"من الرحم إلى البلوغ".. الأطفال في تحدي التغيُّر المناخي  

محمد حلو

06 آذار 2024

تنتظر عواقب التغيُّرات المناخية الأطفال حتى قبل ولادتهم، فالجنين يتغذى بما يصله وهو في الرحم، والأم تعتمد على الظروف المناخية في طعامها.. عن الأطفال في تحدي التغيُّر المُناخي "من الرحم إلى البلوغ"..

تصدّر التغيّر المناخي منذ عقدين قائمة أخطر الأزمات الوجودية التي يواجهها البشر واقتصادهم وبنيتهم الاجتماعية، بتأثير يطال الكائنات الحية بتعددها. وأكثر الفئات تضرراً من هذا التغيُّر، راهنا ومستقبلاً، هم الأطفال.  

ورغم أنهم الأقل مسؤولية في تدهور المناخ، يواجه الأطفال خطراً مباشراً وتحدياً للبقاء والنماء والازدهار، لا سيما أولئك المستضعفون الذين يعيشون في بلدان نامية أو فقيرة أو تشهد صراعات، إذ تواجه الأسر الأكثر فقراً صعوبة أكبر في تحمل الصدمات، فيخسر أطفالهم المساكن والصحة والتعليم. وليس أطفال العراق حصينين من تأثيرات التغيّرات المناخية، إذ أنهم يعيشون في خامس أكثر بلدان العالم تأثراً وتضرراً من التغيّرات المناخية، التي ستنضم لسوء وتردي الخدمات الصحية والتعليمية الخاصة بالأطفال، فتعزّز هشاشة الواقع الذي يعيشون. 

التغيّرات المناخية  

خُلِقت التغيّرات المناخية كنتيجة للاحتباس الحراري، والذي يُعرَّف بأنه التزايد التدريجي لدرجات حرارة القشرة الأرضية نتيجة النشاط البشري، إذ ارتفعت درجة حرارة الأرض بسرعة فائقة، وبلغت عتبة 1.5 درجة مئوية في بعض الأوقات قياساً بما قبل الثورة الصناعية -رجّح بعض العلماء أن الأرض تجاوزت هذا الرقم- وشهدنا العام الماضي أكثر 12 شهراً سخونةً، حطمت 7 أشهر منها أرقاماً قياسية كالأكثر سخونة في تاريخ البشرية. 

يعدُّ الاحتباس الحراري ظاهرة طبيعية وضرورية لوجود الحياة على الأرض وسبباً لاحتفاظ الأرض بالطاقة اللازمة لتفاعل ونموّ الكائنات التي تضمها الأنظمة البيئية المختلفة، لذا فإن المشكلة لا تكمن في ظاهرة الاحتباس الحراري، بل في ما حدث لها من تفاقم خطير نتيجة عوامل في معظمها بشرية، إذ زادت الأنشطة المختلفة كثيراً من انبعاث الغازات والمواد الحابسة للحرارة بحيث قلبت مفعول الاحتباس الحراري من ظاهرة إيجابية إلى تهديد وجودي. لقد أدى تطور الصناعة في آخر 150 عاماً إلى استخراج وحرق مليارات الأطنان من الوقود الأحفوري لتوليد الطاقة، ومع تزايد الطلب على الطاقة وزيادة الطلب على الوقود الأحفوري ازدادت معه انبعاثات غازات الدفيئة وخاصة غاز ثاني أكسيد الكاربون بمقدار 30 بالمئة عن معدلاته المعتادة قبل الثورة الصناعية، بشكل يجعل الأرض تحتفظ داخل غلافها الجوي، بنسبة أكبر من الحرارة التي تستقبلها من ضوء الشمس.  

