"إذا ما اعترفت نجيب أُمّك بدالك".. زيارة 4 أطفال لمستشفى تتحوّل إلى كابوس في "مكافحة الإرهاب" 

و

27 حزيران 2024

هذه قصّة أربعة أطفال، أكبرهم يبلغ من العمر 13 سنة، ذهبوا لزيارة مريض في مستشفى النسائية والأطفال بمحافظة الديوانية، لكنّ الزيارة تحوّلت إلى كابوس بعد أن أُلقي القبض عليهم، بتهمة إحراقهم المستشفى في 8 كانون الثاني 2024، والتسبب بموت أربعة أطفال في الخدّج..

أُخمد الحريق في مستشفى النسائية والأطفال في الديوانية، لكنَّ النيران ما تزال مشتعلة في قلوب الأمّهات، اللاتي فقدن أطفالهنَّ في الحريق، واللاتي اعتُقل أولادهنَّ بتهمة إحراق المستشفى، فتلك حرائق لم تنطفئ بعد.  

بعد أسبوع على فاجعة حريق المستشفى التي هزّت العراق في كانون الثاني الماضي، خرجت أمهات أربعة أطفال بوقفة احتجاج، أكبر أولئك الأطفال يبلغ من العمر 13 سنة. رفعنَ لافتات كتُب عليها بخطّ اليد: “اتهام الأطفال بحرق المستشفى باطل”، ولافتات أخرى كُتب عليها: “أولادنا أبرياء”. ومثل هذه اللافتات حملها أيضاً إخوة وأصدقاء الأطفال المعتقلين. 

مصطفى محمد (13 سنة)، وعلي ماجد (13 سنة)، وعلي حسنين (12 سنة)، وعلي لطيف (13 سنة)، لم يتخيلوا قط أن الذهاب إلى المستشفى بهدف الزيارة، سيتحوّل إلى كابوس مريع، ينتهي بهم في سجن جهاز مكافحة الإرهاب، وأن ذلك المشوار القصير سيكون رحلة طويلة من الاعتقال والتعذيب والتهديد. 

النيران تشتعل 

في الثامن من كانون الثاني 2024، نشب الحريق، وحينها أعلن صالح الحسناوي، وزير الصحة، أنّ “الحادث أسفر عن وفاة 4 أطفال نتيجة الاختناق”، وأضاف الوزير أنّ “لجاناً تحقيقية ستباشر عملها الآن استناداً لتوجيهات رئيس الوزراء، لمعرفة أسباب الحريق ومحاسبة المقصرين”. بعد أيّام توفي طفل خامس. 

أعلن الوزير من المستشفى عن طبيعة هذه اللجان، لجنة أمنية استخبارية لمعرفة الدوافع، ولجنة من الدفاع المدني لمعرفة أسباب الحريق، ولجنة ثالثة إدارية من وزارة الصحة، برئاسة مدير عام دائرة التفتيش، و”خلال ثلاثة أيام ستعلن نتائج اللجان”. 

الحريق تبعته إجراءات إدارية بحق موظفي وزارة الصحة في الديوانية، وسحبت يد مسؤولين “مبدئياً” لحين إعلان نتائج التحقيق، وختم وزير الصحة زيارته بأن “شكر القوات الأمنية وعمال الأجور اليومية في المستشفى، لما أبدوه من شهامة وشجاعة وغيرة”. 

إلا أن ميثم الشهد، محافظ الديوانية السابق، أعلن في مؤتمر صحفي عقد بعد أسبوع على الحادث عن اعتقال أربعة أشخاص متهمين بحريق مستشفى النسائية والولادة في المحافظة.  

الشهد أكّد أن الحريق وقع بفعل فاعل، وأنّ “الأخوة في مديرية الاستخبارات والشرطة بذلوا جهوداً كبيرة في إلقاء القبض على المتورطين خلال ثلاثة أيام”.  

المحافظ قال إنّ الجناة “اعترفوا بارتكابهم الجريمة، وصُدّقت أقوالهم قضائياً، وحُسِمت القصة من ناحية الأسباب”. وفي التفاصيل التي ذكرها المحافظ أنّ “المتهمين” قاموا بحرق الأنقاض الموجودة في المستشفى، حيث كان يرقد أكثر من 193 شخصاً، إضافة إلى الكادر الطبي. 

نجاح البياتي، قائد شرطة الديوانية، قال في ذلك المؤتمر الصحفي، إنّ اللجنة العليا برئاسته، والتي تشكّلت بأمر من المحافظ، وبحسب توجيهات رئيس الوزراء، نجحت في مهمة إلقاء القبض على “الجناة” بعد جمع الأدلّة من قبل أجهزة الشرطة والأمن الوطني والاستخبارات وجهاز مكافحة الإرهاب. 

بيد أن أياً من المسؤولين الحاضرين في المؤتمر الصحفي، لم يكشف عن هذه الأدلة أو تقرير التحقيق. 

اتهام بلا أدلة أو شهود 

الكثير من الثغرات والأحداث تثير الشكوك في قضيّة “أطفال الديوانية الأربعة”، وطريقة التحقيق فيها تثير الأسئلة حول صحة الاتهامات التي وجهت للأطفال، لذلك تواصل جمّار مع عائلات الأطفال “المتهمين” ومحاميهم، لتكشف الشهادات والوثائق رواية مغايرة تماماً لتلك التي رواها المحافظ وقائد الشرطة، وأنّ “الجناة” الذين يتحدث عنهم المحافظ هم في الحقيقة أطفال (أحداث)، وأن اثنين منهم لم يكونا وقت اندلاع الحريق في مبنى المستشفى.   

ذكر تقرير “محضر كشف ورفع الآثار لمسرح الجريمة” الذي أجرته الأدلة الجنائية بعد يوم واحد من الحادثة، وحصل “جمّار” عليه من عائلة الطفل مصطفى، بأن “الحريق ناتج عن تماس كهربائي في الأسلاك التي تمرّ فوق النفايات”، وهذه النفايات أكد وجودها التقرير بالقرب من جدار ردهة الخدّج رقم 2 من الخارج. 

محضر كشف ورفع الآثار لمسرح الجريمة، الصادر عن وزارة الداخلية.  

أوقف فريق الأدلّة الجنائية الذي أصدر تقريره وأثبت أن الحريق ناتج عن تماس كهربائي، وأودع أفراده السجن لثلاثة أيام وفُتح بحقهم مجلس تحقيقي بوزارة الداخلية، بسبب ما قالت الوزارة إنّه “تسريب” لتقرير الأدلّة الجنائية. 

ثم “بعد أيام ذكرت إدارة المستشفى أنّ ما حصل ليس تماساً كهربائياً وبالتالي تم اعتقال مصطفى وأصدقائه الثلاثة”، بحسب المحامي ضرغام إبراهيم، الذي وكلته عائلة الطفل مصطفى محمد بعد يومين من اعتقاله للدفاع عنه في الدعوى المقامة ضده من قبل الدولة. 

