسية المتنافسة في حملاتها الانتخابية. 

هذا هو إذن النظام الاقتصادي الذي تشكل ما بعد 2003 رؤية ومساراً: أنشأته رؤية نيوليبرالية معادية للدولة، وانتهى إلى دولتية – ريعية غير كفوءة، افتقدت -بسبب ما خلّفته الرؤية النيوليبرالية والمسار المتعثر للدولة منذ الثمانينيات- قدرتَها على رعاية المجتمع وتقديم الخدمات له، ولم يبق من هذه القدرة سوى ما تملكه من أموال الريع النفطي توزعه على الشعب، وليتحول نموذجها الزبائني من صيغة “خدمات في مقابل الحريات المدنية والسياسية”، التي انبنت في السبعينيات والثمانينيات، إلى “مال عَيْنيّ وتوظيف براتب في مقابل الحريات المدنية والسياسية”. 

(4) 

لا أريد أن أستغرق في تاريخ الأفكار، الذي بات يستهويني أكثر من أي شيء آخر، ولست بصدد التأريخ لفكرة “الاشتراكية” ودلالات المصطلح في الثقافة العربية، وأنا بصدد كتابة مقال سياسي مباشر. 

ما أردت أن أبرهن عليه هو أن الاستعمال المبسط لمصطلح “الاشتراكية” -الذي عادة ما يكون هجائياً، وهذا هو الغالب في الحديث عن “الاشتراكية”- لا يكون في الأغلب الأعم منه واعياً ومدركاً لمعنى “الاشتراكية”، ولا لحدود تجسّدها نظاماً اقتصادياً فعلياً في العراق. إنه ليس أكثر من استعمال مرسل، لم يكلّف مستعملوه أنفسَهم عناء التنقيب، والبحث، والتدقيق. 

وقد وصل الأمر إلى الدائرة السياسية نفسها، وكان آخر الملتحقين بقطار إساءة استعمال مصطلح “الاشتراكية” وإساءة فهمه رئيس الوزراء العراقي الجديد علي فالح الزيدي، الذي افتتح حقبتَه بما يشبه المانفيستو معلناً أن الدولة العراقية ذاهبة إلى مغادرة ما سمّاها “العقلية الاشتراكية”. 

أدلى الزيدي بهذه الرؤية في كلمة ألقاها في وزارة المالية في بغداد، التي زارها يوم 23 أيار 2026، بعد أقل من عشرة أيام على نيل حكومته ثقة البرلمان. 

لا أريد أن أتوقف طويلاً عند تحليل الكلمة، الذي استغرق نحو سبع دقائق فقط، ولكن يهمني أن أوضّح أن الحديث عن “مغادرة العقلية الاشتراكية” أتى في سياق تحليل أزمة الاقتصاد العراقي الأخيرة، الناتجة من توقف أو انحسار تصدير النفط بسبب الحرب الأمريكية-الإيرانية الأخيرة وإغلاق مضيق هرمز. وقد عبّر الزيدي عن أنه من الصحيح الاعتقاد بأن أزمات الاقتصاد العراقي ترتبط بموقعه الجيواستراتيجي والأزمات التي تعيشها المنطقة، ولكنها أساساً نتاج اعتماده على النفط بما يتجاوز 90 بالمئة. ولذلك واجه البلد أزمة حقيقية حين حدثت الحرب الأخيرة وفقد قدرته على تصدير النفط12

لا أضع على الرجل إثماً كبيراً في الاستعمال الخاطئ للمفهوم، الذي ربما يكون نتاج نصيحة من أحد مستشاريه، فثمة إرث طويل من هذا الاستعمال الخاطئ، وسوء الاستعمال والتمثيل، الذي يضع على تعبير “الاشتراكية” رهاناتٍ لا تتطابق مع جوهر المفهوم. 

لم يبتكر الزيدي هذا الخطأ، ولم ينته الخطأ به. ولكن المشكلة، في تقديري، تكمن في الكيفية التي يفهم بها رئيس الوزراء النظام الاقتصادي في بلاده وطبيعة العلاقة بين الدولة والاقتصاد، الذي أطلق عليه وصفاً عاماً شديد الاختزال، بل الخطأ، وهو أنه اشتراكي. وهو أمر أثار استغراب كل عارف بمجريات الأمور، منذ العام 2003، بل منذ حقبة البعث. 

ولكن، ما المعنى الذي أراد الزيدي إيصاله من خلال استعمال تعبير “الاشتراكية” ولم يحالفه التوفيق؛ بسبب عدم إدراكه للمعنى الدقيق لهذا التعبير في الفكر السياسي والاقتصادي؟ ما “الاشتراكية” التي يتصوّرها ويريد أن يلغيها نهجاً للدولة العراقية؟ والقراءة النقدية المتعمقة لتجربة العراق تكشف أنه لم يعرف يوماً نظاماً اشتراكياً. كل ما كان هناك هو شعارات، أو معانٍ ملتبسة ومغلوطة، يجري تداولها على أنها “الاشتراكية”. 