عام 1992 في مدينة ريو دي جانيرو البرازيلية، وخلال ما أُطلق عليه “قمة الأرض” تعهدت أكثر من 150 دولة بالعمل لدرء التأثيرات البشرية الخطيرة على المناخ العالمي، بالتوقيع على اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ. وجاء تحركهم هذا استجابةً للأدلة العلمية المتزايدة التي قدمتها الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، والتي أشارت إلى أن المستويات المتواصلة الارتفاع من غازات الدفيئة في الغلاف الجوي والمتسبب فيها النشاط البشري بدأت تترك تأثيراً ملحوظاً وربما مدمراً على المناخ العالمي. وبعد ذلك تمخض مزيد من المفاوضات عن برتوكول كيوتو الذي وقع عليه عام 1997، والذي قدمت بموجبه دولٌ صناعية تعهداتٍ مُلزمة بتقليل انبعاثاتها من مجموعة غازات الدفيئة الأساسية.  

كانت نسب الحد من الانبعاثات المستهدفة من بروتكول كيوتو محدودة نسبياً -خفض الانبعاثات بنسبة 5.2 بالمئة بحلول عام 2012، قياساً بمستويات عام 1990- وكان ينطبق فقط على مجموعة من الدول الصناعية التي وقعت البروتوكول، ورغم أن هذه الدول تسير في الطريق نحو تحقيق الهدف، فأن الانبعاثات العالمية تتزايد بسرعة، خاصةً بسبب الزيادة المستمرة للطلب على الطاقة في الصين وغيرها من الدول سريعة النمو. 

أجيال المستقبل 

ثمة وجه آخر للتغيرات المناخية، ستتحمل أجيال المستقبل جزءاً ضخماً من الدمار الذي يخلقه التغيّر المناخي، حيث سيرفع الاحترار العالمي حدّة التأثيرات الضارة الناجمة عن التلوث البيئي، وستعرُض ملايين الأطفال حول العالم لخطر تدهور البيئة، وتؤثر على حقهم في المساواة وفي بيئة تسمح لهم بحياة أفضل تتسم بالكرامة والرفاه. 

يُعرف الطفل حسب المادة الأولى من اتفاقية حقوق الطفل، أنه كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة من العمر، ولم يبلغ سن الرشد قبل ذلك بموجب القانون المنطبق عليه، وبحسب اتفاقية حقوق الطفل الصادرة عن الأمم المتحدة، التي أكدت على مجموعة من الحقوق التي يجب أن يتمتع بها الأطفال في جميع أنحاء العالم من دون تمييز أو عنصرية، ومن هذه الحقوق: إن لكل طفل الحق في الحياة، إذ على الحكومات أن تتأكد من بقاء الطفل على قيد الحياة كي يكبر بأفضل طريقة ممكنة، كما نصت الاتفاقية أيضاً على الحكومات حماية الأطفال من العنف والإساءة، والتعرض للإهمال من قبل أي شخص مسؤول عن رعايتهم، وأيضاً ركزت هذه الحقوق على قضية مشاركة الأفراد في القضايا التي تؤثر عليهم وهي حق رئيسي لهم (المادة 12 من اتفاقية حقوق الطفل)، ومن هنا فإن المنظمات الدولية تستخدم مصطلح “حماية الطفل” في مختلف الحالات وبطرق مختلفة، ويقصد به الحماية من كافة أنواع الإيذاء والاستغلال، وتعني في أبسط أشكالها هو عدم تعرض الطفل لأي ضرر من الأضرار، مع التأكيد على ضمان ما يحتاجه من أجل البقاء على قيد الحياة، ومن هنا فإن مصطلح الحماية يغطي مجموعة واسعة من القضايا الهامة والملحة التي ترتبط ارتباطا وثيقا بعدة عوامل اقتصادية واجتماعية وبيئية، كما تتصل بالفقر والكوارث الطبيعية وهو ما يدفع إلى إفراز العديد من المشاكل وتفاقمها. 