بعض الضباط عندما توكل إليهم مهمة تتعلق بجريمة ما، فإنّهم يلصقونها بأيّ شخص، “حتى وإن كان الشخص بريئاً، ليتخلصوا منها، لأنَّ بقاء الدعوى مقيدة ضد مجهول يعني استمرار العمل في الدعوى والبحث والتحري”، يقول إبراهيم. “هناك أشخاص اعتقلوا على سرقة دراجة، وألصقت بهم جرائم أخرى، حتى يتخلص الضابط منها”. وهذا ما يبدو أنه حدث في قضية أطفال الديوانية نظراً لأنه “لا تتوفر أيّة أدلة على ارتكاب هؤلاء الأطفال للجريمة”، بحسب المحامي وشهادات الأهل. 

يروي إبراهيم كيف جرى اعتقال الأطفال، “بعد ما تم اصدار أوامر إلقاء القبض واعتقال الأطفال الأربعة، جاؤوا بهم إلى مبنى مكافحة الإرهاب”، وهو الاسم الذي ترتعب منه الناس. 

لم يُعامل الأطفال معاملة “الأحداث”، وإنّما جرى التعامل معهم على أنّهم “إرهابيون”، وهذا يخالف قانون رعاية الأحداث رقم (76) لسنة 1983 المعدّل، الذي يلزم السلطات بتدابير خاصة تراعي عمر الحدث، وظروف اعتقاله، والتحقيق معه، ومكان احتجازه. 

بحسب المحامي ضرغام ابراهيم، فإنّ قانون رعاية الأحداث يمنع تدوين أقوال الأطفال النهائية في مكتب مكافحة الإرهاب، ولا في محكمة التحقيق، وإنما يجب إحالة الملف منذ البداية إلى “محكمة الأحداث”، وهي الجهة التي تشرف على تدوين أقوالهم، للحفاظ على حقوقهم، وبوجود مكتب دراسة الشخصية، وهذا ما لم يحدث. 

لا يتوقف انتهاك حقوق الأطفال الإجرائية هنا، إذ لم يكن المحامي موجوداً أثناء تدوين أقوال الأطفال، وهذه مخالفة. بعد الاطلاع على الدعوى تبين لإبراهيم بأنّ محاضر التحقيق مصدّقة باعتراف من الأطفال؛ غير أن إفادة الأطفال فيها تناقض، وتدل على أنّها انتُزِعت تحت التعذيب والإجبار. 

“واحد منهم يذكر بأنّه كان في الحمامات وسمع صوت جداحة نارية.. الآخر يقول إنّ الحريق تم عبر ورقة وتم شمرها”، لكن المحامي إبراهيم لفت إلى أن “الواقع يشير إلى أن هناك عمودا كهربائيا مجاورا للمستشفى وكان يجدح على السطح وهناك موظف عرفنا اسمه وهو شاهد على هذه الحادثة”. 

التعذيب هو ما أجبر الأطفال على الاعتراف، يقول محامي الطفل مصطفى “تحدّثت مع الأطفال وأخبروني أنهم تعرضوا للتعذيب والضرب، وحتى أنّهم تُركوا في باحة خارجية فوق مبنى مكتب مكافحة الإرهاب، في ذروة البرد، وبساعات متأخرة من الليل”، بحسب شهادة الأطفال المعتقلين، فإنّ منتسبي جهاز مكافحة الإرهاب كانوا يرشونهم بالماء البارد، بعد أن يجبروهم على خلع ملابسهم طوال الليل. 

اعترف الأطفال في ما بعد للمحامي ضرغام إبراهيم أنّ الأشخاص المسؤولين عن التحقيق معهم لقنوهم ماذا يقولون، وإن هم لم يقولوا ما لُقّنوا سيعذبون مرة أخرى، لذلك كانوا يقولون ما يخبرهم به رجال الأمن.  

“قبل دخول مصطفى إلى القاضي كان أنفه مكسوراً من الضرب والتعذيب، وأخبره الضابط إذا لم تخبره كما أخبرناك سنعذبك”، يؤكد محامي الدفاع، ويضيف لجمّار، “دخلت إلى القاضي وأخبرني بأنّه أرسل إلى ضابط التحقيق وجعله يقسم أنّ اعتراف المتهمين صحيح، وأقسم الضابط على ذلك”.  

المحامي ضرغام إبراهيم، أخبر القاضي بأنّ أنف موكله مصطفى قد كُسِر خلال التحقيق معه، فكان ردّ القاضي “لماذا لم يخبرني بذلك؟”، فشرح المحامي أن الطفل كان خائفاً من التهديد الذي أسمعه إياه الضباط قبل دخوله إلى القاضي. 

شهادة الأم 

والدة مصطفى محمد، وهي مدرّسة، روت لجمّار كيف أنّها شاهدت الضبّاط يهمسون في أُذنه قبل الدخول إلى القاضي بأن يعترف، ولاحقاً أخبرها أنّهم هددوه بأنه “إذا لم تعترف نعتقل أُمّك بدلاً عنك”، لذلك قال لهم سأعترف.  

“أخبرني مصطفى بأنّه تعرّض للتعليق من الليل إلى الساعة 11 صباحاً، وكذلك تعرّض للضرب والشتم”. مصطفى خائف وينادي على الضباط والمحققين “عمّو”، تقول أمّه، “إنّه صغير وبريء ولم يفعل ما يريدون أن يعترف به”. 

والدة مصطفى زارته في سجن الأحداث الذي نُقل إليه مع رفاقه الأطفال، من السجن الذي كانوا معتقلين فيه، ويديره جهاز مكافحة الإرهاب، وجرى نقلهم بعد عرضهم على القاضي.  

“ماما أريد أنام بحضنج.. فقدتُ أعصابي ولم أتمالك نفسي وأغمي عليَّ”، لا يُفارق مسامع أم مصطفى ما كان يردده طفلها مراراً، “ماما آني بريء والله بريء وما مسوي شي، يا حاكم احكم بالعدل يا حاكم احكم بالعدل”. كل هذا يجعلها موقنة بأن ابنها بريء. 

يقين يعززه أنّ عدداً من الأطباء والممرضات أبدوا استعدادهم للإدلاء بشهادتهم لتبرئة الأطفال، حال طلبهم القاضي، والذي لم يقم بذلك حتى اللحظة، والذي لم تقم به السلطات الأمنية كذلك، على الرغم من أنه أساسي في جمع الأدلة لبناء ملف في قضية جنائية مثل هذه. 

يتنامى انطباع بعدم نزاهة التحقيق والدعوى ضد الأطفال، نظراً لكون أشرطة الفيديو التي أُرفقت مع الدعوى لا تظهر ضلوع الأطفال في الحريق، وإنما تظهرهم يتمازحون مع بعضهم داخل ممر إحدى الردهات ومن ثم يغادرون، واستطاع جمّار الحصول على نسخة من شريط الفيديو. 

