الخيارات المحدودة.. الأمر الواقع لإقليم كردستان العراق 

زيرفان سليمان البرواري

03 تموز 2024

على المديَين المتوسط والبعيد، قد تُفتَحُ أبواب الأزمة على مصاريعها في إقليم كردستان بعد الانتخابات البرلمانية.. والعلاقة بين بغداد وأربيل قد تأخذ مساراً مختلفاً.. والخيارات محدودة..

‎أخيراً، يكسر مسعود بارزاني، رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني قطيعته التي دامت 6 أعوام مع بغداد، حيث زار العاصمة وتم استقباله بحفاوة في المطار، والتقى مجموعة واسعة من السياسيين والقيادات.

وتزامن مع وصول بارزاني، صدور قرار من المحكمة الاتحادية يسمح لموظفي إقليم كردستان فتح حساباتهم المصرفية في المصارف التي يختارونها، حكومية كانت أم خاصّة، وذلك لتلقي رواتبهم الشهرية التي سترسل مباشرة من بغداد، بعد أن كانت ترسل لحكومة الإقليم.

قبل ذلك، تحدّد موعد جديد لانتخابات برلمان إقليم كردستان العراق، حيث أعلنت رئاسة الإقليم يوم 20 من تشرين الأول 2024 يوماً للاقتراع، بدلاً من العاشر من حزيران، الذي مرَّ بحزمة كبيرة من الخلافات والتوترات.

في 21 شباط 2024 ألغت المحكمة الاتحادية في العراق 11 مقعداً من أصل 111 في برلمان إقليم كردستان، كانت مخصصة لكوتا المكونات (5 للمسيحيين، 5 للتركمان، 1 للأرمن) استجابة لطعن قدمه الاتحاد الوطني الكردستاني على قانون الانتخابات، ومطالبته باعادة توزيع مقاعد الكوتا على المحافظات الثلاث: أربيل والسليمانية ودهوك.

كما ألغت نظام الدائرة الواحدة في انتخابات كردستان، وقسّمت الإقليم الى أربعة دوائر (السليمانية، اربيل، دهوك، حلبجة) وقسمت المقاعد الـ 100 على تلك المحافظات كل حسب حجمها السكاني، وحددت مفوضية الانتخابات الاتحادية العراقية كجهة مشرفة على العملية بكلّ تفاصيلها.

الضغط والضغط المضاد

عملياً، تحرم هذه القرارات الحزب الديمقراطي من الحصول على 50+1 واتخاذ القرار داخل برلمان الإقليم وفق ما وفرت له النفوذ الانتخابي دون الاتفاق مع حزب آخر، مستفيداً من مقاعد كوتا المكونات التي جرت العادة أن تحسب لصالح الديمقراطي كون المكونات تسكن في مناطق النفوذ الديمقراطي بشكل اساسي.

قبل ذلك، ألغت المحكمة شرعية برلمان إقليم كردستان وألغت معها العديد من قراراته التي صدرت في فترة تمديد عمره بعد تعذر اجراء الانتخابات في موعدها، والتي غالباً ما كانت لصالح الديمقراطي الكردستاني، فاستُثير غضبه لدرجة التلويح بمقاطعة العملية السياسية أو الانسحاب من البرلمان الاتحادي كما فعل شريكه السابق التيار الصدري.

في 20 آذار 2024 وخلال استقباله السفيرة الأمريكية في العراق ألينا رومانوسكي، قال رئيس الحزب الديمقراطي مسعود البارزاني إنه لم يقاطع الانتخابات، ولكنه “مع إجراء انتخابات نزيهة وشفافة وآمنة وخالية من التدخلات الخارجية”، قاصداً بذلك أطرافاً خارج الإقليم، وتحديدا قوى شيعية سياسية في الحكومة الاتحادية.

كان قرار المقاطعة صادماً للأوساط الكردية، ومربكاً للأوساط العراقية، فالانسحاب من العملية السياسية بعد نحو عامين من انسحاب التيار الصدري يعني أن أكبر قوتين (شيعية وكردية) ممثلتين بالبرلمان ستكونان خارجه، بكل ما يحمله ذلك من تشكيك بشرعية البرلمان والحكومة، وفي ظل مشاكل عميقة مع أكبر الأحزاب السُنية “تقدم” بعد ابعاد زعيمها محمد الحلبوسي من رئاسة البرلمان.

وفي أيار أعادت الهيئة القضائية للانتخابات، خمسة مقاعد للمكونات ككوتا ضمن الـ 100 مقعد (2 اربيل، 2 سليمانية، 1 دهوك)، فيما أطلقت الحكومة الاتحادية تخصيصات رواتب موظفي الاقليم بشرط التوطين المتدرج.

ونتيجة الضغط المضاد الذي مارسه الديمقراطي الكردستاني لتخفيف ضغط بغداد واعادة الحوارات مع القوى الشيعية، تم تأجيل انتخابات كردستان إلى الموعد الجديد الذي نادى به الديمقراطي منذ بداية الأزمة، في تشرين الأول، بما يسمح للديمقراطي إعادة ترتيب أوراقه السياسية ودخول الانتخابات بقوة تبقيه في صدارة المشهد الكردي وإن لم تعطِه الغلبة المطلقة في حسم الملفات الكردية الداخلية.

