يحاول “الإطار التنسيقي” تجاوز موقعه بوصفه تحالفاً سياسياً إلى موقعٍ أشد رسوخاً، يهدف إلى السيطرة شبه الكاملة على مسار القرار داخل الدولة.
ففكرة “المأسسة” التي تُقدَّم بوصفها تطويراً تنظيمياً تبدو، عند تفكيكها، أقرب إلى محاولة تثبيت نفوذٍ دائم لقياداتٍ سياسية داخل مؤسسات الحكم، بحيث يغدو القرار الحكومي امتداداً لإرادةٍ تتشكّل خارج البنية التنفيذية الرسمية أكثر مما تتشكّل داخلها.
جزءٌ من هذه القيادات لم يصل إلى موقعه عبر صناديق الاقتراع، ولا يشارك أصلاً في المؤسسات المنتخبة، ومع ذلك يُراد له أن يحتفظ بسلطة توجيه القرار العام، لاغياً بذلك التمثيل الانتخابي والشرعية القابلة للمساءلة. وبذلك ينتقل النظام السياسي من منطق التداول والتمثيل إلى منطق النفوذ الدائم، حيث تتقدّم مصالح الشبكات السياسية على أي تصورٍ جامع للمصلحة العامة.
اللغة نفسها تكشف ما يحدث. فالانتقال من توصيف الإطار بوصفه “مجلس حكماء” إلى اعتباره “مجلس إدارة” لا يمثّل مجازاً عابراً، بل يشير إلى تحوّل في تخيّل الدولة ذاتها. فالدولة، في هذا التصور، تدار كما تدار شركة قابضة: مركز توجيه يحتكر الاستراتيجية والقرار، فيما تتولى المؤسسات (الأحزاب في الوضع العراقي) التنفيذ اليومي.
هذا التشبيه ليس منفصلاً عن مسارٍ أوسع اندمجت خلاله أحزاب رئيسية في اقتصاد الدولة الريعي، حتى باتت كيانات تعتمد مادياً على الموارد العامة، وتعيد توزيعها داخل شبكات النفوذ بوصفها مصدراً للربح والاحتكار أكثر من كونها أداةً للحكم العام. غير أن الأخطر أن هذا التحول يجري في لحظة اقتصادية هي الأكثر هشاشة منذ سنوات.
فالدولة التي توسّعت التزاماتها المالية وتضخّمت مؤسساتها تواجه في الوقت ذاته ضغوطاً متزايدة على مواردها، واتساعاً في العجز، وارتفاعاً في الدين، مقابل اقتصادٍ محدود القدرة على الإنتاج خارج الريع. وفي مثل هذا السياق، لا يصبح تركيز القرار في يد شبكة سياسية ضيقة مجرد تحوّلٍ في شكل السلطة، بل هو عامل يهدد بإغلاق أي أفقٍ لإصلاح اقتصادي حقيقي، إذ تتحول إدارة الدولة إلى آلية دفاعٍ مستمر عن منظومة الريع نفسها.