كما يسهم في تبرئة الأطفال من التهم الموجهة إليهم عدم وجود شهود عيان من شأنهم أن يشهدوا أنهم فعلاً أضرموا النار في النفايات، كما تدعي السلطات في الدعوى المقدمة ضدهم؛ بل على العكس من ذلك، هنالك تسجيل مصور يُظهر نشوب النار في النفايات بوجود عدد كبير من المراجعين خارج بناية المستشفى، وهي النقطة التي بدأت منها الفاجعة، ووثقها تقرير الأدلّة الجنائية. 

شهادة من داخل النيران 

ما هي إذن الرواية التي يغيّبها القضاء والسلطات الأمنية والتي تنفي كل التهم عن أطفال، باتوا كبش فداء لدفع التهم عن المتنفذين الضالعين في حريق المشفى. والدة الطفل علي لطيف، أحد الأطفال المتهمين بإحراق المستشفى، أخبرت جُمّار بتفاصيل ذلك اليوم الذي بدأ بزيارة علي وأصدقائه إلى المستشفى وانتهى بهم في السجن. 

لديّ ابن عمره سنة و3 أشهر، أُجريت له عملية فتق في مستشفى النسائية والأطفال (في الديوانية). بعد عودة ابني علي (١٢ عاماً)، “المتهم”، من مدرسته في الساعة الواحدة ظهراً إلى المنزل، أخبرته شقيقته بأنني في المستشفى لإجراء عملية لشقيقه الأصغر. 

بعد ما سمع ذلك، جاء إلى المستشفى، هو وصديقه علي حسنين “المتهم أيضاً”. في الطريق قابل والده وهو يخرج من المستشفى، وطلب منه أن يعود إلى البيت، لكنّه أصرّ على دخول المستشفى والبقاء معي. عندما دخل إلى الغرفة كانت برفقتي أختي وابني الكبير، قلتُ له، “علي ليش أجيت؟ فقال: ماما اريد أبقى معك”. الردهة كانت فارغة في ذلك الوقت. 

أثناء وجوده في المستشفى تلقّى علي (حسنين) رسائل من أصدقائه، مصطفى محمد وعلي ماجد، وهما “متهمان” أيضاً، يسألان عن مكانه، فأخبرهم أنّه في المستشفى معي. أخبره مصطفى وعلي أنهما سيأتيان ليقفا معنا من باب تأدية الواجب، وعندما وصلا إلى المستشفى، أخبرتهم أن لا داعي لمجيئهم، لكنّهم أخبروني بأنّ هذا واجب الأصدقاء. 

جلسا معنا في الغرفة، ثمّ أخبراني بأنّهما ذاهبان ليأتيا بعشاء من أحد المطاعم القريبة، قلتُ لهما لا حاجة لذلك، وقال لهما ابني علي لا داعي لذلك؛ لكنّهما أصرّا وخرجا من المستشفى، ثم رافقهما ابني علي وصديقه علي لطيف إلى باب المستشفى.  

بعد نصف ساعة على خروج مصطفى وعلي من المستشفى لشراء العشاء، نشب الحريق. “أخبرني ابني علي بالحرف الواحد: ماما صار حريق بالمستشفى شفت دخان والناس تصرخ”.  

قبل الحريق كانت هناك صيانة فوق الردهة التي كنّا راقدين فيها. وكانت أختي قد أخبرت الممرضة قبل الحريق عن الضجيج، وقالت لها، “الردهة راح تسقط علينا”، فقالت الممرضة، “لا هاي صيانة فوك السقف لذلك كان يهتز”. 

عندما اندلع الحريق هربنا خارج المستشفى، أنا وشقيقتي وابني الأكبر، وابني علي لطيف “المتهم” وصديقه علي ماجد “المتهم”، كانوا يحملون طفلي الصغير والعلاج معهم. 

جلسنا في الشارع، وجاء المحافظ إلى المستشفى، وسألتنا حماية المحافظ عن سبب بقائءا في الشارع، فقلت لهم ابني الرضيع لم يفق من بنج العملية، لكنّ فريق الحماية أبلغنا بضرورة الذهاب إلى البيت. 

أثناء الحديث مع حماية المحافظ، جاء مصطفى محمد وعلي ماجد، وهم يركضون ويصرخون، “ها خالة صار بيج شي؟” أخبرتهم، “لا ما بيه شي”، وكانوا يحملون معهم العشاء، بعد ذلك صعدنا في سيارة أجرة، وذهبنا إلى البيت، برفقة ابني علي لطيف وزميله علي حسنين، أمّا علي ماجد ومصطفى محمد، فقد تبعونا إلى البيت وهم يحملون العشاء، الذي كان “بطل بيبسي، وصمون، وكباب”. 

الحريق حصل في ردهة الخدّج، والمستشفى كان مغلّفاً بالسقوف الثانوية سريعة الاشتعال، وعلي لطيف، ابني، وصديقه لم يتواجدا في ردهة الخدّج عندما وقع الحريق، واعتقالهم شكّل لنا صدمة. 

تواصل جمّار مع جدّة مصطفى محمد، وعند مقاطعة شهادتها مع شهادة والدته وأم صديقه علي لطيف، وما ذكره محامي الدفاع، نلاحظ تطابقاً في الأحداث والتوقيتات، وكلّ الروايات التي حصلنا عليها تؤكد أنّه وصديقه علي ماجد لم يكونا في المستشفى وقت نشوب الحريق. 

عندما قدّم فريق الدفاع عن “الأطفال المتهمين” طلباً للقاضي بتفريغ محتوى كاميرات صالة استعلامات في المستشفى رفض القاضي الطلب، فيما يصرّ المحامي ضرغام إبراهيم أنّ هذه الكاميرات فيما لو جرى الكشف عن محتواها ستثبت أن الأطفال خرجوا من المستشفى قبل نصف ساعة من الحريق، “إنّها الدليل الأهم لإثبات براءتهم، لكننا لا نعلم أيّ شيء بخصوص هذه الكاميرات حتّى الآن”. 

في التقرير الذي قدّمه الباحث الاجتماعي للمحكمة حول شخصية الطفل مصطفى محمد، يذكر الباحث أن الحدث “ذو شخصية طبيعية، وذو سلوك حسن”، ويؤكد شهادة الأطفال حول مغادرتهم المستشفى قبل وقوع الحريق من أجل شراء العشاء. 

تقرير الباحثة الاجتماعية بخصوص حالة الطفل مصطفى محمد. 

وفي الخلاصة النهائية للتقرير، يذكر الباحث الاجتماعي أن “الحدث ليس له يد في حرق المستشفى”، وفي توصيته المرفوعة للمحكمة، يطلب الباحث “الإفراج عن الحدث”. 