قد تُفتَحُ أبواب الأزمة على مصاريعها وعلى المديَين المتوسط والبعيد، ما لم تحافظ الأطراف على مسارات التفاوض الهادئة وتتبادل تقديم التنازلات وصولاً لنقطة منتصف، في ملف الانتخابات، أو الملفات الأخرى العالقة بين بغداد والإقليم والتي كانت المحكمة الاتحادية طرفاً شديد الأهمية في أغلبها.

الأنبوب ينضب

في حالة أقدم للمحكمة الاتحادية، حكمت في 15 شباط 2022 “بعدم دستورية قانون النفط والغاز الخاصّ بإقليم كردستان رقم (22) لسنة 2007 وإلغائه، لمخالفته أحكام المواد (110 و111 و112 و115 و121 و130) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005. وألزمت المحكمة حكومةَ الإقليم بتسليم كامل إنتاج النفط من الحقول النفطية في إقليم كردستان والمناطق الأخرى التي تستخرج وزارة الثروات الطبيعية في حكومة إقليم كردستان باستخراج النفطَ منها، إلى الحكومة الاتحادية والمتمثلة بوزارة النفط الاتحادية.

كذلك منحت المحكمة الاتحادية وزارة النفط الحقَّ بمتابعة التعاقدات النفطية التي أبرمتها حكومة إقليم كردستان مع الأطراف الخارجية دولاً وشركات بخصوص استكشاف النفط واستخراجه وتصديره وبيعه والبت ببطلانها.

كما فرضت على حكومة إقليم كردستان تمكين وزارة النفط العراقية وديوان الرقابة المالية الاتحادي من مراجعة كافة العقود النفطية التي أبرمها الإقليم لغرض تدقيقها وتحديد الحقوق المالية المترتبة بذمة حكومة إقليم كردستان من جرائها.

كما جاء في الحكم “أن يتم تحديد حصة الإقليم من الموازنة العامة وبالشكل الذي يضمن إيصال حقوق مواطني محافظات إقليم كردستان من الموازنة العامة الاتحادية وعدم تأخيرها”.

تعزَّزَ قرارُ الاتحادية في 23 آذار 2023، حين حكمت هيئة التحكيم التابعة لغرفة التجارة الدولية في باريس، لصالح العراق وأمرت تركيا بدفع 1.4 مليار دولار كغرامات لعدم أحقية إقليم كردستان العراق في تصدير نفطه بمعزل عن الحكومة الاتحادية وبسبب مخالفة أحكام اتفاقية خط الأنابيب العراقية التركية الموقعة عام 1973 والتي تنص على وجوب امتثال الحكومة التركية لتعليمات الجانب العراقي فيما يتعلق بحركة النفط الخام المُصدر من العراق لجميع مراكز التخزين والتصريف والمحطة النهائية.

منذ ذلك الحين توقف، تماماً، تدفق 450 ألف برميل من النفط العراقي، كانت تُصدّر يومياً عبر جيهان، لكنّ شركات النفط العاملة في كردستان العراق سوّقت كميات منه في الشاحنات إلى إيران أو عبرها، بسعر يترواح بين 30 الى 40 دولاراً للبرميل.

يشكّل هذا المبلغ أقل من نصف معدل سعر برميل النفط العالمي، ويذهب الجزء الأكبر منه الى الشركات لتبقى بضع دولارات لحكومة كردستان، وذلك لضمان استمرار عمل الشركات وتمكينها من إدامة الانتاج وإن كان بمعدلات منخفضة لتغطية تكاليف العمل، على أمل التوصل الى اتفاق مع بغداد، وهو امر مرهون بمفاوضات معقدة بعضها يتطلب تغيير العقود الموقعة.

تطالب وزارة النفط الاتحادية من حكومة إقليم كردستان والشركات النفطية العاملة فيه، نسخاً كاملة عن العقود المبرمة بينهم لغرض دراستها والاتفاق على تعديلها بما يتناسب مع الدستور والقانون العراقي، لكن العقود المطلوبة لم تسلم بعد، ولا ترغب الشركات بتعديلاتٍ تزعزع أرباحها التي تفوق بثلاثة أضعاف أحياناً، أرباح الشركات العاملة في مناطق العراق الأخرى. 

حتى مع تجميد التصدير، وتسرّب بعضه، يبدو ان الحكومة الاتحادية ليست مضطرّة لتعجيل إعادة الحياة والبترول لأنبوب جيهان، فحقول الجنوب العراقي تكفي وأكثر، للإيفاء بحصة البلاد من السوق العالمي وفق اتفاق أوبك+ وتمديداته، ما يمنح بغداد استرخاءً ومزيّة في المفاوضات التي فشلت محاولاتُها الأولى، بمقابل حرج كبير يتدفق إلى الزاوية التي تنحشر بها حكومة إقليم كردستان، حيث يتعزّز فشل مشروع “الاستقلال الاقتصادي” الذي كان يحلم ويسير إليه الإقليم، لكن هذا الحرج تراجع، واضطُرّ قادة بغداد لاقتسام ارتياحهم أو شيء منه مع الإقليم، كنتيجة محتملة للضغوطات الدولية، حيث يمضي الطرفان نحو توطين رواتب موظفي الإقليم في مصارف حكومية (أو أهلية وفق القرار الجديد) وتولّي الحكومة الاتحادية دفعها بشكل مباشر.