لقد ساهم الأطفال بأقل قدر في أزمة المناخ، لكنهم سيدفعون الثمن الأغلى، لأنهم غير مستعدين بما فيه الكفاية لمواجهة العواقب غير العادية لتغيُّر المناخ، كما أنهم لم يصلوا بعد إلى مستوى كافٍ من حيث النمو العقلي والجسدي. ولذلك يتعين على الأطفال أن يتحملوا عبء تغيّر المناخ، كما أن العواقب السلبية للتغير المناخي تشكل خطراً ينتظر الأطفال حتى قبل ولادتهم، لأن الطفل يتغذى بما تطعمه أمه وهو في الرحم، وتعتمد تغذية الأم على الظروف المناخية أيضاً.  

البعد الآخر لتغيُّر المناخ الذي يمكن تقييمه بالنسبة للأطفال هو ارتباطه بحقوق الطفل، وعلى الرغم من أن “اتفاقية حقوق الطفل” لم تذكر على وجه التحديد قضية تغيّر المناخ، إلا أنها تتضمن أحكاماً تتعلق بضرورة حماية الطفل من الآثار الضارة للتلوث البيئي، وتم التأكيد على حقوق الأطفال الذين أصبحوا لاجئين بسبب تغير المناخ، ومن هنا يمكن أن نسلط الضوء على إمكانية الربط بين بعض مواد اتفاقية حقوق الطفل والتغيرات المناخية:  

أطفال العراق بين الإهمال والخطر القائم 

يحتل العراق حسب منظمة اليونيسيف المركز 61 من أصل 154 دولة في مؤشر البلدان التي يكون فيها الأطفال أكثر عرضة للتغيّرات المناخية، إذ بلغت قيمة مؤشر مخاطر المناخ على الأطفال 5.4 وهي نسبة مرتفعة وتشكل خطراً كبيراً على الأطفال في العراق. وبحسب تقرير منظمة اليونيسيف في ما يخص تعرض الأطفال لضعف شديد في مجال المياه، فأن عدد الأطفال المعرضين لخطر عدم الحصول على المياه في العراق يبلغ (خمسة ملايين طفل)، ومن المؤكد أن أزمة المياه سوف تتعاظم في السنوات القادمة وهو ما يوسع من فجوة حصول الأطفال على مياه صالحة للشرب والاستعمال البشري ويعرّضهم باستمرار للأمراض والأوبئة.  

عام 2020، بلغت انبعاثات غاز ثنائي أكسيد الكاربون  أكثر من 274 طناً، في وقت يحتل العراق المركز الخامس على مستوى العالم من حيث التأثر بمستوى التغيّرات المناخية، مما يجعل أطفاله أكثر عرضة للتغيّرات بالمقارنة مع دول أخرى، وارتفع عدد الذكور المتسربين من الدراسة الابتدائية من 62799 ألف طالب عام 2019 إلى 65946 ألف طالب عام 2020، وفي المناطق المتضررة من انعدام الأمن المائي يكون للجفاف تأثير مباشر على انتظام الأطفال في المدارس، وكما أن معدل وفيات الأطفال الرضع يتراوح بين 19.6 بالمئة في عام 2019 و18.5 بالمئة عام 2020، كما بلغ معدل وفيات الأطفال لأقل من خمس سنوات 25 بالمئة عام 2020. بالإضافة لكل ذلك، يؤثر ارتفاع درجات الحرارة على الصحة العقلية والعاطفية للأطفال، وترتبط الحرارة الشديدة بزيادة مشاكل الصحة العقلية والاكتئاب لدى الأطفال والمراهقين. ومع سوء الإدارة الصحية والنقص في البنى التحتية الصحية وتفاقم تأثيرات التغيّر المناخي، من المتوقع أن ترتفع هذه الأرقام خلال السنوات القادمة أو تتضاعف، مما يؤثر على صحة الأفراد ومستوياتهم المعيشية، وهذا يعني فقدان جزء من قوة العمل المستقبلية ومن ثم التأثير على النمو الاقتصادي، الأمر الذي يصعب من عملية الازدهار والتقدم.  