ويعزز التقرير ذلك ببيان حالة الطفل مصطفى مع عائلته، “الوضع الاجتماعي للأسرة جيد، فالحدث يعيش مع والديه، وليست لديهم أيّ مشاكل تذكر”. 

ما وراء النيران 

خلال سرده لتفاصيل القصة، ذكر محامي الدفاع، ضرغام إبراهيم بعض المعلومات التي تلقاها من جهات تفيد بوجود خلاف بين مجموعة من المقاولين، على مناقصة تتعلق بترميم المستشفى، ويضع إبراهيم احتمالاً أن يكون هذا الخلاف وراء نشوب الحريق. 

هذه المعلومة أثارها أيضاً ناظم الشبلي، عضو مجلس النواب عن محافظة الديوانية، في حديث له مع صحيفة المدى، قال فيه إنّ “الحكومة المحلية تعاقدت مع شركة غير مختصة وغير مؤهلة، بكلفة بلغت أكثر من ثلاثة مليارات دينار، ودون معرفة المؤهلات التي تمت إحالة المشروع إليها، من دون وجود أو توفير مستلزمات السلامة المهنية، مع وجود تراكم النفايات، الذي تسبب بحرق المستشفى، فضلاً عن عدم وجود منظومة الإطفاء في وقت الحريق”. 

وأضاف الشبلي، أنّ “التحدي قبل ترميم البناية كان توفير موقع بديل للمستشفى وإخلاءه قبل البدء بالترميم، فعليه من الضروري محاسبة المقصرين الذين كانوا وراء وفاة خمسة أطفال، وإصابة العشرات في الحادث”. 

قبل الحريق، كان مستشفى النسائية والأطفال في الديوانية، مثار جدل، بسبب الكثير من ملفات الفساد الموثّقة فيه، فبحسب النائب باسم الغرابي، عضو لجنة الصحة النيابية، هذه المستشفى “مندثرة ومتهالكة”، وهنالك عراقيل كثيرة في عمليات صيانة المستشفى، مثل أكوام النفايات ووجود “فوهة حريق” مكسورة بسبب أعمال الصيانة، ولم يجر معالجتها، بالإضافة إلى عطل أنبوب الماء في مخرج الطوارئ. كما كشف الغرابي عن توثيق اختلاس لمبالغ كبيرة وعلى شكل دفعات من المستشفى، قبل شهر من اندلاع الحريق، بلغت بعض دفعات هذا الاختلاس 87 مليون دينار عراقي، و310 ملايين دينار عراقي. 

نهاية آذار 2023، قبل ثمانية أشهر من الحريق، غرق المستشفى بزخّة مطر هطلت على محافظة الديوانية، وقبل ذلك، وتحديداً عام 2021، دوّت فضيحة فساد كبرى كان موقعها مستشفى النسائية والأطفال ومستشفى أكد، عندما تعاقدت السلطات الصحيّة في الديوانية على شراء جهازي رنين بمبلغ مليارين و850 مليون دينار، وهو سعر مبالغ به بشكل كبير بحسب هدى سجاد، عضو البرلمان عن محافظة الديوانية، “سعر الجهاز الحقيقي لا يساوي 25 بالمئة من هذا السعر، أي ربع هذا المبلغ، ويمكن الحصول عليه من أرقى المناشئ العالمية”، ومع هذا الرقم الكبير اتضح أنّ الأجهزة لا تعمل. وفي العام نفسه ضُبط مسؤول قسم الصيانة في مستشفى الديوانية التعليمي مُتلبساً بجريمة الرشوة. 

القضية معلقة.. ومعها حياة الأطفال 

على الرغم من كل الشبهات بالفساد والتحقيقات التي لم تفضِ إلا إلى اتهام أطفال في مسار قانوني لم يحترم الحدّ الأدنى من حقوقهم كأحداث، يحاول فريق الدفاع الآن تثبيت “نكران أقوالهم” التي اعترفوا بها خلال الاعتقال والتعذيب. 

يقول محامي الدفاع ضرغام إبراهيم، إنه سيطلب إعادة تدوين أقوال الأطفال في محكمة الأحداث، من أجل “نكران اعترافهم” الذي كان تحت التعذيب والإكراه، “سيخبرون القاضي بما تعرضوا له من تعذيب، وتدوين اقوالهم السابقة بناء على طلب ضابط التحقيق”.  

يؤكد إبراهيم لجمّار أن محكمة الأحداث تستمع، وتتجاوب معهم، وستضمن حقوق الأطفال، وتركز في عملها على إفادة تدوين الأحداث في مقر جهاز مكافحة الإرهاب، باعتبارها مخالفة.  

بالنسبة للدفاع، فإن القضية تعتمد كثيراً على تفريغ الكاميرات الخاصة باستعلامات مستشفى النسائية والأطفال، لكنّ محتوى تلك الكاميرات ما يزال لدى الأدلة الجنائية، لغاية كتابة هذه القصة، وبحسب محامي الدفاع، لم يتم تفريغه حتى الآن. 

في الوقت الحالي، هناك ثلاث أُسَر من أصحاب الحق الشخصي، ممن فقدوا أطفالهم في حريق المستشفى، تنازلوا عن دعواهم بحق الأطفال المعتقلين، وهنالك عائلة واحدة ما زالت متمسكة بالدعوى لكنّها قد تتنازل في الأيام القادمة، بعد أن بدأت بمراجعة موقفها من الأدلة الجنائية. 

بحسب محامي الدفاع، فإنّ قضية الأطفال الأربعة، ستحال من محكمة التحقيق في محافظة الديوانية إلى محكمة الأحداث، أما تقرير تفريغ كاميرات استعلامات المستشفى فلم يحصلوا عليه لغاية الآن. 

أُسر الأطفال رفعوا دعوى قضائية ضد المفرزة الأمنية التي اعتقلت الأطفال، وضابط التحقيق الذي دون أقوالهم واعترافاتهم تحت التعذيب، وما تزال إجراءات الدعوى مستمرة. 

شريط الفيديو الذي يوثّق لحظة الحريق؛ يُظهر رمي شعلة من النار على النفايات، ما تسبب بنشوب الحريق، الفيديو يظهر المشهد من جهة واحدة، ولا توجد كاميرات خارجية تظهر من رمى هذه الشعلة. 

في إفادة الأطفال ذكروا أنّهم أخذوا ورقة، “وصِل (باص) مستشفى وحرقوها ورموها على النفايات، لكنّ الفيديو يثبت عكس اعترافهم، إذ تظهر شعلة كبيرة من النار، ووزنها ثقيل، وهي تُرمى على النفايات، قد تكون قطعة قماش أو علبة كارتون، بحسب محامي الدفاع. 