المحكمة مرة أخرى: المرتبات

في 21 شباط 2024، ألزمت المحكمة الاتحادية رئيسَيْ وزراء العراق وإقليم كردستان العراق، بتوطين رواتب منتسبي جميع الوزارات والمحافظات والجهات غير المرتبطة بوزارة وجميع منتسبي الجهات الحكومية الأخرى والمتقاعدين ومستفيدي شبكة الحماية الاجتماعية لدى المصارف الحكومية الاتحادية العاملة خارج الإقليم، على أن تُخصَمَ من حصة الإقليم المحددة بموجب قانون الموازنة للسنة التي صدر فيها القرار، وللسنوات التي تليها.

كما ألزم قرار المحكمة المدعى عليه الثاني رئيس مجلس وزراء الإقليم بتسليم جميع إيراداته النفطية وغير النفطية الى الحكومة الاتحادية (خزينة الدولة) وحسب قانون الإدارة المالية الاتحادي.

وبعد أشهر من الرفض الذي عطّل دفع رواتب الموظفين في اقليم كردستان، أرسلت حكومة الاقليم قوائم رواتب موظفي الاقليم المدنيين، ثم تبعتها بقوائم رواتب منتسبيها الأمنيين بما تتضمنه من معلومات أساسية لتخضع لديوان الرقابة المالية الاتحادي، مع اتفاق نهائي على توطين الرواتب بما يضعها، بشكل أو آخر، تحت سيطرة الحكومة الاتحادية.

وليس الأمر منقوصاً إلّا من بعض تفاصيلها الفنية كتحديد البنوك التي تُوَطَنُ فيها الرواتب، حيث تريدها الحكومة الاتحادية بنوكاً حكومية (الرشيد، الرافدين) تنفيذاً لقرار المحكمة، فيما تريد أربيل اشراك بنوك أهلية تخضع بشكل أو آخر لسيطرة الإقليم مع ابقاء خيار التوافق على المصرف العراقي للتجارة. هذا الخلاف، أنهته المحكمة الاتحادية بقرارها.

ومع عجز حكومة الإقليم وتلكؤها بدفع رواتب الموظفين لوحدها، قبل وبعد إيقاف تصديرها النفط عبر تركيا، وبراهين تبدّد حلم الاستقلال الاقتصادي، وتراجع الحياة الاقتصادية والسياسية داخل الإقليم، انعكست سلباً على مشروع الاستقلال والانفصال الكردي من العراق، وذلك بسبب الضغوطات الإقليمية والدولية على الإقليم فضلا عن غياب روية كردية في إدارة السلطة وفق المعيار التي تحقق الكرد حلم الاستقلال في الشرق الأوسط ، وعلى اثر ذلك تراجع  المشروع  القومي، بمقابل تنامي  عبارات “بغداد العمق الاستراتيجي لكردستان”، وتعالي الأصوات المنادية بتقوية “الكيان الفيدارلي داخل الدولة الاتحادية” وضمان حقوقه الدستورية من خلال انتهاج سياسات تثبت “أسس الفيدرالية” المتمثلة بتوزيع السلطة، وتدفع باتجاه اعادة بناء الإقليم على أساس ارتباطه المصيري ببغداد وكونه جزءاً لا يتجزّأ من العراق، مع الاحتفاظ بخصوصيته السياسية الإدارية والثقافية والاقتصادية قدر المستطاع.

التحوّلات

بعد 2003 لعب الكرد في العراق دوراً محورياً ارتكز، بشكل أساسي، على الموقف الدولي منهم، والعلاقات المهمة بين القوى الكردية والمجتمع الدولي، خاصة الولايات المتحدة، وبناءً على ذلك، ساهمت الأحزاب والزعامات الكرد، بشكل مباشر في وضع البنية الأساسية للنظام العراقي الجديد، وساهم الكرد إلى جانب مكونات أخرى بمقدمتهم الشيعة، في توفير الغطاء القانوني للنظام السياسي الجديد عن طريق المشاركة في الاستفتاء الدستوري في 2005، كما اعتمد النظام السياسي في العراق ما بعد 2003 بصورة أساسية على التوافقات بين  القوى الكردية والشيعية، وكذلك على المحاصصة القومية والمناطقية، الشيء الذي أفقد الدولة عنصر المؤسساتية في إدارة المجتمع، وحصر مقومات الدولة في ثروات بيد الأحزاب والميليشيات، فأثّر سلباً على الانتقال المؤسساتي وعرقل تحويل العراق دولةً ديمقراطية.

