في بقعة من الجنوب، حيث يلف مدينة سوق الشيوخ ضجيج النهار وصمت الليل الثقيل، بدأت حكاية حسين (اسم مستعار)، الشاب العشريني الذي لم يتخيل أن صداقات عادية ستقوده إلى مواجهة جماعة دينية غامضة.
يقول حسين إن الأمر بدأ بشكل طبيعي عبر لقاءات مع شبان تعرف إليهم بواسطة أصدقاء، فكانوا يجتمعون في المنازل ويشاركون في المجالس الحسينية وعزائها من دون أن يكون هناك ما يثير الريبة، بيد أن مسار اللقاءات بدأ يتغير ببطء.
تحولت الأحاديث إلى نقاشات غريبة تضمنت أفكاراً غير مسبوقة، إذ بدأ أفراد المجموعة يتحدثون عن الإمام علي بن أبي طالب بكلام له منحى متطرف، مدعين أنه “إله” يستحق التقديس المطلق، وأن إثبات الولاء يتطلب التضحية بالحياة.
لم يستوعب حسين المقصد في البداية، لكنه لاحظ منح كل شخص يقترب من المجموعة رقماً تسلسلياً مجهول الهدف، مثل الرقمين 120 و140، ما جعل التنظيم يبدو سرياً.
لم يتوقف الأمر عند ذلك، بل طُلب منه استقطاب شباب صغار السن يسهل التأثير في أفكارهم، ولا سيما أن بعضهم يكون مستواه الثقافي متدنياً ولا يكاد يتهجى الكلمات، ما يجعلهم أكثر قابلية للتصديق من دون نقاش.
في تلك الأثناء، تزايدت الأنباء عن انتحار أشخاص شنقاً بدواعي الانتماء إلى “جماعة القربان” حباً بالإمام، من دون معرفة الأسباب الحقيقية.

وذات ليلة، عُقد اجتماع في منزل أحد الأفراد بإشراف قائدهم، حيث جلسوا في دائرة صامتة أمام شموع مشتعلة، وبينما كان القائد يتلو أدعية وطلاسم تمجّد الإمام وتضعه في منزلة الرب انطفأت شمعة حسين، فاعتبروا ذلك تبريكاً وإشارة إلى أنه “المختار للقربان”.
أبلغوه بوجوب إنهاء حياته بالانتحار شنقاً، وهو الأسلوب المتعارف عليه في ذي قار، أو بإطلاق النار، وعندما حاول التراجع رفضوا ببرود قائلين: “هذا اختيارك مع الإمام ولا رجعة فيه”.
لم يجد مخرجاً سوى طمأنتهم بالتنفيذ، لكنه لجأ فوراً إلى القوات الأمنية وقدم شكوى رسمية.
بسبب افتقاره إلى القدرة على الحفظ وعدم حصوله على شهادة أكاديمية، لم يحفظ حسين كل ما كانوا يرددونه، لكنه منذ تلك اللحظة ما زال يتلقى رسائل تهديد بالتصفية عبر تطبيق “تيليغرام”.
يعيش اليوم في خوف دائم، مختبئاً داخل منزله، ولا يخرج إلا بحماية شقيقه، لتتحول قصته من بحث عن الروحانية إلى نجاة لم تكد تتحقق من طقوس جماعة سرية تضع الإمام في مقام الألوهية.
الزعيم في مشهد
كشف ضابط تحقيق في جهاز أمني رفيع المستوى، في حديث خاص لجمّار، عن خيوط غامضة تقف خلف “جماعة القربان”، التي يصفها الأمنيون بأنها من أكثر الجماعات الفكرية تطرفاً وغموضاً.
وفقاً للضابط، تفيد المعلومات الأمنية بأن زعيم الجماعة، وهو عراقي يدعى علي عبد المنعم، يحمل فكراً يقوم على تقديس الإمام علي لدرجة اعتباره “خالق الكون”.
ويتخذ عبد المنعم من مدينة مشهد الإيرانية مقراً لإقامته منذ سنوات، بعد أن تنقّل في ثمانينيات القرن الماضي بين أحزاب إسلامية عراقية عدة قبل تبلور أفكاره المتطرفة.
وتؤكد الأجهزة الأمنية أنها ما زالت عاجزة عن تفسير تطور فكر هذا الرجل، بيد أن المؤكَّد هو اعتماد الجماعة استراتيجية استهداف الشباب بين سن 12 و20 عاماً، ولا سيما من الفئات الهشة اجتماعياً ونفسياً ومن ذوي التعليم المحدود.
وتستغل الجماعة هذه الظروف لتغذية عقولهم بوعود “الحياة الأبدية” والنعيم في الآخرة، ودفعهم إلى الانتحار بوصفه طريق الخلاص من “آلام الدنيا”، في أسلوب نفسي يحاكي دعايات تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).