بانتظار محاكمتهم، يعيش الأطفال الأربعة وأهاليهم حياة غير طبيعية، في بيوتهم وفي المجتمع، بعدما خرجوا بكفالة مالية قدرها 25 مليون دينار عراقي، بانتظار حسم قضيتهم واستعادة براءتهم وطفولتهم التي تحوّلت إلى كابوس. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media

اقرأ ايضاً

أُخمد الحريق في مستشفى النسائية والأطفال في الديوانية، لكنَّ النيران ما تزال مشتعلة في قلوب الأمّهات، اللاتي فقدن أطفالهنَّ في الحريق، واللاتي اعتُقل أولادهنَّ بتهمة إحراق المستشفى، فتلك حرائق لم تنطفئ بعد.  

بعد أسبوع على فاجعة حريق المستشفى التي هزّت العراق في كانون الثاني الماضي، خرجت أمهات أربعة أطفال بوقفة احتجاج، أكبر أولئك الأطفال يبلغ من العمر 13 سنة. رفعنَ لافتات كتُب عليها بخطّ اليد: “اتهام الأطفال بحرق المستشفى باطل”، ولافتات أخرى كُتب عليها: “أولادنا أبرياء”. ومثل هذه اللافتات حملها أيضاً إخوة وأصدقاء الأطفال المعتقلين. 

مصطفى محمد (13 سنة)، وعلي ماجد (13 سنة)، وعلي حسنين (12 سنة)، وعلي لطيف (13 سنة)، لم يتخيلوا قط أن الذهاب إلى المستشفى بهدف الزيارة، سيتحوّل إلى كابوس مريع، ينتهي بهم في سجن جهاز مكافحة الإرهاب، وأن ذلك المشوار القصير سيكون رحلة طويلة من الاعتقال والتعذيب والتهديد. 

النيران تشتعل 

في الثامن من كانون الثاني 2024، نشب الحريق، وحينها أعلن صالح الحسناوي، وزير الصحة، أنّ “الحادث أسفر عن وفاة 4 أطفال نتيجة الاختناق”، وأضاف الوزير أنّ “لجاناً تحقيقية ستباشر عملها الآن استناداً لتوجيهات رئيس الوزراء، لمعرفة أسباب الحريق ومحاسبة المقصرين”. بعد أيّام توفي طفل خامس. 

أعلن الوزير من المستشفى عن طبيعة هذه اللجان، لجنة أمنية استخبارية لمعرفة الدوافع، ولجنة من الدفاع المدني لمعرفة أسباب الحريق، ولجنة ثالثة إدارية من وزارة الصحة، برئاسة مدير عام دائرة التفتيش، و”خلال ثلاثة أيام ستعلن نتائج اللجان”. 

الحريق تبعته إجراءات إدارية بحق موظفي وزارة الصحة في الديوانية، وسحبت يد مسؤولين “مبدئياً” لحين إعلان نتائج التحقيق، وختم وزير الصحة زيارته بأن “شكر القوات الأمنية وعمال الأجور اليومية في المستشفى، لما أبدوه من شهامة وشجاعة وغيرة”. 

إلا أن ميثم الشهد، محافظ الديوانية السابق، أعلن في مؤتمر صحفي عقد بعد أسبوع على الحادث عن اعتقال أربعة أشخاص متهمين بحريق مستشفى النسائية والولادة في المحافظة.  

الشهد أكّد أن الحريق وقع بفعل فاعل، وأنّ “الأخوة في مديرية الاستخبارات والشرطة بذلوا جهوداً كبيرة في إلقاء القبض على المتورطين خلال ثلاثة أيام”.  

المحافظ قال إنّ الجناة “اعترفوا بارتكابهم الجريمة، وصُدّقت أقوالهم قضائياً، وحُسِمت القصة من ناحية الأسباب”. وفي التفاصيل التي ذكرها المحافظ أنّ “المتهمين” قاموا بحرق الأنقاض الموجودة في المستشفى، حيث كان يرقد أكثر من 193 شخصاً، إضافة إلى الكادر الطبي. 

نجاح البياتي، قائد شرطة الديوانية، قال في ذلك المؤتمر الصحفي، إنّ اللجنة العليا برئاسته، والتي تشكّلت بأمر من المحافظ، وبحسب توجيهات رئيس الوزراء، نجحت في مهمة إلقاء القبض على “الجناة” بعد جمع الأدلّة من قبل أجهزة الشرطة والأمن الوطني والاستخبارات وجهاز مكافحة الإرهاب. 

بيد أن أياً من المسؤولين الحاضرين في المؤتمر الصحفي، لم يكشف عن هذه الأدلة أو تقرير التحقيق. 

اتهام بلا أدلة أو شهود 

الكثير من الثغرات والأحداث تثير الشكوك في قضيّة “أطفال الديوانية الأربعة”، وطريقة التحقيق فيها تثير الأسئلة حول صحة الاتهامات التي وجهت للأطفال، لذلك تواصل جمّار مع عائلات الأطفال “المتهمين” ومحاميهم، لتكشف الشهادات والوثائق رواية مغايرة تماماً لتلك التي رواها المحافظ وقائد الشرطة، وأنّ “الجناة” الذين يتحدث عنهم المحافظ هم في الحقيقة أطفال (أحداث)، وأن اثنين منهم لم يكونا وقت اندلاع الحريق في مبنى المستشفى.   

ذكر تقرير “محضر كشف ورفع الآثار لمسرح الجريمة” الذي أجرته الأدلة الجنائية بعد يوم واحد من الحادثة، وحصل “جمّار” عليه من عائلة الطفل مصطفى، بأن “الحريق ناتج عن تماس كهربائي في الأسلاك التي تمرّ فوق النفايات”، وهذه النفايات أكد وجودها التقرير بالقرب من جدار ردهة الخدّج رقم 2 من الخارج. 

محضر كشف ورفع الآثار لمسرح الجريمة، الصادر عن وزارة الداخلية.  

أوقف فريق الأدلّة الجنائية الذي أصدر تقريره وأثبت أن الحريق ناتج عن تماس كهربائي، وأودع أفراده السجن لثلاثة أيام وفُتح بحقهم مجلس تحقيقي بوزارة الداخلية، بسبب ما قالت الوزارة إنّه “تسريب” لتقرير الأدلّة الجنائية. 

ثم “بعد أيام ذكرت إدارة المستشفى أنّ ما حصل ليس تماساً كهربائياً وبالتالي تم اعتقال مصطفى وأصدقائه الثلاثة”، بحسب المحامي ضرغام إبراهيم، الذي وكلته عائلة الطفل مصطفى محمد بعد يومين من اعتقاله للدفاع عنه في الدعوى المقامة ضده من قبل الدولة. 