ونظرا لعدم وجود رقابة دستورية على إدارة الدولة، ولا مؤسسات متماسكة، تمكنت التدخلات الخارجية من التأثير على المناخ السياسي والأمني والعلاقات بين المكونات الأساسية، فتكونت شبكات معقدة من العلاقات والعلاقات العكسية، بين المكونات وممثليها وحلفائها من جهة، وبين المؤثّرات الخارجية الكثيرة من المقابلة، ليأتي ذلك على حساب المصالح العليا للشعب العراقي، فالتشتت الداخلي تجلى في ازدياد التدخلات الإقليمية ومحاولة كل دولة إحداث تغييرات في موازين القوة لصالحها على حساب منافسين آخرين على الساحة العراقية والعراقيين، مما انعكس سلباً على الاستقرار الأمني، فوجد الإرهاب والميليشيات سبيلاً للعراق وانفلت السلاح بيَدِ المجموعات العقائدية والإيدولوجية، الأمر الذي زعزع الاستقرار الذي يتطلبه بناء أيّ مشروع، وهدّد مستقبل التنمية السياسية والاقتصادية في البلاد، لكن الإقليم الذي يتمتع بحكم شبه ذاتي منذ 1992 كان يشهد هدوءً نسبياً ونمواً اقتصادياً على صعيد البنية التحتية، وتحكم شبه مستقل بواردات النفط الذي ينتج بالإقليم والمساحات التي يضع يده عليها، وكذلك بموارد المنافذ الحدودية، حتى بعد تجربة داعش التي هددت كيان العراق الجديد.

المسمار

في 2017 نظّمت حكومة الإقليم والحزب الديمقراطي الذي يقودها، استفتاءً للاستقلال والانفصال عن العراق، وبدفع إقليمي، بدأت ملامح الحديث عن السلطة المركزية وتحديد صلاحيات الكرد في العراق، ردّاً على الاستفتاء، بعد أن وصل الطرفان إلى طريق مسدودة في إدارة الملفات النفطية والمالية والأمنية، فالاستفتاء كان بمثابة ناقوس خطر، ليس على وحدة العراق والأحزاب الحاكمة في بغداد فحسب، وإنما على الدول الإقليمية ذات التواجد الكردي مثل إيران وتركيا.

وبدفع التخوّف الدولي من تدهور الأمن والاستقرار وانتهاء حالة الدولة بشكل رسمي في العراق، اجتمعت المتناقضات ضد المشروع، فأُعيدت هيكلة العلاقات بين أنقرة وطهران، وكذلك أعادت الدول العظمى النظر في سياساتها تجاه الكرد، والمعني بـ”الدول العظمى” في عالمنا هذا هي الولايات المتحدة وحلفاؤها، لأن الاستقرار السياسي في العراق كان الهدف الأساسي لها، وقد ظهر ذلك بصورة جلية في المواقف من رد فعل بغداد بعد الاستفتاء، خاصة مسألة استخدام الحل العسكري مع الكرد لأول مرة منذ 1991، وبناءً على ذلك هناك إرادة دولية لإعادة دور الدولة العراقية، ووقف أي مشروع سياسي يعرقل ذلك الهدف، خاصة مع رغبة الولايات المتحدة الأمريكية بالتفرّغ للمنافسة الدولية مع وروسيا والصين على مسألة توازن القوى في أنحاء مختلفة من العالم ومنها الشرق الأوسط، إضافة إلى إعادة التنسيق الأمني والاستراتيجي بين تركيا وإيران حول التهديد الأزلي للطموح الكردي على استقرار الدولتين، خاصة بعد ظهور داعش واستمرارية تحكّم الكرد بالملف الأمني في مناطق مهمة من سوريا فضلا عن العراق، فالنزاع السياسي بين بغداد وأربيل على الرغم من مظهره  الداخلي، لكنّه في الأساس ملف سياسي معقد بأبعاد إقليمية ودولية.

إعادة النظر

ليست العلاقات بين أربيل وبغداد قابلةً للقياس وفق المعطيات المتعارفة عليها في التحليل السياسي كون الجانبين خاضعَين لأجندة وأوراق إقليمية ودولية، والحلّ في عواصم الدول الإقليمية أكثر من كونه في العراق وإقليمه الكردستاني.

و‎قلّلت الحالة الداخلية للأحزاب الكردية وانقسامها السياسي والتنافس الحاد على مصادر القوة والنفوذ السياسي داخل كردستان، قلّلت من التأثير الكردي في رسم المعادلات السياسية في بغداد بعد سنوات من النجاح في ممارسة تلك الأدوار باحترافية، خاصة بعد الاتفاق الاستراتيجي بين الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني، فتوفرت أرضية ملائمة للأحزاب الشيعية وحلفائها في العراق لتكريس حالة الانقسام السياسي الكردي والتقرب من كل طرف كردي على حساب آخر وفق المرحلة السياسية وما يخدم أجندة تحجيم تضخّم الإقليم، وعليه، فإن الحلول الدستورية بين الطرفين تبقى غير مستوفية لتحقيق التوازنات السياسية كون الطرفين يمارسان سياسة كسر الإرادة ضد بعضهما، فالأطر الدستورية والمشاركة المتوازنة لجميع مكونات الدولة العراقية في رسم مستقبل هذا البلد لم يعد  نقطة ارتكاز لدى القوى السياسية في العراق، فتظهر الحلول المؤقتة بين الإقليم وبغداد خاوية دون أن تساهم في إعادة الاستقرار والتوازن، ما يعزّز الحاجة العراقية لإعادة النظر في الكثير من المواد الدستورية لتحقيق العدالة الاجتماعية بين جميع المكونات في العراق بمعزل عن التأثير الإقليمي والدولي، فالفلسفة التي يدار بها النظام السياسي في العراق لم تعد  تخدم مستقبل التنمية السياسية في هذا البلد، ومن دون ذلك فإن احتمالية حدوث المزيد من الفوضى تتنامى يوماً بعد آخر، رغم الاستقرار النسبي الذي يتدفق من بغداد مع الرواتب، فهنالك لحظةٌ ما، ستأتي بخطابٍ مغاير، واختلافٌ ما، سيؤجج خلافاً آخر. 