تُقدَّر نسبة عمالة الأطفال في العراق بحدود 3.7 بالمئة من أطفاله، وهي تنتشر بين الذكور أكثر من الإناث، وتشمل جميع المدن العراقية، وخاصة المناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة. والحال هذه، ينخرط أكثر من نصف مليون طفل دون سنّ 15 عاماً في العمل لتأمين معيشة عوائلهم. وتشير تقارير اليونيسيف إلى قرابة 7 ملايين طفل في العراق هم بحاجة إلى المساعدة، من ضمنهم أطفال تركوا مقاعد الدراسة ولجؤوا إلى العمل في مهن شاقة وقاسية.  

وفي الحلول، لا بد من إعطاء الأولوية للشرائح الأكثر ضعفاً وأولها الأطفال. ينبغي تزويد الأطفال بالتعليم المناخي ومهارات الطبيعة التي تعتبر بالغة الأهمية للتكيف مع آثار تغيّر المناخ والاستعداد لها. ومن خلال تطوير برامج تعليمية مؤهلة، يجب أن يكون الأطفال قادرين على التفاعل بشكل أكبر مع البيئة؛ وبالتالي، ينبغي دعمهم لتطوير مواقف مركزية بيئياً. علاوة على ذلك، ينبغي الاستماع إلى أفكار الأطفال بشأن تغير المناخ واتخاذ الإجراءات اللازمة. وفي نطاق هذا الغرض، ينبغي زيادة التعليم النظري والعملي الذي من شأنه رفع الوعي البيئي والمناخي لدى الأطفال. وينبغي على الحكومة العراقية أن تعمل للحدّ من أوجه عدم المساواة القائمة (وخاصة من الناحية المالية) في ما يتعلق بالمناخ بين أطفال العراق أثناء وضع الخطط المستقبلية لتغيّر المناخ، ينبغي أيضاً التخطيط للاستثمارات من أجل الأطفال وزيادة استثمارات التكيُف مع المناخ والقدرة على الصمود في الخدمات الأساسية للأطفال.  

اعتمد هذا المقال على مصادر: اتفاقية حقوق الطفل، الأمم المتحدة، 1989، وزارة التخطيط العراقية، الجهاز المركزي للإحصاء والأبحاث، المجموعة الإحصائية السنوية، 2019-2020.  

Unicef, The climate-changed child A CHILDREN’S CLIMATE RISK INDEX SUPPLEMENT, 2022.  

*  تنشر هذه المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية ”نيريج“.  

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media

اقرأ ايضاً

تصدّر التغيّر المناخي منذ عقدين قائمة أخطر الأزمات الوجودية التي يواجهها البشر واقتصادهم وبنيتهم الاجتماعية، بتأثير يطال الكائنات الحية بتعددها. وأكثر الفئات تضرراً من هذا التغيُّر، راهنا ومستقبلاً، هم الأطفال.  

ورغم أنهم الأقل مسؤولية في تدهور المناخ، يواجه الأطفال خطراً مباشراً وتحدياً للبقاء والنماء والازدهار، لا سيما أولئك المستضعفون الذين يعيشون في بلدان نامية أو فقيرة أو تشهد صراعات، إذ تواجه الأسر الأكثر فقراً صعوبة أكبر في تحمل الصدمات، فيخسر أطفالهم المساكن والصحة والتعليم. وليس أطفال العراق حصينين من تأثيرات التغيّرات المناخية، إذ أنهم يعيشون في خامس أكثر بلدان العالم تأثراً وتضرراً من التغيّرات المناخية، التي ستنضم لسوء وتردي الخدمات الصحية والتعليمية الخاصة بالأطفال، فتعزّز هشاشة الواقع الذي يعيشون. 

التغيّرات المناخية  

خُلِقت التغيّرات المناخية كنتيجة للاحتباس الحراري، والذي يُعرَّف بأنه التزايد التدريجي لدرجات حرارة القشرة الأرضية نتيجة النشاط البشري، إذ ارتفعت درجة حرارة الأرض بسرعة فائقة، وبلغت عتبة 1.5 درجة مئوية في بعض الأوقات قياساً بما قبل الثورة الصناعية -رجّح بعض العلماء أن الأرض تجاوزت هذا الرقم- وشهدنا العام الماضي أكثر 12 شهراً سخونةً، حطمت 7 أشهر منها أرقاماً قياسية كالأكثر سخونة في تاريخ البشرية. 