بعض الضباط عندما توكل إليهم مهمة تتعلق بجريمة ما، فإنّهم يلصقونها بأيّ شخص، “حتى وإن كان الشخص بريئاً، ليتخلصوا منها، لأنَّ بقاء الدعوى مقيدة ضد مجهول يعني استمرار العمل في الدعوى والبحث والتحري”، يقول إبراهيم. “هناك أشخاص اعتقلوا على سرقة دراجة، وألصقت بهم جرائم أخرى، حتى يتخلص الضابط منها”. وهذا ما يبدو أنه حدث في قضية أطفال الديوانية نظراً لأنه “لا تتوفر أيّة أدلة على ارتكاب هؤلاء الأطفال للجريمة”، بحسب المحامي وشهادات الأهل. 

يروي إبراهيم كيف جرى اعتقال الأطفال، “بعد ما تم اصدار أوامر إلقاء القبض واعتقال الأطفال الأربعة، جاؤوا بهم إلى مبنى مكافحة الإرهاب”، وهو الاسم الذي ترتعب منه الناس. 

لم يُعامل الأطفال معاملة “الأحداث”، وإنّما جرى التعامل معهم على أنّهم “إرهابيون”، وهذا يخالف قانون رعاية الأحداث رقم (76) لسنة 1983 المعدّل، الذي يلزم السلطات بتدابير خاصة تراعي عمر الحدث، وظروف اعتقاله، والتحقيق معه، ومكان احتجازه. 

بحسب المحامي ضرغام ابراهيم، فإنّ قانون رعاية الأحداث يمنع تدوين أقوال الأطفال النهائية في مكتب مكافحة الإرهاب، ولا في محكمة التحقيق، وإنما يجب إحالة الملف منذ البداية إلى “محكمة الأحداث”، وهي الجهة التي تشرف على تدوين أقوالهم، للحفاظ على حقوقهم، وبوجود مكتب دراسة الشخصية، وهذا ما لم يحدث. 

لا يتوقف انتهاك حقوق الأطفال الإجرائية هنا، إذ لم يكن المحامي موجوداً أثناء تدوين أقوال الأطفال، وهذه مخالفة. بعد الاطلاع على الدعوى تبين لإبراهيم بأنّ محاضر التحقيق مصدّقة باعتراف من الأطفال؛ غير أن إفادة الأطفال فيها تناقض، وتدل على أنّها انتُزِعت تحت التعذيب والإجبار. 

“واحد منهم يذكر بأنّه كان في الحمامات وسمع صوت جداحة نارية.. الآخر يقول إنّ الحريق تم عبر ورقة وتم شمرها”، لكن المحامي إبراهيم لفت إلى أن “الواقع يشير إلى أن هناك عمودا كهربائيا مجاورا للمستشفى وكان يجدح على السطح وهناك موظف عرفنا اسمه وهو شاهد على هذه الحادثة”. 

التعذيب هو ما أجبر الأطفال على الاعتراف، يقول محامي الطفل مصطفى “تحدّثت مع الأطفال وأخبروني أنهم تعرضوا للتعذيب والضرب، وحتى أنّهم تُركوا في باحة خارجية فوق مبنى مكتب مكافحة الإرهاب، في ذروة البرد، وبساعات متأخرة من الليل”، بحسب شهادة الأطفال المعتقلين، فإنّ منتسبي جهاز مكافحة الإرهاب كانوا يرشونهم بالماء البارد، بعد أن يجبروهم على خلع ملابسهم طوال الليل. 

اعترف الأطفال في ما بعد للمحامي ضرغام إبراهيم أنّ الأشخاص المسؤولين عن التحقيق معهم لقنوهم ماذا يقولون، وإن هم لم يقولوا ما لُقّنوا سيعذبون مرة أخرى، لذلك كانوا يقولون ما يخبرهم به رجال الأمن.  

“قبل دخول مصطفى إلى القاضي كان أنفه مكسوراً من الضرب والتعذيب، وأخبره الضابط إذا لم تخبره كما أخبرناك سنعذبك”، يؤكد محامي الدفاع، ويضيف لجمّار، “دخلت إلى القاضي وأخبرني بأنّه أرسل إلى ضابط التحقيق وجعله يقسم أنّ اعتراف المتهمين صحيح، وأقسم الضابط على ذلك”.  

المحامي ضرغام إبراهيم، أخبر القاضي بأنّ أنف موكله مصطفى قد كُسِر خلال التحقيق معه، فكان ردّ القاضي “لماذا لم يخبرني بذلك؟”، فشرح المحامي أن الطفل كان خائفاً من التهديد الذي أسمعه إياه الضباط قبل دخوله إلى القاضي. 

شهادة الأم 

والدة مصطفى محمد، وهي مدرّسة، روت لجمّار كيف أنّها شاهدت الضبّاط يهمسون في أُذنه قبل الدخول إلى القاضي بأن يعترف، ولاحقاً أخبرها أنّهم هددوه بأنه “إذا لم تعترف نعتقل أُمّك بدلاً عنك”، لذلك قال لهم سأعترف.  

“أخبرني مصطفى بأنّه تعرّض للتعليق من الليل إلى الساعة 11 صباحاً، وكذلك تعرّض للضرب والشتم”. مصطفى خائف وينادي على الضباط والمحققين “عمّو”، تقول أمّه، “إنّه صغير وبريء ولم يفعل ما يريدون أن يعترف به”. 

والدة مصطفى زارته في سجن الأحداث الذي نُقل إليه مع رفاقه الأطفال، من السجن الذي كانوا معتقلين فيه، ويديره جهاز مكافحة الإرهاب، وجرى نقلهم بعد عرضهم على القاضي.  

“ماما أريد أنام بحضنج.. فقدتُ أعصابي ولم أتمالك نفسي وأغمي عليَّ”، لا يُفارق مسامع أم مصطفى ما كان يردده طفلها مراراً، “ماما آني بريء والله بريء وما مسوي شي، يا حاكم احكم بالعدل يا حاكم احكم بالعدل”. كل هذا يجعلها موقنة بأن ابنها بريء. 

يقين يعززه أنّ عدداً من الأطباء والممرضات أبدوا استعدادهم للإدلاء بشهادتهم لتبرئة الأطفال، حال طلبهم القاضي، والذي لم يقم بذلك حتى اللحظة، والذي لم تقم به السلطات الأمنية كذلك، على الرغم من أنه أساسي في جمع الأدلة لبناء ملف في قضية جنائية مثل هذه. 

يتنامى انطباع بعدم نزاهة التحقيق والدعوى ضد الأطفال، نظراً لكون أشرطة الفيديو التي أُرفقت مع الدعوى لا تظهر ضلوع الأطفال في الحريق، وإنما تظهرهم يتمازحون مع بعضهم داخل ممر إحدى الردهات ومن ثم يغادرون، واستطاع جمّار الحصول على نسخة من شريط الفيديو. 