* تنشر هذه المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية ”نيريج”   

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media

اقرأ ايضاً

‎أخيراً، يكسر مسعود بارزاني، رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني قطيعته التي دامت 6 أعوام مع بغداد، حيث زار العاصمة وتم استقباله بحفاوة في المطار، والتقى مجموعة واسعة من السياسيين والقيادات.

وتزامن مع وصول بارزاني، صدور قرار من المحكمة الاتحادية يسمح لموظفي إقليم كردستان فتح حساباتهم المصرفية في المصارف التي يختارونها، حكومية كانت أم خاصّة، وذلك لتلقي رواتبهم الشهرية التي سترسل مباشرة من بغداد، بعد أن كانت ترسل لحكومة الإقليم.

قبل ذلك، تحدّد موعد جديد لانتخابات برلمان إقليم كردستان العراق، حيث أعلنت رئاسة الإقليم يوم 20 من تشرين الأول 2024 يوماً للاقتراع، بدلاً من العاشر من حزيران، الذي مرَّ بحزمة كبيرة من الخلافات والتوترات.

في 21 شباط 2024 ألغت المحكمة الاتحادية في العراق 11 مقعداً من أصل 111 في برلمان إقليم كردستان، كانت مخصصة لكوتا المكونات (5 للمسيحيين، 5 للتركمان، 1 للأرمن) استجابة لطعن قدمه الاتحاد الوطني الكردستاني على قانون الانتخابات، ومطالبته باعادة توزيع مقاعد الكوتا على المحافظات الثلاث: أربيل والسليمانية ودهوك.

كما ألغت نظام الدائرة الواحدة في انتخابات كردستان، وقسّمت الإقليم الى أربعة دوائر (السليمانية، اربيل، دهوك، حلبجة) وقسمت المقاعد الـ 100 على تلك المحافظات كل حسب حجمها السكاني، وحددت مفوضية الانتخابات الاتحادية العراقية كجهة مشرفة على العملية بكلّ تفاصيلها.

الضغط والضغط المضاد

عملياً، تحرم هذه القرارات الحزب الديمقراطي من الحصول على 50+1 واتخاذ القرار داخل برلمان الإقليم وفق ما وفرت له النفوذ الانتخابي دون الاتفاق مع حزب آخر، مستفيداً من مقاعد كوتا المكونات التي جرت العادة أن تحسب لصالح الديمقراطي كون المكونات تسكن في مناطق النفوذ الديمقراطي بشكل اساسي.

قبل ذلك، ألغت المحكمة شرعية برلمان إقليم كردستان وألغت معها العديد من قراراته التي صدرت في فترة تمديد عمره بعد تعذر اجراء الانتخابات في موعدها، والتي غالباً ما كانت لصالح الديمقراطي الكردستاني، فاستُثير غضبه لدرجة التلويح بمقاطعة العملية السياسية أو الانسحاب من البرلمان الاتحادي كما فعل شريكه السابق التيار الصدري.

في 20 آذار 2024 وخلال استقباله السفيرة الأمريكية في العراق ألينا رومانوسكي، قال رئيس الحزب الديمقراطي مسعود البارزاني إنه لم يقاطع الانتخابات، ولكنه “مع إجراء انتخابات نزيهة وشفافة وآمنة وخالية من التدخلات الخارجية”، قاصداً بذلك أطرافاً خارج الإقليم، وتحديدا قوى شيعية سياسية في الحكومة الاتحادية.

كان قرار المقاطعة صادماً للأوساط الكردية، ومربكاً للأوساط العراقية، فالانسحاب من العملية السياسية بعد نحو عامين من انسحاب التيار الصدري يعني أن أكبر قوتين (شيعية وكردية) ممثلتين بالبرلمان ستكونان خارجه، بكل ما يحمله ذلك من تشكيك بشرعية البرلمان والحكومة، وفي ظل مشاكل عميقة مع أكبر الأحزاب السُنية “تقدم” بعد ابعاد زعيمها محمد الحلبوسي من رئاسة البرلمان.

وفي أيار أعادت الهيئة القضائية للانتخابات، خمسة مقاعد للمكونات ككوتا ضمن الـ 100 مقعد (2 اربيل، 2 سليمانية، 1 دهوك)، فيما أطلقت الحكومة الاتحادية تخصيصات رواتب موظفي الاقليم بشرط التوطين المتدرج.

ونتيجة الضغط المضاد الذي مارسه الديمقراطي الكردستاني لتخفيف ضغط بغداد واعادة الحوارات مع القوى الشيعية، تم تأجيل انتخابات كردستان إلى الموعد الجديد الذي نادى به الديمقراطي منذ بداية الأزمة، في تشرين الأول، بما يسمح للديمقراطي إعادة ترتيب أوراقه السياسية ودخول الانتخابات بقوة تبقيه في صدارة المشهد الكردي وإن لم تعطِه الغلبة المطلقة في حسم الملفات الكردية الداخلية.