يعدُّ الاحتباس الحراري ظاهرة طبيعية وضرورية لوجود الحياة على الأرض وسبباً لاحتفاظ الأرض بالطاقة اللازمة لتفاعل ونموّ الكائنات التي تضمها الأنظمة البيئية المختلفة، لذا فإن المشكلة لا تكمن في ظاهرة الاحتباس الحراري، بل في ما حدث لها من تفاقم خطير نتيجة عوامل في معظمها بشرية، إذ زادت الأنشطة المختلفة كثيراً من انبعاث الغازات والمواد الحابسة للحرارة بحيث قلبت مفعول الاحتباس الحراري من ظاهرة إيجابية إلى تهديد وجودي. لقد أدى تطور الصناعة في آخر 150 عاماً إلى استخراج وحرق مليارات الأطنان من الوقود الأحفوري لتوليد الطاقة، ومع تزايد الطلب على الطاقة وزيادة الطلب على الوقود الأحفوري ازدادت معه انبعاثات غازات الدفيئة وخاصة غاز ثاني أكسيد الكاربون بمقدار 30 بالمئة عن معدلاته المعتادة قبل الثورة الصناعية، بشكل يجعل الأرض تحتفظ داخل غلافها الجوي، بنسبة أكبر من الحرارة التي تستقبلها من ضوء الشمس.  

عام 1992 في مدينة ريو دي جانيرو البرازيلية، وخلال ما أُطلق عليه “قمة الأرض” تعهدت أكثر من 150 دولة بالعمل لدرء التأثيرات البشرية الخطيرة على المناخ العالمي، بالتوقيع على اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ. وجاء تحركهم هذا استجابةً للأدلة العلمية المتزايدة التي قدمتها الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، والتي أشارت إلى أن المستويات المتواصلة الارتفاع من غازات الدفيئة في الغلاف الجوي والمتسبب فيها النشاط البشري بدأت تترك تأثيراً ملحوظاً وربما مدمراً على المناخ العالمي. وبعد ذلك تمخض مزيد من المفاوضات عن برتوكول كيوتو الذي وقع عليه عام 1997، والذي قدمت بموجبه دولٌ صناعية تعهداتٍ مُلزمة بتقليل انبعاثاتها من مجموعة غازات الدفيئة الأساسية.  

كانت نسب الحد من الانبعاثات المستهدفة من بروتكول كيوتو محدودة نسبياً -خفض الانبعاثات بنسبة 5.2 بالمئة بحلول عام 2012، قياساً بمستويات عام 1990- وكان ينطبق فقط على مجموعة من الدول الصناعية التي وقعت البروتوكول، ورغم أن هذه الدول تسير في الطريق نحو تحقيق الهدف، فأن الانبعاثات العالمية تتزايد بسرعة، خاصةً بسبب الزيادة المستمرة للطلب على الطاقة في الصين وغيرها من الدول سريعة النمو. 

أجيال المستقبل 

ثمة وجه آخر للتغيرات المناخية، ستتحمل أجيال المستقبل جزءاً ضخماً من الدمار الذي يخلقه التغيّر المناخي، حيث سيرفع الاحترار العالمي حدّة التأثيرات الضارة الناجمة عن التلوث البيئي، وستعرُض ملايين الأطفال حول العالم لخطر تدهور البيئة، وتؤثر على حقهم في المساواة وفي بيئة تسمح لهم بحياة أفضل تتسم بالكرامة والرفاه. 

