يتحوّل الخطاب داخل الساحة السياسية الشيعية في العراق بسرعة لافتة. فقوى عديدة بنت حضورها طوال سنوات على مهاجمة الولايات المتحدة، بدأت اليوم ترى في دونالد ترامب “صانع سلام”، وتتحدث عن دوره في ملفات الشرق الأوسط، ولا يتردد بعضها عن دعم ترشيحه إلى جائزة نوبل للسلام. وفي السياق نفسه، يقدّم آخرون، ومنهم نوري المالكي، أنفسهم كشركاء قادرين على التواصل مع واشنطن لإيجاد مخرج لقضية الفصائل المسلحة وسلاحها خارج الدولة.
هذا التحول لم يأتِ من مراجعة سياسية أو براغماتية ناضجة؛ فتغيّر موازين النفوذ الإقليمي وتراجع محور إيران -أو “تضعضعه” وفق وصف المتحدث باسم ائتلاف دولة القانون- أعادا واشنطن إلى قلب حسابات السياسة العراقية. داخل اجتماعات الإطار التنسيقي، تُوزن أسماء رئيس الوزراء والوزراء بميزان ردّ فعل الولايات المتحدة؛ تُستبعد شخصيات خشية إغضابها، بينما يسعى آخرون إلى ترتيب ملفاتهم تجنباً لمزيد من العقوبات أو الإقصاء، مثل فالح الفياض وعصائب أهل الحق.
في قلب هذا المشهد يبرز اسم مارك سافايا، المبعوث الخاص لترامب إلى العراق، الذي تحوّل إلى محور رهان جديد لدى أطراف عديدة. فالرجل يُنظر إليه كبوابة يمكن أن تعيد وصل ما انقطع مع واشنطن، في لحظة تحتاج فيها النخب السياسية إلى أي مخرج من الضغوط الأمريكية المتزايدة على النظام المالي الخلفي للقوى السياسية، بعد أن فرضت وزارة الخزانة منذ عام 2023 قيوداً على التعامل بالدولار، وأغلقت الباب أمام عشرات المصارف العراقية.
والتحولات باتجاه واشنطن أو محاولات التهدئة معها لا تنطلق من استراتيجية واضحة أو مسار سياسي، ولا من منطق “الاستفادة المتبادلة”، بل تبدو استعداداً مفتوحاً للتنازل في ملفات حساسة، يجري الكثير منها من دون أسئلة كثيرة ومن دون توضيحات. يتجلى ذلك مع عودة الشركات الأمريكية إلى قطاع الطاقة لتحل تدريجياً محل الشركات الروسية في البصرة، في واحد من أوضح مؤشرات إعادة رسم النفوذ داخل العراق.
ومع ذلك، يبقى ما يُسمّى اليوم “ضماناً سياسياً” من الولايات المتحدة للعراق مفهوماً ضبابياً لا يملك شكلاً محدداً ولا مساراً معروفاً، لا للقوى السياسية ولا للمجتمع. فما هو هذا الضمان؟ هل يتعلق بحماية شخصيات من العقوبات؟ أم بتمرير حكومة معينة؟ أم بضمان تدفق الدولار؟ لا توجد خطط، ولا جداول، ولا رؤية معلنة. والأسئلة الكبرى تغيب تماماً عن المشهد. بهذه الضبابية، يصبح “الحب الصاعد” لأمريكا منفصلاً عن أي رؤية وطنية لإدارة الدولة؛ إذ لا يتعلق الأمر بمصلحة عامة، ولا بإعادة تعريف العلاقة مع قوة دولية تؤثر في العراق منذ عقود، بالقدر الذي هو انعطاف تقوده نخبة تخشى خسارة امتيازاتها أكثر مما تبحث عن سياسة، وتحاول النجاة في لحظة تتغيّر فيها قواعد اللعبة… لا أكثر.