قد تُفتَحُ أبواب الأزمة على مصاريعها وعلى المديَين المتوسط والبعيد، ما لم تحافظ الأطراف على مسارات التفاوض الهادئة وتتبادل تقديم التنازلات وصولاً لنقطة منتصف، في ملف الانتخابات، أو الملفات الأخرى العالقة بين بغداد والإقليم والتي كانت المحكمة الاتحادية طرفاً شديد الأهمية في أغلبها.

الأنبوب ينضب

في حالة أقدم للمحكمة الاتحادية، حكمت في 15 شباط 2022 “بعدم دستورية قانون النفط والغاز الخاصّ بإقليم كردستان رقم (22) لسنة 2007 وإلغائه، لمخالفته أحكام المواد (110 و111 و112 و115 و121 و130) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005. وألزمت المحكمة حكومةَ الإقليم بتسليم كامل إنتاج النفط من الحقول النفطية في إقليم كردستان والمناطق الأخرى التي تستخرج وزارة الثروات الطبيعية في حكومة إقليم كردستان باستخراج النفطَ منها، إلى الحكومة الاتحادية والمتمثلة بوزارة النفط الاتحادية.

كذلك منحت المحكمة الاتحادية وزارة النفط الحقَّ بمتابعة التعاقدات النفطية التي أبرمتها حكومة إقليم كردستان مع الأطراف الخارجية دولاً وشركات بخصوص استكشاف النفط واستخراجه وتصديره وبيعه والبت ببطلانها.

كما فرضت على حكومة إقليم كردستان تمكين وزارة النفط العراقية وديوان الرقابة المالية الاتحادي من مراجعة كافة العقود النفطية التي أبرمها الإقليم لغرض تدقيقها وتحديد الحقوق المالية المترتبة بذمة حكومة إقليم كردستان من جرائها.

كما جاء في الحكم “أن يتم تحديد حصة الإقليم من الموازنة العامة وبالشكل الذي يضمن إيصال حقوق مواطني محافظات إقليم كردستان من الموازنة العامة الاتحادية وعدم تأخيرها”.

تعزَّزَ قرارُ الاتحادية في 23 آذار 2023، حين حكمت هيئة التحكيم التابعة لغرفة التجارة الدولية في باريس، لصالح العراق وأمرت تركيا بدفع 1.4 مليار دولار كغرامات لعدم أحقية إقليم كردستان العراق في تصدير نفطه بمعزل عن الحكومة الاتحادية وبسبب مخالفة أحكام اتفاقية خط الأنابيب العراقية التركية الموقعة عام 1973 والتي تنص على وجوب امتثال الحكومة التركية لتعليمات الجانب العراقي فيما يتعلق بحركة النفط الخام المُصدر من العراق لجميع مراكز التخزين والتصريف والمحطة النهائية.

منذ ذلك الحين توقف، تماماً، تدفق 450 ألف برميل من النفط العراقي، كانت تُصدّر يومياً عبر جيهان، لكنّ شركات النفط العاملة في كردستان العراق سوّقت كميات منه في الشاحنات إلى إيران أو عبرها، بسعر يترواح بين 30 الى 40 دولاراً للبرميل.

يشكّل هذا المبلغ أقل من نصف معدل سعر برميل النفط العالمي، ويذهب الجزء الأكبر منه الى الشركات لتبقى بضع دولارات لحكومة كردستان، وذلك لضمان استمرار عمل الشركات وتمكينها من إدامة الانتاج وإن كان بمعدلات منخفضة لتغطية تكاليف العمل، على أمل التوصل الى اتفاق مع بغداد، وهو امر مرهون بمفاوضات معقدة بعضها يتطلب تغيير العقود الموقعة.

تطالب وزارة النفط الاتحادية من حكومة إقليم كردستان والشركات النفطية العاملة فيه، نسخاً كاملة عن العقود المبرمة بينهم لغرض دراستها والاتفاق على تعديلها بما يتناسب مع الدستور والقانون العراقي، لكن العقود المطلوبة لم تسلم بعد، ولا ترغب الشركات بتعديلاتٍ تزعزع أرباحها التي تفوق بثلاثة أضعاف أحياناً، أرباح الشركات العاملة في مناطق العراق الأخرى. 

حتى مع تجميد التصدير، وتسرّب بعضه، يبدو ان الحكومة الاتحادية ليست مضطرّة لتعجيل إعادة الحياة والبترول لأنبوب جيهان، فحقول الجنوب العراقي تكفي وأكثر، للإيفاء بحصة البلاد من السوق العالمي وفق اتفاق أوبك+ وتمديداته، ما يمنح بغداد استرخاءً ومزيّة في المفاوضات التي فشلت محاولاتُها الأولى، بمقابل حرج كبير يتدفق إلى الزاوية التي تنحشر بها حكومة إقليم كردستان، حيث يتعزّز فشل مشروع “الاستقلال الاقتصادي” الذي كان يحلم ويسير إليه الإقليم، لكن هذا الحرج تراجع، واضطُرّ قادة بغداد لاقتسام ارتياحهم أو شيء منه مع الإقليم، كنتيجة محتملة للضغوطات الدولية، حيث يمضي الطرفان نحو توطين رواتب موظفي الإقليم في مصارف حكومية (أو أهلية وفق القرار الجديد) وتولّي الحكومة الاتحادية دفعها بشكل مباشر.