يُعرف الطفل حسب المادة الأولى من اتفاقية حقوق الطفل، أنه كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة من العمر، ولم يبلغ سن الرشد قبل ذلك بموجب القانون المنطبق عليه، وبحسب اتفاقية حقوق الطفل الصادرة عن الأمم المتحدة، التي أكدت على مجموعة من الحقوق التي يجب أن يتمتع بها الأطفال في جميع أنحاء العالم من دون تمييز أو عنصرية، ومن هذه الحقوق: إن لكل طفل الحق في الحياة، إذ على الحكومات أن تتأكد من بقاء الطفل على قيد الحياة كي يكبر بأفضل طريقة ممكنة، كما نصت الاتفاقية أيضاً على الحكومات حماية الأطفال من العنف والإساءة، والتعرض للإهمال من قبل أي شخص مسؤول عن رعايتهم، وأيضاً ركزت هذه الحقوق على قضية مشاركة الأفراد في القضايا التي تؤثر عليهم وهي حق رئيسي لهم (المادة 12 من اتفاقية حقوق الطفل)، ومن هنا فإن المنظمات الدولية تستخدم مصطلح “حماية الطفل” في مختلف الحالات وبطرق مختلفة، ويقصد به الحماية من كافة أنواع الإيذاء والاستغلال، وتعني في أبسط أشكالها هو عدم تعرض الطفل لأي ضرر من الأضرار، مع التأكيد على ضمان ما يحتاجه من أجل البقاء على قيد الحياة، ومن هنا فإن مصطلح الحماية يغطي مجموعة واسعة من القضايا الهامة والملحة التي ترتبط ارتباطا وثيقا بعدة عوامل اقتصادية واجتماعية وبيئية، كما تتصل بالفقر والكوارث الطبيعية وهو ما يدفع إلى إفراز العديد من المشاكل وتفاقمها. 

لقد ساهم الأطفال بأقل قدر في أزمة المناخ، لكنهم سيدفعون الثمن الأغلى، لأنهم غير مستعدين بما فيه الكفاية لمواجهة العواقب غير العادية لتغيُّر المناخ، كما أنهم لم يصلوا بعد إلى مستوى كافٍ من حيث النمو العقلي والجسدي. ولذلك يتعين على الأطفال أن يتحملوا عبء تغيّر المناخ، كما أن العواقب السلبية للتغير المناخي تشكل خطراً ينتظر الأطفال حتى قبل ولادتهم، لأن الطفل يتغذى بما تطعمه أمه وهو في الرحم، وتعتمد تغذية الأم على الظروف المناخية أيضاً.  

البعد الآخر لتغيُّر المناخ الذي يمكن تقييمه بالنسبة للأطفال هو ارتباطه بحقوق الطفل، وعلى الرغم من أن “اتفاقية حقوق الطفل” لم تذكر على وجه التحديد قضية تغيّر المناخ، إلا أنها تتضمن أحكاماً تتعلق بضرورة حماية الطفل من الآثار الضارة للتلوث البيئي، وتم التأكيد على حقوق الأطفال الذين أصبحوا لاجئين بسبب تغير المناخ، ومن هنا يمكن أن نسلط الضوء على إمكانية الربط بين بعض مواد اتفاقية حقوق الطفل والتغيرات المناخية:  

أطفال العراق بين الإهمال والخطر القائم 

يحتل العراق حسب منظمة اليونيسيف المركز 61 من أصل 154 دولة في مؤشر البلدان التي يكون فيها الأطفال أكثر عرضة للتغيّرات المناخية، إذ بلغت قيمة مؤشر مخاطر المناخ على الأطفال 5.4 وهي نسبة مرتفعة وتشكل خطراً كبيراً على الأطفال في العراق. وبحسب تقرير منظمة اليونيسيف في ما يخص تعرض الأطفال لضعف شديد في مجال المياه، فأن عدد الأطفال المعرضين لخطر عدم الحصول على المياه في العراق يبلغ (خمسة ملايين طفل)، ومن المؤكد أن أزمة المياه سوف تتعاظم في السنوات القادمة وهو ما يوسع من فجوة حصول الأطفال على مياه صالحة للشرب والاستعمال البشري ويعرّضهم باستمرار للأمراض والأوبئة.  