كما يسهم في تبرئة الأطفال من التهم الموجهة إليهم عدم وجود شهود عيان من شأنهم أن يشهدوا أنهم فعلاً أضرموا النار في النفايات، كما تدعي السلطات في الدعوى المقدمة ضدهم؛ بل على العكس من ذلك، هنالك تسجيل مصور يُظهر نشوب النار في النفايات بوجود عدد كبير من المراجعين خارج بناية المستشفى، وهي النقطة التي بدأت منها الفاجعة، ووثقها تقرير الأدلّة الجنائية. 

شهادة من داخل النيران 

ما هي إذن الرواية التي يغيّبها القضاء والسلطات الأمنية والتي تنفي كل التهم عن أطفال، باتوا كبش فداء لدفع التهم عن المتنفذين الضالعين في حريق المشفى. والدة الطفل علي لطيف، أحد الأطفال المتهمين بإحراق المستشفى، أخبرت جُمّار بتفاصيل ذلك اليوم الذي بدأ بزيارة علي وأصدقائه إلى المستشفى وانتهى بهم في السجن. 

لديّ ابن عمره سنة و3 أشهر، أُجريت له عملية فتق في مستشفى النسائية والأطفال (في الديوانية). بعد عودة ابني علي (١٢ عاماً)، “المتهم”، من مدرسته في الساعة الواحدة ظهراً إلى المنزل، أخبرته شقيقته بأنني في المستشفى لإجراء عملية لشقيقه الأصغر. 

بعد ما سمع ذلك، جاء إلى المستشفى، هو وصديقه علي حسنين “المتهم أيضاً”. في الطريق قابل والده وهو يخرج من المستشفى، وطلب منه أن يعود إلى البيت، لكنّه أصرّ على دخول المستشفى والبقاء معي. عندما دخل إلى الغرفة كانت برفقتي أختي وابني الكبير، قلتُ له، “علي ليش أجيت؟ فقال: ماما اريد أبقى معك”. الردهة كانت فارغة في ذلك الوقت. 

أثناء وجوده في المستشفى تلقّى علي (حسنين) رسائل من أصدقائه، مصطفى محمد وعلي ماجد، وهما “متهمان” أيضاً، يسألان عن مكانه، فأخبرهم أنّه في المستشفى معي. أخبره مصطفى وعلي أنهما سيأتيان ليقفا معنا من باب تأدية الواجب، وعندما وصلا إلى المستشفى، أخبرتهم أن لا داعي لمجيئهم، لكنّهم أخبروني بأنّ هذا واجب الأصدقاء. 

جلسا معنا في الغرفة، ثمّ أخبراني بأنّهما ذاهبان ليأتيا بعشاء من أحد المطاعم القريبة، قلتُ لهما لا حاجة لذلك، وقال لهما ابني علي لا داعي لذلك؛ لكنّهما أصرّا وخرجا من المستشفى، ثم رافقهما ابني علي وصديقه علي لطيف إلى باب المستشفى.  

بعد نصف ساعة على خروج مصطفى وعلي من المستشفى لشراء العشاء، نشب الحريق. “أخبرني ابني علي بالحرف الواحد: ماما صار حريق بالمستشفى شفت دخان والناس تصرخ”.  

قبل الحريق كانت هناك صيانة فوق الردهة التي كنّا راقدين فيها. وكانت أختي قد أخبرت الممرضة قبل الحريق عن الضجيج، وقالت لها، “الردهة راح تسقط علينا”، فقالت الممرضة، “لا هاي صيانة فوك السقف لذلك كان يهتز”. 

عندما اندلع الحريق هربنا خارج المستشفى، أنا وشقيقتي وابني الأكبر، وابني علي لطيف “المتهم” وصديقه علي ماجد “المتهم”، كانوا يحملون طفلي الصغير والعلاج معهم. 

جلسنا في الشارع، وجاء المحافظ إلى المستشفى، وسألتنا حماية المحافظ عن سبب بقائءا في الشارع، فقلت لهم ابني الرضيع لم يفق من بنج العملية، لكنّ فريق الحماية أبلغنا بضرورة الذهاب إلى البيت. 

أثناء الحديث مع حماية المحافظ، جاء مصطفى محمد وعلي ماجد، وهم يركضون ويصرخون، “ها خالة صار بيج شي؟” أخبرتهم، “لا ما بيه شي”، وكانوا يحملون معهم العشاء، بعد ذلك صعدنا في سيارة أجرة، وذهبنا إلى البيت، برفقة ابني علي لطيف وزميله علي حسنين، أمّا علي ماجد ومصطفى محمد، فقد تبعونا إلى البيت وهم يحملون العشاء، الذي كان “بطل بيبسي، وصمون، وكباب”. 

الحريق حصل في ردهة الخدّج، والمستشفى كان مغلّفاً بالسقوف الثانوية سريعة الاشتعال، وعلي لطيف، ابني، وصديقه لم يتواجدا في ردهة الخدّج عندما وقع الحريق، واعتقالهم شكّل لنا صدمة. 

تواصل جمّار مع جدّة مصطفى محمد، وعند مقاطعة شهادتها مع شهادة والدته وأم صديقه علي لطيف، وما ذكره محامي الدفاع، نلاحظ تطابقاً في الأحداث والتوقيتات، وكلّ الروايات التي حصلنا عليها تؤكد أنّه وصديقه علي ماجد لم يكونا في المستشفى وقت نشوب الحريق. 

عندما قدّم فريق الدفاع عن “الأطفال المتهمين” طلباً للقاضي بتفريغ محتوى كاميرات صالة استعلامات في المستشفى رفض القاضي الطلب، فيما يصرّ المحامي ضرغام إبراهيم أنّ هذه الكاميرات فيما لو جرى الكشف عن محتواها ستثبت أن الأطفال خرجوا من المستشفى قبل نصف ساعة من الحريق، “إنّها الدليل الأهم لإثبات براءتهم، لكننا لا نعلم أيّ شيء بخصوص هذه الكاميرات حتّى الآن”. 

في التقرير الذي قدّمه الباحث الاجتماعي للمحكمة حول شخصية الطفل مصطفى محمد، يذكر الباحث أن الحدث “ذو شخصية طبيعية، وذو سلوك حسن”، ويؤكد شهادة الأطفال حول مغادرتهم المستشفى قبل وقوع الحريق من أجل شراء العشاء. 

تقرير الباحثة الاجتماعية بخصوص حالة الطفل مصطفى محمد. 

وفي الخلاصة النهائية للتقرير، يذكر الباحث الاجتماعي أن “الحدث ليس له يد في حرق المستشفى”، وفي توصيته المرفوعة للمحكمة، يطلب الباحث “الإفراج عن الحدث”. 

ويعزز التقرير ذلك ببيان حالة الطفل مصطفى مع عائلته، “الوضع الاجتماعي للأسرة جيد، فالحدث يعيش مع والديه، وليست لديهم أيّ مشاكل تذكر”. 