المحكمة مرة أخرى: المرتبات

في 21 شباط 2024، ألزمت المحكمة الاتحادية رئيسَيْ وزراء العراق وإقليم كردستان العراق، بتوطين رواتب منتسبي جميع الوزارات والمحافظات والجهات غير المرتبطة بوزارة وجميع منتسبي الجهات الحكومية الأخرى والمتقاعدين ومستفيدي شبكة الحماية الاجتماعية لدى المصارف الحكومية الاتحادية العاملة خارج الإقليم، على أن تُخصَمَ من حصة الإقليم المحددة بموجب قانون الموازنة للسنة التي صدر فيها القرار، وللسنوات التي تليها.

كما ألزم قرار المحكمة المدعى عليه الثاني رئيس مجلس وزراء الإقليم بتسليم جميع إيراداته النفطية وغير النفطية الى الحكومة الاتحادية (خزينة الدولة) وحسب قانون الإدارة المالية الاتحادي.

وبعد أشهر من الرفض الذي عطّل دفع رواتب الموظفين في اقليم كردستان، أرسلت حكومة الاقليم قوائم رواتب موظفي الاقليم المدنيين، ثم تبعتها بقوائم رواتب منتسبيها الأمنيين بما تتضمنه من معلومات أساسية لتخضع لديوان الرقابة المالية الاتحادي، مع اتفاق نهائي على توطين الرواتب بما يضعها، بشكل أو آخر، تحت سيطرة الحكومة الاتحادية.

وليس الأمر منقوصاً إلّا من بعض تفاصيلها الفنية كتحديد البنوك التي تُوَطَنُ فيها الرواتب، حيث تريدها الحكومة الاتحادية بنوكاً حكومية (الرشيد، الرافدين) تنفيذاً لقرار المحكمة، فيما تريد أربيل اشراك بنوك أهلية تخضع بشكل أو آخر لسيطرة الإقليم مع ابقاء خيار التوافق على المصرف العراقي للتجارة. هذا الخلاف، أنهته المحكمة الاتحادية بقرارها.

ومع عجز حكومة الإقليم وتلكؤها بدفع رواتب الموظفين لوحدها، قبل وبعد إيقاف تصديرها النفط عبر تركيا، وبراهين تبدّد حلم الاستقلال الاقتصادي، وتراجع الحياة الاقتصادية والسياسية داخل الإقليم، انعكست سلباً على مشروع الاستقلال والانفصال الكردي من العراق، وذلك بسبب الضغوطات الإقليمية والدولية على الإقليم فضلا عن غياب روية كردية في إدارة السلطة وفق المعيار التي تحقق الكرد حلم الاستقلال في الشرق الأوسط ، وعلى اثر ذلك تراجع  المشروع  القومي، بمقابل تنامي  عبارات “بغداد العمق الاستراتيجي لكردستان”، وتعالي الأصوات المنادية بتقوية “الكيان الفيدارلي داخل الدولة الاتحادية” وضمان حقوقه الدستورية من خلال انتهاج سياسات تثبت “أسس الفيدرالية” المتمثلة بتوزيع السلطة، وتدفع باتجاه اعادة بناء الإقليم على أساس ارتباطه المصيري ببغداد وكونه جزءاً لا يتجزّأ من العراق، مع الاحتفاظ بخصوصيته السياسية الإدارية والثقافية والاقتصادية قدر المستطاع.

التحوّلات

بعد 2003 لعب الكرد في العراق دوراً محورياً ارتكز، بشكل أساسي، على الموقف الدولي منهم، والعلاقات المهمة بين القوى الكردية والمجتمع الدولي، خاصة الولايات المتحدة، وبناءً على ذلك، ساهمت الأحزاب والزعامات الكرد، بشكل مباشر في وضع البنية الأساسية للنظام العراقي الجديد، وساهم الكرد إلى جانب مكونات أخرى بمقدمتهم الشيعة، في توفير الغطاء القانوني للنظام السياسي الجديد عن طريق المشاركة في الاستفتاء الدستوري في 2005، كما اعتمد النظام السياسي في العراق ما بعد 2003 بصورة أساسية على التوافقات بين  القوى الكردية والشيعية، وكذلك على المحاصصة القومية والمناطقية، الشيء الذي أفقد الدولة عنصر المؤسساتية في إدارة المجتمع، وحصر مقومات الدولة في ثروات بيد الأحزاب والميليشيات، فأثّر سلباً على الانتقال المؤسساتي وعرقل تحويل العراق دولةً ديمقراطية.

ونظرا لعدم وجود رقابة دستورية على إدارة الدولة، ولا مؤسسات متماسكة، تمكنت التدخلات الخارجية من التأثير على المناخ السياسي والأمني والعلاقات بين المكونات الأساسية، فتكونت شبكات معقدة من العلاقات والعلاقات العكسية، بين المكونات وممثليها وحلفائها من جهة، وبين المؤثّرات الخارجية الكثيرة من المقابلة، ليأتي ذلك على حساب المصالح العليا للشعب العراقي، فالتشتت الداخلي تجلى في ازدياد التدخلات الإقليمية ومحاولة كل دولة إحداث تغييرات في موازين القوة لصالحها على حساب منافسين آخرين على الساحة العراقية والعراقيين، مما انعكس سلباً على الاستقرار الأمني، فوجد الإرهاب والميليشيات سبيلاً للعراق وانفلت السلاح بيَدِ المجموعات العقائدية والإيدولوجية، الأمر الذي زعزع الاستقرار الذي يتطلبه بناء أيّ مشروع، وهدّد مستقبل التنمية السياسية والاقتصادية في البلاد، لكن الإقليم الذي يتمتع بحكم شبه ذاتي منذ 1992 كان يشهد هدوءً نسبياً ونمواً اقتصادياً على صعيد البنية التحتية، وتحكم شبه مستقل بواردات النفط الذي ينتج بالإقليم والمساحات التي يضع يده عليها، وكذلك بموارد المنافذ الحدودية، حتى بعد تجربة داعش التي هددت كيان العراق الجديد.