ما يَرْشح من حديث الزيدي في وزارة المالية أن رؤيته الاقتصادية تقوم على ركنين: تنشيط الاقتصاد غير النفطي، والتخفيف من أعباء الدولة. وهذان الأمران في تقديري هما طموحان أو رغبتان أكثر مما هما رؤية وخطة، وقد عاشتهما سائر البلدان النفطية، ومنها العراق، ومنها بلدان الخليج القريبة، وهما يتكرران على نحو مستمر ومطرد، بحيث باتا من الموضوعات الكلاسيكية، وتراكم عنهما كمّ كبير من الأدبيات، وقد فتح الموضوعُ الأول، أي تنشيط الاقتصاد غير النفطي، حقلاً بحثياً وسياساتياً كاملاً، يُعرف في الأدبيات المختصة باسم “التنويع الاقتصادي”13

عبّر الزيدي عن هذا الطموح بجملة تستند إلى البلاغة اللغوية ولا تفكّر بالتفاصيل، فقال: “نريد اقتصاداً يدير الدولة، لا دولةً تدير الاقتصاد”، ثم لخّص “رؤيته” هذه بأنه “يريد مغادرة العقلية الاشتراكية”. 

لم يجد الزيدي في معجمه للتعبير عن هذه الأزمات الاقتصادية -وهي عبء الاقتصاد النفطي ومخاطره، وضغط أعباء الدولة- سوى تعبير “الاشتراكية”. 

يريد الزيدي التخفيف من أعباء الدولة. ومع ذلك، تتقافز في حديثه أو رؤيته أدوار ما للدولة، إذ حرص على طمأنة الشرائح الفقيرة، وتلك التي لها التزامات مالية على الدولة، ثم أكّد على دور الدولة في دعم القطاع الخاص وتنظيمه. 

إذن، ما معنى “التخفيف من أعباء الدولة” في رؤية الزيدي؟ هل يريد أن يحد من دورها؟ دورها في ماذا تحديداً؟ هل يريد أن يحد من القطاع العام؟ هل هناك قطاع عام فاعل في العراق أصلاً، غير أعداد الموظفات والموظفين التي تتزايد من دون حاجة، ولا إنتاجية، ولا منطق سوى أنه ما يشبه “الرشوة”، تقدّمها الدولة للمجتمع لتأخذ منه الكثير؟ هل يريد الزيدي أن يعود إلى “الخطة النيوليبرالية” التي ابتدأ بها الأمريكان سيرتَهم في العراق؟ هل فكّر بهذا جدياً؟ كيف والإطار السياسي الذي رشّحه انقلب على النيوليبرالية، وطوّر شكلاً جديداً من دولتية البعث كأداة للسيطرة على المجتمع وابتلاعه؟ هل يريد الزيدي أن يعيدنا إلى “دولة الحد الأدنى”؟ ولكن، ما “الحد الأدنى” لفاعلية دولة تدير بلداً اقتصادُه نفطي، يعود عليها بثروات هائلة، ولكن نسب الفقر والبطالة فيه عالية في الوقت نفسه، والتعليم متدن، وخدمات الصحة الحكومية متدنية، والتفاوت الطبقي يزداد بانتظام؟ إن لم تُستَغَل ثروات البلاد لمعالجة كل هذه الأمراض الاجتماعية والاقتصادية، كما فعلت بلدان نفطية عدة في العالم، فما نفعُها إذن؟ هل يختزل الزيدي “الاشتراكية” بـ”التوظيف”؟ هل المعنى الحقيقي لما قاله -إلى جانب الطموح باقتصاد غير نفطي ودولة متخفّفة الأعباء- هو “لا وظائف في الدولة بعد اليوم”؟ هل باشر فعلاً بخلق اقتصاد منتج يحتضن من يريد أن يُلقي بهم إلى الخارج؟ هل فكّر بالإفادة من تجارب الدول التي سارت فعلياً في طريق “التنويع الاقتصادي”، وتبنت برامج رسمية في هذا المجال، ليعرف أين نجحت، وأين أخفقت، وما عوامل النجاح والإخفاق؟ 

ومرة أخرى، هل يستطيع الزيدي مواجهة إطاره السياسي، الذي رسّخ نظاماً اقتصادياً وسّع فيه القطاع العام، الذي بات لا يعني سوى التوسع في التوظيف، ولكن من دون إنتاجية، ليُخضِع من يوظَّفون في القطاع العام برواتب تصادر حرياتهم المدنية وخياراتهم السياسية؟ 

هل فكّر الزيدي جدياً بهذه الأسئلة كلها قبل أن يطلق شعاراً كأنه مانفيستو جديد للدولة ونظامها الاقتصادي وعلاقتها بالمجتمع؟ 

أما كان يجدر به بدلاً من ذلك، وإذا كان قد قرّر فعلاً فتح الباب لمراجعة شاملة، أن يؤسّس لنقاش رصين، فيدعو إلى حوار وطني عام يشارك فيه العراقيون والعراقيات، والنخب، والمختصون، والأكاديميون، والمثقفون، والأطراف السياسية، والمجتمع المدني، حول المأزق الذي وصلت إليه الدولة العراقية، ووظائفها، ومسؤولياتها، وطبيعة علاقتها بالمجتمع، حوار بخطة وبرنامج زمني محدد، ويلتزم بإعلان نتائج ورؤى تنفيذية تنظر فيها الدولة ومَن على إدارتها، لا للاستئناس وتزجية الوقت، بل من باب أن هذا مُخرَج لحظةِ تفكير عامة، وضعت خطةً لتخرج الدولة من مأزقها، حوار يخرج عن منطق البلاغة اللغوية، وعن منطق “دع الشعب يمارس اللغو، حريتَه في التعبير، دعه يكتب أحلامه وطموحاته بالحياة الكريمة والعدالة، ودعنا نستمر في التسلط”. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

باحث وكاتب من العراق، رئيس قسم الأبحاث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وحاصل على شهادة الدكتوراه في اللسانيات من الجامعة المستنصرية في بغداد عام 2001.