ما وراء النيران 

خلال سرده لتفاصيل القصة، ذكر محامي الدفاع، ضرغام إبراهيم بعض المعلومات التي تلقاها من جهات تفيد بوجود خلاف بين مجموعة من المقاولين، على مناقصة تتعلق بترميم المستشفى، ويضع إبراهيم احتمالاً أن يكون هذا الخلاف وراء نشوب الحريق. 

هذه المعلومة أثارها أيضاً ناظم الشبلي، عضو مجلس النواب عن محافظة الديوانية، في حديث له مع صحيفة المدى، قال فيه إنّ “الحكومة المحلية تعاقدت مع شركة غير مختصة وغير مؤهلة، بكلفة بلغت أكثر من ثلاثة مليارات دينار، ودون معرفة المؤهلات التي تمت إحالة المشروع إليها، من دون وجود أو توفير مستلزمات السلامة المهنية، مع وجود تراكم النفايات، الذي تسبب بحرق المستشفى، فضلاً عن عدم وجود منظومة الإطفاء في وقت الحريق”. 

وأضاف الشبلي، أنّ “التحدي قبل ترميم البناية كان توفير موقع بديل للمستشفى وإخلاءه قبل البدء بالترميم، فعليه من الضروري محاسبة المقصرين الذين كانوا وراء وفاة خمسة أطفال، وإصابة العشرات في الحادث”. 

قبل الحريق، كان مستشفى النسائية والأطفال في الديوانية، مثار جدل، بسبب الكثير من ملفات الفساد الموثّقة فيه، فبحسب النائب باسم الغرابي، عضو لجنة الصحة النيابية، هذه المستشفى “مندثرة ومتهالكة”، وهنالك عراقيل كثيرة في عمليات صيانة المستشفى، مثل أكوام النفايات ووجود “فوهة حريق” مكسورة بسبب أعمال الصيانة، ولم يجر معالجتها، بالإضافة إلى عطل أنبوب الماء في مخرج الطوارئ. كما كشف الغرابي عن توثيق اختلاس لمبالغ كبيرة وعلى شكل دفعات من المستشفى، قبل شهر من اندلاع الحريق، بلغت بعض دفعات هذا الاختلاس 87 مليون دينار عراقي، و310 ملايين دينار عراقي. 

نهاية آذار 2023، قبل ثمانية أشهر من الحريق، غرق المستشفى بزخّة مطر هطلت على محافظة الديوانية، وقبل ذلك، وتحديداً عام 2021، دوّت فضيحة فساد كبرى كان موقعها مستشفى النسائية والأطفال ومستشفى أكد، عندما تعاقدت السلطات الصحيّة في الديوانية على شراء جهازي رنين بمبلغ مليارين و850 مليون دينار، وهو سعر مبالغ به بشكل كبير بحسب هدى سجاد، عضو البرلمان عن محافظة الديوانية، “سعر الجهاز الحقيقي لا يساوي 25 بالمئة من هذا السعر، أي ربع هذا المبلغ، ويمكن الحصول عليه من أرقى المناشئ العالمية”، ومع هذا الرقم الكبير اتضح أنّ الأجهزة لا تعمل. وفي العام نفسه ضُبط مسؤول قسم الصيانة في مستشفى الديوانية التعليمي مُتلبساً بجريمة الرشوة. 

القضية معلقة.. ومعها حياة الأطفال 

على الرغم من كل الشبهات بالفساد والتحقيقات التي لم تفضِ إلا إلى اتهام أطفال في مسار قانوني لم يحترم الحدّ الأدنى من حقوقهم كأحداث، يحاول فريق الدفاع الآن تثبيت “نكران أقوالهم” التي اعترفوا بها خلال الاعتقال والتعذيب. 

يقول محامي الدفاع ضرغام إبراهيم، إنه سيطلب إعادة تدوين أقوال الأطفال في محكمة الأحداث، من أجل “نكران اعترافهم” الذي كان تحت التعذيب والإكراه، “سيخبرون القاضي بما تعرضوا له من تعذيب، وتدوين اقوالهم السابقة بناء على طلب ضابط التحقيق”.  

يؤكد إبراهيم لجمّار أن محكمة الأحداث تستمع، وتتجاوب معهم، وستضمن حقوق الأطفال، وتركز في عملها على إفادة تدوين الأحداث في مقر جهاز مكافحة الإرهاب، باعتبارها مخالفة.  

بالنسبة للدفاع، فإن القضية تعتمد كثيراً على تفريغ الكاميرات الخاصة باستعلامات مستشفى النسائية والأطفال، لكنّ محتوى تلك الكاميرات ما يزال لدى الأدلة الجنائية، لغاية كتابة هذه القصة، وبحسب محامي الدفاع، لم يتم تفريغه حتى الآن. 

في الوقت الحالي، هناك ثلاث أُسَر من أصحاب الحق الشخصي، ممن فقدوا أطفالهم في حريق المستشفى، تنازلوا عن دعواهم بحق الأطفال المعتقلين، وهنالك عائلة واحدة ما زالت متمسكة بالدعوى لكنّها قد تتنازل في الأيام القادمة، بعد أن بدأت بمراجعة موقفها من الأدلة الجنائية. 

بحسب محامي الدفاع، فإنّ قضية الأطفال الأربعة، ستحال من محكمة التحقيق في محافظة الديوانية إلى محكمة الأحداث، أما تقرير تفريغ كاميرات استعلامات المستشفى فلم يحصلوا عليه لغاية الآن. 

أُسر الأطفال رفعوا دعوى قضائية ضد المفرزة الأمنية التي اعتقلت الأطفال، وضابط التحقيق الذي دون أقوالهم واعترافاتهم تحت التعذيب، وما تزال إجراءات الدعوى مستمرة. 

شريط الفيديو الذي يوثّق لحظة الحريق؛ يُظهر رمي شعلة من النار على النفايات، ما تسبب بنشوب الحريق، الفيديو يظهر المشهد من جهة واحدة، ولا توجد كاميرات خارجية تظهر من رمى هذه الشعلة. 

في إفادة الأطفال ذكروا أنّهم أخذوا ورقة، “وصِل (باص) مستشفى وحرقوها ورموها على النفايات، لكنّ الفيديو يثبت عكس اعترافهم، إذ تظهر شعلة كبيرة من النار، ووزنها ثقيل، وهي تُرمى على النفايات، قد تكون قطعة قماش أو علبة كارتون، بحسب محامي الدفاع. 

بانتظار محاكمتهم، يعيش الأطفال الأربعة وأهاليهم حياة غير طبيعية، في بيوتهم وفي المجتمع، بعدما خرجوا بكفالة مالية قدرها 25 مليون دينار عراقي، بانتظار حسم قضيتهم واستعادة براءتهم وطفولتهم التي تحوّلت إلى كابوس.