المسمار

في 2017 نظّمت حكومة الإقليم والحزب الديمقراطي الذي يقودها، استفتاءً للاستقلال والانفصال عن العراق، وبدفع إقليمي، بدأت ملامح الحديث عن السلطة المركزية وتحديد صلاحيات الكرد في العراق، ردّاً على الاستفتاء، بعد أن وصل الطرفان إلى طريق مسدودة في إدارة الملفات النفطية والمالية والأمنية، فالاستفتاء كان بمثابة ناقوس خطر، ليس على وحدة العراق والأحزاب الحاكمة في بغداد فحسب، وإنما على الدول الإقليمية ذات التواجد الكردي مثل إيران وتركيا.

وبدفع التخوّف الدولي من تدهور الأمن والاستقرار وانتهاء حالة الدولة بشكل رسمي في العراق، اجتمعت المتناقضات ضد المشروع، فأُعيدت هيكلة العلاقات بين أنقرة وطهران، وكذلك أعادت الدول العظمى النظر في سياساتها تجاه الكرد، والمعني بـ”الدول العظمى” في عالمنا هذا هي الولايات المتحدة وحلفاؤها، لأن الاستقرار السياسي في العراق كان الهدف الأساسي لها، وقد ظهر ذلك بصورة جلية في المواقف من رد فعل بغداد بعد الاستفتاء، خاصة مسألة استخدام الحل العسكري مع الكرد لأول مرة منذ 1991، وبناءً على ذلك هناك إرادة دولية لإعادة دور الدولة العراقية، ووقف أي مشروع سياسي يعرقل ذلك الهدف، خاصة مع رغبة الولايات المتحدة الأمريكية بالتفرّغ للمنافسة الدولية مع وروسيا والصين على مسألة توازن القوى في أنحاء مختلفة من العالم ومنها الشرق الأوسط، إضافة إلى إعادة التنسيق الأمني والاستراتيجي بين تركيا وإيران حول التهديد الأزلي للطموح الكردي على استقرار الدولتين، خاصة بعد ظهور داعش واستمرارية تحكّم الكرد بالملف الأمني في مناطق مهمة من سوريا فضلا عن العراق، فالنزاع السياسي بين بغداد وأربيل على الرغم من مظهره  الداخلي، لكنّه في الأساس ملف سياسي معقد بأبعاد إقليمية ودولية.

إعادة النظر

ليست العلاقات بين أربيل وبغداد قابلةً للقياس وفق المعطيات المتعارفة عليها في التحليل السياسي كون الجانبين خاضعَين لأجندة وأوراق إقليمية ودولية، والحلّ في عواصم الدول الإقليمية أكثر من كونه في العراق وإقليمه الكردستاني.

و‎قلّلت الحالة الداخلية للأحزاب الكردية وانقسامها السياسي والتنافس الحاد على مصادر القوة والنفوذ السياسي داخل كردستان، قلّلت من التأثير الكردي في رسم المعادلات السياسية في بغداد بعد سنوات من النجاح في ممارسة تلك الأدوار باحترافية، خاصة بعد الاتفاق الاستراتيجي بين الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني، فتوفرت أرضية ملائمة للأحزاب الشيعية وحلفائها في العراق لتكريس حالة الانقسام السياسي الكردي والتقرب من كل طرف كردي على حساب آخر وفق المرحلة السياسية وما يخدم أجندة تحجيم تضخّم الإقليم، وعليه، فإن الحلول الدستورية بين الطرفين تبقى غير مستوفية لتحقيق التوازنات السياسية كون الطرفين يمارسان سياسة كسر الإرادة ضد بعضهما، فالأطر الدستورية والمشاركة المتوازنة لجميع مكونات الدولة العراقية في رسم مستقبل هذا البلد لم يعد  نقطة ارتكاز لدى القوى السياسية في العراق، فتظهر الحلول المؤقتة بين الإقليم وبغداد خاوية دون أن تساهم في إعادة الاستقرار والتوازن، ما يعزّز الحاجة العراقية لإعادة النظر في الكثير من المواد الدستورية لتحقيق العدالة الاجتماعية بين جميع المكونات في العراق بمعزل عن التأثير الإقليمي والدولي، فالفلسفة التي يدار بها النظام السياسي في العراق لم تعد  تخدم مستقبل التنمية السياسية في هذا البلد، ومن دون ذلك فإن احتمالية حدوث المزيد من الفوضى تتنامى يوماً بعد آخر، رغم الاستقرار النسبي الذي يتدفق من بغداد مع الرواتب، فهنالك لحظةٌ ما، ستأتي بخطابٍ مغاير، واختلافٌ ما، سيؤجج خلافاً آخر. 

* تنشر هذه المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية ”نيريج”