عام 2020، بلغت انبعاثات غاز ثنائي أكسيد الكاربون  أكثر من 274 طناً، في وقت يحتل العراق المركز الخامس على مستوى العالم من حيث التأثر بمستوى التغيّرات المناخية، مما يجعل أطفاله أكثر عرضة للتغيّرات بالمقارنة مع دول أخرى، وارتفع عدد الذكور المتسربين من الدراسة الابتدائية من 62799 ألف طالب عام 2019 إلى 65946 ألف طالب عام 2020، وفي المناطق المتضررة من انعدام الأمن المائي يكون للجفاف تأثير مباشر على انتظام الأطفال في المدارس، وكما أن معدل وفيات الأطفال الرضع يتراوح بين 19.6 بالمئة في عام 2019 و18.5 بالمئة عام 2020، كما بلغ معدل وفيات الأطفال لأقل من خمس سنوات 25 بالمئة عام 2020. بالإضافة لكل ذلك، يؤثر ارتفاع درجات الحرارة على الصحة العقلية والعاطفية للأطفال، وترتبط الحرارة الشديدة بزيادة مشاكل الصحة العقلية والاكتئاب لدى الأطفال والمراهقين. ومع سوء الإدارة الصحية والنقص في البنى التحتية الصحية وتفاقم تأثيرات التغيّر المناخي، من المتوقع أن ترتفع هذه الأرقام خلال السنوات القادمة أو تتضاعف، مما يؤثر على صحة الأفراد ومستوياتهم المعيشية، وهذا يعني فقدان جزء من قوة العمل المستقبلية ومن ثم التأثير على النمو الاقتصادي، الأمر الذي يصعب من عملية الازدهار والتقدم.  

تُقدَّر نسبة عمالة الأطفال في العراق بحدود 3.7 بالمئة من أطفاله، وهي تنتشر بين الذكور أكثر من الإناث، وتشمل جميع المدن العراقية، وخاصة المناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة. والحال هذه، ينخرط أكثر من نصف مليون طفل دون سنّ 15 عاماً في العمل لتأمين معيشة عوائلهم. وتشير تقارير اليونيسيف إلى قرابة 7 ملايين طفل في العراق هم بحاجة إلى المساعدة، من ضمنهم أطفال تركوا مقاعد الدراسة ولجؤوا إلى العمل في مهن شاقة وقاسية.  

وفي الحلول، لا بد من إعطاء الأولوية للشرائح الأكثر ضعفاً وأولها الأطفال. ينبغي تزويد الأطفال بالتعليم المناخي ومهارات الطبيعة التي تعتبر بالغة الأهمية للتكيف مع آثار تغيّر المناخ والاستعداد لها. ومن خلال تطوير برامج تعليمية مؤهلة، يجب أن يكون الأطفال قادرين على التفاعل بشكل أكبر مع البيئة؛ وبالتالي، ينبغي دعمهم لتطوير مواقف مركزية بيئياً. علاوة على ذلك، ينبغي الاستماع إلى أفكار الأطفال بشأن تغير المناخ واتخاذ الإجراءات اللازمة. وفي نطاق هذا الغرض، ينبغي زيادة التعليم النظري والعملي الذي من شأنه رفع الوعي البيئي والمناخي لدى الأطفال. وينبغي على الحكومة العراقية أن تعمل للحدّ من أوجه عدم المساواة القائمة (وخاصة من الناحية المالية) في ما يتعلق بالمناخ بين أطفال العراق أثناء وضع الخطط المستقبلية لتغيّر المناخ، ينبغي أيضاً التخطيط للاستثمارات من أجل الأطفال وزيادة استثمارات التكيُف مع المناخ والقدرة على الصمود في الخدمات الأساسية للأطفال.  

اعتمد هذا المقال على مصادر: اتفاقية حقوق الطفل، الأمم المتحدة، 1989، وزارة التخطيط العراقية، الجهاز المركزي للإحصاء والأبحاث، المجموعة الإحصائية السنوية، 2019-2020.  

Unicef, The climate-changed child A CHILDREN’S CLIMATE RISK INDEX SUPPLEMENT, 2022.  

*  تنشر هذه المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية ”نيريج“.