تبدأ عملية الاستقطاب بطريقة غير مريبة، إذ يتصرف الأفراد كمتدينين عاديين يشاركون في المجالس الدينية ويرافقون الشباب إلى العتبات المقدسة، ولا سيما في إيران، قبل طرح أفكارهم تدريجياً.

ومع أن المعلومات عن الطقوس الكاملة ما زالت محدودة، إلا أن أغلب الموقوفين -الذين يبلغ عددهم حالياً العشرات- هم ممن فشلت محاولات انتحارهم أو اعتقلوا قبل التنفيذ.
تنظيمياً، تعمل الجماعة وفق هيكلية “التنظيم الخيطي” السرية، حيث تُقاد كل مجموعة صغيرة بمعزل عن الأخرى، ما يجعل كشف الشبكة الكاملة بالغ الصعوبة.
وفي حين أن عدد الأتباع في ذي قار غير محدد بدقة، تشير تقديرات أمنية إلى أن العدد الإجمالي لأتباع الجماعة قد يتجاوز ألف شخص، مع تمركز واضح في قضاء سوق الشيوخ جنوب الناصرية.
كشف مصدر استخباري أن نشاط الجماعة بدأ يمتد إلى محافظات الديوانية والبصرة وميسان وبابل.
وتمتلك الجماعة كتاباً خاصاً بعنوان “الإمام علي”، يضم روايات تضفي صفات ربوبية وقدرات إلهية على الإمام، مستهدفة بشكل رئيس المراهقين دون سن الـ18 عاماً.
ويحذّر المصدر من اتساع مساحة انتشار هذه الجماعة في ظل غياب نصوص قانونية واضحة تجرّم الأفكار بحد ذاتها، واستغلالها هامش حرية التعبير للتوسع واستقطاب مزيد من الأتباع.
مؤشرات مقلقة
يرى د. عدي بجاي، أستاذ علم الاجتماع، أن هذه الجماعات تسعى لصناعة اختلاف عن المجتمع عبر تقديم نفسها بوصفها طريقاً مغايراً، مستندة إلى منظومة قيم وأعراف تمنح أتباعها شعوراً بالانتماء إلى دائرة مغلقة.
ويصنف بجاي هذه الحركات ضمن الجماعات “الباطنية”، التي تعتمد تفسيراً سرياً للدين يؤسس لنظام روحي مختلف عن الفهم السائد.
وفي تفسيره لفكرة “القربان”، يوضح بجاي لجمّار أنها تُقدَّم بوصفها وسيلة للتقرب الروحي من الإمام علي وأعلى درجات الإخلاص.
ويشير إلى أن هذا المفهوم ليس جديداً، بل يمتد إلى عصور سابقة للإسلام، بيد أن الجماعات المتطرفة تعيد توظيفه كـ”دين خلاصي”، يوهم الشباب بأن التضحية القصوى تمنحهم تسامياً روحياً ومكانة استثنائية، ما يجعلهم أكثر عرضة للتأثر بالخطاب العاطفي المغلق.
على صعيد الأرقام، كشف علي الناشي، رئيس منظمة التواصل والإخاء الإنسانية وعضو لجنة مكافحة التطرف في ذي قار، عن مؤشرات مقلقة.
سجلت المحافظة عام 2025 نحو 85 حالة انتحار، ارتبطت 15 حالة منها بدوافع دينية متطرفة.

وفي السياق ذاته، أكد مصدر في جهاز الأمن الوطني بذي قار اعتقال نحو 35 شخصاً عام 2025 بتهم الانتماء إلى هذه الجماعة، مبيناً أن العدد الحقيقي للموقوفين قد يكون أعلى بكثير، في ظل مشاركة أجهزة أمنية أخرى في التحقيقات.
هذه الظاهرة ليست الأولى في العراق، فقد سبقتها جماعات تركز نشاطها في مدن الجنوب (الناصرية والبصرة وميسان)، رفعت شعارات الارتباط بالإمام المهدي.
ومن أبرزها حركة “اليماني الموعود” التي أسسها أحمد إسماعيل كاطع مطلع الألفية.
كاطع، وهو خريج هندسة وطالب حوزة، بدأ الترويج لأفكاره عام 2002. وعلى الرغم من اعتقاله في عهد النظام السابق عاد عام 2004 ليعلن دعوته علناً، ويمنح نفسه لقب “أحمد الحسن اليماني الموعود”، مدعياً التواصل المباشر مع الإمام المهدي، وهو الإمام الأخير لدى الشيعة الاثني عشرية، الذين يعتقدون أنه ما زال حياً منذ ولادته عام 869م ومتخفياً، منتظرين ظهوره لنشر العدالة في الأرض.
استقطبت الحركة أتباعاً وأسست مكاتب عدة، وأصدرت صحيفتَي “الصراط المستقيم” و”صرخة الحق”، قبل أن تتحول إلى التسلح.
وفي محرم عام 2008 اندلعت مواجهات مسلحة مع القوات الأمنية، أسفرت عن مقتل أربعة قادة أمنيين وعشرات الأتباع، وانتهت بتفكيك الحركة واختفائها تماماً.
بيئة ملائمة للغلو
عقب حركة “اليماني”، برزت حركة “أصحاب القضية” (الممهدون للمهدي)، التي تتركز في جنوب العراق، ولا سيما في الناصرية، وتتبنى فكراً يرى في الأمريكيين شخصية “السفياني” الذي سيحاربه الإمام المهدي عند ظهوره.
انقسمت الحركة إلى تيارين: “روح الله” الذي يعتقد بغيبة الزعيم الإيراني الراحل روح الله الخميني وعودته بصفة المهدي، و”النبأ العظيم” الذي يعتقد بمهدوية رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر.
وفي عام 2023 استغل “أصحاب القضية” دعوة الصدر للاعتكاف في مسجد الكوفة من أجل إعلان “البيعة الكبرى”، ما دفع الأخير لإلغاء الشعيرة ووصفهم بـ”الفاسدين”.
إثر ذلك، نسقت محكمة تحقيق الكرخ مع جهاز الأمن الوطني لتوقيف 65 متهماً بتهمة إثارة الفتن.
ولم يقتصر النشاط على العراق، بل ظهر معممون في إيران يروجون للأفكار ذاتها بلكنات فارسية.

من جانب آخر، ظهر تيار محمود الحسني الصرخي، الذي طرده المرجع محمد صادق الصدر (والد مقتدى) عام 1998؛ لاتباعه المنهج السلوكي “الصوفي”.
وبعد سقوط النظام، ادعى الصرخي “الأعلمية” من مقره في كربلاء، واتخذ مواقف مثيرة للجدل، منها فتوى جواز “الراب الإسلامي”، لتتحول حسينياته إلى مسارح له، ودعوته إلى هدم المراقد الدينية، ما فجر احتجاجات شعبية انتهت باعتقال العشرات من أتباعه وخطبائه وغلق مساجده.
كما شهدت الساحة ظهور جماعات غير تقليدية مثل “الإمام الرباني” في ديالى، و”المختار” (ثورة الحب الإلهي) في بغداد، إضافة إلى جماعة “جند السماء” المسلحة التي قُضي عليها عام 2007.
وكشف مصدر أمني رفيع عن رصد “الجماعة الإخبارية” مؤخراً، وهي تنظيم يعتمد على التواصل الإلكتروني غير المباشر لاستقطاب الأتباع.
تحليلياً، يرى الأكاديمي حسين الزيادي أن الناصرية -بإرثها السومري الممتد- كانت دوماً مساحة لتلاقح الأفكار، بيد أن تقاطع هذا التنوع مع تدهور الأوضاع المعيشية والبطالة خلق بيئة ملائمة لتسلل الغلو.
ويحذر الزيادي من دعم جهات خارجية لهذه الحركات من أجل إرباك المشهد الاجتماعي، مستغلة ضعف الوعي الديني الرصين.
ويخلص إلى أن الهوية الثقافية وحدها لا تكفي لصد التطرف، ما لم تُدعم بتحسين الظروف الاقتصادية، وبناء خطاب ديني معتدل يحصن الأجيال من استغلال الدين لأهداف أيديولوجية تهدد أمن البلاد.
بحث عن هوية
في شباط 2025، أعلنت وزارة التخطيط أن معدلات الفقر في محافظة ذي قار سجلت نسبة 15 بالمئة، وهو انخفاض ملحوظ مقارنة بعام 2018 حين بلغت النسبة نحو 40 بالمئة.
وعلى الرغم من هذا التراجع ما زال معدل البطالة بين البالغين (15 عاماً فأكثر) عند 13.5 بالمئة، ما يعكس تحديات سوق العمل.
ديموغرافياً، بلغ متوسط حجم الأسرة في المحافظة 6.59 أفراد، مع تباين بين الحضر (6.25) والريف (7.46).
من جهته، يوضح د. جمعة الحمداني، مدير مركز ذي قار للدراسات التاريخية، أن الناصرية -التي تأسست في أواخر العهد العثماني- عُرفت بطابعها المدني والحضري بعيداً عن البداوة، وبرزت كحاضنة للإبداع والتعايش السلمي.
يقول الحمداني لجمّار: “بيد أن مرحلة ما بعد عام 2003 شهدت ظهور أنماط من التدين الشكلي المفتقر للمعرفة الحقيقية، ما أدى إلى سوء فهم الممارسات الطقسية الجماعية، وتحولها لدى فئات محدودة الوعي إلى تطرف فكري”.
ويشير إلى أن امتزاج التحولات السياسية بالخطاب الديني لكسب التأييد ساهم في تعقيد المشهد.
ومع اقتراب سكان ذي قار من مليونين ونصف مليون نسمة، يساهم الفقر بين الشباب في خلق شعور بالتهميش وضعف فرص التعليم، ما يدفع البعض إلى البحث عن هوية وانتماء ضمن التفسيرات المتشددة للدين.